المقالات

إشكالية اللغة واللهجة: مراجعة نقدية لأطروحة الكوخي حول الأمازيغية المعيارية المغربية

وفقًا لمحمد الكوخي (2014)، يمكن التمييز بين “اللهجة” و”اللغة” بالاعتماد حصريًا على معيار القابلية للتفاهم المتبادل. فالتنوعان اللذان يتمتعان بقابلية تفاهم متبادل يُعدّان لهجتين، أما إذا انتفت هذه القابلية بينهما فيُعتبران لغتين منفصلتين. وانطلاقًا من هذا الطرح، يذهب الكوخي (2014) إلى أن التنوعات اللغوية في المغرب تُشكّل لغات مستقلة لا لهجات، نظرًا لغياب التفاهم المتبادل بينها. وبناءً على ذلك، يدعو كذلك إلى تقعيد هذه التنوعات كلٌّ على حدة كلغات معيارية مستقلة، بدل توحيدها في لغة معيارية أمازيغية واحدة. وعلى الرغم من أن هذا الموقف قد يبدو بديهيًا للوهلة الأولى، فإنه يعكس تصورًا اختزاليًا مفرطًا لقضية لغوية معقدة. إذ يتجاهل هذا الطرح عقودًا من البحث في اللسانيات العامة وعلم اللغة الاجتماعي، حيث ثبت باستمرار أن التمييز بين اللغة واللهجة لا يخضع لمعايير ثنائية بسيطة. وعليه، فإن حجة  الكوخي المناهضة للأمازيغية المعيارية في مقاله “الأمازيغية المعيارية: بين اختلاق لغة جديدة وصناعة الوهم الأيديولوجي” تستند إلى أسس منهجية ضعيفة ورؤى نظرية متقادمة.

إن تحديد ما يُعد “لغة” في مقابل “لهجة” ليس مسألة بسيطة أو بنيوية محضة. فجميع اللغات تُظهر تنوعًا داخليًا، كما أن الجماعات اللغوية بطبيعتها غير متجانسة. وغالبًا ما تُصنَّف التنوعات على أنها لهجات عندما تكون متقاربة وترتبط بفوارق اجتماعية أو جغرافية. فعلى سبيل المثال، تُعد لهجتا كوكني (Cockney) ونورفوك (Norfolk) من لهجات الإنجليزية. غير أن العوامل الاجتماعية والسياسية والتاريخية كثيرًا ما تتدخل، فتجعل تنوعات لغوية متقاربة ومتشابهة تُعامَل كلغات مستقلة، كما هو الحال مع السويدية والنرويجية، أو الهندية والأردية. كما أن بعض التنوعات، مثل المقدونية والبلغارية أو الإنجليزية والإسكتلندية، تظل محل جدل من حيث تصنيفها  (Brown & Ogilvie, 2009). وتُظهر هذه الأمثلة أن القابلية للتفاهم المتبادل ليست المعيار الوحيد المعتمد في تحديد التصنيف اللغوي.

ومن منظور لساني وصفي، تُعرَّف اللهجة بأنها تنوع لغوي متميز يتميز بخصائص معجمية-نحوية وصوتية خاصة  (Crystal, 2008). وتجدر الإشارة إلى أن أي لغة تضم عددًا كافيًا من المتكلمين تميل بطبيعتها إلى تطوير تنوعات لهجية، خاصة في حالات العزلة الجغرافية أو الاجتماعية  (Crystal, 2008). وفي كثير من الحالات، تكتسب إحدى هذه التنوعات مكانة مرموقة فتُقعَّد وتُستخدم كلغة مكتوبة معيارية (Crystal, 2008). ولا تحدَّد عملية التقعيد هذه وفق معيار القابلية للتفاهم، بل تُحدَّد عبر اختيارات سوسيوسياسية ودعم مؤسسي. ومن المهم التأكيد على أن المعطيات التجريبية من مختلف أنحاء العالم تُظهر أن القابلية للتفاهم المتبادل لا يمكن أن تكون المعيار الحاسم الوحيد للتمييز بين اللغة واللهجة. ويتضح ذلك، على سبيل المثال، في ما يُعرف بـ”لهجات” الصينية؛ فالمندرينية (Mandarin) والكانتونية (Cantonese) غير متفاهمتين شفهيًا، ومع ذلك تُعدّان لهجتين بسبب اشتراكهما في نظام كتابي واحد وثقافة مشتركة. وعلى العكس من ذلك، فإن لغات إسكندنافيا، مثل السويدية والنرويجية والدنماركية، متقاربة إلى حد كبير من حيث التفاهم المتبادل، لكنها تُعد لغات مستقلة بسبب اختلاف السياقات التاريخية والسياسية والثقافية (Crystal, 2008; Chambers & Trudgill, 1998). وتُبرز هذه الحالات أن القابلية للتفاهم المتبادل ليست معيارًا حاسمًا يضمن صفة “لهجة” أو “لغة”.

وتزداد المسألة تعقيدًا عند النظر إلى التغير التاريخي أو الزمني. إذ يستخدم علم اللسانيات أيضًا مصطلح “اللهجة” للإشارة إلى مراحل تاريخية مختلفة من اللغة، مثل الإنجليزية الوسطى، والإنجليزية الإليزابيثية، والإنجليزية الحديثة (Crystal, 2008). وعلى الرغم من أن متحدثي الإنجليزية المعاصرين لا يستطيعون فهم الإنجليزية الوسطى لدى تشوسر (Chaucer) بسهولة، ولا حتى-بدرجة أقل-الإنجليزية الحديثة المبكرة لدى شكسبير، فإن هذه المراحل لا تُعامل كلغات مستقلة، بل كتنوعات زمنية للغة واحدة. ولو طُبِّق معيار التفاهم المتبادل بشكل صارم كما يقترح الكوخي (2014)، لاعتُبرت هذه المراحل لغات منفصلة بدل كونها مراحل تطورية للغة واحدة، وهو ما يكفي وحده لإبطال ادعاء الكوخي بأن هذا المعيار هو الأساس الوحيد للتمييز بين اللغة واللهجة. وعليه، يتضح أن القابلية للتفاهم المتبادل ليست سوى أداة تقريبية تُستخدم لأغراض تعليمية، لا معيارًا علميًا للتصنيف. فتصنيف اللغات يعتمد على مجموعة من المعايير، منها البنية، ودرجة التقعيد والمعيرة، والمكانة السوسيوسياسية، ومجالات الاستعمال. ومن ثم فإن التمييز بين “اللغة” و”اللهجة” هو، بقدر ما هو مسألة لغوية، بناء اجتماعي وسياسي أيضًا (Crystal, 2008).

وفي إطار هذا المنظور النظري، يمكن اعتبار اللهجات الأمازيغية في المغرب (تشلحيت، والأمازيغية الأطلسية الوسطى، والريفية) تنوعات ضمن متصل لغوي واحد، بدل كونها لغات مستقلة. إذ توجد درجة معتبرة من التفاهم المتبادل بينها، وتزداد صعوبة الفهم أساسًا بين النقاط الأكثر تباعدًا جغرافيًا ولسانيًا ضمن هذا المتصل. ومن ثم فإن تصنيف هذه التنوعات لا ينبغي أن يُبنى حصريًا على مستويات التفاهم، بل على أوجه التشابه البنيوي، والاستمرارية التاريخية، والثقافة المشتركة، ومسار التقعيد المؤسسي المتزايد. ويتوافق هذا الطرح مع نموذج كلوس (1967Kloss, ) الذي يميز بين مفهوميAbstand  (المسافة اللغوية الكامنة) و Ausbau (التطوير اللغوي المقصود). فاللهجات الأمازيغية في المغرب لا تُعد لغات Abstand، نظرًا لتقاربها البنيوي والمعجمي، بينما يُعد وجودها الحالي في شكل لغة معيارية واحدة نتيجة لعملية Ausbau. ولا يمكن عكس هذه العملية-كما يقترح الكوخي (2014)-لإنتاج ثلاث لغات معيارية مستقلة، لأن مثل هذا التطور يحدث عادة في سياقات تشكّل الدول والانقسام الجيوسياسي، حيث تُعزَّز هويات لغوية منفصلة. وإذا لم يكن الكوخي يتبنى مواقف قومية أو انفصالية، فإنه من الصعب تفسير دعوته إلى تقعيد ثلاث لغات مستقلة، بالنظر إلى أن مثل هذه المسارات ترتبط عادة بسياقات سياسية وجيوسياسية محددة.

لقد شهد المغرب بالفعل عملية Ausbau من خلال المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الذي عمل على تطوير الأمازيغية المعيارية عبر انتقاء واعتماد خصائص من مختلف اللهجات الجهوية. وهذا يدل على أن صفة “اللغة” ليست خاصية جوهرية تحددها القابلية للتفاهم، بل هي نتاج تخطيط سوسيوسياسي وتدخل مؤسسي (Ennaji, 2005). ويكشف موقف الكوخي (2014) عن تناقض منطقي جوهري؛ فبينما يقوم طرحه على غياب التفاهم المتبادل، فإن الحل الذي يقترحه لا يسعى إلى تقليص هذه الفجوة، بل يهدد بتكريسها وتوسيعها. فمن خلال الدعوة إلى تقعيد منفصل، يساهم في إضفاء الطابع المؤسسي على التشتت اللغوي بدل تعزيز التقارب والتفاهم بين المتكلمين. وخلاصة القول، إن الحجة التي يقدمها الكوخي (2014) لا تصمد أمام التحليل النقدي. إن ارتكاز الكوخي على القابلية للتفاهم المتبادل باعتبارها المعيار الوحيد للفصل بين اللغة واللهجة يعكس تصورًا اختزاليًا لا يمثل طبيعة التصنيف اللغوي المعقدة. كما يغفل هذا الطرح تعدد الأبعاد التي يقوم عليها الواقع اللغوي، ويتجاهل الرصيد العلمي الواسع من الأبحاث اللسانية التي تؤكد أن هذا التمييز لا يمكن اختزاله في معيار واحد.

مراجع:

الكوخي، محمد. (2014). الأمازيغية المعيارية بين اختلاق لغة جديدة وصناعة الوهم الأيديولوجي. تبين، 2(7)، 27-46. https://doi.org/10.31430/CTEE1206

Brown, K., & Ogilvie, S. (Eds.). (2009). Concise encyclopedia of languages of the world. Elsevier.

Chambers, J. K., & Trudgill, P. (1998). Dialectology (2nd ed.). Cambridge University Press.

Crystal, D. (2008). A Dictionary of Linguistics and Phonetics. 6th ed. Oxford, UK: Blackwell Publishing.

Ennaji, M. (2005). Multilingualism, cultural identity, and education in Morocco. Springer

Kloss, H. (1967). ‘Abstand languages’ and ‘ausbau languages’. Anthropological Linguistics, 9(7), 29–41.


  • يونس بوسعيد: باحث في اللسانيات من المغرب 

يونس بوسعيد

يونس بوسعيد استاذ اللغة الإنجليزية. يُدرّس في الصين منذ عام 2018. يُدرّس حاليًا في مدرسة دولية بمدينة تيانجين، الصين. حصل على درجة البكالوريوس في اللغويات الإنجليزية من جامعة ابن زهر، ودرجة الماجستير في اللغويات التطبيقية وتدريس اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها (TESOL) من جامعة بورتسموث ببريطانيا. تخرج من برامج وطنية و دولية مرموقة، مثل برنامج الوزارة الخارجية الأمريكية Access في المغرب، وبرنامج MEPI من جامعة ديليويرفي الولايات المتحدة الأمريكية، وبرنامج Darmasiswa من جامعة إندونيسيا. ألّف العديد من المقالات الأكاديمية في مجلات دولية مُحكمة حول مواضيع من بينها: تاشلحيت، الاستعارة، اللغويات المعرفية، والتدريس، بالإضافة إلى كتابين: Metaphor and Deixis in Tashelhit وUnlocking English Grammar: A Chinese Learner’s Roadmap to Mastery، والذي يتناول الأخطاء الأكثر شيوعًا لدى متعلمي اللغة الإنجليزية الصينيين (مكتوب باللغتين الإنجليزية والصينية). تشمل اهتماماته البحثية تمازيغت، اللسانيات المعرفية، التدخلات التربوية المُبتكرة، الاستعارة، التداولية، اللغة الصينية والعبرية ومقارنة الأديان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى