الدراسات

المجتمع المدني والدولة

ملخص

يهدف هذا المقال إلى التعريف بحدود وفواصل كل من مفهوم المجتمع المدني والدولة فضلا عن الخلط الشنيع الذي يصاحب استعمالهما، مبرزين طبيعة وتجليات العلاقة بينهما في ضوء الواقع المنتج لارتباطهما الجوهري. لطالما تميزت الدولة دائما بسلطتها العليا على المجتمع المدني، بمقتضى ممارساتها لمهام مختلفة عن مهام منظماته. باعتبارها العقل المفكر والروح الموضوعي الذي يتجاوز الحيز العام الوسط والمصالح الفردية المرتبطة بنظام الحاجات، كنظام يعكس منظومة اعتماد متبادل تولد باستمرار مطالب وحاجات جديدة لم يعد عمل الفرد كافيا ليضمن توفيرها. 

تقديم

   صاحب استعمال مصطلح المجتمع المدني في الفكر الغربي لبسا على مستوى المفهوم يعود في أسه إلى ذلك الخلط الشنيع بين المجتمع المدني والدولة، إلى حد غدا رسم حدود وفواصل كل مفهوم أمرا مستعصيا على الكثيرين. إذ قد شكل الانتقال من الجماعة إلى المجتمع، تحولا من نمط اجتماع بشري قائم على أسس القرابة وأواصر اللحمة والألفة والمجاورة، ضمن وعي جمعي يوحد سلوك الأفراد داخل الجماعة، إلى نمط اجتماع حديث يؤسس للحياة الفردية ويقوم على فكرة الملكية الخاصة والعقد الاجتماعي، الذي يفترض وجود أفراد مستقلين ذوي إرادة فردية تعكس حاجات ذاتية ورغبات خاصة.

بمقتضاه، أي العقد الاجتماعي، تخلى الأفراد عن حقوقهم الطبيعية لصالح سلطة مركزية في أفق تحقيق السلم والسلام. وهذا الانتقال من الجماعة إلى المجتمع، هو ما أطلق عليه فلاسفة العقد الاجتماعي بما فيهم جون جاك روسو، طوماس هوبز وجون لوك مصطلح المجتمع المدني؛ بوصفه مجتمعا منظما سياسيا عن طريق الدولة القائمة على فكرة التعاقد. بموجبه أضحى مفهوم الدولة الحديثة يكتسب مشروعيته من فكرة التعاقد الاجتماعي الحر. ما أدى إلى جعل عملية التمييز بين المجتمع المدني والدولة تغدو غير هينة؛ في أن الدولة هي الوجه الموازي للمجتمع المدني. فما هو إذن وجه الاختلاف بين الدولة والمجتمع المدني من ناحية؟ وما هي أبرز مظاهر العلاقة بينهما في ضوء الواقع المنتج لهذا الارتباط الجوهري بينهما؟

 أولا: المجتمع المدني والدولة: حدود المفهوم

  ليس مصطلح المجتمع المدني من الألفاظ التي عرفتها اللغة العربية القديمة، بل إنه مصطلح ومفهوم تولد عن الحالة المدنية التي حلت الحياة السياسية إبان القرن السابع والثامن عشر. وقد ارتبط مفهوم المجتمع المدني خلال هذه المرحلة التاريخية الحديثة، بمفهوم العقد الاجتماعي الذي يعبر في جوهره عن مبدأ السيادة الشعبية، وهو ذاته ما يجسد السياسة كمفهوم نشأ عن المجتمع البشري على نحو ما هو عليه. والحالة كذلك، غدا مصطلحي دولة ومجتمع مدني يشكلان تطابقا تاما في تلك المرحلة. وبذلك، غدا أي تأصيل لمفهوم المجتمع المدني يستلزم بالضرورة الرجوع إلى السياق والمرحلة التي شهدت ولادته ورسمت المعالم العامة للتطورات التي لحقته. والتي ارتبطت بمرحلة تطور أوربا الصناعية باقتصادها وثوراتها الاجتماعية وفلسفتها واتجاهاتها الفكرية. فلا شك أن المفهوم، قد نال حقه وقدره من التأصيل الفلسفي والنظري بإسهامات فكرية بدأت بفلاسفة العقد الاجتماعي، لتحط رحالها عند الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل. هذا الذي تبينت معه بجلاء حدود وفواصل الاختلاف بين الدولة والمجتمع المدني على حد سواء.

 استخدم “هيغل” مفهوم المجتمع المدني بصورة أوسع لم تنحصر في العلاقات الطبقية والاقتصادية فقط، وإنما شملت أيضا حتى آليات الإدارة والقضاء فالتعاون. على اعتبار أن مجاله يتعين في ” ذلك الحيز الوسط الذي يقع بين الأسرة والدولة، وهو مجال تقسيم العمل واشباع الحاجات المادية، كما أنه في ذات الوقت يشكل حيزا مستقلا يستوعب المصالح الموجودة بعيدا عن الدولة؛ حيث تتنافس المصالح الخاصة والمتعارضة. فالمجتمع المدني بهذه الصورة يحمي الحق المطلق للفرد ويزيد من حاجات الناس ووسائل إشباعها، على عكس الدولة القادرة وحدها على حماية المصلحة العامة. لأنه يمثل منظومة قلقة وغير مستقرة بسبب انشغال كل فرد فيها بتأمين ملكيته وتحقيق رغباته الخاصة[1]. لقد كان تصور “هيغل” هذا عن المجتمع المدني في نظر “جون إهرنبرغ” في كتابه ” المجتمع المدني التاريخ النقدي للفكرة،” أولَ إسهام منهجي ينظر لميدان المصلحة الذاتية التنافسي بمعزل عن الدولة تماما.

يظهر إذن أن المسمى “المجتمع المدني” هو الحد الوسط الذي يحول بين الأسرة والدولة. وذلك أن “هيغل” قد ميز بين الكيانات الثلاث (الأسرة، المجتمع المدني، الدولة) باعتبارهم تجسيد لثلاثة أنماط للحياة الاجتماعية. والسبب، في كون الخلية الزوجية تشكل مؤسسة قائمة على الواجب إزاء الدولة والمجتمع كلاهما، غير أنها، وعلى الدوام، تظل عرضة للتفكك متى ما نشأ عنها أبناء قد يسعون بدورهم إلى تكوين وتأسيس أسر جديدة. وفي هذه اللحظة تحديدا، ويُقصد بها لحظة تفكك الخلية الزوجية بما هي لحظة تفكك الأسرة، يظهر المجتمع المدني كنفي لها؛ إذ لا أحد بمقدوره الاستغناء عن الآخرين.

وفي خضم هذا المضمار، تنشأ عملية التبادل بين الأفراد الأحرار والمستقلين في ضوء المجتمع المدني. والحالة هذه، تغدو عملية التبادل بين الأفراد عملية تبادل المصالح التي عادة ما تكون متضاربة ومتعارضة، بل إن تضاربها هو الذي ينجم عنه بالأساس المصلحة العامة المشتركة. لعله التبادل الذي يعتبر في التصور الهيغلي جوهر المجتمع المدني حيث يجسد الفرد مكونه الأساس والرئيسي، مادامت الغاية لا تعدو أن تكون المصلحة الخاصة للفرد وليس الأخرى العامة. بل المصلحة الخاصة التي تؤول في نهاية المطاف إلى مصلحة عامة مشتركة تترتب عن تضارب المصالح الذاتية الخاصة بين الأفراد، والتي تحددها حاجاتهم الضرورية من مشرب ومأكل ومسكن وملبس … وعداها من الحاجات التي لا تخرج على كل حال عن نطاق الحاجات الأساسية إلى جانب الثانوية أو الكمالية غير الضرورية، التي تنتج عن رغبات الأفراد في سبيل تحقيق المتعة وإشباع اللذة. تكاد أن تكون “الحاجات التي تساهم في تقوية الروابط والعلاقات التبادلية بين البشر، وتؤول إلى بروز فئات في المجتمع المدني من مثل فئة المزارعين الذين يسكنون الأرياف، التجار والصناع الذين يسكنون المدن، ثم فئة الموظفين القائمين على شؤون الادارة والنظام في المجتمع[2]. وتعد اللحظة هذه، المسماة “لحظة الحاجات” من اللحظات الثلاث الأساسية لمفهوم المجتمع المدني.

أما اللحظة التالية، فهي لحظة “العدالة.” تبرز ضرورتها وأهميتها الاجتماعية والاقتصادية في تنظيم عمليات التبادل وفق قوانين تقلص من حجم الهامش الواسع للتبادل في المجتمع المدني. ولهذا، فهي دائما بحاجة إلى قوانين وقواعد وضوابط ترسم الحدود والفواصل، وتحدد المسؤوليات عملا بمبدأ العدالة بوصفه لحظة المجتمع المدني الثانية، والتي يظل تحقيقها الفعلي والعملي مشروط بلحظة “الشرطة والنقابة” باعتبارها ثالث اللحظات وآخرها. فإذا كانت القوانين حامية للحقوق، فإنها “تحتاج بالضرورة إلى من يسهر على تطبيقها (الدولة). بينما مهمة الشرطة والادارة عموما لا تخرج عن رد الحقوق لطالما هي دائما بحاجة ملحة إلى من يدافع عنها. وفي ذات اللحظة، تتبين مهمة النقابات والجمعيات وكذا المنظمات والهيئات غير الحكومية. ويعد تشابه المصالح الفردية، أحد الأسباب وأهمها التي تمنح للأفراد الذين تتشابه مصالحهم الحق في إنشاء نقابات وغرف تجارية وجمعيات وتنظيمات في سبيل التعاون والتنسيق بين مصالحهم والدفاع عنها.”[3]

 علاوة على ذلك، يمكن القول إن الدولة عند “هيغل” هي المجال الذي تتغلب فيه المصلحة العامة على المصلحة الفردية الخاصة. وإذا ما أردنا التعبير بصيغة أخرى أدق نقول: إذا كان المجتمع المدني هو الحد الوسط بين الدولة والأسرة، والحيز الذي تجسد فيه المصلحة الخاصة الغاية والهدف. فإن الدولة هي المجال الذي تتم فيه التضحية بالمصلحة الخاصة لصالح المصلحة العامة. وبناء على هذا التمييز لا يجب على أية حال أن يقف الأفراد منها موقف الخصم والعدو، فهي “غاية الغايات” وكمال الفرد النهائي؛ على أن خدمة مصالح الأفراد الذاتية المرتبطة بحياتهم اليومية هي من اختصاص مؤسسات المجتمع المدني.

أما الدولة كتركيب عقلي، فهي تتجاوز التجزيئ والحريات والارادات الفردية. إنها إرادة عامة عقلية، حرة وكلية. وهو ما أكده “هيغل” قائلا:”وإذا خلطنا بين الدولة والمجتمع المدني البورجوازي، وإذا حصرنا مهمة الدولة في ضمان الأمن وحماية الملكية والحرية الشخصية، كانت مصلحة الأفراد، بما هم كذلك، الغاية القصوى التي تجمعوا من أجلها. وينتج عن ذلك أن الانتساب إلى الدولة أمر اختياري، بيد أن علاقة الدولة بالفرد هي شيء آخر، مادامت الدولة هي الروح الموضوعي[4]. أما المضمون الحق والغاية الحق فهو الانتماء إلى الجماعة حيث مصير الأفراد أن يحيوا حياة عامة وكونية”.[5]               

ليست الدولة إذن هي المجتمع المدني ولا المجتمع المدني هو الدولة، بل إنه آلية لخدمة المصلحة الفردية الخاصة وتحقيق حاجات الفرد الذاتية. لكن عندما يتعلق الحديث بالدولة فلا بد وأن نضع فاصلا بينها وبين نظام الحاجات الذي يميز المجتمع المدني عنهاـ فليست هذه الأخيرة إلا جهاز يقود إلى بناء أفعال الفرد طبقا لمقتضيات الصالح العام والمصلحة العامة المشتركة، له حقوق وعليه واجبات على الآخرين من خلال الدولة بما هي روحا موضوعية كلية.

من هنا تدعو الدولة عند “هيغل” إلى أن يتخلى الأفراد، بمعنى التضحية، عن غاياتهم ومصالحهم الذاتية التي تعكس أنانية تامة تستدعي الإشباع باستمرار، عساها تضحية تؤول في النهاية إلى إشباع المصالح الخاصة عن طريق الالتزام بمهام الأفراد وأدوارهم العامة. وهنا تتجلى العلاقة بين المصالح العامة الكلية والأخرى الخاصة الجزئية، التي تشكل في جوهرها مفهوم الدولة؛ بما أن “الواجب العام وحده الذي يتيح للمصلحة والأنانية الفرديتين إمكانية خدمة الكلية والحرية. منها تغدو الدولة هي الميدان الأخلاقي الموضوعي والضروري المستقل عن الحاجات الذاتية كلها، وفي الآن نفسه الميدان الحاوي الخيار الواعي الذي يتعالى على المصادفة البيولوجية للعائلة،[6] وعلى اعتبار المصلحة الذاتية من المجتمع المدني.”[7]. رغم ذلك، تبقى غير حامية لكياني المجتمع المدني والعائلة حتى لو كانت تتفوق عليهما وتتجاوزهما في الكلية، لعل كلا منهما مندرج تحت الروح الكلي للدولة.     

لا ينبغي أن يفهم من هذا القول، أن الدولة تطمس فردية المجتمع المدني ولا تضمن الاستقلالية الفردية أو لا تصون الحرية. بل على العكس، ترمي للكلية والمحافظة عليها، فضلا عن العمل على ضمان الحرية وتحقيق فردية المجتمع المدني وحماية استقلاله الذاتي. ما يظهر بشكل ما ضرورتها وسلطتها عليه ككيان غبر حكومي. طالما أن قوانينه المعمول بها ومصالحه تخضع كلها لسلطة الدولة وتعتمد عليها؛ إنها الحامي لكيانه والضامن لاستقراره واستمراره. وهو الأمر الذي يحيلنا إلى ما مؤداه، إن المجتمع المدني في المقابل لا ينبغي له أن يهدد الدولة الحامية له وإلا أعلنت عن موقفها ضده وحالت بينه وبين فعاليته وقلصت من حجم نشاطاته.

من دون أن يعني ذلك أن الغاية من الدولة هي ترهيب الأفراد، أو جعلهم تحت نير الآخرين كما يقول الفيلسوف باروخ اسبينوزا في حديثه عن غاية الدولة. وإنما الغاية القصوى من نشوئها هي تحرير الفرد من الخوف على أن يعيش كل فرد في أمان قدر الامكان، ويحتفظ بالقدر المستطاع على حقه الطبيعي في الحياة وفي العمل دون إلحاق الضرر بالغير. بالإضافة إلى تمكين الفرد للتمتع بجميع قواه الطبيعية: الجسمية والعقلية والفكرية، إلى أن تضمن له الحق في استخدام عقله والتفكير بكل حرية، شريطة ألا يهدد كيان الدولة بسلوكيات وأفعال وتصرفات يراد لها أن تكون ضد سلطة الدولة نفسها. بهذا يضيف اسبينوزا في كتابه “رسالة في اللاهوت والسياسة،” ” إن كل من يسلك ضد مشيئة السلطة العليا يلحق بها الضرر. ولكن المرء يستطيع أن يفكر وأن يصدر حكمه، ومن تم يستطيع الكلام أيضا بحرية تامة، بشرط ألا يتعدى حدود الكلام أو الدعوة، وأن يعتمد في ذلك على العقل وحده، لا على الخداع أو الغضب أو الحقد، ودون أن يكون في نيته تغيير أي شيء في الدولة بمحض إرادته.”[8]  

تجسد فكرة العقد الاجتماعي في هذا المضمار، المصدر الذي تستمد منه الدولة مشروعيتها كسلطة، تقوم على أساس تعاقد حر يتخلى بموجبه الأفراد عن مجموع حقوقهم الطبيعية لصالح سلطة مركزية، قد تكون شخصا وقد تكون هيئة تجمع بين يديها جميع الحقوق وتعمل لصالح الشعب فتدير شؤونه. والحال أنه لم يعد للفرد الحق في التصرف وفق ما يمليه عليه قراره الشخصي. بالتالي، لا يحق لأي فرد من الأفراد المحكومين أن يرفض أو يتخاذل عن الطاعة بمبرر أن سلطة الحاكم هي سلطة صورية وغير أصلية لأنه يمثل السلطة التي فوضت له من لدن المجتمع. أي أن سلطته تعتبر سلطة حقيقية تامة على الرغم من كونها سلطة تفويضية. ومن غير أن يعني هذا التفويض أن سلطته سلطة مطلقة؛ فالتام ليس مطلقا بل قد يكون نسبي في كثير من الأحيان هذا إذا ما قلنا دائما.[9]

وعلى هذا الأساس، لا يحق للحاكم من جهة ثانية التمادي في ممارسة السلطة دون الأخذ بعين الحسبان سلطة الدولة، بذريعة أنه يمثل سلطتها وأن هذه الأخيرة لا يمكنها أن تتجسد إلا من خلاله كشخص حاكم. لا ينبغي علينا أن نذهل في هذا المقام عن مسألة جوهرية تبرز السلطة التي يتمتع بها الحاكم، كسلطة تستمد علة وجودها من سلطة الدولة نفسها. وتأسيسا عليها، تغدو سلطة الحاكم رهينة بسلطة الدولة؛ أي مادامت سلطة الدولة قائمة، فإن سلطة الحاكم ستظل قائمة على حالها، حالما قيامها مشروط بقيام سلطة الدولة، والعكس صحيح.  

  هكذا إذن، إذا كان المجتمع المدني هو “نظام الحاجات” بحسب تعريف “هيغل” للمفهوم؛ نظام يعكس منظومة اعتماد متبادل تولد باستمرار مطالب وحاجات جديدة، لم يعد عمل الفرد كافيا ليضمن توفيرها. فإن الدولة هي السلطة التي ليس للفرد عليها سلطان؛ إنها السلطة التي تحدد ما إذا كانت الحاجات والمطالب ستلبى أم لا. والمجتمع المدني هو الذي يلعب دور الوسيط بين الدولة من ناحية، والمجتمع والمواطنين من ناحية أخرى. “فعلاقة الفرد المباشرة إذن مع مجتمع له دولة، -ولكنه منفصل عن الدولة-  هي التي تخلق حيزا عاما هو المجتمع المدني”.[10] في حين تكون الدولة هي مجموع الأجهزة والمؤسسات التي تهدف تنظيم حياة الأفراد وحمايتهم، وتدبير الشأن العام داخل مجال ترابي معين بمقتضى قوانين تكتسي في معظم الأحيان طابعا إلزاميا وإكراهيا. وتكمن مهمتها الأسمى في تحقيق قانون للعدالة يتفوق على ذاك الذي يقدمه التبادل الفردي. “فالدولة كدولة إذن هي المجتمع السياسي المستقل، ولكنها من جهة بنيتها الداخلية هي منظومة الأجهزة والمؤسسات التي تتولى إدارة الشؤون العامة في المجتمع المستقل، إلا أن هذه المؤسسات والأجهزة ليست في الأصل أكثر من أدوات لتحقيق سلطة الدولة على نفسها.” [11] ومن هذا المنطلق نتساءل: ما هي أبرز مظاهر العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في ضوء الواقع المنتج لهذا الارتباط الجوهري بينهما والذي لا خلاص منه؟

ثانيا: المجتمع المدني والدولة: طبيعة العلاقة      

  إن من الصعوبة بمكان قيام منظمات المجتمع المدني في دول ديكتاتورية استبدادية وشمولية، ولئن وجدت فهي ستظل تحت رقابة الدولة وسيطرتها. الشيء الذي يفرغ المجتمع المدني بمنظماته وهيئاته وجمعياته ونقاباته الطوعية غير الحكومية من المعنى والجدوى. فهي من حيث طبيعة حكمها، غير قادرة قط على استيعاب مؤسسات تعمل من أجل نظام الحاجات. ذلك أنها تعطي لنفسها الفرصة لتكون بديل المجتمع المدني. على خلاف الدولة الديموقراطية التي تعكس تعددية مؤسسات هذا المجتمع وهيئاته. فإذا أردنا أن نعرف مدى ديموقراطية الدولة، علينا النظر إلى وضع المجتمع المدني فيها، هل يعرف تعددية أم أن منظماته مقموعة ومسيطر عليها بشكل لا يمكن أن يكون في مناخ ديموقراطي ليبرالي. لأن الليبرالية على حد قول “فردريك هايك” في “كتابه الطريق إلى العبودية the road to serfdom” “لا تُعد المنافسة ذات منزلة رفيعة فقط لكونها أجدى منهج معروف في أغلب الظروف، إنما لأنها أيضا المنهج الوحيد الذي يمكن لأنشطتنا من خلاله أن يتكيف أحدها للآخر من دون تدخلات سلطوية قسرية وتعسفية.”[12] لقد دأبت على تحجيم وتقليص سلطة الاكراه وصلاحيات التنظيم لدى الدولة وسلطاتها السياسية، لكن من غير أن تفقد الدولة مشروعيتها وضرورتها. فالمجتمع المدني هو “الرأسمال الاجتماعي” الذي يسنح بالتعرف على مدى نجاح الديموقراطية في حكومة ما، حسب عالم السياسة “روبرت بتنام” في كتابه “كيف تنجح الديموقراطية.” وهو أول من ربط مفهوم المجتمع المدني بمفهوم “الرأسمال الاجتماعي” عندما نعته قائلا إنه: “معالم المنظمة الاجتماعية مثل الشبكات والمعايير، والثقة الاجتماعية التي تسهل التنسيق والتعاون من أجل المنفعة المتبادلة”[13] معتبرا أن المجتمع الذي يشجع شبكة العلاقات المتساوية بين الأفراد هو ما يفضي إلى نجاح الديموقراطية.    

 فلا شك أن طبيعة الحكم هي التي تحدد شكل وأساس العلاقة بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، أو لنقل هي التي تكشف نوع العلاقة بين السلطة وهيئات المجتمع غير الحكومية. وكما هو معلوم، فإن المجتمع المدني يشكل سلطة مضادة لتلك الخاصة بالدولة حتى لو كان ينهج التماهي مع سلطتها في بعض الأحيان. لكن القاعدة مثلما هو معروف، إنه يقف عادة على الطرف الآخر المعارض والحامي لحقوق الأفراد والمواطنين من بطش الدولة وسيطرتها.

 لعب المجتمع المدني دورا فعالا ونشيطا في بعض الدول التي كانت تعيش حالة من الاستبداد، حيث جرى الاتكال على النقابات والمنظمات غير الحكومية وهيئاتها وجمعياتها على اختلافها وتنوعها لمطالبة الدولة بالتراجع عن تعسفها وكذا إصدارها القوانين التي تبدو متعارضة مع الدستور. على أن تتوقف عن اتخاذ القرارات التي لا تخدم بأي شكل من الأشكال مصالح ومطالب ولا حاجيات المواطن. بل هي على العكس، تحط من قيمته بجملة قرارات تروم الحط من كرامة الأفراد واذلالهم.

لنضرب مثالا على بعض من مفعولات المجتمع المدني السياسية والاجتماعية التي أطلق عليها اسم “الحراك الاجتماعي،” في دول عربية من قبيل: “تونس” “مصر” “ليبيا” وكيف تمكنت هيئاته من زعزعة استقرار الحكومات وتهديد النظام القائم. لتستطيع في نهاية المطاف الاطاحة بالأنظمة السياسية.

 من هنا يظهر أن المجتمع المدني بوصفه سلطة مضادة لا يستطيع أن يمارس حقه في المعارضة، وليس من الممكن أن يتحقق حقه ذاك على كل، إلا إذا كان ينتمي إلى دولة ديموقراطية ليبرالية تَعتبر المعارض عنصرا مهما وعضوا لابد من وجوده، بل إن عدم وجوده كسلطة مضادة في الدولة دليل على وجود خلل في البنية الداخلية لنظامها السياسي. والسبب أن المعارض من منظور البنية الداخلية للسلطة لا يعتبر خائنا بل عضوا كباقي أعضاء الدولة القائمين بها؛ يخضع هو الآخر للقوانين ويمتثل للأعراف ولا يتخاذل عن خدمة مصلحة الدولة، لكنه يعتبر من المعارضين. فلم يكن في منطق السلطة أن تستبعد الأعضاء المعارضة، بل لا يُستبعد من مشهدها غير التمرد والعصيان. ومن هذا المنطلق، يصبح أي رفض للمعارضة دليلا على ضعف السلطان الحاكم وعدم قوته، أي عدم قدرته على الصمود والمحافظة على السلطة وفقا لإرادة الشعب الحرة.     

  فلا بد من وجود مجتمع مدني في دولة يراد لها أن تكون دولة ذات نظام ديموقراطي ليبيرالي. إذ من غير الممكن بمكان نشوء مجتمع مدني في غياب وانعدام تام لمفاهيم السياسة الليبرالية، بل إن هذه الحالة لا تعدو أن تكون سوى مفارقة من مفارقات الممارسة السياسية. والحال أنها مفارقة طالت الفكر السياسي العربي بعامة والفكر الاصلاحي العربي المعاصر بخاصة، إثر عملية التأويل التي عمدت إلى إسقاط مفاهيم السياسة الليبرالية كما تشكلت في الغرب الأوروبي إبان القرن السابع عشر، على منظومة السياسة الاسلامية كما تأسست في باب السياسة الشرعية. فنتج عن ذلك ظهور جملة من المماثلات المستحيلة بين مفاهيم المنظومتين. ومن النتائج السياسية التي ترتبت عن هذه العملية، هي ظهور مفارقات لعل أبرزها “غياب المجتمع المدني وظهور مفاهيم السياسة الليبرالية.”[14]

  يشكل المجتمع المدني والدولة في ضوء الواقع كتلة معقدة نظرا للعلاقة الجدلية التي تجمعهما. تميزت الدولة دائما بسلطتها العليا على المجتمع المدني بمقتضى ممارساتها لمهام مختلفة عن مهام المنظمات غير الحكومية باعتبارها العقل المدبر والمفكر. لطالما أن مهمة التفكير هي وظيفتها الأساسية على سبيل ما ورد عن “إيميل دوركايم” “بأن التفكير هو وظيفتها ودورها ليس في التعبير عن الفكر الطائش عند العامة، بل إنه يضيف إلى هذا الفكر الطائش فكرا مرتويا لا يمكنه إلا أن يكون مختلفا وبالتالي فلا يجب أن تنقاد الدولة للمواطنين.”[15] وعلى غرار ذلك، تبسط الدولة وصايتها على كل الهيئات والمنظمات غير الحكومية كوحدة تمثل السلطة المركزية العليا.

 لهذه الأسباب وغيرها، تبدو العلاقة بين المجتمع المدني والدولة متوازية حينا ومتوترة ومتشنجة أحيانا أخرى. لكن إذا كان الكيان الأول يسعى إلى فاعلية أكثر، وجب عليه بالضرورة أن يسعى إلى تحقيق استقلالية تامة عن مؤسسات الدولة وأجهزتها عبر آلية الضبط الذاتي أو التنظيم الذاتي التي تتجلى في الارادة الحرة والانتماء الطوعي تحت مسمى الارادة المشتركة في أي دفاع عن قضية من القضايا وفي أي مواجهة للدولة. ولن يتأتى ذلك بالطبع إلا في جو يسوده مناخ ديموقراطي ومشاركة فعالة. وهذا يعني أن المجتمع المدني لن يحدث تأثيرا إيجابيا، ولن يحقق نجاعة ولن يقدر على إحداث أي تغيير اجتماعي ولا فاعلية سياسية، إلا إذا كان نشاطه إراديا وحرا. بما معناه، لا بد وأن يتوفر المجتمع المدني على جملة من المعايير والشروط لتحقيق الفاعلية والنجاعة الحقيقية المطلوبة. ومن بينها نجد:

الفعل الارادي الحر: الذي يتعين أساسا في التطوع الحر للإسهام والمشاركة في تحمل مسؤوليات العمل الاجتماعي من أجل الرفع من جودة الحياة بالنسبة للأفراد والجماعة، دون أي مقابل مادي ربحي. ذلك أن الاحساس بالمواطنة وبالالتزام وبتنمية حس المواطنة وتكريسه في نفوس المواطنين هو المقابل الحقيقي.   

الاستقلالية عن الدولة: ويعني ذلك عدم خضوع منظمات المجتمع المدني وهيئاته ومؤسساته لرقابة السلطة السياسية، مع تجنب وصاية الدولة وسيطرتها على المجتمع. فأية سلطة مدنية مهما كانت لا يمكنها أن تنمو وتستمر من دون أن تحتفظ بحد أدنى من الاستقلالية، وهو ما يمكنها من تطوير نفسها عبر خلق استراتيجيات للعمل على نسج شبكة علاقات اجتماعية. فالتجربة التاريخية دلت على أن الدول الاستبدادية والديكتاتورية تتحفظ دائما على استقلالية المؤسسات غير الحكومية، وتنظر إليها بنوع من الريبة والتوجس، لطالما تعتبرها مصدر تهديد لكيان الدولة وخطرا على وحدة النظام. وبالتالي، تسلبها الحد الأدنى من الاستقلال. فكل مؤسسات المجتمع المدني التي نشأت في تربة الاستبداد، لم يكن لها خيار الاستقلالية عن الدولة، ظلت تمارس أنشطتها تحت الرقابة، ولم تستطع تطوير نفسها ولا أن تخلق لكيانها رهانا حقيقيا يميزها عما عداها، ففقدت مصداقيتها أمام الفئة التي تريد خدمتها.      

الاستبداد: عائق وسد منيع يحول بين المجتمع المدني وفاعليته الاجتماعية والسياسية، لعل أشد المعيقات التي يعززها النظام السلطوي فضلا عن توجسه من نشاط المؤسسات غير الحكومية.

التمويل: يعتبر الاستقلال المالي شرطا أساسيا لتحرير المجتمع المدني من ضغوطات الدولة. فكل ما عليه أن يعتمد بشكل كلي في التمويل الذاتي على رسوم العضوية، وعلى التبرعات الخارجية (من هيئات غير حكومية أو أعضاء مستفيدة من خدماته) أو الداخلية وعلى خدماته الانتاجية. أما إذا كان يتلقى مساهمات وتمويلات من قبل الدولة، فإن نشاطه وقراراته لن تتذوق أبدا طعم استقلالية.  

المؤسسية: وهي التي تمنح للمجتمع المعني بمجموع مكوناته صفة المؤسسات الوسيطة، التي تشمل مختلف الاهتمامات ومناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والفكرية والمهنية…إلخ. بحيث تحيل البنى المؤسسية الوسطى إلى الاستقلالية عن أجهزة السلطة ومؤسساتها.

المشاركة: بوصفها العنصر الذي يكثف من عمل ونشاط المجتمع المدني وفعاليته. تكاد تكون الآلية التي تسهل نقل رغبات المواطنين إلى الحكومة. بمعنى أداة لحشد الارادات حول مشاريع التنمية، مما يساعد على نجاحها.[16]

 خاتمة

   هكذا إذن وانطلاقا مما سبق، يكون المجتمع المدني هو “نظام الحاجات” كما يعرفه “فريدريك هيغل”. ذلك الحيز الوسط بين الدولة من ناحية، والمواطنين من ناحية ثانية. فإذا كان المسمى المجتمع المدني هو الحد الوسط بين الدولة والأسرة، والحيز الذي تجسد فيه المصلحة الخاصة الغاية والهدف. فإن الدولة هي السلطة التي ليس للفرد عليها سلطان؛ هي السلطة العليا التي تحدد ما إذا كانت حاجات الأفراد ومطالبهم ستلبى أم لا. وهي المجال الذي تتم فيه التضحية بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة. وتبرز ضرورتها وأهميتها في تنظيم عمليات التبادل وفق قوانين تقلص من حجم الهامش الواسع للتبادل بين الأفراد في المجتمع المدني، وفق قواعد وضوابط ترسم الحدود والفواصل وتحدد المسؤوليات بين الأفراد في المجتمع عملا بمبدأ العدالة. ولعل العلاقة بينهما في ضوء الواقع، تشكل جدلية متوازية أحيانا ومتوترة أحيانا أخرى أو لنقل علاقة تتراوح بين الشدة والجذب تبعا لطبيعة الحكم السائد، كشرط أساس يتحدد بمقتضاه نوع العلاقة بين السلطة والهيئات غير الحكومية.

———————————————————————————–

لائحة المصادر والمراجع

بولكعيبات، أحلام. المجتمع المدني والسلطة. الطبعة الأولى (قسنطينة: منشورات ألفا للوثائق، 2019م).

بشارة، عزمي. المجتمع المدني دراسة نقدية. الطبعة السادسة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012م).

بتنام، روبرت. كيف تنجح الديموقراطية. ترجمة إيناس عفت، الطبعة الأولى (القاهرة: الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، 2006م). 

   السعيدي، فتيحة. الموسوعة العربية للمجتمع المدني. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008م.

اسبينوزا، باروخ. رسالة في اللاهوت والسياسة. ترجمة حسن حنفي، الطبعة الرابعة (بيروت: دار الطليعة، 1997م). 

عبد اللطيف، كمال. التأويل والمفارقة نحو تأصيل فلسفي للنظر السياسي العربي. الطبعة الأولى (المركز العربي الثقافي، م1987).

   نصار، ناصيف. منطق السلطة مدخل إلى فلسفة الأمر. الطبعة الثانية (بيروت: دار الأمواج، 2001م).

  اهرنبرغ، جون. المجتمع المدني التاريخ النقدي للفكرة. ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم، الطبعة الأولى (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008م).

هيجل، فريدريك. مبادئ فلسفة الحق. ترجمة تيسير شيخ الأرض. دمشق: منشورات وزارة الثقافة،1974 م

————————————————————————————    

[1]   بولكعيبات أحلام، المجتمع المدني والسلطة، الطبعة الأولى (قسنطينة: منشورات ألفا للوثائق، 2019م)، ص85 .

[2]  المرجع نفسه، ص .86 

 

 [3]  المرجع نفسه، ص86 .  

[4]  الروح الموضوعي:” تجسد الدولة الروح الموضوعي من حيث اكتمال الفكرة وتحققها الكامل، لهذا فالانتماء إلى الدولة هو اكتمال أخلاقي”.

[5] فريدريك هيجل، مبادئ فلسفة الحق، ترجمة تيسير شيخ الأرض (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1974م)، ص 272- 273.

[6] الذي تقوم عليه كل جماعة كما ذكرنا في الاستهلال أعلاه.

[7]   جون اهرنبرغ، المجتمع المدني التاريخ النقدي للفكرة، ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم، الطبعة الأولى (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008م)، ص .254

[8]   باروخ اسبينوزا،. رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة حسن حنفي، الطبعة الرابعة (بيروت: دار الطليعة، 1997م)، ص .446 

[9]  نصار ناصيف، منطق السلطة مدخل إلى فلسفة الأمر، الطبعة الثانية (بيروت: دار الأمواج، 2001م)، ص 81 .

[10]   عزمي بشارة، المجتمع المدني دراسة نقدية، الطبعة السادسة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012م)، ص 278.

[11]  نصار، ص 94.

[12]   إهرنبرغ، ص 335.

[13]   روبرت بتنام، كيف تنجح الديموقراطية، ترجمة إيناس عفت، الطبعة الأولى (القاهرة: الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، 2006م)، ص 67.

[14]  كمال عبد اللطيف، التأويل والمفارقة نحو تأصيل فلسفي للنظر السياسي العربي، الطبعة الأولى (المركز العربي الثقافي، م1987)، ص 112 .

[15]  فتيحة السعيدي، الموسوعة العربية للمجتمع المدني (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008م)، ص51 .

[16]  بولكعيبات، ص 94.

لبنى بن البوعزاوي

باحثة مغربية حاصلة على الماجستير في الفلسفة الاجتماعية والسياسية. تتركز اهتماماتها البحثية في قضايا الفلسفة الاجتماعية بخاصة والفكر الاجتماعي العربي وبالعلوم الاجتماعية بعامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى