الشفافية الإملائية: إعادة النظر في ادعاءات “البراعة” في الأمازيغية عند عبد الله الحلوي

من الشائع في النقاشات غير المتخصصة الادعاء بأن النظام الإملائي للأمازيغية يتميز بدرجة استثنائية من “البراعة” أو الشفافية، استناداً إلى فكرة مفادها أنه “يُكتب كما يُنطق”. وقد ذهب بعض المختصين في اللسانيات، مثل عبد الله الحلوي، إلى تبني هذا الرأي أيضا. وغالباً ما يُعزَّز هذا التصور من خلال المقارنة مع لغات مثل اللغة الإنجليزية ، التي تُعرف بأن نظامها الإملائي أقل شفافية. غير أن هذا النوع من المقارنات يقوم على استدلال استقرائي مبسط، يركّز على خاصية واحدة (الشفافية) دون أن يأخذ بعين الاعتبار التعقيدات التاريخية والبنيوية التي تشكل أنظمة الكتابة في لغات العالم.
ويمكن تعزيز نقد هذا التصور بالإشارة إلى ضعف الوعي العام بالتطور التاريخي (التعاقبي) للإملاء الإنجليزي. فقد استقرّت الكتابة الإنجليزية نسبياً منذ عدة قرون، في حين استمر النطق في التطور والتغيّر. ومن أبرز التحولات الصوتية في تاريخ الإنجليزية ما يُعرف بالتحول الكبير في حروف العلة Great Vowel Shift، الذي وقع بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر .(Crystal, 2008) فقد كانت كلمات مثل time و house تُنطق تقريباً /teːm/ و /huːs/ على التوالي، قبل أن تتغير أنماط نطقها مع بقاء تهجئتها إلى حد كبير دون تغيير(دون تاريخ Encyclopedia Britannica,). كما أن الإنجليزية استوعبت عدداً كبيراً من المفردات من لغات أخرى مثل الفرنسية واللاتينية واليونانية واللغات الإسكندنافية، وغالباً ما احتفظت بالتهجئات التاريخية أو الاشتقاقية لهذه الكلمات. وهذا ما يفسر وجود تقابلات غير منتظمة مثل though و through و rough وcough ، حيث تُنطق التراكيب الإملائية نفسها بطرق مختلفة.
أما الشفافية التي تُلاحظ في نظام الكتابة الحديثة للأمازيغية، فترتبط أساساً بحداثة عملية تقنينها وتوحيدها. فقد خضع نظام الكتابة الأمازيغي، تيفيناغ، لعمليات التقنين والمعايرة خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، في إطار سياسات تخطيط لغوي ممنهج. وقد صُمّم هذا النظام الكتابي مع مراعاة التمثيل الصوتي، بحيث يهدف غالباً إلى تحقيق تقابل وثيق بين الحروف والأصوات . ولذلك يمكن في الأمازيغية التنبؤ بالنطق انطلاقاً من الكتابة بدرجة عالية من الدقة، نتيجة اعتماد مبدأ التقابل الأحادي بين الرمز والصوت. غير أن هذا لا يعكس براعة لغوية جوهرية، بل هو نتيجة طبيعية لعمليات التقنين الحديثة التي تُعطي الأولوية للوضوح الوظيفي والتيسير البيداغوجي.
وفي هذا السياق، لا تُعدّ الأمازيغية حالة استثنائية أو فريدة من حيث الشفافية الإملائية. إذ توجد لغات عديدة تتسم بدرجة عالية من الشفافية الإملائية، من بينها اللغة الإندونسيا ، التي خضعت بدورها لعمليات تقنين حديثة، وتُعرف بنظامها القائم على تقابل منتظم بين الفونيمات (phonemes)والغرافيمات (graphemes). وعليه، فإن الشفافية الإملائية في الأمازيغية ليست دليلاً على تفردٍ لغوي، بل هي خاصية شائعة في عدد كبير من اللغات التي خضعت لعمليات تقنين مماثلة في السياق التاريخي الحديث. ومن ثم، فإن أي ادعاء بخلاف ذلك لا يعكس الواقع البنيوي للأمازيغية، بل يعكس سوء فهم لكيفية نشوء أنظمة الكتابة وتطورها وإعادة تقنينها ضمن سياقات تاريخية ولسانية أوسع.
المراجع:
Crystal, D. (2008). A dictionary of linguistics and phonetics (6th ed.). Blackwell Publishing.
Encyclopaedia Britannica. (n.d.). Great vowel shift. Retrieved June 26, 2026, from https://www.britannica.com/topic/Great-Vowel-Shift



