تهميش العلوم الطبيعية في التراث

يقول ملا صدرا الشيرازي (979 – 1050هـ)، في نقد ابن سينا (370 – 428هـ): “فهذه وأمثالها من الآراء والتصورات إنما نشأت من الذهول عن حقيقة الوجود وأحكامها وأحكام الهويات الوجودية، وصرف الوقت في علوم غير ضرورية؛ كاللغة، ودقائق الحساب، وفن أرثماطيقي، وموسيقي، وتفاصيل المعالجات في الطب، وذكر الأدوية المفردة والمعاجين، وأحوال الترياقات والسموم، والمراهم والمسهلات، ومعالجة القروح والجراحات، وغير ذلك من العلوم الجزئية التي خلق الله لكل منها أهلًا، وليس للرجل الإلهي أن يخوض في غمرتها. وبالجملة، رأس الأمر وسنامه لمن أعطاه الله فطرة صافية، وطبعًا لطيفًا، وذكاء شديدًا، وفهمًا ثاقبًا، واستعدادًا بالغًا، ألا يشتغل بأمور الدنيا وطلب الجاه والرفعة، بل يكون معرضًا عن الخلق، طالبًا للخلوة، آنسًا بالله، آيسًا عن غيره، مع حضور القلب واجتماع الهمة وصرف الفكر في الأمور الإلهية، بعد أن حصل قبل ذلك شطرًا من العلوم الأدبية والمنطقية والطبيعية والخلقية، مما لا بد منه للسالكين إلى الله تعالى على طريق الاكتساب العلمي”. الشيرازي، ملا صدرا، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج 9: ص119، ط 4، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
لا يتضمن كلام ملا صدرا إنكارًا لقيمة هذه العلوم في مجالاتها أو تحريمًا للاشتغال بها، لكنه يدعو “الرجل الإلهي” إلى تجنب الاستغراق في تفاصيلها، وتوجيه وقته وجهده إلى معرفة حقيقة الوجود والأمور الإلهية. يمكن لهذه التراتبية، حين تتحول إلى معيار عام لتقويم المعارف، أن تخفض المكانة المعرفية والاجتماعية والاقتصادية للعلوم، وتضعف الاعتراف بقيمتها المستقلة في فهم العالم وتأمين ما ينشده الإنسان من متطلبات ضرورية لعيشه في الأرض. يكشف كلامه عن تراتبية معرفية تمنح النظر في الوجود والإلهيات مقامًا أسمى من البحث في العلوم. وهذه العلوم يدرج فيها ملا صدرا: اللغة، وعلم الحساب “فن أرثماطيقي”، والموسيقى، وتفاصيل الطب والأدوية ومعالجة الجروح، ويصنفها من العلوم غير الضرورية، وهو يعلي من مكانة “الرجل الإلهي” ويحدد ما يحتاج إليه. تمنح هذه النظرة المشتغل بالأمور الإلهية مكانة معرفية وروحية ورمزية رفيعة، وتجعل التعمق في العلوم التي تتصل بالطبيعة والجسد وحاجات الإنسان النفسية والشعورية كالموسيقى، صارفًا له عن غايته العليا. لأن الله، كما يرى ملا صدرا، خلق لكل علم أهلًا، ولأن مقام “الرجل الإلهي”، في نظره، أرفع من الاشتغال بالعلوم المتصلة بحاجات الحياة العملية.
ومع أنه يشترط على السالك تحصيل شطر من العلوم الأدبية والمنطقية والطبيعية والخلقية، فإنه رسم حدودًا لانشغاله بها، وجعل قيمتها مرتبطة بما يحتاج إليه في طريق الاكتساب العلمي المؤدي إلى المعرفة الإلهية. يتضح موقفه حين يعزو بعض أخطاء ابن سينا إلى صرف الوقت في هذه العلوم، فيجعل اتساع معارفه العلمية والعملية، عائقًا أمام إدراك حقيقة الوجود والأمور الإلهية. يتجاهل ملا صدرا أن كتاب “القانون في الطب”، الذي فرغ منه ابن سينا نحو سنة 416هـ/1025م، كان إنجازًا علميًا بالغ الأهمية في عصره. تتألف هذه الموسوعة الطبية من خمسة كتب، تتناول أصول الطب، والأدوية المفردة، وأمراض أعضاء الجسم، والأمراض التي لا تختص بعضو معين، والأدوية المركبة، مع شرح أسباب الأمراض وأعراضها وطرائق علاجها.
لبث كتاب “القانون في الطب” لابن سينا مرجعًا أساسيًا للطب في الشرق قرونًا، وترجمه جيراردو الكريموني (نحو 1114 – 1187م) من العربية إلى اللاتينية في طليطلة، في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي. واعتمدته كليات الطب في جامعات أوروبية، منها باريس ومونبلييه وبولونيا، وترسخ حضوره في مناهجها خلال القرن الرابع عشر الميلادي، ودرّسه أساتذتها باللاتينية، واستمر استخدامه في التدريس في بعض الجامعات حتى القرن الثامن عشر. لا يمنح ملا صدرا، في نقده اشتغال ابن سينا بالطب، هذا الإنجاز ما يستحقه من تقدير. وينتقص من اشتغال الفيلسوف بهذه المعارف، على الرغم من إقراره بحاجة الناس إليها، وكأن معالجة أمراض الإنسان وتخفيف آلامه وحماية حياته لا تستحق أن ينفق الفيلسوف وقته وجهده من أجلها.
يكشف قول ملا صدرا عن ترتيب للأولويات المعرفية يمنح البحث في حقيقة الوجود والإلهيات مقامًا أعلى من التعمق في الطب وسائر العلوم التي يصفها بالجزئية، ويدعو مَن يمتلكون صفاء الفطرة وقوة الاستعداد، إلى تجنب الاستغراق في تفاصيل العلوم. تعميم هذه الرؤية ووضعها معيارًا في تقويم المعارف أثّر على أهمية البحث في الطبيعة وما يتصل بجسد الإنسان وعواطفه وحياته، ومنح تسويغًا لصرف أصحاب الموهبة والنبوغ عن التخصص في هذه العلوم.
الاعتراض على تراتبية ملا صدرا يتحه إلى المعيار الذي يحدد ما يستحق إنفاق وقت العالم وجهده؛ فحين يرتبط كمال المعرفة بالانصراف عن العالم الأرضي وحياة الإنسان واحتياجاته، وضرورة التفكير والبحث والتأمل في الوجود، و”الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية”، حسب تسمية ملا صدرا لكتابه المعروف، تتراجع منزلة البحث العلمي الصبور؛ الذي تتطلبه مراقبة الظواهر الطبيعية، واختبار الفرضيات وتصحيح الأخطاء، مع أن هذا البحث شرط أساسي لتقدم العلوم وتطوير قدرتها على فهم الطبيعة التي يعيش فيها الإنسان، وتأمين المتطلبات الضرورية لحياته في الأرض.
يدعو ملا صدرا مَن يصفه بصاحب الفطرة الصافية والموهبة إلى الاكتفاء بما يحتاج إليه منها، والتفرغ للخلوة والتأمل في “الشواهد الربوبية” بوصفها المعارف الحقيقية. في ضوء هذا الفهم جعل الانصراف عن تفاصيل الطب والدواء والحساب والموسيقى علامة على اختيار غاية معرفية أسمى، ووضع التعمق فيها في مرتبة أدنى من النظر في الوجود والإلهيات. بمرور الزمن تحولت هذه الرؤية إلى معيار وتقليد في البحث والتعليم، فصرفت عقولًا فذّة عن البحث في ظواهر الطبيعة والنفس والجسد، وتراجع الاعتراف بقيمة هذه العلوم في فهم العالم وتأمين احتياجات الإنسان.
أسهم هذا السلّم المعرفي، بعد تحوله إلى معيار، في التحكم بالتعليم، وتوزيع المكانة بين المشتغلين بالمعرفة حسب هويتها، وانشغالها بالأمور الإلهية، فتسيدت المعرفة الميتافيزيقية، وتراجعت مكانة المعرفة العلمية. وتوسعت الفجوة بين البحث النظري والخبرة العملية؛ فاستأثر الاشتغال بالمنطق والكليات والأمور الإلهية بالمكانة الأسمى، وتراجعت منزلة العلوم المتصلة بتركيب الدواء والطب ومعالجة الجروح، والظواهر الطبيعية، وصناعة الآلات، والحرف، والزراعة، وأمثالها.
ترتيب المعارف بحسب قربها من الإلهيات أسهم في إضعاف تقدير ما تراكم عبر ممارسة المهن من ملاحظات دقيقة ومهارات وخبرات تتراكم بمرور الزمن، وقلل فرص انتقالها من نطاق الممارسة والتوارث المهني إلى التدوين والفحص والتجريب والتطوير. واقترن تدني المكانة الاجتماعية لبعض الصناعات والحرف في بعض مجتمعات عالم الإسلام بضعف الاعتراف بالقيمة المعرفية لخبرات أصحابها، مع تفاوت مكانتهم باختلاف المهن والأزمنة والبيئات. بينما كان من شأن توسيع التعاون بين الباحثين في العلوم وأصحاب المهن أن يفتح مجالًا لصياغة أسئلة وفرضيات انطلاقًا من مشكلات عملية، وإجراء اختبارات للتحقق من أسباب نجاح بعض الممارسات وإخفاق غيرها، وتدوين طرائق العمل ونتائجها، بما يتيح فحصها وتكرار اختبارها وتحويلها إلى معرفة قابلة للمراجعة والتصحيح والبناء عليها.
وقد تطلب هذا التفاعل اعترافًا متبادلًا بقيمة البحث النظري والخبرة العملية؛ فحيث تحقق التفاعل المتبادل، منحت النظرية الممارسة أدوات للفهم والتفسير، وأمدت الممارسةُ البحثَ النظري بمشكلات وملاحظات، وامتحنت دقة تصوراته وكشفت حدودها. وحين يقترن الانتقاص من قيمة الاشتغال بظواهر الطبيعة وحاجات الإنسان الضرورية لعيشه؛ بتوجيه التعليم وتوزيع المكانة والموارد، يسهم ذلك في إضعاف التفاعل المتبادل بين النظرية والتطبيق، ويقلل من مكاسب البحث العلمي، من خلال استثمار الخبرات المهنية، لتجديد أسئلته، وتصويب تصوراته.



