المقالات

مشروع عبد الجبار الرفاعي… قراءة تفكيكية في الدين والإنسان والمعنى

أبتعد اليوم عما دأبت عليه في السنوات الأخيرة من الانشغال بالأنظمة الذكية والتحولات الرقمية، وما تفتحه التقنية من أسئلة حول الإنسان والعقل والمستقبل، لأعود إلى حقل لا يقل تعقيدًا وخطورة، هو حقل الدين والمعنى وتأويل المقدس. والعودة هنا ليست انتقالًا من سؤال إلى آخر، بقدر ما هي عودة إلى الجذر الذي تتفرع منه أسئلة الإنسان كلها: كيف نفهم وجودنا؟ وكيف يتشكل معنى العالم في وعينا؟ وكيف تتحول النصوص من كلمات مقروءة إلى سلطات ورؤى ومؤسسات وأنماط عيش؟

وقبل أن أدخل في هذه القراءة، أود الإشارة إلى ملاحظة أراها ضرورية. قد يتساءل بعض الأصدقاء: ما الذي يدفع رجلًا جاء من عالم علوم الحاسوب والهندسة إلى قراءة مشروع في علم الكلام الجديد؟ وهو سؤال مشروع، غير أنه يفترض أن الأفكار الكبرى لا يجوز الاقتراب منها إلا من داخل حدود التخصص الضيقة، وأنا لا أشارك في هذا الافتراض.

لا أكتب هذه القراءة بوصفي متكلمًا أو فقيهًا أو متخصصًا في الدراسات الدينية، ولا أناقش مسائل العقيدة من داخل علم الكلام التقليدي، وإنما أقرأ مشروعًا فكريًا من منظور الفلسفة ونقد الخطاب والتفكيك، وهي أدوات لا تقل شرعية في مقاربة المشاريع الفكرية الكبرى. وحين يتحول علم الكلام الجديد إلى مشروع فلسفي يستعين بالهرمنيوطيقا وفلسفة الدين والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم الإنسانية، فإنه يغادر بطبيعته حدود التخصص المغلق، ويدعو إلى حوار متعدد الحقول.

لعل خلفيتي العلمية نفسها منحتني حساسية خاصة في قراءة البنى المعرفية، وكيف تتشكل المفاهيم، وكيف تعمل الأنظمة الفكرية، وما الذي تفترضه مقدماتها قبل أن تعلن نتائجها. لا أبحث هنا عن صحة قضية كلامية أو خطئها، وإنما أحاول تفكيك منطق الخطاب نفسه، والكشف عن افتراضاته وحدوده وإمكاناته، وهذا هو مجال الفلسفة بامتياز. لقد تعلمت خلال سنوات دراستي في فرنسا أن الفكر لا يعترف بالحدود الصارمة بين التخصصات، وأن الفلسفة كانت، ولا تزال، مساحة يلتقي فيها الفيزيائي بعالم الاجتماع، والمهندس باللاهوتي، والمؤرخ بعالم اللغة. فالأفكار الكبرى لا تنتمي إلى أصحاب الاختصاص وحدهم، وإنما إلى كل من يمتلك أدوات قراءتها قراءة رصينة ومسؤولة.

من هنا، ليست هذه المقالة محاولة للحديث باسم علم الكلام، وإنما هي محاولة للحوار مع أحد أبرز مشاريعه المعاصرة، بالاستفادة من أدوات التفكيك الفلسفي التي أجدها قادرة على الكشف عما تقوله النصوص، وما تؤجله، وما تفترضه، وما تتركه مفتوحًا أمام القارئ. أفعل ذلك وأنا أقرأ مشروع صديقي، المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، من دون أن أتعامل معه مشروعًا مكتملًا ينبغي الاحتفاء به من خارجه، أو خصمًا فكريًا ينبغي نقضه، وإنما نصًا حيًا يستحق أن ندخل معه في حوار عميق، وأن نفكك منطقه الداخلي، ونستخرج توتراته، وننصت إلى ما يقوله وما يتعذر عليه قوله في الوقت نفسه. إن تكريم مشروع فكري كبير لا يكون بتحويله إلى موضوع للمديح، وإنما بجعله قادرًا على تحمل الأسئلة التي يثيرها، وربما الأسئلة التي يحاول تأجيلها أيضًا.

ينطلق الرفاعي في مشروعه من تشخيص واضح لمأزق علم الكلام القديم. لا يكتفي بالدعوة إلى إدخال مسائل جديدة في منظومته، وإنما يطالب بتجديد موضوعاته وأهدافه ومناهجه ولغته ومبانيه وهندسته المعرفية. كما يميز بوضوح بين الإحياء والإصلاح والتجديد؛ فالإحياء عنده يعيد القديم كما كان، والإصلاح يرمم البناء من دون أن يمس أسسه العميقة، أما التجديد فهو تفكيك البنية التحتية التي أنتجت معارف الدين، ثم إعادة بنائها في ضوء الفلسفات والعلوم الإنسانية والمعارف الحديثة.

يجعل الرفاعي “الفهم الجديد للوحي” معيارًا للتمييز بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد. ليست هذه النقلة بسيطة في بيئة اعتادت أن تنظر إلى علوم الدين الموروثة وكأنها امتداد مباشر للمقدس ذاته. تكمن أهمية مشروع الرفاعي في فصله بين نص الكتاب المقدس والأدوات البشرية التي أنتجت فهمه التاريخي، وتأكيده أن مناهج التفكير ونظريات المعرفة وأدوات النظر التي صاغت معارف الدين ليست نصوصًا مقدسة، وإنما اجتهادات بشرية مشروطة بزمانها وثقافتها. من هنا يفتح نافذة واسعة لإعادة التفكير في التراث، لا باعتباره كتلة واحدة ينبغي قبولها أو رفضها، وإنما مجالًا للصراع بين ما هو حي ومحيي، وما هو ميت ومميت.

القراءة التفكيكية لا تتوقف عند الإقرار بهذه الجرأة، وإنما تبدأ منها. إنها تسأل: هل ينجح المشروع بالفعل في مغادرة البنية التي ينتقدها، أم أنه يعيد إنتاج بعض افتراضاتها بلغة جديدة؟ هل يكفي أن نستبدل أدوات علم الكلام القديم بأدوات الهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا وعلم النفس وفلسفة الدين لنكون قد غادرنا منطقه؟ أم أن المركز القديم قد يتراجع اسمه ويعود في صورة مركز آخر، أكثر مرونة وجمالًا وإنسانية، لكنه يظل مركزًا يتحكم في إنتاج المعنى؟ التفكيك، كما تعلمناه من دريدا، لا يعني هدم النص من خارجه، ولا البحث عن ثغرات لغوية لإسقاطه، وإنما يعني تتبع الحركة التي يعمل بها النص ضد استقراره المعلن. كل نص يؤسس نظامه على تمييزات: أصل وفرع، حضور وغياب، حقيقة وتأويل، دين وتدين، مقدس وبشري، حي وميت، جوهر وعرض. لكنه لا يستطيع المحافظة على نقاء هذه الحدود إلى النهاية؛ فكل طرف يحتاج إلى الآخر ليتحدد، ثم يتسرب الآخر إليه ويزعزع استقلاله. النص يقول شيئًا، لكن طريقة قوله تفتح إمكانًا يتجاوز ما يريد تثبيته.

يمكن أن نبدأ بالسؤال عن التمييز المركزي في مشروع الرفاعي بين الدين ومعارف الدين، أو بين المقدس وفهم البشر للمقدس. هذا التمييز ضروري للتحرر من هيمنة التراث؛ إذ ينزع القداسة عن الفقه والكلام والتفسير والتصوف، ويعيدها إلى مصدرها. لكنه يفترض، في الوقت نفسه، إمكان وجود دين خلف تراكمات الفهم التاريخي، دين يمكن إعادة اكتشاف وظيفته الأصلية في إمداد الحياة بالمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. هنا تتقدم القراءة التفكيكية لتسأل: أين يوجد هذا الدين قبل أن يتحول إلى فهم ولغة وتأويل؟ كيف يمكن الوصول إليه خارج الوسائط البشرية التي يظهر من خلالها؟ وهل نستطيع التمييز بالفعل بين الدين في ذاته وأشكال حضوره في التاريخ؟

لا نعرف الدين إلا عندما يدخل اللغة، ولا يصل النص إلينا إلا عبر قراءة، ولا تتحول التجربة الروحية إلى معنى إلا عندما تسكن رمزًا، أو حكاية، أو مفهومًا، أو طقسًا. التأويل ليس مجرد غطاء بشري يضاف لاحقًا إلى حقيقة دينية مكتملة، وإنما هو أحد شروط ظهورها لنا. لا يعني هذا إنكار وجود الوحي أو اختزاله إلى اللغة، وإنما يعني أن حضور الوحي في العالم البشري لا يحدث خارج التاريخ واللسان والذاكرة والتلقي. وبذلك تصبح الحدود بين المقدس وتأويله أقل صلابة مما تبدو عليه. حين يقول الرفاعي إن كل عصر ينطق بفهمه الخاص للنصوص المقدسة، فإنه يضع بيده المبدأ الذي يمكن أن يزعزع فكرة المعنى الأصيل القابل للاستعادة. فإذا كان كل عصر ينتج فهمه، فإن المعنى لا يكون وديعة ساكنة داخل النص تنتظر قارئًا أكثر كفاءة ليستخرجها، وإنما يكون حدثًا يتشكل في العلاقة المتغيرة بين النص والقارئ والتاريخ. وعندئذ يتحول السؤال من: ما المعنى الحقيقي الذي ينبغي استرداده؟ إلى: كيف ينتج المعنى في كل مرة؟ ومن يملك شروط إنتاجه؟ وما السلطات والمؤسسات واللغات التي تسمح لبعض المعاني بالظهور، وتدفع معاني أخرى إلى الهامش أو الصمت؟

الرفاعي واع بسلطة إنتاج المعنى، ومن هنا يمنح المتخيل الديني مكانة أساسية في مشروعه. ويرى أن من يمتلك وسائل إنتاج هذا المتخيل يمتلك السلطة والتحكم في حاضر الناس ومستقبلهم، وأن المقدس نفسه يتسع تاريخيًا تحت تأثيره. وهذه واحدة من أخصب أفكار المشروع؛ إذ تنقل النقاش من مضمون المعتقد إلى الشروط الثقافية والنفسية والسياسية التي تصنع حضوره. غير أن التفكيك يدفع بهذه الفكرة إلى مداها الأبعد: إذا كان المتخيل يسهم في تكوين المقدس واتساعه، فهل يبقى بالإمكان رسم حد نهائي بين ما هو مقدس في ذاته وما أنتجته المخيلة الدينية؟ وهل المتخيل مجرد غشاوة ينبغي للعقل النقدي أن يضعها في حدودها، أم أنه عنصر لا غنى عنه في كل علاقة بالمقدس؟

ليس الإنسان كائنًا يعيش بالمفاهيم العقلية وحدها، فهو يسكن الاستعارات والرموز والصور والطقوس والذكريات المؤسسة. حتى أكثر الخطابات عقلانية لا تعمل من دون متخيل خاص بها. العقلانية نفسها قد تبني صورة خلاصية عن العقل، والحداثة قد تنتج أساطيرها، والتجديد قد يتخيل أصلًا نقيًا أو مستقبلًا متصالحًا لم يوجد قط. ومن ثم، ليس المطلوب وضع المتخيل في مقابل العقل، كأن الأول مصدر التضليل والثاني مصدر الخلاص، وإنما تفكيك الطريقة التي يسكن بها المتخيل كل ممارسة عقلية، بما فيها ممارسة التجديد نفسها.

يعلن الرفاعي أن بوصلة التجديد هي إعادة تعريف الإنسان والدين ووظيفة الدين، وأن ما يمكن للدين أن يقدمه يتمثل في إشباع الاحتياجات الروحية والأخلاقية والجمالية، ومنح الروح السكينة، والقلب الطمأنينة، والحياة الرحمة والرفق. ويذهب إلى أن ما يقع خارج ذلك ينبغي أن يستمده الإنسان من العقل والعلوم والمعارف والخبرات البشرية. تمثل هذه الرؤية انقلابًا إنسانيًا على لاهوت الهيمنة الذي جعل الإنسان تابعًا للمؤسسة والعقيدة والسلطة. إنها تنقل مركز الاهتمام من الدفاع عن المعتقدات إلى حماية الحياة الداخلية للإنسان، ومن تضخم الدين في المجالين السياسي والاجتماعي إلى استعادته أفقًا للمعنى.

لكن السؤال التفكيكي هنا هو: من الإنسان الذي يصبح بوصلة للتجديد؟ وهل “الإنسان” مفهوم محايد ومستقر، أم أنه بدوره نتاج تاريخي وفلسفي؟ حين نعيد تعريف الدين انطلاقًا من احتياجات الإنسان، فإننا نفترض تصورًا سابقًا لماهية الإنسان واحتياجاته الأصيلة. لكن الإنسان ليس جوهرًا واحدًا يظل ثابتًا عبر الثقافات والعصور. حتى مفاهيم الروح والسكينة والجمال والكرامة والحرية ليست خارج التاريخ، فدلالاتها تتغير وخبراتها تتعدد.

 ربما يكون مشروع الرفاعي قد انتقل من مركزية العقيدة إلى مركزية الإنسان، لكنه لم يتخل تماما عن الحاجة إلى المركز، والمركز الجديد، وإن كان أكثر إنسانية من المركز القديم، يظل معرضًا لأن ينتج استبعاده الخاص. فمن يحدد حاجات الإنسان الروحية؟ وما الذي يجعل تجربة دينية ما أصيلة وأخرى زائفة؟ وما معيار التمييز بين “تصوف الحرية” و”تصوف الاستعباد”؟ لا شك في أن التمييز بينهما يمتلك قيمة أخلاقية وتحررية واضحة، خاصة حين يتحول التصوف إلى طاعة عمياء لشيخ الطريقة واستسلام يفتك باستقلال الفرد. لكن كل ثنائية من هذا النوع تحتاج بدورها إلى تفكيك؛ فالحرية قد تنشأ، في أغلب الأحيان، داخل تقاليد الطاعة، كما قد تتحول خطابات التحرر نفسها إلى سلطات رمزية جديدة.

لا يقلل هذا من أهمية الانحياز الأخلاقي في مشروع الرفاعي، ويكشف الرهان العميق الكامن فيه. فهو لا يقدم نظرية وصفية محايدة في الدين، إذ ينحاز إلى صورة محددة له: دين الرحمة والحب والسلام والكرامة والمعنى والجمال. هذا الانحياز مصدر قوة المشروع، ويمثل في الوقت نفسه افتراضه الذي ينبغي التصريح به. المشروع لا يستخرج هذه القيم من النصوص وحدها؛ إذ يدخل إليها حاملًا حساسية أخلاقية حديثة، تشكلت تحت تأثير فلسفات الإنسان والحرية والحقوق والكرامة. إنه يعيد قراءة الدين من داخل أفق إنساني معاصر، لا من خارج كل أفق. هنا لا ينبغي التعامل مع هذا الأمر على أنه نقص ينبغي إخفاؤه، على العكس، تصبح قوة المشروع أكبر عندما يعترف بأن التجديد ليس اكتشافًا لمعنى صاف كان موجودًا منذ البداية، وإنما هو إنتاج مسؤول لمعنى ديني يحتاجه الإنسان اليوم. والفرق مهم بين من يزعم أنه يستعيد الجوهر الأبدي للدين، ومن يقر بأنه يدخل في عملية تأويل تاريخية وأخلاقية لا تستطيع الادعاء بأنها الكلمة الأخيرة.

إن رؤية “الفهم الجديد للوحي”، التي يجعلها الرفاعي معيارًا لعلم الكلام الجديد، تحمل في داخلها هذا التوتر. فالجديد لا يكون جديدًا إلا إذا اختلف عن القديم، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يظل فهمًا للوحي ذاته. وهذا يعني أن المشروع يتحرك بين الوفاء والاختلاف، بين المحافظة على هوية المرجع وتغيير نظام دلالاته. لا يمكنه الانفصال تماما عن القديم، وإلا فقد اسمه كلامًا دينيًا، ولا يمكنه البقاء داخله، وإلا تحول إلى تكرار. إنه يقيم في منطقة برزخية، لا تنتمي بكلياتها إلى التراث ولا تنفصل عنه، ولا تذوب في فلسفة الدين الحديثة ولا تبقى أسيرة لعلم الكلام الموروث. هذه المنطقة الوسطى ليست عيبًا، فهي موضع الخصوبة الحقيقي في المشروع.

 غير أن الخطابات التجديدية تميل عادة إلى إخفاء هذا التردد، إذ تحتاج إلى رسم حدود واضحة بين القديم والجديد. يعيد التفكيك الاعتبار إلى التردد، لا باعتباره ضعفًا، فهو اعتراف باستحالة القطع النهائي مع ما ننتقده. نحن لا نغادر التراث كما يغادر المرء بيتًا قديمًا؛ فاللغة التي ننتقده بها مشبعة بآثاره، والأسئلة التي نوجهها إليه ولدت في داخله أو في الصراع معه. كما أننا لا نستورد الحداثة أداة محايدة؛ فالهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا وعلم النفس والفلسفة الغربية تحمل هي الأخرى تاريخها وتحولاتها ومركزياتها وأزماتها.

عندما يدعو الرفاعي إلى توظيف الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة في قراءة النص الديني، فإنه يقوم بخطوة ضرورية، لكنه يترك سؤالًا مفتوحًا: هل هذه العلوم أدوات خارجية نستخدم منها ما يصلح ثم نعيدها إلى مكانها، أم أنها خطابات تعيد تشكيل موضوعها بمجرد دخولها إليه؟ لا يمكن للأنثروبولوجيا أن تدرس الدين من دون أن تغير مفهومنا عنه، ولا يمكن للتحليل النفسي أن يقترب من التجربة الروحية من دون أن يعيد توزيع العلاقة بين الوعي واللاشعور والرغبة والرمز. كذلك لا تدخل الهرمنيوطيقا إلى التفسير أداة كالمطرقة أو المجهر، فهي تمثل تحولًا في مفهوم الحقيقة والفهم واللغة. من هنا يبدو مشروع الرفاعي أكثر ثورية مما يصرح به في الغالب. فالقبول الحقيقي بهذه المناهج لا يقتصر على تغيير أجوبة علم الكلام، وإنما يغير طبيعة أسئلته وحدود موضوعه، وربما يزعزع اسمه نفسه. وقد لا تنتهي العملية إلى “علم كلام جديد” بالمعنى الدقيق، وإنما إلى حقل يقع بين فلسفة الدين والهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا واللاهوت والنقد الثقافي. يلاحظ الرفاعي نفسه غياب الحدود الدقيقة بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، لكنه يبقي على اسم علم الكلام، ربما حفاظًا على الصلة بالذاكرة الإسلامية، واستمرارًا للحوار مع المؤسسة الدينية.

غير أن الاسم ليس تفصيلًا بريئًا، فالاحتفاظ باسم “علم الكلام” يمنح المشروع شرعية داخل التراث، لكنه يحمل معه أيضًا آثار تاريخ طويل ارتبط بالدفاع عن العقيدة، وترسيم حدود الإيمان، والفرقة الناجية، والخصم المخالف. فهل يستطيع الاسم القديم احتواء تحول معرفي جذري من دون أن يعيد إخضاعه لذاكرته؟ أم أن الجديد يظل معرضًا لخطر التحول إلى هامش داخل بنية القديم؟ هنا يظهر الاختلاف بين التجديد والتفكيك. التجديد يفترض إمكان إعادة بناء المنظومة على أسس أصلب وأكثر ملاءمة للعصر. أما التفكيك فيتردد أمام فكرة البناء النهائي؛ إذ يرى أن كل بنية جديدة تحمل في داخلها شقوقها، وأن كل مركز يؤسس هامشه، وكل تعريف ينتج ما يستبعده. التجديد يريد نظامًا بديلًا لإنتاج المعنى الديني، بينما يسأل التفكيك: هل يمكن امتلاك نظام يحكم المعنى من دون أن يتحول إلى سلطة جديدة عليه؟

لكن التفكيك الذي أدافع عنه هنا لا يدعو إلى ترك المعنى في فوضى مطلقة، ولا إلى مساواة التأويلات بعضها ببعض. إنه يطالب فقط بأن تظل عملية إنتاج المعنى واعية بحدودها، ومتواضعة أمام ما تستبعده، وقادرة على مراجعة نفسها. لا نحتاج إلى معنى بلا قرار؛ نحتاج إلى قرار يعرف أنه ليس أبديًا. ولا نحتاج إلى تأويل بلا معيار؛ نحتاج إلى معيار أخلاقي لا يدعي أنه خارج التاريخ أو فوق السؤال. في هذا الجانب يلتقي مشروع الرفاعي مع الروح الأعمق للتفكيك، حتى حين يختلف معها فلسفيًا. فالدعوة إلى دين يحمي الكرامة، ويمنح الإنسان الحب والرحمة والسكينة والجمال والسلام، ليست مجرد إعادة تعريف لعلم الكلام؛ إنها مقاومة لأنظمة دلالية استعملت المقدس في إنتاج الخوف والطاعة والإذلال. والتفكيك، في جوهره الأخلاقي، هو أيضًا انحياز إلى من تستبعدهم البنى المغلقة، وإلى الأصوات التي لا يسمح المركز بسماعها.

من هنا لا أقرأ عبد الجبار الرفاعي مجددًا يبحث عن طلاء حديث لبناء قديم؛ أقرأه مفكرًا يحاول نقل الفكر الديني من سؤال: كيف نحمي العقيدة؟ إلى سؤال: كيف نحمي الإنسان من التأويلات التي تحطم روحه وكرامته؟ وهذه النقلة هي الإنجاز الأهم في مشروعه. غير أنه، مثل كل مشروع كبير، يفتح أسئلة تتجاوز الأجوبة التي يقدمها: هل يمكن تحرير الدين من التاريخ من دون أن نفقد تاريخية ظهوره؟ هل نستطيع فصل الوحي عن سلسلة تأويلاته؟ هل الدين أفق للمعنى نعثر عليه، أم أفق نسهم في بنائه باستمرار؟ وهل الانتقال من مركزية العقيدة إلى مركزية الإنسان يلغي المركز، أم يمنحه اسمًا جديدًا؟

ربما لا تتمثل قيمة مشروع الرفاعي في تقديم أجوبة نهائية عن هذه الأسئلة؛ إذ تكمن قيمته في جعل طرحها ممكنًا من داخل الثقافة الدينية نفسها. لقد فتح الباب من داخل البيت، لا ليحرقه، ولا ليعيد ترتيب أثاثه فقط، وإنما ليسمح بدخول هواء لم تعتده غرفه المغلقة. أما مهمة القراءة النقدية فهي أن تبقي الباب مفتوحًا، وألا تسمح للغة التجديد بأن تتحول بدورها إلى يقين جديد أو مؤسسة جديدة تحتكر تعريف الدين والإنسان والمعنى.

أكتب هذه القراءة تكريمًا لمشروع صديقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وأفهم التكريم هنا اعترافًا بحق المشروع في أن نقرأه بجدية، ونفككه بحب، ونضعه في مواجهة أصعب الأسئلة التي يوقظها. المشاريع الصغيرة وحدها تحتاج إلى المديح كي تبقى، أما المشاريع الحية فتزداد حيوية كلما دخلت في حوار واختلاف. لعل أفضل ما يمكن قوله عن مشروع الرفاعي أنه لم يعد يسمح لنا بأن نتحدث عن الدين بعده بالطريقة نفسها التي كنا نتحدث بها قبله. غير أن الوفاء الحقيقي لروحه التجديدية يقتضي ألا نتعامل حتى مع مفاهيمه كنهايات. الدين، مثل اللغة، لا يمنح معناه دفعة واحدة، والإنسان لا يستقر في تعريف، والنص لا يغلق أبوابه بعد قراءة واحدة. وما نسميه تجديدًا لا يعني الوصول إلى المعنى الأخير؛ إنه إبقاء المعنى قادرًا على الولادة، وإبقاء السؤال حيًا في وجه كل سلطة تريد أن تعلن أن الكلام قد اكتمل.


**د. تحسين الشيخلي: أكاديمي عراقي، حاصل على شهادة دكتوراه الدولة في هندسة المعلوماتية من فرنسا، وأستاذ مشارك في جامعة كينغستون في لندن، ومدير مركز دراسات وبحوث المستقبل في لندن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى