المقالات

أزمة العقل العمومي وفلسفة التطهير: تأملات في العدالة الجنائية

قبيل مثول رئيسة الحكومة أمام البرلمان لعرض برنامجها الحكومي، طفت على السطح وثيقة تطعن في الذمة الأخلاقية لإحدى وزيراتها؛ فسرى الخبر سريان النار في الهشيم، مما أثار سجالا صاخبا لم يقل حدة عن “نقاش الصاك” الشهير. أمام هذا الضغط، بادرت رئيسة الحكومة إلى التماس إعفاء الوزيرة المعنية من جلالة الملك، ليطوى بذلك مسارها الوزاري سريعا، وتبعه لاحقا إنهاء لمسارها البرلماني بعد أن ضغط عليها الأمين العام لحزبها لتقديم الاستقالة.

      غير أن غاية هذا المقال ليست الخوض في السيرة الشخصية للوزيرة المعفاة ولا تتبّع حيثيات ملفها، فذلك شأنٌ يخرج عن دائرة اهتمامنا؛ وإنما يروم هذا النص تقاسم “مونولوج” فكري فرضه تزامنُ واقعة الإعفاء مع قراءةٍ متجددة لي في محاورات أفلاطون – وتحديداً محاورة “أوطيفرون” وما تلاها في “الدفاع” و”أقريطون” – بحثاً عن علةٍ كافية تفسر رفض سقراط عرضَ أصدقائه الأثرياء لتهريبه خارج أثينا. أيُّ دافعٍ أخلاقي هذا الذي يحمل الإنسان على مغالبة “إرادة الحياة” – وهي النزوع الطبيعي الأصيل الذي به تتحدد ماهية الإنسان – ليُصرّ سقراط على البقاء في أثينا، مقبلاً وراضياً بحكم قوانينها، رغم علمه ويقين أفلاطون ومحاوريه بأن تلك القوانين قد طُوّعت، بظلمٍ وتعسف، لإدانته؟

      إن النقاش الحقيقي – لو كنا نمتلك إعلاماً رصيناً يرتقي بالسجال من رتابة اليومي ونميمة الأزقة إلى أفق الأفكار الرحب – لكان حريا به أن يتمحور حول مفاهيم كبرى كالعدالة، والعقاب، والتطهير الأخلاقي (الكاتارسيس)، بدلاً من الانحدار إلى درك الملاسنات والتشهير والتشنيع؛ وهو انحدار يفوت علينا، مع كل نازلة، فرصة ثمينة لإنضاج النقاش العمومي، وتأهيل العقل الجمعي، والسمو بوعي الجماهير وحشود المنصات الرقمية.

      لنفترض، في المقام الأول، أن شخصاً يدعى “عمر” كان قد اقترف في ماضيه أفعالا جرمية تستوجب العقاب بمقتضى القانون؛ بيد أنه استطاع، بحيلةٍ أو وسيلة، الإفلات من القصاص بعدما ساق من القرائن والدفوعات الطبية ما ألقى ظلال الشك حول تمتعه بكامل مداركه العقلية وإرادته الحرة لحظة اقتراف الفعل، مما حمل القاضي – استناداً إلى ما عرض عليه من شواهد – على إسقاط العقوبة عنه لانعدام المسؤولية الجنائية.

      ثم ترادفت السنون، وإذا بـ “عمر” – الذي صنف طبيا وقضائيا في عداد فاقدي الأهلية أو المضطربين نفسياً إبان تلك الوقائع – يعود من جديد إلى صلب الحياة العامة والمعترك السياسي. بل إنه أخذ يرتقي مدارج المناصب بسرعةٍ قياسية لا يتيحها إلا نسق سياسي وحزبي ريعي، تلعب فيه شبكات النفوذ والمال دور الرافعة لتسريع الترقي؛ حتى وجد نفسه أمام فرصةٍ سانحة لتقلد منصب عمومي رفيع يتجاوز حدود التدبير المحلي أو الجهوي في مجلسٍ أو جماعة ترابية، ليتبوأ مقعداً داخل الجهاز التنفيذي ذاته، مشرفا من موقع السلطة على تدبير شؤون الأمة التي يُفترض أن يخضع هو، كسائر أفرادها، لقوانينها وضوابط فضّ النزاعات داخلها.

      قد يبدو، من زاوية تقنية للقانون ومنحازة، أن الأمر قد حسم بطي الملف قضائيا، وأن المواطن “عمر” بات يتمتع بكامل الأهلية للمشاركة في تدبير الشأن العام -سواء من موقع السلطة التنفيذية أو التمثيلية – وأن نبش وقائع طواها التقاضي وقال فيها القضاء كلمته النهائية ليس سوى ضرب من الضغينة أو الحسد حيال نجاحه السياسي والمهني. بيد أن هذا الدفع ليس إلا حيلة خطابية وسفسطة – بالمعنى السلبي للسفسطة، أما السفسطائي الحقيقي فيحتاج عمرا من التعليم والتدريب – رائجة في فضاء عمومي انفصمت فيه عرى السياسة والصحافة عن “الثقافة العالمة”، حتى غدا النقاش العمومي أقرب إلى تدبير “نفايات اليومي” عوض مساءلة الأفكار والمشاريع المرتبطة بالمؤسسات؛ مما جعلنا ننحدر إلى درك يستطيع فيه كل متهم أو مدان أن يدرأ عن نفسه المساءلة بدعوى أن منتقديه يفتقرون إلى ذكائه وحظوته، وكأن النجاح الفردي؛ المادي والسياسي يمنح صاحبه حصانة أخلاقية تضعه فوق المساءلة، وأن الانتهازية في اقتناص الفرص تعفي من الخضوع للقواعد المشترك!

       وهكذا ينزاح النقاش العمومي عمدا -وبمساهمة من صحافة/السخافة – من سؤال احترام القانون وهيبة المؤسسات إلى التفتيش في نوايا المنتقدين، ومن مساءلة الفعل العمومي إلى وصم المسائلين بالحسد؛ فينقلب الخطاب السياسي من جوهره الأصيل بوصفه “فعلا تربويا” يقدم للرأي العام قدوة في النزاهة والمسؤولية، إلى ملاسنات سوقية تستهدف إسكات صوت العقل عبر دغدغة غرائز العامة واستدعاء انفعالات الحشود وتكريس التذمر بكلمات الشارع كمقولات جديدة في التحليل والاستشراف والنقد (الفراقشية / الصاك / ديالي كبر من ديالك / البانضية / العفاريت….).

      إن جوهر الإشكال في نازلة “عمر” يكمن بنظري في الفلسفة العميقة للعدالة الجنائية وتصورها لماهية العقاب؛ ففي المجتمعات القديمة وما قبل الدولة الحديثة، لم تكن العدالة مجرد آلية للردع، بل كانت طقسا لـ “تطهير” الفرد من آثامه وأدرانه؛ إذ مارست حضارات شتى العقاب بوصفه فعلا تطهيريا يغسل به الجاني خطيئته الناجمة عن انتهاك القانون الذي كان يحاط بهالة من القداسة صونا لوحدة الجماعة وتماسكها، بل كان لزاما على منتهك القواعد أحيانا أن يقدم التضحية بنفسه استردادا لشرفه المثلوم. هذا المعنى التطهيري للعقاب نجد جذوره راسخة في المجتمعات القديمة وهناك تنظير له عند الإغريق؛ فسقراط مثلا: في محاورة “جورجياس” يقرر أن الإفلات من العقاب هو أعظم شر يصيب الإنسان لأن القبول بالعقوبة هو “تطبيب وعلاج للروح” مما يؤدي إلى تطهيرها من دنس الجور، كما نجد صداه عند أرسطو، سواء في تنظيره لمفهوم “التطهير/الكاتارسيس” في كتاب “فن الشعر”، أو في تأسيسه لـ “العدالة التعويضية” في “الأخلاق النيقوماخية” بوصفها استعادة للتوازن الأخلاقي والقانوني المفقود داخل المدينة ‘البوليس’.

      وعليه، ليس الإشكال إذن في كون “عمر” قد أخطأ في ماضيه؛ فالخطأ في كنف الدولة الحديثة لم يعد “عارا أبديا” أو خطيئة أصلية لا تمحى، وحتى الشرائع السماوية – وفي طليعتها الإسلام – كانت ذكية في تشريعها لباب “التوبة” وتركه مفتوحا على مصراعيه، غير أنها اشترطت لقبولها ألا تسقط بها حقوق العباد والقصاص العادل حين يتعلق الأمر بالغير أو بالحق العام. وعليه، فإن المعضلة الأخلاقية لا تكمن في عثرة شابت مسار “عمر”، بل في كونه سخر ما أتيح له من وسائل ونفوذ للتحايل على العدالة، وتطويع الثغرات المسطرية للتنصل من المسؤولية والإفلات من العقاب.

      لهذا السبب تحديدا، لا يعد “عمر”  -بمنظور فلسفة العدالة الجنائية ومبادئ العدالة الانتقالية – بريئا براءة أخلاقية تامة؛ بل إنه لا يزال مدينا للجماعة بالاعتراف والاعتذار عن أفعاله، وعن تمرده التحايلي على القوانين المنظمة للمجتمع الذي يطمح اليوم إلى أن يؤتمن على تدبير شؤونه وتشريع قوانينه؛ ومن هذا المنطلق، فإن حكمة “الإعفاء” في نازلتنا لا تصدر عن موقف انتقامي شخصي، ولا تعني تنصيب الدولة لنفسها في مقام التأله لمحاسبة الناس على حقهم البشري في الخطأ؛ بل يعكس قرار الإعفاء – في تقديري – موقفا فلسفيا وسياديا عميقا ممن أشر عليه، ويتجلى في الرفض المطلق لتحايل المواطن على القانون؛ فبلغة الحكماء القدماء: لا يزال “عمر” ينوء بوزر خطيئته، لأنه أبى أن يخضع لـ “التطهير” الذي تحققه العدالة الجنائية، فحرم نفسه من المصالحة الأخلاقية مع الجماعة التي ينتمي إليها، وإلى أن يعتذر “عمر” علنا عن ذلك فيجب أن يبقى بعيدا عن السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإن فعل واعتذر واعترف؛ فعلى الدولة أن تكون نموذجا للتسامح.

      على النقيض من ذلك، لنفترض في سياق مغاير أن مواطنا يدعى “توفيق الحكيم” كان قد اقترف في ماضيه خطأ جنائيا يعاقب عليه القانون، وعرضت على القضاء كافة القرائن المثبتة لإدانته؛ غير أن “توفيق الحكيم” – بعد أن استنفد حقه الطبيعي والمشروع في الدفاع عن نفسه- لم يلجأ إلى المراوغة، ولم يتذرع بجنون عارض أو سفه طارئ للتنصل من مسؤوليته الجنائية؛ بل واجه مصيره بشجاعة أخلاقية، وقبل منطوق الحكم، وأمضى عقوبته كاملة خلف القضبان، ثم عاد إلى رحاب المجتمع بالقانون، حرا ومستردا لكامل أهليته وحقوقه المدنية والسياسية.

      بيد أنه حين تحركت في وجدان “توفيق الحكيم” رغبة الإسهام في الشأن العام، فانخرط في النقاش العمومي مبديا رأيه وممارسا حقه في النقد، أو متطلعا للترشح إلى منصب تمثيلي أو مؤسساتي، ووجه في كل مرة بسيف ماضيه المسلط على رقبته؛ إذ ينبري له حراس نصبوا أنفسهم أوصياء على الدولة والفضاء العمومي وضمائر الناس، ليقولوا له بلسان الحال أو المقال: “لقد خططنا حولك دائرة مغلقة لا يجوز لك تخطيها؛ ومنحناك داخلها حق أن تأكل وتشرب وتنام وتتنقل، أما أن تستعيد صفتك كـ “حيوان سياسي” “بالمعنى الأرسطي”، أو أن تجرؤ على الخوض في قضايا العدالة والفضيلة وتدبير المدينة، فذلك محرم عليك إلى أن توارى التراب، جزاء لك على ما اقترفته في ماضيك”.

      لاحظوا معي أننا هنا أمام مفارقة تختلف جذريا عن نازلة “عمر”؛ فحالة “توفيق الحكيم” تمثل الوضع الطبيعي والسوي في منطق الاجتماع البشري. ذلك أن الدولة الحديثة لا تطالب المواطن الذي كبا في مساره يوم ما أن ينقلب إلى راهب في صومعة، أو فقيه زاه ينذر بقية عمره للبكاء على خطيئته والتكفير عنها بالانقطاع عن الدنيا؛ فالإنسان – كما علمتنا الفلسفة الحديثة من سبينوزا إلى فريدريك نيتشه – كائن راغب بطبعه، والسياسة ليست جنة للملائكة والأطهار، بل هي فضاء أرضي لتدبير رغبات البشر ومصالحهم وتدافعهم ضمن سقف القانون، ولذلك نعترض على خطورة هذا الإقصاء الذي يتعرض له “توفيق الحكيم” في أربع حجج فلسفية وحقوقية دامغة تجعل تؤكد أن مساره مختلف عن مسار عمر وعن موقفنا منه:

أولاً: قبول “التطهير” والاعتراف بالذات القانونية؛ ففي فلسفة القانون الحديث – كما نظر لها هيجل في “أصول فلسفة الحق” – لا تكون العقوبة انتقاما من الجاني، بل هي “حق له” يكرم به ككائن عاقل ومسؤول عن أفعاله؛ وحين يؤدي المواطن ضريبة خطئه من حريته أو ماله، فإنه يمحو الجريمة قانونيا وأخلاقيا، ويحصل على “التطهير الجنائي” الذي يعيد إدماجه في العقد الاجتماعي على قدم المساواة مع أقرانه؛ وكل محاولة لمعاقبة “توفيق الحكيم” بعد انقضاء عقوبته هي نقض لماهية العقد الاجتماعي، وإعلان صريح بأن عدالة الدولة عاجزة عن التطهير والجبر.

ثانياً: الاختزال البيولوجي للإنسان؛ حين يحصر حق “توفيق الحكيم” في الأكل والشرب والنوم والتنقل، ويحرم من الفعل السياسي والكلام في الفضاء العمومي، فإنه يتعرض لعملية مسخ تسقط عنه إنسانيته السياسية وتختزله في مجرد “حياة حيوانية رتيبة” بيولوجية – بمفهوم الفيلسوف جورجيو أغامبن – فالإنسان لا يتحقق إنسانا بمجرد بقائه الفيزيولوجي على قيد الحياة، بل بقدرته على الظهور في الفضاء العام (الأغورا عند حنة ارنت وهابرماس)، والمشاركة بالكلمة والفعل في صياغة المصير المشترك.

ثالثاً: خرق مبدأ تناهي العقوبة وتحويل المجتمع إلى سجن أبدي؛ إذا كان القضاء المقيد بنص القانون قد حكم على “توفيق الحكيم” بعقوبة محدودة في الزمان والمكان، فإن الغوغاء والخصوم السياسيين يحكمون عليه بـ “المؤبد الأخلاقي” و”الإعدام المدني” وهذا يفرغ العقوبة المؤسساتية من غايتها الإصلاحية والتأهيلية، ويستبدل بسلطة القضاء محاكم تفتيش شعبوية تمارس إرهابا فكريا يغتال المواطنة تحت ذريعة حماية الأخلاق.

رابعاً: المعايير المزدوجة في الفضاء العمومي؛ فبينما يتسامح النسق السائد مع “عمر” الذي تحايل على القانون وادعى الجنون أو غياب الأهلية ليفلت من الحساب ثم قفز إلى قمة الجهاز التنفيذي دون أن يتطهر من خطئه، نجد النسق ذاته يقسو بوحشية على “توفيق الحكيم” الذي احترم القانون، وامتثل لأحكامه، ودفع الثمن كاملا من عمره وحريته!

      وعليه، فإن مصادرة الحقوق السياسية والمدنية لـ “توفيق الحكيم” من قبل الخصوم وحشود المنصات بدعوى ماضيه، ليست مجرد تعسف أخلاقي، بل هي انقلاب على جوهر الدولة الحديثة وفلسفة العدالة؛ لأن من أدى دينه للقانون والمجتمع لا يملك أحد — مهما علا شأنه أو ادعى من وصاية على الفضيلة — حق مطالبته بدفع الفاتورة مرتين، أو الحكم عليه بالخرس الأبدي خارج أسوار المدينة.

      وهكذا نخلص إلى جوهر القضية ومربط فرسها؛ فلقد كان حريا بواقعة إعفاء الوزيرة أن تستنهض فينا همة التفكير العقلاني أو أن ندفع إليه دفعا من طرف صحافة مسؤولة غايتها أن تدفعنا إلى فتح نقاش عمومي رصين حول أسس العدالة الجنائية، وفلسفة العقاب، ومفاهيم القصاص والتطهير والتوبة، وغيرها من المفاهيم المؤسسة لمنطق الدولة الحديثة، بما يسهم ويخدم إنضاج العقل العمومي والارتقاء بالوعي الجماعي للجمهور.

      وحين نصغي إلى صوت العقل بهدوء وتجرد خارج منطق الحشد، سندرك أنه لا يستقيم – منطقا ولا أخلاقا – أن نضع “عمر” المتحايل على القانون في كفة واحدة أو على قدم المساواة مع “توفيق الحكيم”؛ ذلك أن الأول تنكر لقوانين الجماعة حين طالته بالمساءلة ثم طمع في المستقبل في قيادتها دون أن يتطهر من خطئه بالاعتراف والاعتذار، بينما امتثل الثاني لسلطة القانون، وارتضى دفع الضريبة من حريته صونا للعقد الاجتماعي، فخرج من محنته مطهرا ومستحقا لكامل مواطنته؛ وهنا تكمن حكمة سقراط حين اعتبر أن الهروب من العقاب والتحايل عليه هو مصدر للشقاء، وكم أتخيل شقاء السيدة الوزيرة الآن – وهو أمر لا نتمناه لها أو لغيرها – لقد رفض حكيم أثينا عرض الهروب لأن الفرار من حكم القضاء – حتى وإن شابه التعسف – هو هدم لفكرة “القانون” التي بدونها تستحيل المدينة إلى غابة؛ ولنترك الكلمة لسقراط وبولوس في محاورة جورجياس، حيث يقدم هذا الحوار البديع إجابة شافية ومفتاحا لحل هذه المفارقات:

النص

سقراط: وقد سلّمنا من الناحية الأخرى أن الإنسان يتخلص من ذلك الشر إذا كفّر عن خطيئته.

بولوس: نعم.

سقراط: وبالتالي، فإن ارتكاب الظلم ليس إلا ثاني الكبائر، ولكن الاستمرار فيه دون تكفيرٍ هو أكبر الشرور، وأولها جميعاً.

بولوس: أعتقد أنك محق.

سقراط: وماذا كان موضوع حوارنا الخاص؟ لقد كان يدور حول “أرخيلاوس”؛ فقد كنتَ تقرّر أنه سعيد، لأنه أفلت من كل عقاب على الرغم من جرائمه الشنيعة، بينما زعمتُ أنا على العكس، أن “أرخيلاوس” أو كل من عداه، إذا لم يُعاقَب على جرائمه، فإنه يكون محكوماً عليه بذلك نفسه، أي بأن يكون أشقى الناس؛ فالمجرم دائماً أشقى من ضحيته، والمجرم غير المعاقَب أشقى من ذلك الذي يلقى جزاء خطيئته. أليس ذلك هو ما كنتُ أقوله؟

بولوس: بلى.

سقراط: وقد ثبت إذن أني كنتُ على حق؟

بولوس: يلوح هذا[1]

          *أفلاطون، محاورة جورجياس، ترجمة محمد حسن ظاظا، مراجعة سامي النشار؛ القاهرة؛ الهيئة المصرية العامة للنشر، 1970 ص 82-83


[1] أفلاطون، محاورة جورجياس، ترجمة محمد حسن ظاظا، مراجعة سامي النشار؛ القاهرة؛ الهيئة المصرية العامة للنشر، 1970 ص 82-83

مصطفى الزاهيد

باحث في الفلسفة، يتابع دراساته بسلك الدكتوراه بجامعة ابن طفيل بالمغرب، حيث يشتغل على موضوع نشأة الحداثة العلمية والفلسفية في أوروبا من غاليليو وديكارت إلى كانط. حاصل على ماستر في فلسفة التواصل، وتكوين في علم الاجتماع، ويهتم بفلسفة العلوم، والعقلانية الحديثة، وتحولات العلاقة بين الدين والسياسة. نشر مقالات علمية محكمة وأعمالًا فكرية في كتب جماعية، كما يساهم في الكتابة الصحفية الثقافية حول قضايا الحداثة، والحرية، ونقد الخطاب الديني المعاصر. يندرج مشروعه ضمن محاولة إعادة التفكير في أسس العلاقة بين الدين والدولة في السياق الإسلامي المعاصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى