المقالات

علال الفاسي والقضية الفلسطينية: الحلقة الثالثة

في الحاجة إلى مواجهة مزدوجة لعنصرية الكيان الصهيوني

لقد كان الزعيم علال الفاسي، وكما ذكرنا ذلك سابقا، يعتبر القضية الفلسطينية قضية وطنية ويعطيها الأولوية في خطاباته الموجهة للحزب ومؤتمراته بحيث بذل جهدا فكريا وسياسيا لتشريح طبيعة الاستيطان الصهيوني، باعتباره استعمارا مركبا: فهو استيطان “صهيوني إسرائيلي، ديني، يعمل للسلالة اليهودية الإسرائيلية. وغربي، يستعمل إسرائيل والصهيونية أداة مسخرة، لخدمته، مقابل إسنادها وتأييدها”[1]. وهو ما لم  يواجهه  للأسف العرب، في نظر علال، بما يستحقه من حزم وصرامة.

لكن مفارقة علال الفاسي هو أنه يجمع بين النداء إلى اعتبار قضية فلسطين قضية دينية (=إسلامية ومسيحية) ، من أجل تعبئة كل المسلمين، لا العرب وحدهم، وتعبئة كل المسيحيين، لا المسلمين فقط، ضد الصهاينة؛ وفي الوقت ذاته، يتبنى حل الدولة الواحدة اللادينية والديمقراطية: “وأعلن للدولتين الكبيرتين أن العرب والمسلمين، لا يرضون إلا إذا حلت قضية فلسطين، حلا عادلا، يضمن للفلسطينيين كيانهم الموحد، في دولة ديمقراطية، لا دينية، تتعايش فيها العناصر الموجودة، والديانات السماوية الثلاث، إذ لم يعد في هذا العصر مكان لدولة تبنى على أساس السلالة، والتفوق الديني[2].

بالنسبة لنا، ومناقشة لمفارقة علال المشار إليها أعلاه، نعتبر قضية فلسطين قضية إنسانية عادلة، تهم العربي وغير العربي، وتعني المسلم والمسيحي، كما اليهودي، وأيضا البوذي والسيخي، واللاديني، من كل أحرار العالم، إنها قضية اغتصاب عنصري للأرض وتطهير عرقي لشعب، وإبادة جماعية لبشر، بدعم من كل قوى الشر المتجبرة في هذا العالم القائم على الظلم والاستغلال.

إن نظرة علال للقضية الفلسطينية ذات أبعاد متعددة، فهو يدعو إلى النضال من داخل فلسطين المحتلة إلى نبذ العنصرية وتكريس الدولة الديمقراطية، ويدعو في ذات الوقت إلى دعم العمل الفدائي الفلسطيني، عملا بالحق القانوني للشعوب المستعمرة في الكفاح المسلح ضد همجية الاستعمار وعنصرية الاستيطان، وهو يطلق لفظ “السلالية” كدلالة على العنصرية في إسرائيل وجنوب أفريقيا ورديسيا حينذاك.

كما عمل علال على تعبئة كل الدول الأفريقية والآسوية ضد الاستعمار والاستيطان العنصريين، في فلسطين كما في أفريقيا، وفي هذا الصدد وجه باسم حزب الاستقلال رسالة شكر إلى الدول الأفريقية على موقفها الداعم للقضية الفلسطينية، ودعوة الدول الآسيوية التي تقيم علاقات مع إسرائيل إلى مراجعة علاقاتها مع الكيان دعما للتضامن الأفريقي الأسيوي[3].

أما مغربيا فشدد على دور الحزب والجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني:”.. فإن حزبنا شارك بنشاط مهم، في مسيرة الثورة الفلسطينية، داخلا، وخارجا، ويكفي ما تقوم به الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني، الذي كان حزبنا من مؤسسيها الأولين، والناجحين في مداومة عملها في كل حين”[4].

لقد وقف علال موقفا حازما من هجرة اليهود المغاربة إلى الكيان الصهيوني، فكتب سنة 1956 مقالة يحمل عنوانها دلالة واضحة بخصوص هذا الموضوع: إن للتسامح حدودا فيما يتعلق بهجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل، نوه فيها بقرار الحكومة المغربية حل منظمة كاديما المتورطة في تهجير اليهود المغاربة، ويستنكر، في الوقت ذاته، خرق هذا القرار وغض الطرف عن هجرة اليهود المغاربة إلى الكيان الصهيوني[5].

استنكر الزعيم أيضا هجرة اليهود من أوروبا الشرقية الى فلسطين بمساعدة روسيا وامريكا، وحاول تفنيد الأسس الأسطورية والخرافية التي تعتمدها الدعاية الصهيونية من أجل تعبئة اليهود وإقناعهم بفكرة الهجرة، فظاهر تشجيع الهجرة من شرق أوربا تحرري وباطنها وجوهرها عنصري نتيجة رواسب النازية والهتلرية التي لم تقضي عليها الشيوعية. حيث يقول في هذا الإطار: “إن سياسة الهجرة اليهودية لفلسطين مبنية على خرافة عنصرية مليئة بالتعصب الديني والجنسي، وإن رقعة إسرائيل الحالية لا تستطيع إيواء كل يهود العالم، إلا على حساب الدول العربية المجاورة، وإلا لتحقيق استغلال رأسمالي للشرق الأوسط”[6].

كان الزعيم علال الفاسي مثالا للمثقف العربي العضوي الذي واكب القضية الفلسطينية في أطوراها الأولى حتى ما بعد حرب 1967، وسعى بمقالاته إلى فضح السياسات الغربية ونفاقها بخصوص هذه القضية، وبل وتواطئها مع العدو الصهيوني، في الوقت الذي كان يعيش فيه العرب فوضى سياسية فادحة، يقول:  “لانزال نطلع على خائنة الغربيين، ونواياهم السيئة في المشرق العربي”[7].

وقد خص موضوع غزة بعناية خاصة إذ كتب في 22 يناير  1957 مقالة تحمل عنوان:  غزة: قاعدة حكومة عموم فلسطين، معبرا عن رفضه السياسة الأمريكية في غزة، التي كانت تبذل  كل مجهودها لتنفيذ نقط ثلاث:

  1. إجلاء الجيوش الإسرائيلية عن غزة.
  2. تدويل منطقة غزة.
  3. حرية الملاحة في القنال.

فما أحسن القرار لولا الملعونان بعد”[8].

لكن، الحل الذي كان يرغب  فيه، بخصوص قطاع غزة والجزء المحرر من فلسطين، ويدعو الجامعة العربية إلى اعتماده، فهو إحياء وتنظيم الحكومة الفلسطينية و”تمكينها من حكم منطقة غزة بنفسها دون تدخل من الدول الأجنبية، وقبولها عضوة في الجامعة العربية، وفي منظمة الأمم المتحدة”[9]. فهذه الحكومة هي الأكثر قدرة، في نظره، على ضمان الأمن من غيرها والمؤهلة لتكون ملجأ آمن للاجئين الفلسطينيين في انتظار حل مشكلتهم. الذي لا يمكن أن يكون في ظل ما اعتبره الحلول غير الواقعية للقضية الفلسطينية معتبرا أن الحل الممكن الوحيد يتأسس على ركنين اثنين أساسيين، هما:

  1. حل القضية يمر عبر حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وليس إدماجهم في دول عربية[10].
  2. حل مشكلة إسرائيل على أساس ديمقراطي وطني وليس صهيوني يهودي عنصري[11].

[1] – نفسه، ص35

[2] – نفسه، ص36

[3] – نفسه ص40

[4] – نفسه، ص42

[5] – نفسه، ص53 و54

[6] – نفسه، ص45

[7] – نفسه، ص61

[8] – نفسه ص75

[9] نفسه، ص76

[10] نفسه، ص50

[11] – نفسه، ص51

عبد النبي حري

عبد النبي الحري : أستاذ التعليم العالي بشعبة الفلسفة بكلية الاداب والعلوم الانسانية بالمحمدية، جامعة الحسن الثاني، عضو فريق البحث بفلسفة القانون والفكر السياسي المعاصر، نشر مجموعة من الأبحاث والدراسات، الشخصية والجماعية، آخر كتاب "في فلسفة القانون: إشكالات وقضايا".

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى