المقالات

في زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتسارع فيه التحولات، يجد المثقف العربي نفسه في مواجهة سؤال قديم متجدد: هل يختار الحياد حفاظًا على مسافة نقدية تضمن له الموضوعية، أم ينخرط في الموقف بوصفه ضميرًا حيًا يعبر عن قضايا مجتمعه؟ هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا، بل تحول إلى اختبار حقيقي لدور المثقف ووظيفته في لحظة تاريخية تتسم بالاضطراب وعدم اليقين. فبين الحياد والموقف تتشكل أزمة عميقة، يمكن تسميتها بأزمة الضمير، حيث تتداخل الاعتبارات الأخلاقية مع الحسابات السياسية، ويصبح الصمت في بعض الأحيان موقفًا بحد ذاته.

لقد ارتبط مفهوم المثقف في الوعي العربي، منذ بدايات النهضة، بفكرة الالتزام. كان المثقف يُنظر إليه باعتباره حاملًا لمشروع التغيير، وصوتًا يعبر عن تطلعات المجتمع نحو الحرية والعدالة. لكن هذا الدور بدأ يتآكل تدريجيًا مع تعقد الواقع السياسي، وازدياد الضغوط التي تُمارس على حرية التعبير، سواء من قبل السلطة أو من قبل المجتمع نفسه. وفي ظل هذه الظروف، أصبح الحياد خيارًا يلجأ إليه البعض كوسيلة للحماية، أو كاستراتيجية لتجنب الوقوع في فخ الاستقطاب الحاد.

غير أن الحياد، في سياق الأزمات الكبرى، يطرح إشكالية أخلاقية لا يمكن تجاهلها. فحين تكون القضايا المطروحة متعلقة بالحقوق الأساسية، أو بالعدالة، أو بكرامة الإنسان، يصبح الصمت أقرب إلى التواطؤ منه إلى الموضوعية. هنا يبرز التوتر بين دور المثقف كناقد يسعى إلى الفهم والتحليل، ودوره كفاعل اجتماعي مطالب باتخاذ موقف واضح. هذا التوتر لا يعكس فقط صراعًا داخليًا، بل يكشف أيضًا عن طبيعة اللحظة التاريخية التي يعيشها العالم العربي، حيث تتداخل الخطوط بين الحق والباطل، وتتشابك المصالح بشكل يجعل اتخاذ موقف أمرًا محفوفًا بالمخاطر.

في المقابل، فإن الانخراط في الموقف ليس خاليًا من الإشكاليات. فالمثقف الذي يعلن موقفه قد يجد نفسه عرضة للتشويه أو الإقصاء، خاصة في بيئات لا تتسامح مع الاختلاف. كما أن الانحياز، حتى لو كان أخلاقيًا، قد يؤدي إلى فقدان القدرة على النقد الموضوعي، حيث يصبح المثقف أسيرًا لموقفه، غير قادر على رؤية تعقيدات الواقع. وهنا تكمن المفارقة: فالمثقف مطالب بأن يكون شاهدًا على الحقيقة، لكنه في الوقت نفسه مهدد بفقدان هذه الحقيقة إذا انغمس بشكل كامل في أحد الأطراف.

تزداد هذه الأزمة تعقيدًا في ظل التحولات التي يشهدها المجال الإعلامي. فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد المثقف هو المصدر الوحيد للمعرفة أو التحليل، بل أصبح جزءًا من فضاء مفتوح تتنافس فيه الأصوات المختلفة. هذا التحول أضعف من سلطة المثقف التقليدية، لكنه في الوقت نفسه وضعه أمام تحدٍ جديد، يتمثل في كيفية الحفاظ على صوته في ظل الضجيج العام. وفي هذا السياق، قد يميل البعض إلى الحياد كوسيلة للحفاظ على المصداقية، بينما يختار آخرون الانخراط في المواقف الحادة لجذب الانتباه.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بالاختيار بين الحياد والموقف، بل بطبيعة هذا الاختيار ذاته. فهل الحياد يعني الامتناع عن اتخاذ موقف، أم أنه موقف بحد ذاته يعبر عن رؤية معينة؟ وهل الموقف يعني بالضرورة الانحياز الكامل، أم يمكن أن يكون موقفًا نقديًا يحافظ على مسافة من جميع الأطراف؟ هذه الأسئلة تكشف أن الثنائية بين الحياد والموقف قد تكون مضللة، لأنها تفترض وجود خيارين متناقضين، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.

في هذا الإطار، يمكن النظر إلى دور المثقف بوصفه سعيًا دائمًا لتحقيق التوازن بين الالتزام والنقد. فالمثقف ليس مطالبًا بأن يكون محايدًا بشكل مطلق، ولا أن يكون منحازًا بشكل أعمى، بل أن يكون قادرًا على اتخاذ موقف يستند إلى قيم واضحة، مع الحفاظ على القدرة على مراجعة هذا الموقف في ضوء المعطيات الجديدة. هذا التوازن ليس سهلًا، لكنه ضروري للحفاظ على مصداقية المثقف ودوره في المجتمع.

أزمة الضمير التي يعيشها المثقف العربي اليوم ليست معزولة عن السياق الأوسع للأزمات التي تمر بها المنطقة. فمع تصاعد النزاعات، وتراجع الثقة في المؤسسات، وتزايد الاستقطاب، يصبح من الصعب على أي فرد أن يبقى خارج دائرة التأثير. في مثل هذه الظروف، قد يكون الحياد نوعًا من الرفاهية التي لا يستطيع الجميع تحملها، بينما يصبح الموقف ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.

ومع ذلك، فإن اتخاذ موقف لا يعني بالضرورة الانخراط في خطاب الصراع. يمكن للمثقف أن يلعب دورًا مختلفًا، يقوم على تفكيك السرديات السائدة، وفتح مساحات للحوار، وتقديم رؤى بديلة تتجاوز منطق الاستقطاب. هذا الدور يتطلب شجاعة فكرية، لأنه لا يرضي الأطراف المتنازعة، لكنه في الوقت نفسه يساهم في بناء وعي أكثر تعقيدًا وعمقًا.

لذا، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن للمثقف العربي أن يحافظ على ضميره في زمن الأزمات؟ ربما لا توجد إجابة واحدة، لكن المؤكد أن هذا الضمير لا يمكن أن يعيش في منطقة رمادية دائمة. فبين الحياد والموقف، هناك مساحة واسعة يمكن للمثقف أن يتحرك فيها، بشرط أن يكون واعيًا لمسؤوليته، وقادرًا على مواجهة التحديات التي تفرضها عليه لحظته التاريخية. وفي عالم تتسارع فيه الأحداث، قد يكون الدور الأهم للمثقف ليس في تقديم الإجابات الجاهزة، بل في طرح الأسئلة التي تدفع المجتمع إلى التفكير، وتفتح أمامه آفاقًا جديدة للفهم والتغيير.

وإذا ما تعمقنا أكثر في هذه الإشكالية، نجد أن أزمة المثقف العربي لا ترتبط فقط بظروف الخارج، بل تمتد إلى بنية الوعي الثقافي ذاته. فالمثقف، في كثير من الأحيان، يعيش حالة ازدواجية بين ما يؤمن به نظريًا وما يستطيع التعبير عنه عمليًا. هذه الفجوة بين القناعة والتعبير تُنتج نوعًا من القلق الداخلي، حيث يتحول الصمت إلى عبء نفسي، ويتحول الكلام إلى مخاطرة محسوبة العواقب. وفي هذا السياق، يصبح الضمير ليس فقط أداة أخلاقية، بل ساحة صراع يومي بين الخوف والمسؤولية.

كما أن العلاقة بين المثقف والجمهور تلعب دورًا حاسمًا في تحديد موقعه بين الحياد والموقف. فالجمهور اليوم لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل أصبح فاعلًا يفرض توقعاته وضغوطه، وغالبًا ما يطالب بمواقف واضحة وحاسمة. هذا الضغط قد يدفع بعض المثقفين إلى تبني مواقف سريعة وغير ناضجة، فقط لتلبية هذا الطلب، وهو ما يهدد بتحويل الخطاب الثقافي إلى رد فعل آني بدلًا من كونه نتاج تفكير عميق. وفي المقابل، قد يؤدي الخوف من فقدان الجمهور إلى التراجع نحو الحياد، مما يعمّق من عزلة المثقف ويضعف تأثيره.

من هنا، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تعريف دور المثقف، ليس كصوت معزول أو تابع، بل كفاعل نقدي يمتلك شجاعة التفكير قبل شجاعة الإعلان. فالموقف الحقيقي لا يُقاس بحدّته، بل بقدرته على الإضاءة والفهم، والحياد الحقيقي ليس انسحابًا، بل وعيًا معقدًا يرفض التبسيط. وبين هذا وذاك، يبقى الضمير الثقافي هو البوصلة التي لا غنى عنها في زمن تختلط فيه الأصوات وتضيع فيه المعايير.

د. عصام البرام : أديب وباحث أكاديمي ودبلوماسي  من العراق

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى