المقالات

حدود الدليل المعجمي في اللسانيات التاريخية: إشكالية الأصل اللغوي للأسماء الإثنية في ضوء نماذج أمازيغية وعبرية

إن الادعاء بأن لفظة أشلحي ليست أصيلة في الأمازيغية استنادًا إلى غيابها من المدونات المعجمية للأمازيغية القديمة والحديثة لا يمكن اعتباره ادعاءً سليمًا من الناحية المنهجية، نظرا لاعتماده على حجة السكوت  (argumentum ex silentio) في مدونات معجمية ناقصة وغير مستوفاة البحث. ففي الدراسات التاريخية للغة الأمازيغية، لا يجوز اعتبار غياب عنصر لغوي من معاجم منتقاة دليلًا على عدم أصالته، خاصة في ظل الطبيعة المجزأة لهذه اللغة، وما شهدته عبر الزمن من تحولات عميقة، وفقدان معجمي، وإعادة هيكلة لغوية (Kossmann, 2013; Galand, 2010).

وتتفاقم إشكالية هذا الطرح كذلك بسبب الخلط بين مفهومي “المعجم الذهني” و”القاموس”. فالمعجم الذهني هو بناء نظري يشمل مجموع مفردات اللغة بكل أبعادها الدلالية والصوتية والتركيبية، في حين أن القاموس ليس إلا سجلًا خارجيًا انتقائيًا لهذه المفردات. وعلى خلاف القاموس، لا يُعد المعجم كيانًا قابلًا للملاحظة المباشرة، كما لا يوجد قاموس يمكنه الإحاطة بجميع مفردات اللغة (Crystal, 2008). ومن ثم، فإن غياب لفظة أشلحي من القواميس المعاصرة لا يعني بالضرورة أنها لم تكن موجودة أو لا تنتمي إلى المعجم الأمازيغي.

وتزداد أهمية هذا الاعتبار إذا أخذنا بعين الحسبان أن الأمازيغية كانت في الأساس لغة شفوية، وأن ظهور القواميس المكتوبة حديث نسبيًا، وهو ما يقتضي بالضرورة قدرًا من الانتقائية من طرف مؤلفيها. فكثير من المفردات قد تكون أهملت أو همشت أو اندثرت بفعل الاتصال اللغوي، أو تأثيرات التعريب، أو التباين اللهجي. كما أن مناهج إعداد القواميس تختلف؛ إذ قد يستبعد بعض الباحثين الألفاظ المختلف في أصلها الإيتمولوجي، في حين قد يتأثر آخرون باعتبارات أيديولوجية. وعليه، فإن حضور اللفظة في القواميس الحديثة أو غيابها لا يُعد معيارًا منهجيًا صالحًا للحكم على أصلها.

ومن منظور اللسانيات التاريخية، يُنظر إلى المعجم بوصفه نظامًا ديناميًا يتوسع وينكمش ويُعاد تشكيله باستمرار. ولا يشترط في اللفظة أن تعود إلى الأمازيغية الأم حتى تُعد أصيلة؛ إذ يمكن للابتكارات اللغوية اللاحقة والمصطلحات المستحدثة أن تكون أصيلة تمامًا إذا انسجمت مع الأنماط الصوتية والصرفية للأمازيغية. فإن المعيار الحاسم في إعادة البناء اللغوي ليس مجرد ورود اللفظة في قاموس، بل توفر أدلة مقارنة منهجية عبر اللهجات والمراحل التاريخية. ومن ثم، فإن غياب كلمة أشلحي من بعض المدونات المعجمية لا يكفي في حد ذاته لتبرير استبعاده من الموروث الأمازيغي، إذ ينطوي مثل هذا الاستدلال على مغالطة الاحتجاج بالسكوت، حيث إن غياب اللفظة في مدونات محدودة لا يشكل دليلًا إيجابيًا على عدم وجودها أو على أصلها الخارجي.

وعلاوة على ذلك، فإن رفض التسمية الإثنية أو إعادة تأويلها استنادًا إلى افتراضات حول أصول قدحية مزعومة في لغات أخرى يقتضي قدرًا كبيرًا من الحذر. على سبيل المثال، فقد شهد مصطلح “عبري” «Hebrew»  نقاشًا علميًا واسعًا، بما في ذلك فرضيات تربطه بتسميات اجتماعية مثل  abiru/ʿApiru، التي وصفت بأنها تحيل في النصوص المصرية والأكادية القديمة إلى فئات مهمشة اقتصاديًا واجتماعيًا (العبيد، قطاع الطرق، عديمو الأرض، الخارجون عن القانون) (Greenberg, 1955; Römer, 2015). غير أن هذه الفرضيات لا تُعد اليوم حقائق محسومة، كما أن مصطلح «Hebrew» قد ترسخ بوصفه تسمية إثنية في التقليد الإسرائيلي القديم، واستخدم لاحقًا في تشكيل الهويات الحديثة، خصوصا مع ظهور الصهيونية (Fellman, 1973; van der Toorn et al., 1999). وتؤكد الدراسات اللغوية والتاريخية المعاصرة عدم صحة الربط التبسيطي بين التسميات الإثنية والتوصيفات الاجتماعية أو الاقتصادية (Rainey, 2008).

وعلى المنوال نفسه،ينبغي التعامل بحذر مع محاولات تفسير التسميات الإثنية من خلال ردّها إلى جذور لغوية أو دلالات قديمة لا تعكس بالضرورة معانيها وهوياتها في السياقات التاريخية والحديثة. على سبيل المثال، يرتبط الاسم العرقي “عرب” من الناحيتين التاريخية والاشتقاقية بجذور سامية قديمة تدل على المناظر والمجالات الجغرافية، ولا سيما من خلال صلته بالمصطلح العبري ʿarabah ‏(עֲרָבָה)، الذي يدل على الصحراء أو البادية أو الأرض القفر (Brown et al., 1906, p. 787).  وفي أقدم استعمالاته في اللغات السامية في المنطقة، كان هذا المصطلح يُستخدم في كثير من الأحيان لوصف الجماعات الرحّل أو شبه الرحّل التي كانت تقطن المناطق الجافة الواقعة على الأطراف المحيطة ببلاد الرافدين وبلاد الشام. ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن هذا الاشتقاق التاريخي لا يجوز توظيفه على نحو إقصائي أو وصمي ضد الشعوب العربية المعاصرة، أو استخدامه لترسيخ صور نمطية اختزالية تربط العرب بالعزلة أو البدائية. بل إن المصطلح في العصر الحديث يُستخدم بوصفه تسمية لغوية وثقافية وسياسية محايدة، منفصلة تمامًا عن دلالاته الجغرافية القديمة وعن أي إيحاءات سلبية تاريخية فُرضت من الخارج.

وبالقياس إلى ذلك، لا ينبغي تقييم وضع لفظة «شلح» على أساس غيابها من القواميس الحديثة، ولا بناء على افتراضات مستمدة من نماذج ناقصة. بل ينبغي أن يستند تحديد وضعها اللغوي إلى الأدلة اللسانية التاريخية المنهجية، لا إلى مغالطة الاحتجاج بالسكوت أو إلى انتقائية المدونات المعجمية. كما ينبغي التعامل بحذر مع محاولات تفسير التسميات الإثنية من خلال ردّها إلى جذور لغوية أو دلالات قديمة قد لا تعكس بالضرورة معانيها وهوياتها في السياقات التاريخية والحديثة.  كما يجدر التأكيد على أن سلطة تحديد التسميات الإثنية وتصنيفها، مثل أشلحي، تعود في المقام الأول إلى الجماعة اللغوية نفسها، لا إلى القواميس.

المراجع:

Brown, F., Driver, S. R., & Briggs, C. A. (1906). A Hebrew and English Lexicon of the Old Testament. Clarendon Press.

Crystal, D. (2008). A dictionary of linguistics and phonetics (6th ed.). Blackwell Publishing.

Fellman, J. (1973). The revival of a classical tongue: Eliezer Ben Yehuda and the modern Hebrew language. Mouton.

Galand, L. (2010). Études de linguistique berbère. Peeters.

Greenberg, M. (1955). The Ḫab/piru (American Oriental Series, Vol. 39). American Oriental Society.

Kossmann, M. G. (2013). The Arabic influence on Northern Berber. Brill.

Rainey, A. F. (2008). Shasu or Habiru: Who were the early Israelites? Biblical Archaeology Review, 34(6).

Römer, T. (2015). The invention of God. Harvard University Press.

van der Toorn, K., Becking, B., & van der Horst, P. W. (Eds.). (1999). Dictionary of deities and demons in the Bible (2nd ed.). Brill.

 

يونس بوسعيد

يونس بوسعيد استاذ اللغة الإنجليزية. يُدرّس في الصين منذ عام 2018. يُدرّس حاليًا في مدرسة دولية بمدينة تيانجين، الصين. حصل على درجة البكالوريوس في اللغويات الإنجليزية من جامعة ابن زهر، ودرجة الماجستير في اللغويات التطبيقية وتدريس اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها (TESOL) من جامعة بورتسموث ببريطانيا. تخرج من برامج وطنية و دولية مرموقة، مثل برنامج الوزارة الخارجية الأمريكية Access في المغرب، وبرنامج MEPI من جامعة ديليويرفي الولايات المتحدة الأمريكية، وبرنامج Darmasiswa من جامعة إندونيسيا. ألّف العديد من المقالات الأكاديمية في مجلات دولية مُحكمة حول مواضيع من بينها: تاشلحيت، الاستعارة، اللغويات المعرفية، والتدريس، بالإضافة إلى كتابين: Metaphor and Deixis in Tashelhit وUnlocking English Grammar: A Chinese Learner’s Roadmap to Mastery، والذي يتناول الأخطاء الأكثر شيوعًا لدى متعلمي اللغة الإنجليزية الصينيين (مكتوب باللغتين الإنجليزية والصينية). تشمل اهتماماته البحثية تمازيغت، اللسانيات المعرفية، التدخلات التربوية المُبتكرة، الاستعارة، التداولية، اللغة الصينية والعبرية ومقارنة الأديان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى