المقالات

في بلاغة أرسطو الإيتوسية

تقديم

قطعت البلاغة أشواطا كبيرة قبل أن تستوي في نسق نظري على يد أرسطو الذي وضع مصنف البلاغة في سياق كان الكلام في أثينا، المدينة الديمقراطية، النمطَ الرئيس للمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والأداة الرئيسة للسلطة، وحيث كان يقوم الإقناع بدور حاسم في المجالس الاستشارية والمحاكم والمحافل…أي داخل المؤسسات اليونانية.

غير أن البلاغة الأرسطية وفي ظل شروط تاريخية معينة تم تشذيبها وتدجينها وترويض جنوحها عبر اختزالها إلى بلاغة محسنات[1] وأساليب لتجميل الخطاب وتزيينه؛ ولم تستعد وهجها وقوتها الإقناعية إلا في الخمسينيات من القرن العشرين مع شاييم بيرلمان ولوسي أولبرخت تيتيكا ومصنفهما في البلاغة[2] الذي أحيى الحجاج والبعد الإقناعي في البلاغة اعتمادا على الإرث الأرسطي، لكنه أغفل مكونين أساسيين في هذا الإرث وجعلهما على الهامش وهما الإيتوس والباتوس، أي أنه “رجح اللوغوس على باقي المكونات التي ظل حضورها باهتا في مصنفاته”[3]، بل وجعل الإيتوس، في إشارة عابرة ، مرادفا لشخص الخطيب  والوظيفة التي يمارسها والدور الذي يضطلع به[4].  وقد تعددت التأويلات لمفهوم الإيتوس في إطار التراث البلاغي الغربي بتعدد المقاربات والمناهج التي تعلن انتسابها إلى الإرث الأرسطي، وأضحى المفهوم يحمل دلالات متعددة بتعدد الحقول والمجالات. كما أن العديد من الدراسات البلاغية النظرية والتطبيقية المعاصرة عندما تتطرق إلى الإيتوس فإنها تجعله مرادفا للخطيب  [5] وأحيانا يقصد به الأخلاق الفعلية للخطيب[6] أو أخلاقه التي يعبر عنها بصريح العبارة داخل الخطاب[7]… فما هو الإيتوس الأرسطي وماهي خصائصه ومكوناته وما هي تجسيداته الخطابية؟

الإيتوس قبل أرسطو

هوميروس (الأوديسة والإلياذة، ق.8 قبل الميلاد) هو أول من استعمل لفظة إيتوس، إذ وردت لديه في صيغة الجمع للدلالة على الأماكن المعتادة الخاصة بحيوان معين، أو المكان المألوف الذي ترتاده حيوانات أليفة أو متوحشة[8]، ثم توسعت دلالتها بعد ذلك لدى مؤلفين آخرين فأضحت تدل، دائما في صيغة الجمع، على عادات وتقاليد وأخلاق شخص أو نوع أو شعب أو مدينة[9]وبالتالي يمكن القول إن النواة المعنمية للإيتوس في صيغة الجمع تعبر عن العلاقة التي تقيمها الذات مع ما هو لها (في ملكيتها) [10]وتحيل على مفهوم العادة[11].

 أما في صيغة المفرد، فهيزيود (المعاصر لهوميروس) هو أول من وردت لديه لفظة إيتوس للتعبير عن عادات جماعة ما وتقاليدها كما هي مجسدة لدى كل فرد من أفرادها؛ فهو إذن يدل على السلوك الاعتيادي لشخص وبصفة خاصة طبائعه الأخلاقية من منظور الجماعة التي ينتمي إليها[12]

هذا المدلول المزدوج للإيتوس، سواء في صيغة الجمع أو المفرد، والذي يعبر من جهة عن ذاتية الفرد وتفرده وعن ارتباطات الشخص بالجماعة التي ينتمي إليها من جهة أخرى، يعود إلى كون لفظة إيتوس في اللغة الإغريقية تنحدر من الجذر الهندو – أوروبي Swedh  الذي يفيد معنى العادة و”التعود”، القريب هو الآخر من الجذر Swe الذي يفيد “الذات” و “الملكية”[13]. غير أن مدلول الكلمة أضحى ضبابيا خلال القرن الخامس قبل الميلاد؛ ذلك بأن الطبائع التي تعبر عنها الكلمة يمكن أن تفهم على أنها تجلٍّ للطبيعة أو باعتبارها نتاجا للتربية والتقاليد. فهي لدى بينداروس، على سبيل المثال، استعداد سيكولوجي طبيعي مرتبط بالولادة، يرثه الإنسان أو الحيوان عن سلالته[14]؛ وهي لدى أبقراط استعداد إنساني أخلاقي يتغير وفقا لمختلف المؤثرات الطبيعية والسياسية الممارسة على فرد أو جماعة من الأفراد[15]. وهي بالنسبة لأفلاطون استعداد للنفس يمكن أن يتغير خاصة بالتربية والمعاشرة[16].

إذن كيف تعامل أرسطو مع دلالات الإيتوس الملتبسة والمتناقضة أحيانا التي ورثها عن النصوص السابقة عليه؟ وهل الإيتوس الأرسطي استمرارية للتعاريف السابقة؟

مقاربة الإيتوس الأرسطية:

  1. المتن البيولوجي:

يضع أرسطو في متنه البيولوجي أن كل نوع حيواني له إيتوسه الخاص به، أي له استعداداته الدائمة والقابلة للملاحظة مباشرة، وأن الإيتوس الحيواني يتغير في حدود ما هو مرسوم بحكم الطبيعة على اعتبار أن الحيوان ينمو وينضج؛ لكنه قد يتغير بفعل التدريب. وهو خاضع كذلك لتأثيرات الوسط الطبيعي (الأماكن والفصول) وللجنس (ذكر أنثى) ولطبيعة الأعضاء وبعض الأنسجة[17].

  • المصنفات الأخلاقية والسياسية:

يقسم أرسطو، في المتن الأخلاقي، النفس البشرية إلى عنصرين، أحدهما غير عقلاني والآخر عقلاني. وينقسم العنصر غير العقلاني إلى جزأين: جزء مشترك بين كل الكائنات الحية وهو مرتبط بالاقتيات والتوالد، وجزء شهواني وإن كان غير عقلاني في جوهره فهو يساهم في المبدأ العقلاني عندما يصغي إلى العقل ويخضع له.

 أما العنصر العقلاني فيضم هذا الجزء الشهواني، العقلاني وغير العقلاني في آن معا، إضافة إلى جزء عقلاني خالص. ويعرف أرسطو الإيتوس بأنه خاصية الجزء غير العقلاني القادر على اتباع العقل، أي خاصية الجزء الشهواني من النفس. ويقسم الفضائل الإنسانية تبعا لتقسيم النفس. فإذا كان جزء النفس الاقتياتي – التوالدي خال من أية فضيلة فإن تقسيم الفضائل الإنسانية مرتبط بتقسيم العنصر العقلاني من النفس؛ وهي نوعان: فضائل عقلية وتقع على مستوى الجزء العقلاني في ذاته (الحكمة والذكاء والعلم والحصافة والصناعة) وفضائل أخلاقية تقع على مستوى العنصر الشهواني من النفس، وهي فضائل الإيتوس.  ويمكن إجمالها في الخطاطة[18] التالية:

 والأخلاق يجب أن تفهم ههنا بالمعنيين الإيجابي والسلبي. وليس انطلاقا من معيار، فالإيتوس قد يتسم بخصائص إيجابية وقد يتسم بخصائص سلبية (الرذائل).

والفضيلة الأخلاقية تكتسب بالتعود، فهي لا تعزى إلى الطبيعة لكنها غير متعارضة معها، “فلا بالطبيعة ولا ضد الطبيعة تولد الفضائل فينا، غير أننا مهيؤون طبيعيا لاستقبالها وتطويرها بواسطة العادة[19]، فهي استعدادات أي قوة ثانية يتم اكتسابها بفضل تكرار أفعال معينة توصف بكونها من الفضائل أو الرذائل. لكنها غير كافية في ذاتها إذ تحتاج إلى تدخل عنصر عقلاني يمدها بالقاعدة التي توجهها، يتعلق الأمر بالحصافة (prudence) التي تتيح إمكانية التداول واتخاذ ما يناسب من القرارات العملية وهو ما يسميه أرسطو بالاختيار بالمفاضلة (le choix préférentiel) [20].

منزلة الإيتوس ضمن وسائل الإقناع

يميز أرسطو بين ثلاثة أنواع من الحجج: الإيتوس والباتوس واللوغوس إذ يقول: “من بين وسائل الإقناع المحصل عليها بواسطة الخطاب هناك ثلاثة أنواع، إحداها تكمن في طبائع من يتكلم (الإيتوس) والأخرى تكمن في جعل المستمع على هذه الحالة أو تلك (الباتوس) والثالثة في الخطاب ذاته (اللوغوس) من خلال كونه يبرهن أو يبدو أنه يبرهن”[21]. ويتعين للحصول عليها و انتظامها داخل الخطاب أن تخضع إلى ثلاث عمليات هي الإيجاد والترتيب و العبارة، أي استخراج الحجج والكشف عنها، فهي موجودة سلفا ويكفي العثور عليها ثم وضع تصميم منهجي يتم اللجوء إليه لبناء الخطاب ويكتسي أهميته من الوظيفة (أو الوظائف) التي يضطلع بها كل جزء من أجزائه، و جزآه الأساسيان، وفق أرسطو، هما العرض و الحجاج؛  ثم أخيرا وضع الحجج في كلمات، الأمر الذي يتطلب اختيار الكلمات (المستوى الاستبدالي) و تجميعها (المستوى المركبي) إذ لا يكفي، كما يقول أرسطو، أن يكون للمرء ما سيقوله، بل عليه كذلك أن يقوله كما ينبغي، و هو ما يؤثر بقوة على الصورة التي يقدمها الخطاب.

فالإيتوس إذن وسيلة إقناع تحيل على شخص الخطيب، إنها “صورة الذات الإيجابية التي من شأنها أن تمنح الخطيب السلطة والمصداقية”[22]. وهي تمتلك قوة إقناعية فائقة من حيث كونها “تشكل السلطة الشخصية للخطيب”[23] التي تجعل دعاواه تحظى بقبول المستمع وتصديقه خاصة في الخطاب السياسي؛ ف”أن يقدم الخطيب عن نفسه هذا المظهر أو ذاك، يقول أرسطو، أكثر حسما في المشاورات”[24]. ويضع أرسطو الإيتوس ضمن وسائل الإقناع الصناعية أي تلك الوسائل التي يبلورها الخطيب بمجهوده ويحصل عليها بطريقة منهجية، في مقابل وسائل الإقناع غير الصناعية أي الجاهزة السابقة على بلورة الخطاب والتي لا تخضع لعمل الخطيب لأنها لا تندرج ضمن الإيجاد.

خصائص الإيتوس:

ومن الخصائص المميزة للإيتوس منزلته الخطابية. ويعرفه أرسطو بما يلي: “يكون الإقناع بالطبائع عندما يكون الخطاب على نحو يجعل من يتكلم جديرا بالثقة، لأننا نثق تلقائيا وبسرعة في الأشخاص النزيهين في كل المواضيع بصفة عامة وبشكل تام في المواضيع التي لا تسمح بمعرفة دقيقة وتترك إمكانية الشك. وينبغي أن يحصل ذلك بواسطة الخطاب وليس بناء على رأي مسبق حول طبائع من يتكلم. فلا يصح القول، مثل بعض معلمي الخطابة، بأن نزاهة من يتكلم من منظور الصناعة لا تسهم في شيء في تحقيق الإقناع”[25]. يبدو جليا من التعريف أن الإيتوس هو الصورة التي يقدمها الخطيب عن نفسه من داخل الخطاب، إنه “صورة الذات التي يقوم الخطيب ببنائها داخل خطابه لتسهم في نجاعة قوله”[26] و ليس الصورة القبلية التي يمتلكها المستمع عن الخطيب، “إنه الانطباع الذي يمنحه الخطيب عن ذاته بوساطة أقواله”[27]، و منبع هذا الانطباع لا يتأتى مما يقوله الخطيب عن ذاته، فهو لا يتحقق “بمدح الذات”، ف “المديح الذاتي… يمكن أن ينم على التباهي الذي تترتب عليه نتائج تضر بالخطيب”[28]، إنه الأثر الذي يحدثه القول، و كما يقول بارث ” الخطيب يدلي بمعلومة و في نفس الآن يقول أنا كذا ولست كذا”[29]. فأرسطو يعبر في تعريفه عن رفض مزدوج إذ يرفض تصور بعض معلمي الخطابة الذين يرون بأن نزاهة الخطيب لا تساهم بشيء في القوة الإقناعية للخطاب الذي ينطق به سواء أكانت مبلورة من داخل الخطاب أو من خارجه، ويرفض كذلك جعل القوة الإقناعية للخطاب مستمدة من النزاهة الفعلية للخطيب وليس من النزاهة التي ينتجها الخطاب، بمعنى أنه ينفي عن طبائع الخطيب أية قيمة مرجعية في مجال الإقناع.

وإذا كان الإيتوس هو ما يبدو عليه الخطيب من خلال خطابه فإن أرسطو ينفي عنه الصبغة المحاكاتية. فهو لا يحاكي طبائع الخطيب الفعلية.  فالأمر يتعلق كما يقول بارث ب” ملامح الطبائع التي يتعين على الخطيب إبرازها للمستمع بصرف النظر عن صدقه، لكي يخلق انطباعا جيدا، إنها مظاهره[30]. وبتعبير أرسطو “إذا كان هناك ما يهم في الإقناع – في المشاورات في المقام الأول ثم في المحاكمات كذلك-فهو أن يبدو الخطيب على نحو ما وأن يفترض المستمعون أنه يكن لهم هذا الاستعداد أو ذاك”[31]. فالإيتوس إذن لدى أرسطو مجرد من أي اعتبار أخلاقي فعلي. هذه المنزلة “الظاهراتية” للإيتوس تجعله هشا يمكن التلاعب به عبر الظهور بمظهر مخادع، لذلك فإن أرسطو، لتحصين المفهوم من أي تلاعب أو مخادعة، يربطه بمفهوم الاختيار التفضيلي الذي يمكن من إصدار حكم على طبائع شخص ما، أفضل مما تتيحه أعماله. وهو اختيار إرادي يحصل فيه التطابق بين الفضيلة الأخلاقية والفكر ويتعلق بالوسائل والشروط والأدوات التي يجب إعمالها قصد بلوغ غاية معينة.

مواضع الإيتوس

المواضع هو ما توفره البلاغة، باعتبارها صناعة، من مواد ومصادر يستقي منها الخطيب حججه و”يمتح منها وسائل الإقناع المناسبة للمسألة والموضوع الذي يهمه”[32]. ويعتبرها كيبيدي فارغا بأنها مقولات صورية نستطيع أن نضع داخلها كل الحجج”[33] فهي ليست سوى إطار، شكل فارغ “يجب معرفته لكي يتمكن الخطيب من إيجاد الأفكار الملائمة للموضوع الذي يريد التطرق إليه”[34]. وتقع مواضع الإيتوس ضمن ما يسميه محمد العمري بالمواضع الذاتية النفسية[35] وهي ما ذكره أرسطو عن الإيتوس[36]. من هنا يمكن القول إن مواضع الإيتوس هي مكوناته.  

مضمون الإيتوس:

يتحدث أرسطو عن مكونات الإيتوس في كتابه الأول ويجعلها اثنين، الفضيلة والود إذ يقول” يتم الحصول على وسائل الإقناع بوساطة خطاب استدلالي وكذلك أخلاقي (فنحن نمنح ثقتنا بسبب أن الخطيب يبدو على هذا النحو أو ذاك، أي عندما يظهر بمظهر الفاضل أو الودود أو كليهما”[37]. لكنه يجعلها ثلاثة في كتابه الثاني، الفضيلة والحصافة والود إذ يقول” يحصل الخطباء في ذاتهم على المصداقية لأسباب ثلاثة، لأننا نمنح ثقتنا من خارج البراهين لاعتبارات ثلاثة: الحصافة والفضيلة والود”[38]. فهو ههنا يضيف الحصافة إلى مكونات الإيتوس بعدما اقتصرت في الكتاب الأول على الفضيلة والود. فكيف نفسر هذا الاختلاف؟ بالعودة إلى كتاب الأخلاق إلى نيقوماخ يتبين لنا أن أرسطو يقسم الفضائل إلى صنفين، فضائل أخلاقية (الاعتدال والأريحية…) وفضائل عقلية (الحكمة والذكاء والحصافة…)[39]، لذلك فهو عندما يتحدث عن الفضيلة في الكتاب الأول فإنه يقصد بها الفضيلتين الأخلاقية والعقلية معا؛ أما في الكتاب الثاني فيقصد بها الفضيلة الأخلاقية، ويحدد الفضيلة العقلية في الحصافة. فالإيتوس لدى أرسطو إذن يقوم على ثلاث ركائز: عقلية وأخلاقية ذاتية وأخلاقية علائقية.

المرتكز العقلي: الحصافة

يتمثل المرتكز العقلي في الحصافة التي يعرفها أرسطو بكونها “فضيلة الفكر التي تجعل المرء قادرا على التداول الجيد حول الخيرات والشرور لغاية تحقيق السعادة”[40]فهي “استعداد فكري بفضله يتمكن المرء من القيام بالعمل الملائم – بالمعنى العملي للكلمة – إما لأنه يعرف أو لأنه يمتلك التجربة”[41]، إنها معرفة ملائمة وفعالة. وهي تختلف عن الحكمة على اعتبار أن الحكمة “تتعلق بما هو موجود بالبرهان ويكون دائما بنفس الكيفية، في حين لا تتعلق الحصافة إلا بما هو في حركة وتغير”[42]، إنها حكمة عملية مرتبطة بالمقام خاضعة لتقلباته وتعدده؛ والمقصود بالمقام ههنا المواقف التواصلية النموذجية في البلاغة الأرسطية: الموقف القضائي والموقف الاستشاري والموقف الاحتفالي[43] فنحن، بتعبير روث أموسي، لا نخلق الثقة بنفس الطريقة عندما نكون في المحكمة أمام قاض أو نكون في الساحة العمومية نخاطب حشدا أو نكون داخل قاعة رسمية نوجه خطابا تفخيميا”[44].

ومن مقتضيات الحصافة ضرورة تكيف الخطيب مع المستمَع بناء على معرفة مسبقة به، “فمعرفة المخاطب الذي نريد الاستحواذ عليه شرط ضروري من شروط الحجاج”[45]. والمقصود بالمستمع، ليس المخاطب الفعلي الأمبيريقي، بل إنه بتعريف بيرلمان وتيتيكا “مجموع من يريد الخطيب أن يؤثر فيهم بواسطة حجاجه”[46]، ف “كل خطيب يفكر على نحو واع إلى هذا الحد أو ذاك، فيمن يسعى إلى إقناعهم”[47] إنه بناء يقوم به الخطيب، “خيال كلامي” ليس فقط لأنه من صنع الخطيب بل كذلك لأنه غير مطابق للجمهور الفعلي الأمبيريقي. وأن يتكيف الخطيب مع المستمع في سياق بناء الإيتوس باعتباره حجة معناه أن يتوافق الخطيب مع انتظارات المستمع ومع ميولاته السياسية من خلال التكيف مع إيتوس النظام السياسي للمستمع ومع مجموع القيم والعادات الخاصة بالجماعة السياسية التي ينتمي إليها المستمع، الأمر الذي يتطلب معرفة موضوعية وواسعة بالأنظمة السياسية التي تتحدد حسب أرسطو بكيفية اقتسام السلطة وبغاياتها.

المرتكز الأخلاقي الذاتي: الفضيلة

إنها الفضيلة الأخلاقية، وهي في تجلياتها غير منفصلة عن الفضيلة العقلية؛ كما أنها مرتبطة بشخص الخطيب ولا تفترض شخصا ثانيا، بمعنى أنها موجهة نحو ذات الخطيب. ومن الفضائل الأخلاقية التي يذكرها أرسطو في كتابه الأخلاق إلى نيقوماخ: الأريحية والاعتدال والشجاعة ورحابة الصدر واللطافة والصدق والتواضع.

المرتكز الأخلاقي العلائقي: الود

“إن من يبتغون الخير للآخرين نسميهم ودودين عندما لا يكون هذا الود متبادلا مع الآخرين، لأن الود لا يكون صداقة إلا عندما يكون الطرفان لهما نفس الاستعدادات إزاء بعضهما البعض”[48]. يكون ودودا إذن من يقدم نفسه إلى الآخر على أنه يسعى إلى خيره وصلاحه دون أن يكون ذلك متبادلا بين الطرفين. فالود صداقة غير متبادلة، لكنه يفترض في كل الأحوال علاقة بينية. وهو مكون من مكونات الإيتوس من جهة من يعبر عنه، وينتمي إلى حقل الأهواء (الباتوس) من جهة من يتلقاه.  

التجسيد الخطابي للإيتوس

يرى أرسطو أن كل ما يعبر عن الاختيار التفضيلي للخطيب داخل الخطاب يفصح عن إيتوسه إذ يقول” الخطابات التي تعبر عن الطبائع (الإيتوس) هي الخطابات حيث يكون الاختيار التفضيلي بديهيا”[49].

والحكم والأمثال، كما يقول أرسطو، هي خير ما يجسد الاختيار التفضيلي لأن “من يتلفظ بالحكمة العامة يكشف عن أفضلياته المبدئية”[50]، وهو ما يتيح للمستمع “أن يستنتج الميزة الأخلاقية للخطيب (إيتوسه) انطلاقا من طبيعة اختياره التفضيلي المعبر عنه داخل الحكم المستعملة في الخطاب”[51]. لذا يمكن القول إن الحكم تجسد خطابيا إيتوس الخطيب، “فإذا كانت الحكم نزيهة فإنها تظهر من يتلفظ بها على أنه نزيه من حيث الطبائع”[52].

ولأن كل حكمة تحمل في ثناياها ضميرا (enthymème) إذ يكفي أن نضيف إليها السبب (لماذا) لنحصل على الضمير، ترى ورذير أن الضمائر المتعلقة بقضايا عامة والمرتبطة بالميدان العملي وبما يجب اختياره أو تفاديه، أي بعبارة أخرى الضمائر التي تعكس اختيارا تفضيليا، هي الأخرى تكشف عن إيتوس الخطيب[53].

ويمكن إدراج مدح أو ذم الآخرين والتعبير عن المشاعر أمام الحقائق والوقائع ضمن وسائل التجسيد الخطابي للإيتوس باعتبارها تعبر عن الاختيار التفضيلي.


[1] الولي محمد، “في خطابة أرسطو الباتوسية“، مجلة علامات، عدد 26، 2006، ص 46.

[2] Perelman Chaim, Olbrechts- Tyteca Lucie, Traité de l’argumentation, Université de Bruxelles, 2008 (1958).

[3]  مشبال محمد، في بلاغة الحجاج، عمان، كنوز المعرفة، 2017، ص 35.

[4] بيرلمان شاييم، الإمبراطورية الخَطابية، صناعة الخطابة والحجاج، ترجمة الحسين بنو هاشم، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2022، ص 179.

[5]  انظر على سبيل المثال الدهري أمينة، الحجاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة، الدار البيضاء، المدارس،2011، ص 92.

[6]  انظر على سبيل المثال الزماني كمال، حجاجية الأسلوب في الخطابة السياسية لدى الإمام علي، الأردن، عالم الكتب الحديث، 2016، ص 49.

[7]  انظر على سبيل المثال قادا عبد العالي، الحجاج في الخطاب السياسي، كنوز المعرفة، الأردن، 2015، ص.ص 172 – 175.

[8] Woerther Frédérique, L’èthos Aristotélicien, Vrin, 2007, p.24.

[9] Ibid, p. 123.

[10] Woerther Frédérique. Aux origines de la notion rhétorique d’ ethos. In: Revue des Etudes Grecques, tome 118, Janvier-juin 2005. pp. 79-116, p. 85.

[11] Woerther Frédérique, L’èthos Aristotélicien, op. cit., p. 33.

[12] Woerther Frédérique. Aux origines de la notion rhétorique d’ ethos, op. cite. p.85.

[13] Ibid, p. 84.

[14] Woerther Frédérique, L’èthos Aristotélicien, op. cit., p. 65.

[15] Ibid, p.80.

[16] Ibid, p. 121.

[17] Aristote, Histoire des animaux, livre IX, Traduction Barthélemy Saint-Hilaire.

[18] Woerther Frédérique, L’èthos Aristotélicien, op. cit., p. 151-153.

[19] Aristote, Éthique à Nicomaque, Traduction (1959) J. Tricot, Éditions Les Échos du Maquis, v. : 1,0, janvier 2014, 1 (1103a – 1103b), 42-43.

[20] Woerther Frédérique, L’èthos Aristotélicien, op. cit., p. 161.

[21] Aristote, Rhétorique, trad. Pierre Chiron, Garnier Flammarion 2007, 1365a, p. 125-126.

[22] Amossy Ruth, présentation de soi, PUF, 2010, p. 5.

[23] Barthes Roland, L’ancienne rhétorique [Aide-mémoire]. In : Communications, 16, 1970. Recherches   rhétoriques. pp. 172-223, p.212.

[24]Aristote, Rhétorique, op.cit.,1377b 30.

[25] Ibid.

[26] Amossy Ruth, L’argumentation dans le discours, Armand Colin, Paris, 2010, p. 61.

[27] Perelman Chaim, Olbrechts- Tyteca Lucie, Traité de l’argumentation, op.cit.,, p. 429.

[28]  محمد مشبال، مرجع مذكور، ص 193.

[29] Barthes Roland, op. cit., p. 212.

[30] Ibid, p. 212.

[31] Aristotle, Rhétorique, op. cit., 1377b 25-30.

[32]  بنو هاشم الحسين، بلاغة الحجاج، الأصول اليونانية، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2014، ص. 228.

[33] Varga Kibedi, Rhétorique et littérature, Didier, 1970, p. 36.

[34] Ibid, p. 37.

[35]  العمري محمد، في بلاغة الخطاب الإقناعي، أفريقيا الشرق، ط 2، 2002، ص. 27.

[36]  بنو هاشم الحسين، مرجع مذكور، ص. 277.

[37] Aristote, Rhétorique, 1366 a 8-12.

[38] Ibid., 1378 a 6-16.

[39] Aristote, EN, livre II, op.cit.,1, 1103a – 1103b.

[40] Aristote, Rhétorique, 1366 b 20-22.

[41] Aristote, EN, livre I, op.cit.,1102a – 1103a, 38-41.

[42] Aristote, M.M, in Woerther, L’èthos, op., cit., p.237.

[43] مشبال محمد، في بلاغة الحجاج، عمان، كنوز المعرفة، 2017، ص 25، هامش 3.

[44] Amossy Ruth, présentation de soi, op. cit., p. 24.  

[45]  مشبال محمد، مرجع مذكور، ص 233.

[46] Perelman Chaim, Olbrechts- Tyteca Lucie, op.cit.,, p. 25.

[47] Ibid. 

[48] Aristote, EN, VIII, 2, op.cit., 1155b 32-34.

[49] Aristote, Rhétorique, op.cit.,1395 b 13-17.

[50] Ibid., 1395 b 15.

[51] Woerther Frédérique, L’èthos Aristotélicien, op. cit., p. 242.

[52] Aristote, Rhétorique, op. cit., 1395 b 15 .

[53] Woerther Frédérique, L’èthos Aristotélicien op. cit., pp. 242-244.

—————————————————————————————————————————————

المراجع بالعربية:

  1. بنو هاشم الحسين، بلاغة الحجاج، الأصول اليونانية، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، .2014.
  2. بيرلمان شاييم، الإمبراطورية الخَطابية، صناعة الخطابة والحجاج، ترجمة الحسين بنو هاشم، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2022.
  3. الدهري أمينة، الحجاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة، الدار البيضاء، المدارس، 2011.
  4. الزماني كمال، حجاجية الأسلوب في الخطابة السياسية لدى الإمام علي، الأردن، عالم الكتب الحديث، 2016.
  5. العمري محمد، في بلاغة الخطاب الإقناعي، أفريقيا الشرق، ط 2، 2002.
  6. قادا عبد العالي، الحجاج في الخطاب السياسي، الأردن، كنوز المعرفة، 2015.
  7. مشبال محمد، في بلاغة الحجاج، عمان، كنوز المعرفة، 2017.
  8. الولي محمد، “في خطابة أرسطو الباتوسية”، مجلة علامات، عدد 26، 2006، http://saidbengrad.free.fr/al/26/26-5.pdf

المراجع بالفرنسية:

  1. Amossy Ruth, L’argumentation dans le discours, Paris, Armand Colin, 2010.
  2. Amossy Ruth, La présentation de soi, Ethos et identité verbale, Paris, PUF, 2010.
  3. Aristote, Éthique à Nicomaque, Traduction (1959) J. Tricot, Éditions Les Échos du Maquis, v. : 1,0, janvier 2014,

https://philosophie.cegeptr.qc.ca/wp-content/documents/%C3%89thique-%C3%A0-Nicomaque.pdf.

  • Aristote, Histoire des animaux, livre IX, Traduction Barthélemy Saint-Hilaire,

https://remacle.org/bloodwolf/philosophes/Aristote/animaux9a.htm

  • Aristote, Rhétorique, trad. Pierre Chiron, Garnier Flammarion 2007.
  • Barthes Roland, L’ancienne rhétorique [Aide-mémoire]. In : Communications, 16, 1970. Recherches   rhétoriques. pp. 172-223,

               DOI : 10.3406/comm.1970.1236                                                                         

www.persee.fr/doc/comm_0588-8018_1970_num_16_1_1236

  • Perelman Chaim, Olbrechts- Tyteca Lucie, Traité de l’argumentation, université de Bruxelles, 2008 (1958).
  • Varga Kibedi, Rhétorique et littérature, Didier, 1970. 
  • Woerther Frédérique, L’èthos Aristotélicien, Vrin, 2007.
  • Woerther Frédérique. Aux origines de la notion rhétorique d’èthos. In : Revue des Études Grecques, tome 118, Janvier-juin 2005. pp. 79-116.

doi : 10.3406/reg.2005.4607

http://www.persee.fr/doc/reg_0035-2039_2005_num_118_1_4607

جمال الدين العمارتي

* ماستر متخصص في الترجمة والتواصل والصحافة من مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة- المغرب * دكتوراه في الآداب تكوين لسانيات وتواصل وترجمة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى