الدراسات

قيمة الاعتراف بحرمة النفس البشرية في ميزان الاعتبار

إن ما توقعته الملائكة قبل خلق الإنسان من سفك الدماء، والإفساد في الأرض، ليجد مسوغه بعد نزوع الذات إلى حل مشكلاتها مع الغير عن طريق العنف. فهذا الأمر عميق في التاريخ، وأسباب النزوع اليه شتى، قد تكون جليلة كطلب جاه أو سلطان، وقد تكون تافهة كنيل حظوة أو رهان. وكانت قصة ولدي آدم أول حدث في تاريخ البشرية نزع فيه أحد الأخوين إلى العنف لقضاء مآربه، فسفك دما حراما، واعتدى على حق الله قبل حق عبده.

واستمر الأمر عند بعض الأمم على هذا السبيل، ولم يعرف التاريخ أمة اشتهرت بالتعدي على الأرواح وانتهاك النفوس كاليهود -ولا يزالون كذلك-، فعن ابن مسعود “أن بني إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم ثلاث مئة نبي، ثم يقوم سوق بقلهم من آخر النهار”[1].

وهكذا كان الطالبون لمراعاة الحرمة البشرية أول من سفكت دماؤهم، وأزهقت أرواحهم، وهم الأنبياء الذين أرسلوا إليهم، فما فتئ القرءان ينكر على اليهود تنكيلهم بهم، واستخفافهم بأرواحهم، وهم الذين ما أرسلوا إلا لصلاحهم وإصلاحهم، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ﴾[2]، وقوله أيضا: ﴿وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ﴾[3]، وفي آيات أخرى يحكي سبحانه الجزاء المنتظر المحتوم فيقول: ﴿سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ﴾[4].

وقد استمر معهم هذا الاعتداء على الأنفس إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن معصوما لناله من تنكيلهم ما نال الأنبياء السابقين بعد أن قدمت له اليهودية شاة مسمومة، وفي ذلك يقول عليه الصلاة والسلام: “يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم”[5].

ولعل مقارنة بسيطة بين الكتاب المقدس بقسميه العهد القديم والعهد الجديد، وبين القرءان الكريم ليفضي إلى استجلاء دلالات ألفاظ الحرب والسلم من خلالهما، ذلك أن طغيان ألفاظ السلم في القرءان ظاهرة لكل ناظر فيه، وندرة ألفاظ القتال أو الحرب بادية، وفي المقابل نجد في الكتاب المقدس طغيانا لألفاظ الحرب على عبارات السلم والموادعة، تكاد تبلغ المائة. وهذا نص للأب سمير اليسوعي وهو يقول: “يتضمن العهد القديم أكثر من ستمائة مقطع نرى فيها شعوبا وملوكا وأشخاصا يدمرون بعضهم بعضا، ويتنازعون، كما أننا نرى إله العبرانيين بالذات يأمر أكثر من مرة بالمجازر، ويشجع على الحرب، فيسبب غضبه أكثر من ألف مرة الدمار أو الانتقام”[6].

أما موقف المسيحيين من حرمة النفوس فإنهم على غرار السابقين، وإن كانوا أقلهم في سفك دماء الأنبياء، فهم أكثر من سفك دماء القديسين. وقد حكى رحمة الله الهندي عن علماء بروتستنت أنهم وأسلافهم من أهل التثليت إذا تسلطوا تسلطاً تاماً، اجتهدوا في إمحاء المخالفين. ونقل للدلالة على هذه الدعوى نماذج من رسائلهم وكتبهم الواصفة لبلوغهم الغاية في التنكيل باليهود، فالقسطنيطين الأعظم الذي كان قبل الهجرة بثلاثمائة سنة تقريباً، أمر بقطع آذان اليهود، وإجلائهم إلى أقاليم مختلفة، ونصب لهم العداء التام، وحين اعترض بعضهم على أحكامه تلك، نهب جميع أموالهم، وقتل كثيراً منهم، وسفك الدماء بظلم ارتعد به جميع يهود هذا الإقليم[7].

عموما لم تكن حرمة النفس مرعية عند أهلل الملل والشرائع المحرفة كما هي عند المسلمين، وما تقدم تفصيله نزر يسير مما طفحت به مصادر تاريخهم العميق في القتل والنهب بغير حق، وقد قادهم إلى هذا الفهم المنحرف تسليط يد التحريف على الكتب المنزلة على انبيائهم، فوقع الخلط والتناقض والاختلاف في تصور القيم والمبادئ التي اتفقت بشأنها الملل والشرائع. ووصل بهم الاستهتار بالنفوس حتى سلطوا أيديهم على بعضهم البعض، فعاث الكاثوليك قتلا وسفكا لدماء البروتستانت، وعاث الآخرون فيهم كذلك، ويحكي رحمة الله الهندي أن الكنيسة الرومانية أحرقت في النار أقل ما يكون مائتين وثلاثين ألفاً من الذين آمنوا بيسوع دون البابا، وقتلت أيضاً منهم ألوف وربوات بحد السيف والحبوس والكلبتين، وهي آلة لتخليع المفاصل بالجذب، وأفظع العذابات المتنوعة[8].

  • موقف العرب من حرمة الأنفس

لم يكن موقف العرب في الجاهلية ونظرتهم لحرمة الدماء كموقف أهل الملل والشرائع المتقدمة، فبينهم في ذلك فواصل وفوارق، ويكفي المقارنة بين قتلى الحروب التي استعرت بين قبائل العرب بمثيلاتها التي استعرت بين أهل الملل المحرفة، فإن الأولى لا تصل الى الثانية وفرة وعددا، كما لا تبلغها في إحصاء القتلى والتنكيل بهم، فلذا وإن كثرت الوقائع عند العرب، فلا تبلغ ما بلغه ما يسمى (الحروب المقدسة) التي دامت أكثر من قرنين بين أتباع الديانة المسيحية نفسها، الكاثوليك والبروتستانت، والتي أبيد فيها ما يقارب عشرة ملايين نصراني حسب إحصاء “فولتير 1694-1778م[9]. فالحرب وإن كانت منفذا للقضاء على المهج، والاعتداء على حرمة النفوس، فإنها في الآن نفسه تكون سببا في كف الدماء، واستدعاء رضى ولي القتيل من خلال الثأر لصاحبه.

فمن هذه الزاوية يمكن القول بأن قيمة حفظ النفس عند العرب في الجاهلية أولى في الاعتبار من قيمتها عند أهل النحل المحرفة. ثم إن الأسباب الداعية إلى المعارك عند العرب هي غير الأسباب عند الآخرين، فإنهم يغيرون لقضاء مأرب، أو تحقيق سؤدد، أو قياما بثأر، أو تحقيق مكسب، أو دفاعا عن ضيف، أو تثبيتا لخلُق، أو دفعا لإهانة، وقد تضطرهم “الظروف البيئية والاجتماعية القاسية التي فرضت عليهم إلى خوضها”[10]، وقلما يكون السبب تافها كسباق أو رهان كما حصل في حرب “داحس والغبراء” التي اقتتل فيها أخوان من بني غطفان بسبب فرسي سباق[11]، وفي ذلك قال قائلهم[12]:

                   لله عَيْنَا مَنْ رَأى مِثْلَ مالك *** عَقِيرَةَ قَوْمٍ أن جَرَى فَرَسَانِ

                   فَلْيَتهُمَا لم يَجْرِيَا قَيْدَ غَلْوَةٍ *** وليتهما لم يُرْسَلاَ لِرِهَانِ.

 فلذا سرعان ما تنتهي هذه الحروب بانتهاء تحقيق هذه الأهداف، وينذر استمرارها فيهم. ويمكن التمثيل هنا بحرب البسوس التي طال أمدها أربعين سنة، غير أنها لم تفجع البدو بكثير من القتلى خاصة ذووا المنزلة والرأي فيهم، فإنهم لا يزيدون على ثمانية نفر من تغلب، وأربعة من بكر[13].

غير أن ما يعاب على العرب في الجاهلية بلوغهم الغاية في الأخذ بالثأر انتصارا للقتيل، وتقديمهم القيم والمبادئ الدنيا على القيمة العظمى وهي صيانة حرمة الدماء والأنفس، فقد كانت شريعة الثأر والمعاملة بالمثل فوق كل اعتبار، ولم يكونوا يقبلون بدائل من قبيل الصلح أو الدية، بل كانوا يرون ذلك مذلة، وقد خلدها قائلهم[14]:

               فَلَوْ أنَّ حَياً يَقْبَلُ المالَ فِدْيَةً *** لَسُقْنَـا لهُمْ سَيْــلاً مِنَ المالِ مُفْعَما

                وَلَكِنْ أَبى قَوْمٌ أُصِيبَ أخُوهُمُ *** رضَى العَارِ فَاخْتَارُوا عَلَى اللَّبَنِ الدَّمَا

كما كانوا لا يحتكمون إلى ذوي العقول وأولي الألباب منهم، وما كانوا يرضون بتحكيم الحكماء، أو فصل القضاء، ومن هذا الباب قول الشميذر الحارثي[15]:

                 فلسنا كمن كنتم تُصيبون سلة *** فنَقْبَلَ ضَيْما أوْ نُـحَكِّمَ قَاضِيا

                ولكِنّ حُكمَ السَّيْفِ فِيكُمْ مُسلَّطٌ *** فيرضَى إِذَا مَا أَصْبَحَ السَّيْفُ رَاضِيَا

وعلى هذا سرت في العرب وقائع وأيام، وأصبحت الغارات عندهم عادة مألوفة، وسنة مشهورة معروفة، فاسترخصوا الأرواح والأنفس، وحل الاقتتال ودق الأعناق بالسيوف محل التحية والسلام عند اللقاء، وقد مثل ذلك قائلهم[16]:

                    وَخَيْلً قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ *** تَحيَّةُ بَيْنِهمْ ضَرْبٌ وَجيعُ.

وجعل آخر سيفه طبيبا مداويا، يجريه في العروق جريان الدواء فيها، وفي ذلك يقول عنترة[17]:

                     وسَيْفِي كَانَ فِي الْهَيْجَا طَبِيبا *** يُدَاوِي رَأْسَ مَنْ يَشْكُو الصُّدَاعا

  • عرب الجاهلية ووأد البنات

تقدم تفصيل الكلام حول موقف العرب وغيرهم من أهل الملل المحرفة من قيمة الاعتراف بحرمة النفوس وعصمتها، وتبينت هنالك الفروق الدقيقة بينهما، ولعل ما يمكن ان يستند إليه من يبالغ في المساواة بينهما في الاستخفاف بالأرواح وسفك الدماء، ما اشتهر عند العرب بالوأد. وهو من التشريعات الباطلة التي أنكرتها دعوة الإسلام، وبينت بشاعتها وفظاعتها في كثير من الآيات، وتوعدت الفاعلين بأشد العذاب يوم اللقاء، فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ﴾[18]، وفي آية أخرى قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ﴾[19]. ثم جاءت آيات مخصصة لعموم الأولاد الواردين في هذه الآيات، وبينت أن المراد تلك العادة الشنيعة المنتشرة بين كثير من مشركي العرب، وهي وأد البنات؛ أي قتلهن بدفنهن في التراب وهن صغيرات، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ ٨ بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ﴾[20]، وفي آية أخرى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ﴾[21].

فمهما كانت أسباب القتل ومسوغاته التي يذكرونها، فإن الإسلام لم يقررها، بل أجملها تحت مسمى السفاهة فقال: ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا﴾[22]، وجعل مبدأ الاعتراف بحرمة النفوس قائما، وجرم الاعتداء عليها تحت أي ظرف، وتوعد بأشد العذاب من تعرض لها بالإزهاق. وهكذا كان الإقرار مثلا بعدم قتل الأولاد من أهم شروط قبول بيعة النساء كما في قوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ﴾[23].

غير أن ما ينبغي تقريره هنا أن هذا التشريع الباطل إنما كان جاريا في عادات بعض مشركي العرب دون بعض، فلذا ورد التعبير بالأكثرية في الآية السابقة “زين لكثير من المشركين”، قال ابن عاشور: “وإنما قال: لكثير من المشركين لأن قتل الأولاد لم يكن يأتيه جميع القبائل، وكان في ربيعة ومضر، وهما جمهرة العرب، وليس كل الآباء من هاتين القبيلتين يفعله”[24]. بل إن بعضهم كان يفخر بكونه يحيي الموءودة،فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: “رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معاشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته، لا تقتلها، أنا أكفيكها مئونتها، فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مئونتها”[25]. وكذلك كان جد الفرزدق، صعصعة بن ناجية يفدي الموءودة، وقيل إنه افتدى أكثر من سبعين موءودة[26]، وخلد ذلك الفرزدق بقوله:

                        ومِنَّا الذِّي مَنَعَ الوَائِدَاتِ *** وَأَحْيَى الوئيدَ فلَمْ يُوءد[27].

وعموما، فإن الاعتداء على حرمة النفوس ممتد في الزمان والمكان، ولم يعرف الاعتراف لهذه القيمة طريقا إلا مع الدعوة الإسلامية التي تنامت فيها تجليات ومظاهر الاحتفاء والتعظيم لها، من خلال منظومتها الفقهية، وقيمها المؤسسة على ميزان المصالح والمفاسد، وكذا عبر تمثلاتها في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهدي صحبه والتابعين، مما سيتجلى مظهره وأثره بالدليل والمثال فيما سيأتي.

  • حرمة النفس في الإسلام، المظهر والأثر

إن استقراء مواطن ورود الآيات والأحاديث المضمنة لتجليات الاعتراف بقيمة حرمة النفوس يفضي إلى قاعدة كلية مفادها أن حفظ النفس من أهم ما قررته الملل والشرائع، فهي أم المصالح وأس المقاصد. فلذا أومأ سبحانه أن هذه القيمة تساوت في حفظها الشرائع جميعا قبل أن يلحقها التحريف والتصحيف، وجاء ذلك في سياق النهي عن قتل الأنفس: ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ﴾[28]، قال ابن عاشور: “قد تواتر وشاع بين الأمم في سائر العصور والشرائع من عهد آدم، صون النفوس من الاعتداء عليها بالإعدام، فبذلك وصفت بأنها التي حرم الله”[29]. فكما حرمها الله في الأزل، حرمها في شريعة الإسلام، وذلك عبر نسف جملة من التشريعات الباطلة التي كان أهل الجاهلية يتذرعون بها لقتل النفس، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فأبطل الإسلام أفعالهم تلك، وكان منها الوأد، والثأر، وما أشبه ذلك مما سأورده كمظهر من مظاهر الاعتراف الإسلامي بحرمة النفوس، فمن ذلك:

  • إلغاء قضايا الثأر، ووضع بدائل للحروب

لقد سلف البيان أن اندلاع المعارك بين قبائل الحرب كان أكثر أسبابها الأخذ بالثأر، والانتقام للقتيل، ولا يقبلون دون الثأر بديلا إلا في القليل، بل إن بعضهم يأخذ القبيلة بأتمها بجريرة واحد منها، ويتغنون بذلك في أشعارهم حتى قال قائلهم:

               كُلُّ قَتِيلٍ فِى كُلَيْب حلاّم *** حَتَّي يَنَالَ الْقَتْلُ آلَ همام[30]

          وبه يحصل الاعتداء على القتيل وقبيلته معا. واستمرت هذه العادة عندهم حتى جاء الإسلام بأحكامه ومقاصده الكلية، وقيمه ومبادئه الإنسانية، فكان أولها المحافظة على حياة النفوس، وما يستتبعها من حقوق، فحرم الجناية عليها دون وجه حق، وشرع القصاص العادل، واستبعد شريعة الثأر ووضعها، وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على رؤوس الأشهاد يوم حجة الوداع فقال: “إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل”[31]. فكان هذا الإعلان كافيا لإبطال شريعة الثأر التي ألِفتها العرب في الجاهلية، وسُفكت بسببها دماء، وأزهقت أرواح. وحتى تطمئن النفوس إلى ذا القرار، كان أول ثأر بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بوضعه هو ثأر ابن عبد المطلب. قال عياض:” البداية في ذلك بما يختص به ليتأسى بذلك غيره، ويطيب بذلك نفس من بقي في نفسه شيء من قرب عهده بالإسلام”[32]. وبذلك رد الاعتبار لحرمة النفوس، وسرى العمل بتشريع الإسلام فيها.

ومن عادة الشريعة الإسلامية ألا تحرم شيئا أو تضعه، إلا أن تشرع له بدائل تحفظ بها الحقوق، وتصان بموجبها الكرامة، فلذا حين ألغى الإسلام الثأر، شرع بدله القصاص فقال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ﴾[33]، وأسند أمره إلى القضاء، ولم يجعله في يد ولي المقتول، وإلا رجع الأمر إلى شريعة الثأر كما كانت عند العرب، فلذا قال سبحانه: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ﴾[34] أي “لئلا يتصدى أولياء القتيل للانتقام من قاتل مولاهم بأنفسهم، لأن ذلك يفضي إلى صورة الحرب بين رهطين، فيكثر فيه إتلاف الأنفس”[35]. فكانت الحكمة في هذا التشريع رد الاعتبار لقيمة حرمة الأنفس من جهتين؛ من جهة القتيل، فلا يتطاول أهل العدوان على الأنفس إن علموا أن القضاء جار حكمه لا محالة فيهم، ومن جهة كف الثأر، وعدم التجني على غير الجاني، أو أخذ القبيلة بجريرة الفاعل، إلا أن يتمالئوا عليه، فالتشريع له في ذلك أخذ الجماعة بالواحد، وما ذلك كله إلا حفاظا على مبدأ أساس بنيت عليه الدنيا كلها، وبعثت الرسل، وأنزلت الشرائع.

  • البدائل السلمية
  • العفو والدية: لم يجعل الاسلام القصاص البديل الوحيد لحفظ حرمة النفوس، بل جعل لحل النزاعات وسائل سلمية أخرى رتب على الركون إليها أجرا وثوابا، أعلاها العفو وأخذ الدية بدل القصاص، كما في الآية: ﴿فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ﴾[36]، وجعله شيم الرسل والأنبياء فقال مخاطبا نبيه: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ﴾[37]، إيماء منه إلى أن إيثار هذا البديل على غيره مما تقدم أولى وأحرى، لأنه من روح الإسلام وقيمه السمحة، وهو سبيل التقوى ﴿وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ﴾[38]. فلذا بادر إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هديه في معاملة من ناصبوه العداء العفو عنهم حين مكنه الله منهم يوم الفتح، فقال قولته المشهورة: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”[39].
  • الصلح: ومن البدائل السلمية التي شرعها الإسلام أيضا الصلح بين المتحاربين درءا لفساد متوقع، وقد فسره ابن عرفة بقوله: “انتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أو خوف وقوعه”[40]. وقد أوجبه المالكية لما فيه من مصلحة الألفة، وجمع الكلمة، ودرء المفاسد وجلب المصالح، وجعله الآخرون في حكم المندوب. كما استفاضت الآيات المؤكدة إلى إعماله، وعبرت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك تطبيقا وتنزيلا، فأبرم عقود صلح مع المشركين وغيرهم، كانت بديلا ارتفعت من خلاله قيمة الاعتراف بحرمة النفوس، وشهد الناس بما للدعوة الاسلامية في ذلك من فضل.
  • التحكيم: ويبقى التحكيم كذلك من البدائل التي نصت عليها الدعوة حقنا للدماء بين المتخاصمين، ودفعا للشقاق المتوقع، وفي تعريفه قال خليل: “التحكيم أن يحكم الخصمان رجلا يحكم بينهما، وليس مولى من قبل الإمام، ولا من قبل القاضي”[41]، فعملية التحكيم هذه لم يكن للشرائع عهد بمثلها حتى جاء الإسلام فجعلها بديلا عن النزاعات، وسبيلا إلى فض الخصومات. ولعل أشهر عملية تحكيم في التاريخ الإسلامي، تلك التي وقعت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، والتي كادت أن ترأب صدع الفريقين، لولا أن الخوارج لم يرضوا بها وقالوا: “تحكمون في أمر الله عزوجل الرجال! لا حكم إلا لله” فرد عليهم علي رضي الله عنه بأنها كلمة حق أريد بها باطل، وكان من أمرهم ما كان[42].
  • الإبراء: مما يمكن استحضاره هنا ضمن البدائل السلمية المقررة في الشريعة السمحة عقد الإبراء، وقد قسمه الفقهاء إلى قسمين: إبراء إسقاط، وإبراء استيفاء، أما الأول فهو أن يبرئ أحد آخر بإسقاط تمام حقه القابل للإسقاط الذي هو عند الآخر، أو يحط مقدارا منه في ذمته. أما الثاني فهو عبارة عن اعتراف أحد بقبض واستيفاء حقه الذي هو في ذمة الآخر، وهو نوع من الإقرار[43]. فما يجري مجرى الصلح بين التخاصمين هو الأول، فهو عفو لا في مقابل دية ولا غيرها، وبذلك فسر السيوطي قول الله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَ‍ٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ﴾[44] بأن الدية مسلمة إلى أهل المقتول، إلا أن يصدقوا بها: أي يبرئوا منها، ففيه جواز الإبراء من إبل الدية مع أنها مجهولة”[45]. فالإبراء إذن كف عن المطالبة سماحا ونزولا عند رغبة الشارع في الحث عليه واستحبابه، قال الشوكاني:” سمي العفو عنها: صدقة، ترغيبا فيه”[46].
  • تحريم الاعتداء على الأنفس

من تجليات اعتراف الإسلام بحرمة الأنفس أن جَرَّم الاعتداء عليها، ورتب على ذلك جزاء، ولم يفرق في ذلك بين اعتداء الإنسان على نفسه، أو اعتداء غيره عليه، فكلاهما في منطق الاعتداء عليها سواء.

  • الاعتداء على الذات: إن الاعتداء على الذات أو ما يصطلح عليه بالانتحار، هو قتل الشخص نفسه عمدا، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ﴾[47]، وقال أيضا: ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ ﴾[48]. فقتل الرجل نفسه داخل في النهي لأن الله لم يبح للإنسان إتلاف نفسه، فليست ملكا له وإنما هي أمانة مستودعة، ولم يجز له الشرع استعجال الموت قبل أوانه، بل نهاه حتى عن مجرد تمنيه، كما في الحديث: “لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي”[49]. وقد رتب الشرع على هذا الفعل عقابا، كما رتبه على سائر الأفعال الآخذة من هذا الإثم بنصيب، ففي الحديث المرفوع أنه صلى الله عليه وسلم قال:” من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده، يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا”[50]. فالحديث قد حمل بين أثنائه صور المنتحرين المتجرئين على أنفسهم بالقتل، فهم كغيرهم من المعتدين في الاعتبار سواء، وقد استنبط هذه المساواة الامام ابن حجر من ذا الحديث نفسه فقال:” ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه، كجنايته على غيره في الإثم لأن نفسه ليست ملكا له مطلقا، بل هي لله تعالى، فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه”[51]. فعلى هذا يحرم الاعتداء على النفس أيا كان مصدر الاعتداء بلا تفصيل، والمنتحر في هذا الأمر أعظم وزرا لتعلق جرمه بمعصيتين: أحدهما عدم الرضا بقضاء الله وقدره، ثم التعدي على حق من حقوق الله تعالى قبل أن يكون حقا له.
  • الاعتداء على الغير: تأخذ الجناية على النفس صورة أخرى هي الاعتداء على الغير، وهي أكثر الصور شيوعا، بل إنها أول صورة شهدها تاريخ الإنسان، وكانت بين ابني آدم قابيل وهابيل، وقد حمل القرءان الكريم أطوار هذه القصة، واستل منها العلماء فوائد وعبرا، كان أكثرها حضورا الرفع من قيمة النفس البشرية، وتجريم الجناية عليها مهما كانت الأسباب، إن لم تكن بوجه حق. فمما استنبط منها من فوائد: استعظام جرم القتل وعدم مجابهته بالدفع، لأنه لم يبح آنذاك على قول أكثر أهل العلم، واستفيد ذلك من قوله هابيل على لسان القرءان: ﴿لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴾[52]. فهذا الامتناع حرص منه على حرمة النفس ولو كانت معتدية ظالمة، وهذا الحرص هو الذي قاده لتفضيل الاستسلام للقتل دون مجابهة، لعلمه أن المجابهة وإن كانت للدفع، ففيها نية القتل، وهو مناف لما يريده الله سبحانه من خلق الأنفس. قال مجاهد: “كان الفرض عليهم حينئذ ألا يسل أحد سيفا، وألا يمتنع ممن يريد قتله”[53]. غير أنه وإن جاز الدفع في شريعة الإسلام، فإن منطوق الآية قد أجازه بعض العلماء إعماله خاصة في مواقع الفتنة والشبهة، مستدلين بأحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم منها حديث أبي ذر، وفيه “أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا أبا ذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا حتى تغرق حجارة الزيت -موضع بالمدينة- من الدماء، كيف تصنع”؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: “اقعد في بيتك، وأغلق عليك بابك” قال: أرأيت إن لم أترك؟ قال: “فائت من أنت منه، فكن فيهم”، قال: فآخذ سلاحي؟ قال: “إذا تشاركهم فيه، ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه”[54]، ومنها أيضا حديث :”إن فتنة: القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، فإذا لقيتهم، فإن استطعت أن تكون المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل”[55].

ومما يلحق بهذا الأصل، ويعد مظهرا من مظاهر الاعتراف الإسلامي بقيمة حرمة النفوس، تحريم الإجهاض، فإن وقع وحصل ففيه الغرة، كما في الحديث: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة، عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها”[56]. وكذا تحريم حمل السلاح على المسلم، وفي الحديث: “إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار، قيل: فهذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه”[57]، بل إن مجرد الإشارة به منهي عنه للحديث: “من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه، حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه”[58].

  • سد منافذ التطرف، وتجفيف منابع الفتن.

إن دوافع التطاول على النفوس وانتهاك حرمتها كثيرة ومتنوعة، وأكثرها ما انحرفت في تصوره الفهوم، فجعلت ما تعتقده شرعيا مستلا من صميم الدين نفسه، والدين من ذلك براء، وبه سفكت بعض الطوائف دماء الناس، واستباحت أموالهم. ولم يكن بد من تفصيل الكلام عن هذه الذرائع التي حذرت منها الشريعة الإسلامية، وجعلت سد منافذها، وتجفيف منابعها مظهرا من مظاهر إعادة الاعتبار لحرمة النفوس، فمن ذلك: 

  • النهي عن التكفير: حذر الشرع الحنيف من فتنة التكفير، وجعل رمي المسلم بالكفر كرميه بالرمح وقتله، فلذا ورد النهي الشديد في التلبس به في أحاديث كثيرة، فمنها الحديث المرفوع القائل: “من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله”[59]، ومنها كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “ إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء به أحدهما [60]. فلخطره ذاك، مال أكثر العلماء إلى الاحتراز من رمي أحد من أهل القبلة به، ومنهم الغزالي حين قال: “والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه، الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً. فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة، المصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة، أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم”[61]، وكذا قال ابن عابدين: “إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر، وواحد يمنعه، فعلى المفتي الميل لما يمنعه”[62]. فإن كان ولا بد، فإن الحكم بالتكفير ليس إلى عامة الناس وسوادهم، وإنما ينبغي أن يسد في وجههم، ولا ينبغي لهم التكلم فيه أصلا، وإنما هو أمر قضائي لا يبث فيه إلا القاضي[63]. فلقد أدت هذه الفتنة بكثير من الفرق إلى حمل السلاح على إخوانهم، وأباحوا سفك دمائهم، ولا يزال التاريخ شاهدا على حروب الخوارج، ومن سلك مسلكهم في تكفير الأمة بالذنوب والكبائر، فلذا كان سد منافذ التكفير وتجفيف منابعه مظهرا من مظاهر الاعتناء بحرمة النفوس وصونها من السفك والانتهاك.
  • النهي عن الغلو: من خصائص الدعوة الإسلامية أنها آخذة بالوسطية والاعتدال في سائر أحكامها، والوسطية مرتبة بين الإفراط والتفريط، وتعتبر هذه الخصيصة سر خلودها، كما تفسر سرعة انتشار هذا الدين بين الأنام. وابتغاء الخروج عن هذه الخصيصة يكر على هذه المقاصد بالنقض والبطلان، فلذا جاء النهي النبوي عن الغلو في الدين صراحة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:” إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين”[64]. وفي تفسير الغلو قال ابن حجر: “المبالغة في الشيء، والتشديد فيه بتجاوز الحد”[65]. فالحكمة من منع الغلو إفضاؤه إلى الفتن والتلبيس على الناس بما ليس في دينهم من جهة، ومن جهة أخرى يحمل في طياته اعتراضا على المشرع، وتكذيبا للمبلغ بما يظنه الغالي صوابا، وهذا غاية الانحراف. وكما يطرأ الغلو على المعتقد فإنه يطرأ على الجانب العملي أيضا، وخطره أنه يفضي إلى الاختلاف والتفرق والتشرذم، بل وحمل السلاح، وتهديد الأرواح، وكان أشد صور الغلو في الإسلام، غلو السبئية أتباع عبد الله بن سبإ الذي ادعى ألوهية علي بن أبي طالب[66]، وفي هذا العصر غلو الشيعة المستمر فيما يعتقدونه في أئمتهم[67].
  • النهي عن التشدد: أما التشدد فورد النهي عنه كذلك في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة”[68]. والمعنى: “لا يتعمق أحدكم في الدين، فيترك الرفق إلا غلب الدين عليه، وعجز ذلك المتعمق، وانقطع عن عمله كله أو بعضه[69]. فالتشدد مناف للفطر السليمة، ويناقض أصول الإسلام المقررة من الأخذ بالتدرج، ورفع الحرج، وتشريع الرخص، ورفع الضرر، وعدم التكليف بما لا يطاق. كما يجر التشدد على صاحبه الإعنات لنفسه ولمجتمعه، وذلك مثلا عبر تصيير قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة إلى العكس، فتكون الأصل في الأشياء الحرمة، وبه يحصل للناس الضرر، ويتحملون من أمور الشريعة ما لا يطيقون، وكل ذلك مناف للشريعة نصوصا ومقاصد. أضف إلى ذلك أن التشدد منفد للإنكار على المسلمين أفرادا وجماعات، سرعان ما يتحول ذلك إلى كراهية أعمالهم وتصرفاتهم، فلا يأمن المتشدد من أن يسيء ظنه بغيره، أو يصل به الأمر إلى تكفيره، ومناصبته العداء، ولا يخفى ما في ذلك من تهديد لحرمة الأنفس التي عصمها الله سبحانه. فدرءا لهذه المفاسد المتوقعة، نهى الإسلام عن التشدد في الدين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق”[70].
  • النهي عن التنطع: الأصل في هذا النهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: “هلك المتنطعون”، قالها ثلاثا[71]، وقد فسر المتنطع بأنه المتعمق في الشيء، المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل الكلام، الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم[72]. ويشمل هذا اللفظ أيضا ابتدار السؤال فيما ليس تحته عمل، أو ما لا يملك الإنسان له جوابا من الأمور الغيبية التي وجب الايمان بها من غير بحث، وقس على ذلك بعض الأسئلة التي لا تنفع سائلها في دين ولا دنيا، وإنما يحصل بها تضييع الزمان بما لا طائل تحته. وعلى هذا التفسير يكون التنطع أيضا منبعا من منابع الفتن في الدين، لا فرق بينه وبين ما سبق من الغلو والتشدد، فالجميع لم يأمر به الشرع، ولا ندب إليه، بل حذر منه ونهى عنه، لما يترتب عنه من مفاسد، أعلاها التجرؤ على حرمة النفوس بعد تخطئتها، ورميها بما يسوغ الاعتداء عليها.
  • التشدد الفقهي فيما يهدد أمن النفوس

جاءت الأحكام الشرعية لضبط قواعد العيش المشترك سعيا لجلب مصلحة الإبقاء على النفوس وحفظ المهج، ودرءا لمفسدة سفك الدماء، وإزهاق الأرواح، فلذا كان المنطق الفقهي عند سائر المذاهب التشديد في كل ما يهدد أمن النفوس، ويؤدي لإزهاقها، وتوسعوا في بعض المفاهيم تصورا وعقوبة من قبيل حد الحرابة والبغي وقتل الجماعة بالواحد..، فكل تشديد في شأن هذه المفاهيم وعقوبتها، إنما هو خادم لمقتضى العدل الذي يصون النفس البشرية جملة، ويمكن التمثيل لذلك بما جوزه الفقهاء من قتل الجماعة بالواحد استنادا إلى قول عمر رضي الله عنه: “لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا”[73]، وسواء كانت الجماعة قليلة أو كثيرة، فإنها تقتل إذا تمالأت عليه، وبه أخذ فقهاء الأمصار وأئمة المذاهب المعتبرة؛ مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد، وغيرهم ممن ذكرهم ابن عبد البر في الاستذكار[74]. وما تواطأوا على هذا الأمر إلا لعظم حرمة الدماء في الإسلام، وعظم مرتبتها عند الله سبحانه، وهي وإن كانت مصونة بالحكم والأمر، فإنها مراقة بالقضاء والحكمة على حد قول ابن العربي[75]، وقتل الجماعة بالواحد داخل في إراقتها بالقضاء.

كما تشدد الفقهاء أيضا في تصور مفهوم الحرابة، وتنزيل عقوبتها على مرتكبيها، فمن حيث المفهوم، فإنا نجد مالكا قد جعل كل من خرج قاصدا قطع الطريق، أو تخويف المارين داخلا في عمومه، وإن لم يأخذ مالا، ولا هتك عرضا، ولا أزهق روحا[76]. كما جعل كل وسيلة إلى تخويف المارة محققة للمفهوم، لا فرق بين مستعمل السلاح الأبيض، وبين استعمال السلاح الناري، أو العصي، أو الأحجار، أي أن كل ما يتحقق به الأذى كان وسيلة تخويف[77]، ووسع المكان كذلك، فلم يفرق بين المدن والقرى، أو المنازل والفيافي، أو البر والبحر، بل جعل كل ذلك سواء[78]، وجعل كل متدخل محاربا، سواء كان حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، مسلما أو غيره، باشر أو لم يباشر، كل هؤلاء تطبق عليهم أحكام الحرابة[79].

أما العقوبة، فقد شُدد فيها كما شدد في تصور المفهوم، وحكم فيها بالقتل على القاتل ولو لم يكن كفئا له، كما قال ابن العربي: “لا خلاف في أن الحرابة يُقتل فيها من قَتل، وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل”[80]، وقد أرجع صاحبا أبي حنيفة السبب في تغليظ عقوبة الحرابة إلى تغلظ سببها، وهو تفويت الأمن في الأرض على التناهي بالقتل وأخذ المال[81]. وهكذا ديدن المذاهب عموما، والمالكي منها على وجه الخصوص، أي أنها آخذة بالاحتياط والتحري في الحدود التي لها صلة بالدماء، دفعا وردعا للمعتادين على انتهاكها.

  • حفظ النفس من ضروريات الدين 

من تجليات مراعاة الشريعة لقيمة الاعتراف بحرمة النفس ترتيبها في سلم الكليات الخمس، ومقاصده المعتبرة، بل وإدراجها في رتبة الضروريات التي لا تستقيم الحياة إلا بها. “فأعلى مقاصد الشريعة حفظ نظام الأمة، وليس يحفظ نظامها إلا بسد ثلمات الهرج والفتنة والاعتداء”[82]. وقد انتهى علماء المقاصد إلى أن هذا الترتيب إنما تم التوسل إليه عبر منهج الاستقراء الذي لا يغادر جزئية من جزئيات الدين إلا واعتبرها، فخلص إلى أن المقصد العام من التشريع هو حفظ النظام العام للأمة، واستمرارية صلاحه، ولا يكون ذلك إلا بصلاح أفراده وهو الإنسان، ويشمل صلاحه صلاح عقله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه[83]. وحتى يتحقق هذا الأمر، راعت الشريعة حفظ النفس من جانبين، من جانب الوجود ومن جانب العدم. أما الأول فقد شرع الله للنفس إتيان الطيب من المأكل والمشرب والملبس[84]، وأما الثاني فيراد به حفظها من التلف والإبطال كلا أو جزءا، فردا وجماعة، فشرعت لذلك أحكام الجنايات، وسوت الشريعة بين الإتلاف الكلي والإتلاف الجزئي، وغرمت الجاني في الحالين معا، وجاء في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن:” أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فله قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف الذي جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية”[85].

ثم إن حفظ النفس يكون في الشريعة على قسمين، قبل وقوع المفسدة وبعد وقوعها. أما قبل الوقوع فقد كانت للشريعة نظرة استباقية لما يتوقع حدوثه، فشرعت أحكاما وقائية للأنفس، كمنع الاحتكاك بالمجذوم، ومنع دخول أرض الوباء، ومنع حفر الآبار في الطرقات، ومنع تمني لقاء العدو، وغير ذلك. وقد جعل ابن عاشور هذا القسم أعظم من القسم الثاني، فقال: “ليس المرادُ حفظَها بالقصاص كما مثل به الفقهاء، بل نجد القصاص هو أضعفَ أنواع حفظ النفوس، لأنه تداركُ بعضِ الفوات. بل الحفظ أهمه حفظُها عن التلف قبل وقوعه”[86].

وهكذا. فالغاية من الجنايات الزجر والردع، لا الرغبة في تطبيقها، وإلا لما كان التثبت والتقصي أحد أركان إيقاعها، ولما جعلت الشبهات مسقطة لها.    


[1]  – الدينوري، المجالسة وجواهر العلم، تحقيق: مشهور آل سلمان، (البحرين: جمعية التربية الإسلامية، بيروت: دار ابن حزم، طبعة 1419هـ)، ج6 ص320.

[2]  – سورة النساء، الآية 155.

[3]  – سورة البقرة، الآية 61.

[4]  – سورة آل عمران، الآية 181

[5]  – صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 4428

[6]  – القرضاوي، فقه الجهاد: 2/ 1433

[7]  – رحمة الله الهندي، إظهار الحق، تحقيق: محمد مكاوي، (السعودية: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الطبعة الأولى، 1410هـ/1989م)، ج4 ص1273

[8]  – الهندي، إظهار الحق: 4/ 1280

[9]  – قصة الحضارة: 35/ 12

[10]  –  كامل عبد ربه حمدن، الصورة البشعة للحرب في الشعر الجاهلي، مجلة القادسية في الآداب والعلوم التربوية، جامعة القادسية، العددان 3و4، سنة 2007، ص 9.

[11]  – حرب داحس والغبراء نشبت بين قبيلتي عبس وذبيان (من قحطان) بسبب نزاع على سبق الخيل بين الغبراء فرس سيد ذبيان وداحس حصان قيس بن زهير سيد عبس. ينظر: الجاحظ، الرسائل الأدبية، (بيروت: دار ومكتبة هلال، الطبعة الثانية، 1423هـ)، ص361.

[12]  –  القائل هو عنترة بن معاوية بن شداد العبسي، والبيتان من بحر الطويل. ينظر: العقد الفريد: 6/ 18-19.

[13] – حرب البسوس نشبت في الجاهلية بين قبيلتي بكر وتغلب بسبب رمي كليب ضرع ناقة البسوس، خالة جساس، مما حمل جساسا على قتل كليب. فاستعرت الحرب بين قبيلة (تغلب) وقبيلة جساس (بكر). ينظر: الرسائل الأدبية: 361.

[14]  – القائل غير معروف، والبحر من الطويل وقافيته من المتدارك. ينظر: الفارسي، شرح كتاب الحماسة، ج2 ص151.

[15]  – البيتين من الطويل. وهما لسويد بن صميع المرثدي، من بني الحارث، وكان قد قتل أخوه غيلة، فقتل قاتل أخيه نهارا في بعض الأسواق من الحضر. ينظر: الأصفهاني، شرح ديوان الحماسة، تحقيق: غريد الشيخ، (بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1424هـ/2003م)، 93.

[16]  – هو عمرو بن معدي يكرب، والبيت من الوافر. ينظر: الدر الفريد: 1/ 258.

[17] – القائل هو عنترة. ينظر: عبد الرحمن بن حبنكة، البلاغة العربية، (بيروت: الدار الشامية، 1416هـ/1996م)، ج2 ص262.

[18] – سورة الأنعام، الآية 140.

[19] – سورة الأنعام، الآية 137.

[20] – سورة التكوير، الآية 8-9

[21] – سورة النحل، الآية 58.

[22] – سورة الأنعام، الآية 140.

[23] – سورة الممتحنة، الآية 12

[24] – التحرير والتنوير: 8/ 99

[25] – صحيح البخاري، كتب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، حديث رقم 3828.

[26] – القرطبي، الجامع لأحكام القرءان، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، (القاهرة: دار الكتب المصرية، الطبعة الثانية، 1384هـ/1964م)، 19/ 233.

[27] – البيت من بحر المتقارب، وقائله هو الفرزدق. ينظر: المبرد، الكامل في اللغة والأدب، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، (القاهرة: دار الفكر العربي، الطبعة الثالثة، 1417هـ/1997م)، ج2 ص63.

[28] – سورة الأنعام، الآية 151.

[29]  – التحرير والتنوير: 15/ 92

[30]  – البيت من الرجز، وقائله هو مهلهل بن ربيعة أخ الملك كليب الذي كان سبب اندلاع حرب البسوس. ينظر: الجاحظ، الحيوان، (بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، 1424هـ)، ج5 ص265.

[31] – صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 147 (1218)

[32]  – عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم: 4/ 276.

[33]  – سورة البقرة، الآية 178

[34]  – سورة الإسراء، الآية 33

[35]  – التحرير والتنوير: 2/ 136

[36]  – سورة البقرة، الآية 178

[37]  – سورة الأعراف، الآية 199

[38]   – سورة البقرة، الآية 237.

[39]  – البيهقي، معرفة السنن والآثار، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، (كراتشي: جامعة الدراسات الاسلامية وآخرون، الطبعة الأولى، 1412هـ/1991م)، كتاب السير، المسلم يدخل دار الحرب فيشتري دارا أو غيرها، حديث رقم 18231.

[40]  – الرصاع، شرح حدود ابن عرفة، (المكتبة العلمية، الطبعة الأولى، 1350)، ص314

[41]  – خليل، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب الفرعي، تحقيق: أحمد نجيب، (مصر: مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، الطبعة الأولى، 1429هـ/2008م)، ج7 ص399

[42]  – الطبري، تاريخ الرسل والملوك: 5/ 55-57.

[43]  – علي حيدر أفندي، درر الحكام في شرح مجلة الأحكام، تعريب: فهمي الحسيني، (دار الجيل، الطبعة الأولى، 1411هـ/1991م)، ج4 ص14

[44]  – سورة النساء، الآية 92.

[45]  – السيوطي، الإكليل في استنباط التنزيل، تحقيق: سيف الدين الكاتب، (بيروت: دار الكتب العلمية، طبعة 1401هـ/1981م)، ص97.

[46]  – فتح القدير: 1/ 575

[47]  – سورة النساء، الآية 29.

[48]  – سورة البقرة، الآية 195.

[49]  – صحيح البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، حديث رقم 5671

[50]  – صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، حديث رقم: 175 (109)

[51]  – فتح الباري: 11/ 539

[52]  – سورة المائدة، الآية 28.

[53]  –  القرطبي، الجامع لأحكام القرءان: 6/ 136

[54]  – قال الأرناؤوط: “إسناده صحيح على شرط مسلم” صحيح ابن حبان، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، (بيروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1414هـ/1993م)، كتاب التاريخ، ذكر البيان بأن فتح الله جل وعلا الدنيا على المسلمين إنما يكون ذلك بعقب جدب يلحقهم، حديث رقم6685.

[55] – مسند ابن أبي شيبة، تحقيق: عادل العزازي وأحمد المزيدي، (الرياض: دار الوطن، الطبعة الأولى، 1997م)، حديث خباب بن الأرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم 476. حكم الهيثمي على رجال الحديث بأنهم رجال الصحيح إلا واحدا من عبد القيس مبهم. ينظر: مجمع الزوائد: 7/ 303.

[56]  – صحيح البخاري، كتاب الديات، باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد، حديث رقم 6909

[57]  – صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما، حديث رقم 7083

[58]  – صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن الإشارة بالسلاح، حديث رقم: 125 (2616)

[59] – الطبراني، المعجم الكبير، باب الهاء، أبو قتادة عن هشام، حديث رقم 460. حكم السيوطي على الحديث بالصحة في كتابه: السراج المنير في ترتيب أحاديث صحيح الجامع الصغير، تحقيق: عصام هادي، (دار الصديق، الطبعة الثالثة، 1430هـ/2009م)، ج2 ص971.

[60] – صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، حديث رقم 6103

[61]  – الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، وع حواشيه: عبد الله الخليلي، (بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1424هـ/2004م)، ص135

[62]  – رد المحتار على الدر المختار: 4/ 230.

[63]  – ابن تيمية، مجموع الفتاوى: 23/ 345.

[64]  – قال الأرناؤوط: “إسناده صحيح على شرط مسلم”. ينظر: صحيح ابن حبان، كتاب الحج، ذكر وصف الحصىى التي ترمى بها الجمار، حديث رقم: 3871

[65]  – فتح الباري: 13/ 278

[66]  – الفصل في الملل والأهواء والنحل: 2/ 33.

[67]  – نفسه: 4/ 137.

[68]  – صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، حديث رقم 39

[69]  – العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، دون تاريخ)، ج1 ص237.

[70]  – قال الأرناؤوط في درجة الحديث: “حسن بشواهده” ينظر: أحمد، المسند، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أنس بن مالك، حديث رقم 13052.

[71]  – صحيح مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، حديث رقم 7 (2670)

[72]  – الخطابي، معالم السنن، (حلب: المطبعة العلمية، الطبعة الأولى، 1351هـ/1932م)، ج4 ص300.

[73]  – موطا مالك، كتاب العقول، باب ما جاء في الغيلة والسحر، حديث رقم الحديث 13.

[74]  – ابن عبد البر، الاستذكار، تحقيق: سالم عطا ومحمد عوض، (بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1421هـ/2000م)، ج8 ص157

[75]  – ابن العربي، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، تحقيق: محمد ولد كريم، (دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1992م)، ج1 ص978

[76]  – حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، (دار الفكر، دون تاريخ)، ج4 ص 348

[77]  – القبس في شرح موطأ مالك بن أنس: 1/ 1002

[78]  – ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، (القاهرة: دار الحديث، طبعة 1425هـ/2004م)، ج4 ص238

[79]  – القرافي، الذخيرة، تحقيق: محمد حجي وآخرون، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1994م)، ج12 ص123

[80]  – ابن العربي، أحكام القرءان، مراجعة وتخريج: عبد القادر عطا، (بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، 1424هـ/2003م)، 2/ 101.

[81]  – البابرتي، العناية شرح الهداية، (دار الفكر، دون طبعة أو تاريخ)، ج5 ص426.

[82]  – ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية: 2/ 4495.

[83]  – ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية: 3/ 194

[84]  – الموافقات: 3/ 14.

[85]  – قال الحاكم: “هذا حديث صحيح”، ينظر: الحاكم، المستدرك على الصحيحين، كتاب الزكاة، حديث رقم 1447

[86]  – ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية: 3/ 237

الحسن شجيد

باحث مغربي، متحصل على شهادة الدكتوراه في الفقه وأصوله من جامعة القرويين، كلية الشريعة بأيت ملول. 2019. من أبحاثه المنشورة: • "تطبيق الشريعة الإسلامية بين النصوص الشرعية والتجارب التاريخية"، مجلة كلية الشريعة المحكمة، موريتانيا، العدد الأول، السنة: 2022م. • "يعلى بن مصلين وكتاب مختصر أجوبة القرويين: دراسة في التعريف بالمؤلِّف والمؤلَّف". طبعة وزارة الثقافة المغربية ضمن سلسلة كتاب: أبحاث في الكتاب العربي المخطوط، وزارة الثقافة والشباب والرياضة، المغرب، السنة 2022م. • "استدراكات الشاطبي الأصولية وإفاداتها المعاصرة"، طبعة 2021م، الرباط، المغرب. • "فن التقعيد عند المالكية، دراسة في المفهوم والأثر"، بحث نشر في كتاب أشغال الندوة الدولية حول "القواعد الفقهية وأثرها في القواعد القانونية والاجتهاد القضائي"، بكلية الشريعة، أيت ملول سنة 2020.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى