تأثيرات الجغرافيا السياسية والتحول الرقمي على تدويل التعليم العالي في أفريقيا

تمثل العلاقة المتزايدة التعقيد بين تدويل التعليم العالي في إفريقيا والتحولات الجيوسياسية والرقمية المعاصرة، أحد أوجه الصراع الحالي بين نَزْعة التحرر الفكري وسُلطان الهيمنة العالمية المتجددة؛ إذ لم تعد الجامعة المُدَوَّلة مجرد محراب لطلب الحقيقة لذاتها، بل غدت حلبةً تتصارع فيها إرادات الدول ومصالحها، وتتزاحم على أرضها أدوات العصر الحديث من تدفقٍ رقمي وتقنياتٍ ذكية، لتجعل أفريقيا- على وجه الخصوص وهي تستشرف فجر نهضتها- أمام اختبارٍ حاسم: إما أن تكون صانعة لمعرفتها ومستقلة بإرادتها، وإما أن تظل صدىً لغيرها وشاهدا على صراع القوى في العالم.
وفي هذا المنحى، لم يعد تدويل التعليم العالي مجرد عملية أكاديمية تقوم على تبادل الطلبة والأساتذة والمعارف فقط، إذ أصبح مجالا للمنافسة السياسية والاقتصادية والمعرفية، تتقاطع داخله مصالح الدول والجامعات والقوى الدولية مع التحولات التكنولوجية، ولا سيما الذكاء الاصطناعي[1]. ومن هذا المنطلق، يُطرح سؤال مركزي؛ يتمثل في: ما أثر الجيوسياسية، بما فيها التحول الرقمي، في تدويل التعليم العالي وممارساته في إفريقيا؟
يلاحظ أن التحولات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة؛ خاصة صعود التعددية القطبية ومقاومة أشكال الهيمنة النيو ليبرالية، أثرت مباشرة في التعليم العالي. فقد أسهمت جائحة كوفيد-19، والحرب في أوكرانيا، والحرب في الشرق الأوسط، وسياسات الهجرة، والتوترات بين القوى الكبرى، في إعادة تشكيل حركة الطلبة والباحثين والتعاون العلمي الدولي. وفي الوقت نفسه، صار التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي جزءا من مناخ المنافسة الجيوسياسية[2]، بعدما تحول من مجرد أدوات تقنية إلى عناصر مرتبطة بالقوة والنفوذ والسيادة. وبناء على ذلك، أتوقع أن تُواجه إفريقيا تعاونا أكاديميا وعلميا محدودا، نتيجة: للظلم المعرفي، والعوائق أمام التحول الرقمي، وتجزؤ المنظومات، والتعقيد التنظيمي في الجامعات الأفريقية.
وإذا اعتمدنا على قراءة نقدية لتدويل التعليم العالي من خلال مفاهيم إعادة الإنتاج والهيمنة والعدالة الإبيستمية، سيظهر أن التدويل ليس عملية محايدة؛ لأن أنماط المعرفة التي تنتقل عالميا تخضع لعلاقات تاريخية وغير متكافئة بين الشمال والجنوب. فما تزال أنماط المعرفة القادمة من الشمال مهيمنة في كثير من مؤسسات التعليم العالي في الجنوب، وهو ما يجعل تدويل التعليم العالي قابلًا لإعادة إنتاج التبعية الإبيستمية والاستعمارية. ومن ثمّ تبرز حتمية تفكيك المناهج والأنظمة الإيديولوجية التي تستبعد المعارف المحلية، وبناء تعددية إبيستمية تقوم على العدالة الإبيستمية والحوار بين الثقافات.
لا يمكن لتدويل التعليم العالي أن ينفصل عن الدبلوماسية العامة بوصفها تمهيدا للحوار بين ثقافات الشعوب، بالتالي ليس في وسع المنطق الأكاديمي الدبلوماسي أن يَعْزِل تدويل التعليم العالي عن مناخ الدبلوماسية العامة. غير أن الجوهر الخفي لهذا الاقتران في عصرنا، يعود إلى تلك المنظمات الدولية وإلى الدبلوماسية الناعمة التي لم تَعُد تكتفي بالتقارب الثقافي المجرد، بل أضحت تعمل بوعيٍ دؤوب لإعادة إنتاج الهيمنة الإبيستمية، وتكثيف علاقات الهيمنة الإبيستمية بين المتبوع والتابع.
لهذا، لا ينبغي النظر إلى هذه المنظمات باعتبارها مجرد جهات تقنية أو محايدة، بل باعتبارها مصدرا مؤثرا في السياسات التعليمية؛ ومشاركا في تحديد ما يُعتبر معرفة ذات قيمة؛ ومساهما في تشكيل المعايير التي تحكم التعليم العالي. وتبعا لذلك تتحول أدوات التأثير الإبيستمي إلى آليات لإعادة إنتاج الهيمنة النيو لبرالية. ومن هنا، تلزم الدعوة إلى إعادة النظر في تدويل التعليم العالي من منظور يضع التاريخ والاستعمار والجغرافيا السياسية للمعرفة في قلب التحليل النقدي.
ويستنتج من صعود الصين وقوى أخرى في إفريقيا- إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا- أن التعليم العالي لا ينفصل عن التحولات الأوسع في موازين القوة العالمية. يمكن للتبادلات التعليمية والثقافية أن تخدم أهداف التعاون والسلام، لكنها قد تتحول إلى أدوات للسياسة الخارجية والأمن القومي والدبلوماسية الناعمة أيضا. وبذلك تصبح ممارسات تدويل التعليم العالي جزءا من سياسة المعرفة العالمية، وليس مجرد نشاط أكاديمي منفصل عن التحولات الجيوسياسية.
يتأثر تدويل التعليم العالي في إفريقيا بالموقع الجيوسياسي للدول بوضح[3]. ففي شمال إفريقيا، ما تزال عملية التدويل متفاوتة، كما يستحوذ عدد محدود من المؤسسات على القسم الأكبر من الطلبة والباحثين الدوليين. وفي حالة المغرب خاصة، يلاحظ نمو في الشراكات الدولية خلال العقدين الماضيين، لكن فرص الدراسة الدولية وحركية الأساتذة لا تزال محدودة مقارنة بمناطق أخرى. وفي المقابل، تظهر جنوب إفريقيا بوصفها مركزا جيوسياسيا مهما بفضل بنيتها التحتية ومؤسساتها الجامعية القوية واستقرارها النسبي وقدرتها على جذب الطلبة الدوليين. فهناك، تتحول الجامعات فعلا إلى أدوات للقوة الناعمة والدبلوماسية الإبيستمية المشاركة، ونقطة لتعزيز المكانة الإقليمية والدولية.
وفي تناول ظاهرة التدويل من زاوية التحول الرقمي، يُرى أن إفريقيا تشهد توسعا في الوصول إلى التكنولوجيا، لكنه لا يزال أقل من المتوسط العالمي. ويظهر أن الاقتصاد الرقمي يمكن أن يؤدي دورا مهما في التنمية الإفريقية، بما في ذلك تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. غير أن هذا التحول يواجه تحديات مرتبطة بالحكامة الرقمية، والأمن السيبراني، والسياسات المتعلقة بالبيانات، فضلا عن خطر إعادة إنتاج التحيزات الاجتماعية داخل التقنيات الرقمية. وبناء على هذا المعطى، يتأكد أن مشاركة إفريقيا في وضع معايير الحوكمة الرقمية العالمية أصبحت ضرورة؛ حتى لا تتحول إلى مجرد مستهلك للتكنولوجيا المنتجة خارجها. من هنا، قد يعمل هذه الاحتمال المأسوي ضد طموحات الابتكار الرقمي في ممارسات تدويل التعليم العالي في أفريقيا.
لا بد أن يولى الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة في تحليلي التحولات الجيوسياسية؛ لأن صعوده يفتح فرصا كبيرة أمام إفريقيا، لكنه يحمل في الوقت نفسه يحمل مخاطر جيوسياسية وإبيستمية. فالتطورات الكبرى في الذكاء الاصطناعي تهيمن عليها شركات تكنولوجية أمريكية، وهو ما يجعل التكنولوجيا مجالا محتملا لإعادة إنتاج الهيمنة العالمية. وفي المقابل، تستطيع الدول الإفريقية التي تطور قدراتها في الذكاء الاصطناعي؛ وأن ترفع الإنتاجية وتخلق الابتكار والأسواق الجديدة. لذلك لا يمكن اختزال النقاش في الاستخدام التقني للذكاء الاصطناعي فقط، لكن يمكن توسيعه ليشمل قضايا الانفتاح العلمي، والرقابة، والحوكمة، والعدالة الإبيستمية أيضا.
ويمكن أن نقدم المغرب بوصفه حالة دالة في هذا السياق، إذ يلاحظ تَقدمه في مجالات الرقمنة والبحث والتكوين والتنظيم والسياسات المتعلقة بالبيانات والبنية التحتية؛ كما أستحضر مشاركته في الجهود الدولية المتعلقة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، نرى ضرورة تطوير إطار قانوني استراتيجي وطني للذكاء الاصطناعي، واعتماد حكامة تشاركية تشمل مختلف التخصصات والفاعلين الاجتماعيين، بحيث لا تقتصر على الخبراء التقنيين فقط.
انطلاقا من تلك التحولات المختلفة والمتشابكة، على الجامعات الإفريقية أن تطور نماذج رقمية متعددة اللغات تراعي الاختلافات الثقافية؛ وأن تراجع تطبيقات الذكاء الاصطناعي للكشف عن الأخطاء التي قد تعزز الظلم الإبيستمي؛ وأن تنظم استخداماته الأكاديمية؛ وأن تعزز التعاون بين إفريقيا والجنوب العالمي والصين والغرب، ووضع معايير للتعاون العلمي المفتوح والمتبادل[4]. إن التحول الرقمي ينبغي ألا يأتي على حساب الهوية واللغات الأصلية والثقافات العريقة، إنما يجب أن يسهم في تعزيز استقلال الجامعات وفي صون عدالتها الإبيستمية.
وخاتما، إن التعددية القطبية والتحول الرقمي يفرضان إعادة التفكير نقديا في معنى تدويل التعليم العالي. فالتعليم والمعرفة ليسا مجالين محايدين، وإنما يرتبطان بالقوة السياسية والاقتصادية والجيوسياسية. ولذلك، إن التحدي الأساسي أمام إفريقيا يتمثل في الانتقال من موقع المستهلك للمعرفة والتكنولوجيا إلى موقع الفاعل في إنتاجهما؛ وتحديد قواعد تداولهما. وبناء على ذلك، على تدويل للتعليم العالي أن يقوم على التعاون العلمي المفتوح، والتضامن العالمي، والعدالة والإدماج، مع الحفاظ على الاستقلال الأكاديمي والثقافي، حتى يصبح التحول الرقمي وسيلة لتوسيع حرية المعرفة والإنصاف الإبيستمي، لا أداة جديدة لإعادة إنتاج الهيمنة.
[1] Elaafou, M. (2026). Internationalization of Higher Education in Africa: An Introduction to the Impacts of Geopolitics and Digital Transformation. In: Adoui, A. (eds) Artificial Intelligence, Academic Integrity, and the Internationalization of Higher Education. Palgrave Macmillan, Cham. https://doi.org/10.1007/978-3-032-19585-2_10
[2] Moscovitz, H., & Sabzalieva, E. (2023). Conceptualizing the new geopolitics of higher education. Globalisation, Societies and Education, 21(2), 149–165.
[3] Shahjahan, R. A. (2016). International organizations (IOs), epistemic tools of influence, and the colonial geopolitics of knowledge production in higher education policy. Journal of Education Policy, 31(6), 694–710.
[4] Pham, J. P. (2021). Africa isn’t an Island: An emerging continent and the geopolitics of the 21st century. Orbis, 50(3), 420–431.



