Non classéالمقالات

محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة

توفي مساء الجمعة 28-2-2020 في القاهرة الصديق الدكتور محمد عمارة، تغمدّه الله برحمته الواسعة.أحزنني رحيلُه، على الرغم من اختلافي الفكري معه، لأن خسارة الوطن والعالَم بفقدان العالِم تفوق كلَّ خسارة.

لأننا محكومون بالتراثِ وقيمِه وأحكامِه، ترسخت لدينا تقاليدُ الاحتفاءِ المبالَغ به بالأموات، والإفراطِ في الثناء على آثارهم، والإعلاءِ من قيمة منجزهم، وتجاهلِ ما أنتجته هذه الآثارُ من تعصبات وكراهيات وأحقاد وجروح نازفة، في حياتهم وبعد وفاتهم.

كتبتُ هذه المقالةَ بعد ان قرأتُ عشراتِ المقالات الرثائية للمرحوم محمد عمارة، الغارقةَ بالتبجيل والثناء، وبعضها كتبها باحثون أحترم تكوينهم المعرفي وخبرتهم الجادة بالتراث، وأعرف كتاباتِهم النقدية، لكن رهبةَ الموت والخوف من بطشه المفاجئ تربكنا لحظةَ موت الكبار، فنضطر لحذف كل ما يزعجنا في صورتهم، لأن الكبارَ في مخيالنا لا يموتون، فننسى كلَّ شيء كتبوه وفعلوه، وننشغل بتسطير مناقب أكثرها مفتعلة لهم. ارتكبت أنا ذلك قبل سنوات، عندما كتبت مقالة، كلها مناقب، لأحد أصدقائي، بعد أن أربكني الموتُ، فأنساني كلَّ أخطائه لحظة وفاته.

لم يتنبّه بعضُ من يكتب عن محمد عمارة لتحولاته، ورحلتِه الفكرية الطويلة من الماركسية إلى السلفية، ومحطاتِه الاعتقادية المتعددة، وكيف كانت آثارُه المتأخرة تنقض كتاباتِه المبكرة. لذلك نقرأ كتاباتٍ تصنّفه على أنه مفكرٌ تنويري، وعقلاني، ومجدِّد، وأحدُ رواد النهضة، وغيرُ ذلك من توصيفات، لا ينطبق أيُّ توصيف منها عليه في محطته الاعتقادية الأخيرة.

تقلّب محمد عمارة في عدة محطات اعتقادية، كان ينتقل منذ خمسينيات القرن الماضي من تفكيرٍ عقلاني واسع إلى تفكيرٍ ضيق، إلى أن أرستْ سفينتُه منذ سنوات عند التراث، الذي أمسى يتعاطى معه بمنطق مغلق يبدأ بالتراث وينتهي بالتراث،لا يرى رأيا خارج التراث، ولا يفكر تفكيرا خارج مداراته، ولا يصغي لسؤال خارج أسئلته، ولا يبحث عن جواب خارج أجوبته المكررّة، ولا يرى مسارا خارج مسالكه، ولا يقبل معرفةً في الدين خارج معارفه، ولا يقبل علما في الدنيا مالم يكن ممهورا ببصمته.

كان محمد عمارة مفكرا ملتزما، عاش كلَّ حياته وفيّا لمعتقداته، يتحمّس في كل مرحلة من حياته الفكرية لما يتبنّاه من معتقدات، حتى لو كانت على الضدّ من معتقداته السابقة، ويكرّس كتاباته للدعوة إليها والتثقيف عليها.

أعترف أن محمد عمارة كان مناضلا شجاعا في إعلان آرائه والدفاع عنها،ففي كل محطة اعتقادية ينتقل إليها، يتمسك بها بقوة، ويدعو إليها ويبشّر بها، سواء في مرحلته الماركسية التي قادته إلى السجن أواخر الخمسينيات أيام عبدالناصر، ومكث فيه لسنوات 1959-1964، أو في تحوله الى الاعتزال، وكتابة رسالته الماجستير سنة 1970 عن “المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية”في ضوء الدراسة والتحقيق لمجموعة “رسائل العدل والتوحيد”، وأطروحته للدكتوراه 1975 حول: “نظرية الإمامة و فلسفة الحكم عند المعتزلة”. أو في تحوله الى وسطي محافظ في عقيدته الدينية في الثمانينيات، أو رؤيته السلفية أخيرا للتراث، وتبنّي كل شيء في التراث على ما كان عليه، والتعاطي معه بوصفه منجما يزودنا بكل شيء تتطلبه حياتُنا في الدنيا والآخرة، وفي الحاضر والمستقبل. والتنكّر لكل علم ومعرفة تنتمي إلى العصر، بذريعةِ أصالة ِكل ما ينتمي للماضي، واتهامِ كل معرفة تنتمي للحاضر.

يفرض محمد عمارة عليك أن تحترم عصاميتَه وزهدَه، فقد زهد بالوظيفة، وتخّلى عن التدريس بالجامعة طوعيا،كما يقول، لأنه أراد أن يتفرّغ لمهمته الفكرية، كما حدّثني عن ذلك سنة 1998 قائلا: “آثرت منذ البدايات ان لا اهتم بالوظائف، وكنت اعتبرها لونا من الرق، فتحررت منها، وعكفت على مشروع الفكر والعمل التأليفي، ولم اذهب الى التدريس، لا في جامعاتنا، ولا في جامعات النفط والخليج والاغراءات المالية. عشت للمشروع الفكري”.

عندما كان يحلم بالثورة،على طريقة اليسار في مجتمعاتنا، حقّق ونشر سلسلةً مختارةً من أعمال رواد عصر النهضة،في سلسلة مجلدات في سبعينيات القرن الماضي. إذ نشر آثار: رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وقاسم أمين، وعبد الرحمن الكواكبي، وعلي مبارك. وكتب عن شخصيات إسلامية متعددة، ونشر ذلك في كتاب كبير هو”مسلمون ثوار”.

وإن كان محمد عمارة عاش أكثر مراحل حياته الفكرية في سجن الايديولوجيا، لكن انتقالَه من سعة العقل المعتزلي ورحابته إلى انغلاق العقل السلفي واختناقه، يدعونا للتساؤل، ليس عن تكوينه المعرفي ومنطق تفكيره الذي كان يفرض عليه أن يهرب للماضي كلّما تقدّم به العمرُ ، بل عن شيوعِ هذه الظاهرة في الفكر العربي الحديث والمعاصر، والبنيةِ العميقة لمنطق تفكير عدة مفكرين لم يجدوا ملاذا لهم، بعد تقدّم أعمارهم، إلا بالهجرة الكلية إلى الماضي، بعد حياة فكرية في المراحل الأولى تسودها العقلانيةُ النقدية، وأحيانا الدعوةُ للقطيعة مع التراث لدى بعضهم.

إن الرحلة الفكرية لمحمد عمارة لم تكن الاستثناءَ من مفكري جيله الذين تنقّل غيرُ واحد منهم في عدة محطات، إذ بدأ بعضُهم عقلانيا نقديا، متحرّرا وربما متمرّدا، يفكر في فضاء رحب، بلا أطر أيديولوجية، وبلا مرجعيات اعتقادية، وبلا قيود صارمة، وبلا حدود مغلقة، وبلا سقف نهائي تتعطل عنده كلُّ الأسئلة، وتموت فيه كلُّ الأجوبة. لكن عقل هؤلاء بدأ ينغلق بالتدريج مع كهولتهم وتقدّم أعمارهم، إلى أن غادر العقلُ تساؤلاتِه ومواقفَه النقدية وبصيرتَه النافذة، وجرأتَه في اقتراح الأجوبة، وكأن بعضَهم تابَ من إثمٍ عقلي ارتكبه، فدخل نفقا، أو آوى إلى كهف في المرحلة الأخيرة من حياته،يعتكف به،ليحتمي به من قلق الموت الوشيك الذي بات يهدّد شيخوختَه، ويلوذ بالماضي من وهن جسده، وضعف قدراته، وعجزه وغربته ووحدته.

الاحتماءُ بالتراث والدعوةُ للعودة لماضي الأمة وعلوم ومعارف الآباء هو المشترَكُ بين محمد عمارة وهؤلاء المفكرين التوابين من إثم التفكير العقلان ،ومشترَكٌ آخر ينصبّ على التحذير من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، بذريعة أن تراثَنا يختزن كلَّ ما تتطلبه حياتُنا، وكلَّ حلول مشكلاتنا، وأن المعرفةَ والعلومَ الحديثة ما دامت وُلدت في بيئة غربية، فهي غريبةٌ عن معتقداتنا وثقافتنا وبيئتنا ومشكلات عالمنا. وهي ذريعةٌ يردّدها كلُّ هؤلاء، بأساليب متنوعة وعبارات مختلفة، وصياغات ملتوية أحيانا، تتوحد في أنها تدعونا لأن نرفض كلَّ معرفة أنتجها العقلُ البشري خارج عالَمنا، بنحو أمسى تكرارُها المبتذَل في كتابات القوميين والإسلاميين يصيبك بالغثيان، فهم مازالوا يردّدونها منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم.

وهذه الذريعة يكذّبها الواقع، فلا نحن اكتشفنا فلسفتَنا وعلومَنا ومعارفَنا التي تستجيب لواقعنا، وتولد في سياقات ديانتا وثقافتنا وهويتنا وخصوصيتنا وراهن مجتمعاتنا، ولا نحن تحرّرنا من عقدة الارتياب من العلم والمعرفة الحديثة.

في المعرفة والعلم الحديث ما هو كوني عابر لمعتقد وثقافة الإنسان الذي اكتشفه. إنه يعبّر عن جوابٍ لأسئلة الحياة واحتياجات الإنسان، بغضّ النظر عن الزمان والمكان الذي يعيش فيه. الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة أعادت تشكيلَ العقل الذي قدّم للبشرية كلَّ هذه الاكتشافات الباهرة، ووضع الإنسانَ في مسار جديد، مكّنه من أن يكون أشدَّ حذاقة في إجابة أسئلة الطبيعة الصعبة وتحدياتها المنهكة، وأذكى في إجابة أسئلة حياته الحائرة.

محمد عمارة من أغزرِ الكتّاب الإسلاميين إنتاجا، وأكثرِهم مثابرة، وأغناهم تنوعا، بلغت آثارُه نحوَ 250 عنوانا في مختلف الموضوعات. ففي كل مراحل حياته الفكرية ومحطات اعتقاده سجّل حضورا لافتا في الصحافة والدوريات ودور النشر.

كانت مواقفُه في ربع القرن الأخير من حياته لا تطيق المختلِف في اجتهاده، كموقفه الشديد من فكر صديقنا المرحوم نصر حامد أبو زيد، ولا تطيق المختلِف في معتقده. وكأنه لا يعرف أن الله مطلق، لكن معرفة الإنسان بالله نسبية، لأنها محدودة: بوجوده المحدود، وطبيعته البشرية، وآفاق وعيه، وثقافته، ونمط رؤيته للعالم، والزمان والمكان الذي يعيش فيه. وان نسبية معرفة الإنسان بالله تعني تنوع وتعدد الطرق إلى الله.

يعرّف محمد عمارة الكفرَ، في كتابه: “فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية”، كما ينقل عن الغزالي، هكذا: “الكفر هو تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام في شيء مما جاء به، والإيمان بتصديقه في جميع ما جاء به، فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول صلى الله عليه وسلم.. وهذا لأن الكفر حكم شرعي، كالرق والحرية مثلاً، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي، في درك إما بنص أو بقياس على منصوص، وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى..”.يتبنى محمد عمارة هذا التعريف ولا ينقده أو يناقشه، لذلك أثار كتابه هذا ضجة كبيرة عند صدوره[1].

يستخدم محمد عمارة لغةَ هجاءٍ عنيفة في الحديث عن المفكر الذي لا يستسيغ أفكارَه أحيانا، فمثلا يصف سلامة موسى بالوقاحة والنفاق، عندما يقول: “هكذا تكلم سلامة موسى، فبلغت صراحته حد الوقاحة، وكانت له فضيلة الإعلان عن كثير مما يبطن المنافقون من المتغربين”[2].

يسود كتابات محمد عمارة تفكيرٌ تبسيطي، يتوقف عند السطح، ولا يشأ أن يتوغل في اكتشاف الطبقاتِ التحتية المولّدةِ للأفكار والظواهر المجتمعية. تتحكم بتفكيره أدواتٌ نهائيةٌ يفسِّر فيها كلَّ شيء، ولا يتردّد في إطلاق أحكام اتهامية، لا صلةَ لها بالفكر، عندما يتحدث عن بعض المفكرين وكتاباتهم، ففي حديثه عن طه حسين مثلا يتهمه بأنه وقع تحت تأثير زوجته الفرنسية وعمّها القسيس، بقوله: “الرجل تزوج امرأة فرنسية، وعمها قسيس أثّر فيه بعمق”[3]، ولا تخلو لغتُه من هجاء لمن يكتب عنهم.

ترك محمد عمارة بصمتَه الفكرية في كل مؤسسة أو مركز أبحاث أو مجلة انخرط فيها، ففي المعهد العالمي للفكر الإسلامي ومشروعه لإسلامية المعرفة الذي كان أحدَ مستشاريه، تغلبّت على مشروع إسلامية المعرفة نزعةٌ تراثيةٌ مغلقة، تراجعت معها آفاقُ التفكير الاجتهادي النقدي الذي كان يعدُ به المعهد عند تأسيسه. فقد كان محمد عمارة ضدّ طباعة كتاب “المنهجية المعرفية القرآنية”، الذي كتبه صديقنا المرحوم محمد أبو القاسم حاج حمد، تلبية لطلب رئيس المعهد وقتئذٍ الصديق المرحوم طه جابر العلواني، ولبث الكتاب سنوات طويلة غير مطبوع. بعث لي الصديق محمد همام بنسخته المصورة عبر البريد، من المغرب “أغادير”، وعند استلامي الكتاب طالعته مباشرة، فتحمست لنشره، واستأذنت طه العلواني، فأجاز لي طباعته وتوزيعه. وكان المؤلف شديد الحرص على طباعته، فأصدره مركز دراسات فلسفة الدين، خلافا لإرادة إدارة المعهد التي حجبت مخطوطته سنوات طويلة عن القراء. ألفَ حاج حمد كتابه سنة 1991، ولبث في المخطوطة حتى سنة 2013 عندما بادر مركزنا لنشره.

وهكذا رأيتُ أن تأثيرَه طغى على مجلة المسلم المعاصر[4]، هذه الدورية التي غامرتْ بمناقشة قضايا منسية عند صدورها، وأثارت أسئلةً جريئةً، وفتحت نافذةَ ضوءٍ لتفكير عقلاني نقدي، يتخطى المتعارفَ في أدبيات الإسلاميين المبسطة.كانت تربطني علاقةٌ شخصية بصاحبِ المسلم المعاصر ورئيسِ تحريرها المرحوم جمال الدين عطية، وبأخيه محيي الدين عطية، وكنت حريصا على مطالعة أعدادها، وترقب صدورها.فوجئت عند صدورها بدعوة هذه المجلة إلى اجتهادٍ معاصرٍ يتجاوزالتراثَ مرتين: يتجاوزه مرةً بالتحرّر من ركام القراءات المختلفة، مما أنجزهالمسلمون منذ عصر التدوين إلى اليوم في علوم المنطق والفلسفة والكلام والتصوف،والتفسير والحديث، والفقه وأصوله، والتي حجبت الكتابَ الكريم والسنّةَ الشريفة، وشكّلتبالتدريج جدارا صلدا يحول دون استلهامهما والاتصال المباشر بهما. ويتجاوز الاجتهادُ الذي تدعو إليه “المسلم المعاصر” التراثَ مرةً أخرى بالتحرّر من مشاغله وهمومه التاريخية، والاندماج بالعصر، ناهلاً من معارفه ومكاسبه العلمية، ومتفاعلاً مع قضاياه، وواعيًا لمشكلاته، ومستشرفًا لمستقبل أمثل.[5]

سألت محيي الدين عطية عن سبب تأخر صدور أعداد المجلة في الثمانينيات من القرن الماضي، فأخبرني بافتقاد المسلم المعاصر فجأة لعدد كبير من الاشتراكات لمكتبات الجامعات السعودية. المسؤول المباشر في الوزارة عن الاشتراكات أوقفها كلها، لأنه يرى الأفكار التي تنشرها المجلة منحرفة ضالة. وأضاف عطية ان أحد الأصدقاء نقل له عن محمد قطب “المتوفى 2014 ” الأخ الأصغر لسيد قطب قوله: “إن مجلة المسلم المعاصر تأسست لمواجهة فكري وفكر أخي سيد قطب”.

لكن بعد أن أضحى محمد عمارة أحدَ أعمدة هذه المجلة، تقلّص فضاءُ التفكير الحر فيها، وانحسرت مساحةُ الاجتهاد والنقاش والأسئلة الكبرى على صفحاتها. لفت نظري هذا التحولُ في نهج هذه المجلة التي كانت غريبةً بين ركام المجلات الإسلامية المعروفة، فسألتُ صديقا من محرّري المسلم المعاصر، قبل عشرين عاما، عن سرّ هذا التحول المثير الذي افتقدتْ معه المجلةُ رسالتَها المعلنة، وانكفأت على نفسها، وانطفأ ألقُها، وغاب عنها بعضُ كتّابها الجسورين، والذي حدث بعد مرور سنوات على صدورها، فأجابني: إن دخول محمد عمارة الفاعل والمؤثر على تحرير المجلة، عمل على توجيه بوصلتها باتجاهٍ على الضدِّ من وعود هذه المجلة عند صدورها، فهو لا يستسيغ ما كانت تنشره من اجتهادات ونقاشات وأسئلة في سنواتها الأولى.

رحم الله محمد عمارة، الذي كان فكرُه فاعلا ومؤثرا على مدى ستين عاما، ومهما اختلفنا معه، ينبغي أن نعرب عن الأثر الفائق الأهمية لآثاره في تدافع الأفكار وتصارعها في عالَمنا. وإن كان محمد عمارة يضيق ذرعا بالاختلاف في محطته الاعتقادية الأخيرة، وكأنه لا يدري أن الاختلافَ شرطُ حياة كلِّ فكر حي، وضرورةٌ لتجديده، لأن طاقةَ الحياة الخلاقة في اختلافها، وجمالَها في تنوّع ألوانها، وحيويتَها في تعدّد أشكال تجلياتها، وفي تضادّ تعبيراتها نكتشف المنبعَ الأثرى لديناميكية تغييرها[6].

لا ينبغي أن ننسى بعضَ مواقف وكتابات محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة، التي كانت تحريضيةً قاسيةً ضدّ مفكرين عقلانيين، بل ضدّ كل من يراه خارجا على فهمه للدين والتراث. كان محمد عمارة أحد الموقعين على بيان يتهم فرج فودة بالارتداد، ويستبيح دمه. “بالتحقيق مع  أحد من قتلوا فرج فودة أعلن أنه قتل فرج فودة بسبب فتوى دينية بقتل المرتد. وحينما سأله المحقق، لماذا قتلت فرج فودة؟، أجاب: لأنه ينشر كتبا تدعو إلى الكفر والإلحاد. تابع المحقق: هل قرأت هذه الكتب؟، فأجاب القاتل: لا، أنا لا أقرأ ولا أكتب”. وبسؤال القاتل عن اختيار موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى، أجاب “لنحرق قلب أهله عليه أكثر”[7].

وتورط محمد عمارة بترديده عبارات السلفيين الجاهزة لمعتقدات وتراث المسلمين الذين يؤمنون بمعتقد لا يطابق معتقدة. ففي محطته الاعتقادية الأخيره انخرط محمد عمارة في موجة الهجوم العنيف ضد الشيعة واتهام معتقداتهم وتراثهم، على الرغم من أنه يعرف التراث الشيعي بشكل ممتاز، وكانت تربطه صلات مع علماء الشيعة، وقد أعرب أمامي عن احترامه لهذا التراث، واعجابه بالتعليم الديني في الحوزات، وتبجيله للنزعة العقلانية فيه، غير أنه تمادى في كلامه ضد الشيعة، وترديد عبارات السلفيين الجاهزة واتهاماتهم المكررة لمعتقداتهم وتراثهم[8].

كما لا ينبغي أن ننسى اصطفافَه مع الأخوان المسلمين، ودعمَ مواقفهم، بلا شروط أو تحفظ أو نقد، بمواقفه وكتاباته، حتى اليوم الأخير من حياته. وتناغم َكتاباته ومواقفه مع السلفيين، فلم نقرأ له مراجعاتٍ نقدية، وهو الخبير بتراثنا البعيد والقريب، للسلفية الجهادية والقاعدة وداعش، والجماعات الدموية، أو إدانةً لمذابحهم وتدميرهم للمدن في سوريا والعراق، وسبيهم واستعبادهم للنساء من غير المسلمين من المواطنين، واستباحتهم لأمن مجتمعاتنا، وتهديدهم للسلام العالمي[9].

عملَ محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة على نشر التشدّد بين من يُصغي إليه من الشباب الإسلاميين، وهم ليسوا أقلية قليلة. وبعد وفاته لم نقرأ من ينبّه هؤلاء الشباب إلى أن الرجلَ في محطته الاعتقادية لم يكن مجدِّدا، ولا عقلانيا، ولا تنويريا، بل كان سلفيا مغلقا، فوجدتُ من الضروري تنبيه من كان له عقلٌ سليمٌ على ذلك.

المنهجُ الذي كُتِبَت فيه رثائياتُ محمد عمارة هو المنهج ذاتُه الذي كُتِبَت فيه مآثرُ ومناقبُ رجال السلف. منهجٌ يتساوى فيه الكلُّ، بغضّ النظر عن كلِّ ما فعلوه في حياتهم، يتساوى فيه العادلُ والظالمُ، والمجرمُ والبرئُ، والصالحُ والفاسدُ، بنحو نقرأ في كتابٍ واحد فصلا يسوق مآثرَ ومناقبَ المقتول بجوار فصلٍ يسوق مآثرَ ومناقبَ القاتل، وفصلا يسوق مآثرَ ومناقبَ العادل بجوار فصلٍ يسوق مآثرَ ومناقبَ الظالم.

أتذكر أن أولَ من نبهني إلى ضرورة المراجعة النقدية لفكر سيد قطب هو حسن الترابي، عندما كنتُ تلميذا في المرحلة الأخيرة من الثانوية، بعد أن قرأت مقابلةً معه في مجلة المجتمع الكويتية أواخر سبعينيات القرن الماضي، إذ أشار بجملةٍ في سياق حديثه إلى وهن بعض مقولات سيد قطب، ومنذ ذلك الوقت بدأت المراجعةَ التقويمية لكتابات سيد قطب. كان حسن الترابي مفكرا عقلانيا شجاعا، لكن فكرَه كان ضحيةَ براغماتيتِه السياسية، وتلوّثِ سيرته بمراوغات السياسة ومكائدها.

إيقاظُ الشباب وتحريرُ عقولهم ضرورةٌ يفرضها علينا الكمُّ الهائل من المفاهيم المتشدّدة والشعارات المتطرّفة التي يتلقونها كلَّ يوم عبر وسائل الإعلام، وما يُنشر من كتاباتِ أمثال محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة، والتي تُسهِم بتنويمِهم، وتضييعِ أعمارهم في صراعات عبثية ضدّ مجتمعاتِهم، والعقلانيةِ والعلومِ والمعارف الحديثة، وقيمِ الحريات وحقوق الإنسان.

هذا المقال موجّهٌ للجيل الجديد، الذين لا يعرف عن سيرة محمد عمارة ومحطاته الاعتقادية شيئا. يستمع بعضُ النابهين من الجيل الجديد إلى تجارب الآباء، وذلك يفرض على الآباء أن يكونوا أكثرَ صدقا وشجاعةً في نقل تجاربهم المريرة إلى أبنائهم.

أعمالُ محمد عمارة مكتبةٌ كاملة، ومتوفرةٌ في كلّ المكتبات، وكتابتي عنه بهذا الأسلوب ضرورةٌ أخلاقية، لإيقاظ الشباب الذين تغويهم لغتُه، ومجادلاتُه الواضحة، المصاغة بأساليب المغالطات، وإن كانت تبدو لغير الخبير منطقية.

محمد عمارة باحثٌ متمرّس في التراث، يمتلك خبرةً أفقية واسعة في مختلف حقوله. يكتب بأسلوب ذكي، يموهه بقناعٍ إصلاحي. كان في محطته الاعتقادية الأخيرة مهووسا بالتحريض على التشدّد والعنف، مثلما يدعو السلفيون، لكنه كان يكتب بلغة مراوغة.

الدينُ جاء ليحمي الإنسانَ من التشدّد والعنف، والفكرُ السلفي في كلّ الأديان والمذاهب عنيفٌ ببنيته الاعتقادية العميقة[10]، لذلك هو على الضدّ من رسالة الدين في الحياة التي تنشد العدلَ والسلامَ والمحبةَ والرحمةَ والجمال. أكثرُ الكتابات السلفية وسلوكُ السلفيين تفرض على القلب النفورَ من الله، خلافا لأكثرِ  شذراتِ المتصوّفة وسلوكِهم، وكتاباتِ التصوف “الفلسفي وليس الطرقي” التي تفرض على القلب الوقوعَ في حبّ الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]محمد عمارة، فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة، طبعة أولى، 2006، 120 ص.

[2] عمارة، محمد، الانتماء الحضاري للغرب أم للإسلام؟، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2009، ص 52.

[3] عمارة، محمد. طه حسين: ما بين الانبهار بالغرب والانتصار للإسلام، دار الفكر العربي، القاهرة، 2015، ص24.

[4]صدر العدد الافتتاحي لمجلة المسلم المعاصر في بيروت، في يناير 1974.

[5]راجع كلمة التحرير في العدد الافتتاحي لمجلة المسلم المعاصر، الصادر في يناير 1974. وشهادتنا في تكريم مؤسسها جمال الدين عطية، بمناسبة مرور ربع قرن على صدور المسلم المعاصر: “من جمال الدين الأفغاني إلى جمال الدين عطية: العروة الوثقى تستفيق في المسلم المعاصر”، والمنشورة في أحد أعداد المسلم المعاصر.

[6] ناقشتُ محمد عمارة في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، وحاورتُه حول “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام”، عندما خصصت الأعداد من 14 إلى 18 “للاتجاهات الجديدة في علم الكلام”، ونشرتُ حوارَه في العدد المزدوج 16-17 الصادر سنة 2001 لمجلة قضايا إسلامية معاصرة. العدد متاح على صفحة مركز دراسات فلسفة الدين: http://www.rifae.com/ ، وعلى قناتي في التلغرام: https://t.me/refaee.

[7]راجع مقالة: عبدالحكيم، أحمد، قصة المناظرة التي قتلت المفكر المصري فرج فودة، جريدة الأندبندت، الصادرة في الاثنين 10 يونيو 2019.

[8] للاطلاع يمكن مراجعة أحاديثه وحواراته الكثيرة المحفوظة على اليوتيوب.

[9]يقول الدكتور محمد حسين عويضة، رئيس نادي أعضاء التدريس بالأزهر في تصريحات لـجريدة الوطن: “رحم الله الدكتور عمارة، فلا نملك في هذه اللحظة إلا الترحم عليه، فهو بين يدي الله جل وعلا، وقد طالبناه في نادي أعضاء التدريس بالأزهر بالانسحاب من هيئة كبار العلماء، وعبرنا عن رفضنا وجوده بها، وضرورة إقالته أو تقديمه لاستقالته، لما كان يمثله من مرجعية للجماعة الإرهابية، فقد كان صاحب فكر مخالف للأزهر، ولكن للأسف استمر في عضويته بهيئة كبار العلماء حتى وفاته”. الوطن، القاهرة، 1-3-2020.

[10]كررت في عدة مواضع من كتاباتي هذا المضمون: “حين أتحدث عن السلفية في كتاباتي ولا أخصها بسلفية جهادية أو غيرها، فأعني بها ما يشمل كلَّ قراءة سلفية للنصوص الدينية، وكلَّ محاولة لاستدعاء للماضي أيًا  كان، ودسِّه في الحاضر كما هو، السلفية عندي معنى عام، مهما كانت الفرقة أو المذهب الذي يدعو لها ويتبناها. ‏أعني بالسلفية ماهو أعم من المعنى المتداول اليوم الذي تنصرف فيه لمن يتبع ابنَ تيمية ومدرستَه خاصة. إنها تشمل كلَّ تفسير حرفي تبسيطي للنص الديني قابعٍ في الحرف، عاجزٍ عن تذوق مقاصد النص وأهدافه، مهما كانت الفرقةُ أو المذهب الذي ينتمي اليه صاحبُ التفسير، سواء كان سنيًا أو شيعيًا أو اباضيًا أو زيديًا.السلفيةُ اتجاهٌ في التفكير الديني حاضرٌ في كلِّ تفسير حرفي للنصوص الدينية، يتفشى في كل الأديان والفرق والمذاهب، يرسم صورتَه الخاصة لله، وهي صورة يشدّد على تعميمها وفرضها على الكلّ بالإكراه. صورةٌ تتصف ملامحُها بالقسوة والشدّة والعنف ومطاردة الإنسان ومحاربته لأن معتقده لا يتطابق مع معتقد السلفي، لا تحضر في ملامح هذه الصورة الرحمةُ والمحبة والشفقة والجمال والسلام.

هذا نص ما كتبته في مقدمة الطبعة الثانية من كتابي الدين والظمأ الأنطولوجي، دار التنوير ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، الطبعة الثانية مهذبة ومزيدة، 2017، ص 10.

عبدالجبار الرفاعي

د. عبدالجبار الرفاعي مفكر عراقي، ‏متخصص في الفلسفة وعلوم الدين. من مؤسسي علم الكلام الجديد في المجال العربي. منذ ثلاثين عامًا يكرّس منجزه لفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. مدير مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ورئيس تحرير مجلة قضايا إسلامية معاصرة، منذ إصدارها عام 1997 وحتى اليوم. أصدر أكثر من 50 كتابًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى