
.
ملخص :
سعينا خلال تفاصيل هذه الدراسة لمحاولة التعرف على وجه من وجوه الفيلسوف والفقيه والقاضي الأندلسي ابن رشد الحفيد، ويتعلق الأمر تحديدًا ببعض عناصر الشق السياسي في مشروعه الفكري المهم.
وقد حاولنا التعرف على ثنائية الإجماع؛ والخروج باعتبارها من أركان التفكير السياسي الإسلامي، وعملنا في حدود ما تتطلبه الدراسة على الوقوف أولا على الجانب المفهومي، بتحديد لمعنى المفهومين لغة، واصطلاحا، ثم عَرَّفنا بقول فيلسوفنا فيهما، وأظهرنا أن الجانب الفقهي لابن رشد لم يَشُذَّ كثيرا عما ورد عند كبار الأصوليين، فيما يخص ماهية الإجماع، والخروج، وشروطهما.
كشفنا عن البعد السياسي في هذه الثنائية المفهومية الإجرائية، فقد تَقَفَّينا أثر الإجماع والخروج عبر تحليل نصوص من مُدَوَّنات ابن رشد الفقهية، وفي مُدَوَّناته في الفلسفة السياسية “الضروري في السياسة”، و”تلخيص السياسة”،مقارنين بين ما عليه الأمر في الشق الفقهي/الأصولي، وما هو مبثوث في الشق الخاص بالفلسفة السياسية.
تأطير عام:
لقد كان ومازال حضور السياسة في الفكر والخطاب الإسلامي ذا أهمية كبرى، من حيث التعبير عن اهتمام المسلمين بتدبير الشأن العام؛ ما يؤسسه، وما يترتب عنه كذلك. ولعل خُلُوَّ المتن القرءاني وكذا الحديثي من نظرية حكم واضحة المعالم، بَيِّنَةِ المنطلقات والنتائج، دافعا قويا لكي يصير التأمل ثم التنظير السياسي إحدى أولويات الدولة الإسلامية، حكاما ونخبة. ويجب التنصيص هنا على أن هذا الحرص، لم يبدأ مع الاحتكاك الذي تم بالآخر؛ فارسيا كان أو إغريقيا، بل وجدنا أن أسئلة الحكم وسياسة جماعة المسلمين قد طرحت منذ اللحظة الأولى، وعلى وجه التحديد منذ الهجرة النبوية للمدينة، وتأسيس لبنات أولى لمجتمع “الدولة”، والذي حوى مكونات إثنية، وقبلية، ودينية متنوعة. وأمام هذا الوضع الجديد كان من اللازم الجواب على سؤال بدئي؛ وأساسي: كيف سيحكم المسلمون أنفسهم؟ وكيف ستتعامل جماعة المسلمين مع هذه المكونات الإثنية، القبلية، والدينية المتنوعة؟ وما الأجوبة التي قدمها الإسلام لهذا الوضع الجديد؟
لقد كانت هناك إرهاصات أولية لقيام تفكير في السياسة؛ وعنها، و”تحديد أيِّ الأفكار السياسية أكثر وعداً، وأي الحلول السياسية أفضل استجابة من غيرها لتحديات بعينها، وأية أنظمة سياسية تكون الأفضل في تلبية حاجاتهم”[1]. وفي هذا الصدد عبَّرت (صحيفة المدينة) عن محاولات المسلمين التأطير لمجموع العلاقات، الأفقية والعمودية، التي نشأت في مجتمع المدينة أو (دولة المدينة)، وبأنظمتها الهيكلية، التي أُنْشِئت آنذاك.
إن الأسئلة التي كانت ترافق الممارسة السياسية لجماعة المسلمين الأولى لم تكن واعية، أي نعم انشغلت رأسا بواقعها؛ غير أنها لم تنطلق من إطار نظري واضح يحاول به الفهم والتقصي، ولم تضع لبنات نظرية سياسية،[2] وهو ما جعل الكثير من الباحثين يذهبون مذهب القول بعدم وجود نظرية “حكم” في الإسلام، وخاصة في قرنه الأول.
نؤكد كذلك على أن هذا الاهتمام لم يتخذ شكل تَفَكُّرٍ في ماهية السياسة، بالمعنى العلمي لكلمة تَفَكُّر، سوى مع بزوغ فجر عصر التدوين، الذي حرك المعطيات الثقافية في البيئة العربية-القبلية ذات التنوع الاثني وحتى الديني، وأسس لدَفْقٍ فكري ومعرفي هائل امتد زهاء الخمسة قرون. ومن أهم الموضوعات التي فُكِّر فيها، بل وتخاصم الإخوان فيها وعليها، موضوع الحكم وخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي السياسة، خاصة بعد الرَّجَّةِ التي أحدثتها الفتنة الكبرى، وتأسيس الدولة الأموية، ومن تم الانقسام التاريخي، لعديد الفرق والملل، التي يُحَدَّدُ التميز والاختلاف بينها؛ في قولها ورأيها السياسي.
مقدمة:
كان لابد من هذا التأطير التاريخي العام، لموضعة حديثنا في هاته الدراسة، مَوْضعة علمية، من جانب، ولتخصيصه من جانب آخر. فهدفنا في هذه الورقة الخوض برؤية استقرائية تحليلية، في بعض مضامين وطروحات الفقيه، والفيلسوف الأندلسي القرطبي، أبو الوليد محمد ابن رشد الحفيد، فيما يَهُمُّ بعض ركائز ما يمكننا اعتباره النظرية الإسلامية في الحكم. خاصة وأن الرجل من أبرز تلك الشخصيات الذي كان لإنتاجاته فضل في إثراء الفكر السياسي العربي الإسلامي بإسهامه النظري، والعملي، خاصة عبر نقده للنظام السياسي للدول السائدة في عصره، والمتمثلة بدولة الموحدين.
وقد اخترنا البحث في ثنائية إجماع، خروج، كثنائية مفهومية إجرائية، نحاول اكتشاف معناها، وخصائصها السياسية،في سياق إنتاج ابن رشد الفقهي/الأصولي، من جانب، والفلسفي، من جانب آخر. أي أننا سنحلل حضور هذه الثنائية المفهومية في المشروع السياسي لابن رشد، سواء فقها، أو فلسفة سياسية.
ولهذا سنقوم عبر هذه الصفحات بعرض لأهم الآراء السياسية لهذا النموذج من نماذج التفكير السياسي الإسلامي – بصيغته الفلسفية العقلانية – وذلك بتسليط الضوء على الثنائية المفهومية: إجماع، خروج، والتي شكلت في اعتقادنا الخاص عَضُدَ القول السياسي، وبدونها لا يمكن فهم طبيعة الحِدِّيَةِ في المواقف الفِرَقِيَّة – السياسية، والتي أنتجت مع تراخي الزمن تَوَتُّرا وتضاربا فكريا في القول السياسي الإسلامي.
سنقوم بداية بإبراز السياق التاريخي، والاجتماعي الذي جاء فيه ابن رشد، والذي أثَّر على آرائه السياسية، لِما لِبَيْئَة المُنَظِّر السياسي من فعالية في نحت أفكاره. ونلقي الضوء على المعنيين الذين حدد بهما فيلسوفنا، الإجماع؛ والخروج بتعريف هذه الثنائية المفهومية لغة واصطلاحا، ومقارنتها ببعض التعاريف المتداولة عند بعض من أهم الأصوليين. لنقوم بعد ذلك بالكشف عن موقف ابن رشد النقدي للمدن الناقصة وتقسيمه لها وصلتها بالمدينة الفاضلة، ثم نختم الورقة بخاتمة ندرج فيها أهم الخلاصات.
وبالتالي فخطة الدراسة هي كالتالي: تأطير عام، مقدمة، مبحث أول “السياق التاريخي، السياسي، والاجتماعي لابن رشد الحفيد”، مبحث ثان “الإجماع والخروج عند ابن رشد”، مبحث ثالث “موقف ابن رشد السياسي-النقدي للمدن الناقصة، وصلتها بالمدينة الفاضلة”، ونختم الدراسة بخاتمة عامة.
المبحث الأول: السياق التاريخي، السياسي، والاجتماعي لابن رشد.
يقال إن الإنسان ابن بيئته، والأمر في غاية الصحة، خاصة إن تلعق الأمر بمفكر، وفيلسوف، وفقيه، وقاض، كابن رشد الحفيد القرطبي، والذي أجزم أن لا فهم صحيح، ولا إدراك تام لفكره سوى بالنظر لظرفه، وبيئة نشوئه. ولتحقيق هذا المقصد، بوضع فكر الرجل في سياقه، وخاصة إن تعلق الأمر بالشق السياسي، كان التعرف على بيئة ابن رشد التاريخية، السياسية، والاجتماعية، مما له أولوية في استكشاف فكره؛ وخاصة السياسي، دوافعه، ومظاهره.
فماهو السياق التاريخي، السياسي، والاجتماعي لابن رشد؟ وهل أثر في تفكيره في أمور السياسة؟
1- نبذة تعريفية بابن رشد:
هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، ولد بقرطبة بالأندلس، سنة 1126م/520هـ، وتوفي بمراكش سنة 1198م/595هـ، وقد دفن بالأندلس بعد أن حُمِل جثمانه إليها.
ينتمي الرجل لأسرة ذات وجاهة؛ وصيت كبير في العلم، والدين، جدُّه قاضي قضاة قرطبة، وأحد كبار فقهاء المالكية، وصاحب محاولات للتوفيق بين الشريعة والحكمة. درس الطب عن أبي جعفر هارون، وأبي مروان بن جربول البلنسي، وأما الفلسفة فلابن باجة؛ وابن طفيل تأثير عليه، مادام معاصرا لهما.
كان ابن رشد محبا للعلم، وطالبا له، باحثا عن منابعه، درس اللغة والأدب، والفقه، والأصول، كما أن له إلماما بالحديث، وبرع في الفلسفة؛ والحكمة، وعلوم العقل، فأخذ من منابعها ودرس أسسها، وفروعها، ولذلك من ألقابه “الحكيم”.
شغل ابن رشد عدة مناصب مهمة في عهد الدولة الموحدية، فقد عُيِّن قاضيا بإشبيلية سنة 1169م/564هـ، ثم قاضي القضاة بقرطبة سنة 1171م/566هـ، وبعدها كان طبيبا خاصا للخليفة أبي يعقوب المنصور سنة 1182م/582هـ؛ خلفا لابن طفيل.
وقد استمرت علاقته بالسلطان المنصور أبو يوسف يعقوب بعد وفاة أبيه السلطان أبو يعقوب سنة 1184م/580هـ.
بدأت نكبته سنة 1195م/591هـ، ونُفِي إلى أليسانة قرب قرطبة، مع عدد من المشتغلين بالعلوم والحكمة، ثم أُحْرِقت كتبه.[3]
2- السياق التاريخي لابن رشد:
تميز السياق التاريخي الذي جاء فيه ابن رشد، أي آخر أيام المرابطين، وبداية الدولة الموحدية، بعلاقة شد وجذب، بين السلطة والمُشْتَغِلِين بالحكمة، والعلوم العقلية. فها هو ذا السلطان أبو يعقوب يوسف بن عبد المومن، يقرب منه الفلاسفة ومحبي الحكمة؛ والعلوم، ويُعَظِّم أهلها، ويُدْنيهم إليه، ويُغْدِق عليهم، بل ويبالغ في ذلك، وقد “أمر بجمع كتبها (=أي الفلسفة) والبحث عنها في سائر أنحاء المغرب والأندلس، وأنفق في سبيل ذلك بسخاء فاجتمع لديه منه مكتبة عظيمة تضاهي مكتبة الحكم المستنصر والمأمون العباسي”[4]. وتحمل لنا المصادر مرويات تُظهِر واقع اهتمام أبي يعقوب يوسف بالفلسفة وعلومها، فعُرِف ب “عُلُوِّ همته إلى تعلم الفلسفة، فجمع كثيرا من أجزائها، وبدأ مع ذلك بعلم الطب، فاستظهر من الكتاب المعروف بالملكى أكثره، مما يتعلق بالعلم خاصة دون العمل؛ ثم تخطى ذلك إلى ما هو أشرف منه من أنواع الفلسفة، فأمر بجمع كتبها: فاجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم المستنصر بالله الأموي”[5]، ليفتح السلطان أبوابه للعلماء، بإيعاز من ابن طفيل، ومنهم ابن رشد الذي “نَبَّهَه على أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد؛ فمن حينئذ عرفوه ونبُه قدرُه عندهم”[6].
وقد استشكلت على هذا المحب للفلسفة، أي السلطان أبو يعقوب، بعض مسائل الأولين؛ وخاصة من كلام أرسطو، فطلب من يشرح، ويوضح، فما كان من ابن طفيل سوى أن شجع ابن رشد على إتيان الأمر، والانصراف لتلخيص، وشرح، كتب أرسطو.[7]
وعلى النقيض من ذلك، فيقال إن ابنه يعقوب المنصور كان يُبْغِض الفلسفة، والمُشتغِلين بها، واحتدَّ الأمر حتى وصل لإحراق كتبهم، وتحذير الناس من علومهم، وتوعُّد ذلك بالعقوبة الغليظة.
ومن اللافت للذكر، أن السلطان يعقوب المنصور نحى لمحاصرة المذهب المالكي، والتضييق على فقهائه “وفي أيامه انقطع علم الفروع وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن، فأحرق منها جملة في سائر البلاد كمدونة سحنون، وكتاب ابن يونس، ونوادر ابن أبي زيد ومختصره، وكتاب التهذيب للبراذعي، وواضحة ابن حبيب، وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها”[8]. وكان المَقْصِد حمل الناس على ظاهر القرآن، والحديث، والعمل على القضاء على حضور المذهب المالكي بالمغرب، والأندلس.
وقد بدأت علاقة المنصور بابن رشد وطيدة، على سُنَّة أبيه، بل قرَّبه منه في مجلسه، كما تحمل لنا المصادر، غير أن بعض الفقهاء وَشَوا به عند السلطان، واتهموه بجحود القرآن، والتعريض بالخلافة[9]، والاهتمام بالفلسفة؛ وعلومها، عوض الشريعة الإسلامية، وفنونها.[10]
أي أن سياق فيلسوفنا ابن رشد، عرف شدًّا؛ وجذبًا باديين، بين التيار التقليدي الفقهي، من جهة، والتيار الفلسفي العقلاني، من جهة أخرى. وبين أيديولوجيي الدولة المحافظين، وأيديولوجيتها التقدميين، إن جاز هذا التقسيم. ونسوق هنا كلاما مهما للدكتور محمد عمارة في كتابه “مسلمون ثوار”، واصفا الوضع كالتالي: “وإذا كانت سيادة هذه الفكرية التي مثلها الغزالي في المشرق العربي الإسلامي، هي مسألة ليست محل جدل أو نزاع، فإن طبيعة المجتمع المغربي والأندلسي المحافظة فقهيا، بحكم سيادة المذهب المالكي وحده، واتساع سلطان الفقهاء واستبدادهم بمقاليد الحياة الفكرية على عهد دولة المرابطين (448-541 هـ/1056-1146م) وإغراقهم في التفريعات والتفصيلات التي كَرَّهت إلى الناس حياة الفكر والبحث والإبداع، كل ذلك قد سار بالحياة الفكرية في المغرب العربي الإسلامي في طريق شديد المحافظة، بل والرجعية أحيانا…وعلى مدى ثلاثة أرباع القرن، تنفس العرب المسلمون في مختلف الدول والدويلات و الإمارات هذا الهواء الفكري المعادي بشدة وضراوة للفلسفة والمتفلسفين”[11]، أضف أن الصراع السياسي ألقى بظلاله على واقع الدولة الموحدية، والتي أرادت رَصَّ الصفوف فيما يمكن تسميته بمفاهيمنا المُعاصرة تقوية الجبهة الداخلية.
فما هو هذا السياق السياسي الذي جاء فيه ابن رشد؟
3- السياق السياسي لابن رشد:
يظهر أن الوضعية السياسية للدولة الموحدية زمن ابن رشد الحفيد، تراوحت كذلك بين حالة من الاستقرار السياسي زمن أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن، ارتبطت بإكمال مهام فتح المغرب الأقصى، والأوسط، وإفريقية، على عهد أبيه عبد المومن بن علي الكومي الموحدي (487 – 558هـ /1094- 1163م)، وشروعه في فتح الأندلس، وتقوية الدولة، مما انعكس بالإيجاب على جل نواحي الحياة الموحدية؛ اقتصادا، ثقافة، سياسة، وغيرها.
غير أن الأمر تحول إلى إعادة تسطير الأولويات السياسية للدولة، لما تولى يعقوب المنصور الموحدي الحكم، والذي سبق أن بينا تذبذبه اتجاه أهل العلم، وخاصة الفلسفة، وعلومها، فتارة يقربهم، وتارة، يبعدهم، غير أن الذي يستوقف في الأمر، ويدعو للتساؤل أثر الوضع السياسي في كل ذلك؟
الذي تفصح عنه المصادر، هو أن الفتوحات التي أَتَمَّهَا الخليفة المنصور في الأندلس لم تكن نُزْهة له، ولجيشه، بل كانت هناك معارك ضارية ضد الممالك المسيحية، أطالت مدة الفتوحات لما يزيد عن الستين سنة، إن افترضنا أنها انطلقت مع أبيه أبي يعقوب يوسف سنة 558هـ، إلى سنة 609هـ لما هُزِم الناصر الموحدي، في معركة الزلاَّقة المشهورة. إضافة لبقايا المرابطين الذين كانوا يخوضون المعارك مع الموحدين، وخاصة الخليفة المنصور[12].
ولما كان من أوَّلِيَّات السياسة أن يُعْمَد إلى إعادة رَصِّ التحالفات، فقد اختار يعقوب المنصور الموحدي مد يد التعاون، والتحالف السياسي للفقهاء، ولتقوية الجبهة الداخلية والإجماع عليه، فقد كان لابد من تقريب الآلة الدعائية الأيديولوجية الفقهية لأنها القادرة على رص العامة وراء الخليفة[13].
إن الحياة السياسية الموحدية، زمن المنصور، وبعده الناصر، اتسمت برِدَّة على كل مظاهر التعامل الكَيِّسِ، والمُهادِن، خاصة مع اشتداد الخطر الخارجي “وتحدي القوى الخارجية لدولة الموحدين من قبل نصارى الإسبان”، فعمد الخليفة المذكور إلى تقريب الفقهاء، واستمالتهم، لا لسواد أعينهم، بل لأنه رأى فيهم القدرة، والكفاءة على “لَمِّ شمل العامة نحو هدف الدفاع عن الدولة ضد العدو”[14]، وكذلك الخطر الداخلي المتمثل في الثورات الداخلية، وعدم استقرار الكثير من المناطق كما هو الحال بتونس، وغيرها[15].
وبالتالي يمكن القول إننا أمام مُفاضلة براغماتية، بين ثنايا النخبة المحيطة بالمنصور، جعلته يميل لصالح من له القدرة على تأمين الجبهة الداخلية “وبالتالي، فإن عملية التقرب هذه لابد أن تجري على حساب فئة معينة (=الفلاسفة) يعتقد السلطان أنها قد تسبب له الإحراج أمام الفقهاء والعامة”[16].
نَخْلُصُ إلى أننا أمام تأسيس مُوَحِّدِي للأمن السياسي، والروحي، الصارم، بعيدا عن أي إمكانية انفتاح؛ أو تساهل مع المُخْتَلِف/المُخَالِف. لحظة تأسيس أيديولوجية الدولة الواضحة، أو إعادة تأسيس؛ على أقل تقدير، طُبِّقَت فيها الصرامة، والحزم التَّامَّين مع المثال البارز آنذاك ابن رشد، باعتباره مصدرا لإثارة القلاقل، وللدعاية ضد لُحْمة وقوة الجبهة الداخلية. كما يمكن القول إن نكبة ابن رشد، ودون الدخول في تفاصيل، أو احتمالات مسبباتها، فرصة لإظهار موقف المعارضة للتَّغَلُّب، والتَّسَلُّطِ، أو ما أسماه الرجل “وحدانية التَّسَلُّط”، وموقفه هذا ليس من باب الحماسة العاطفية العمياء، أو من باب العمالة؛ والخيانة –كما يُتَّهَم كل معارض في منظومات التغلب- بل موقف سياسي، علمي، وعقلاني، نابع من دراسة علمية لتفاصيل المجتمع السياسي الموحدي، ومآلات الممارسة السياسية فيه، وفي نفس الوقت –وهو الأهم- موقف عملي/وطني فيه دفاع عن الوطن من أحد أبنائه.
4- السياق الاجتماعي، والاقتصادي لابن رشد:
عرفت الأندلس زمن ابن رشد الحفيد، والموحدين تنوعا في النشاط الاقتصادي، مع سيطرة الزراعة؛ كنشاط أساسي، خاصة بما عُرِفت به البلاد من وفرة الإنتاج؛ وتنوعه (الزيتون، القمح، العنب، والفواكه المتنوعة)، وتطور أساليب السقي. وقد ألمح صاحب كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، إلى التنوع في المحصول وكثرته، فيقول: “ولاريب في أن توسع أراضي الدولة وتنوع مناخها له فضل في ذلك كبير، ولكن الفضل الأكبر يعود إلى سياسة الدولة نفسها، فالخلفاء غرسوا كثيرا من البساتين”[17]، وقاموا بدفع الناس، وحثِّهم على التوسع في الزراعة، وأشركوا الجند في الحصاد في بعض الأوقات، وعملوا على حماية الزراعة من الثورات والفتن، فهدأت الأحوال، و “ظهر صلاحها، وتساوى في الأمنة ليلها ونهارها، وغُدُوُّها ورواحها” فمَنَّ الله على بلاد الموحدين من نِعَمِه، وازدهر الإنتاج و “بسط الله الآمال بكثرته وصلاحه في هذا العام بسطا، وأعطى هذه الجهات منه حظا وافرا وقسطا (…) واعتنى أهل الثغور أيضا بالازدراع اعتناء الغير وتنافسوا في الإكثار منه تنافس الواثقين”[18].
وبالنظر لموقع الأندلس كحلقة وصل بين إفريقيا، وأوروبا، وخاصة فيما يرتبط بالتجارة الصحراوية، القادمة من بلاد السودان، فقد لعبت، كما الدولة الموحدية عموما، دور وسيط تجاري بين الضفة الجنوبية، والشمالية من الإمبراطورية الموحدية، من جهة، وبين غرب البحر الأبيض المتوسط، وشرقه. فازدهرت البلاد، واتسعت “التجارة الداخلية والخارجية فقد تاجروا مع المشرق العربي وبلاد السودان وأوروبا وعقدوا الاتفاقيات التجارية”[19]، فنَمَت فئات التجار، واغتنت.
كما أن الأندلس عرفت، ازدهارا ونموا في بعض الصناعات، كالحِياكة والنسيج، وصناعة الخزف، والأسلحة، كما تجلى هذا النمو الصناعي في “استغلال المعادن”[20]، و”صناعة السفن التي انتشر دورها في السواحل، وإنتاج السلاح” في إطار القسم الحربي من الصناعة الموحدية، إضافة “للمصنوعات الزراعية وخاصة المنسوجات والسكر والزيت”[21]، مما أدى لتأسيس أنوية صناعية، ببعض حواضر الأندلس، كغرناطة، وإشبيلية، وقرطبة.
وبالعموم “ونتيجة للأمن والاستقرار اتسعت الزراعة وراجت التجارة ونهضت الصناعة، وبلغت الدولة في ازدهارها الاقتصادي حالة لم ير أهل المغرب أياما قطُّ مثلها”[22].
أما من الجانب الاجتماعي، فقد عرفت الأندلس، وبلاد المغرب، تنوعا اِثْنِيًّا، ودينيا واضحا، حيث عاشت الديانات الثلاث؛ اليهودية، المسيحية، والإسلام، جنبا إلى جنب، في نوع من التناغم، وإن لم يخلو الأمر من حضور الكثير من مظاهر التوتر الديني، والمذهبي.
لقد استفادت الحياة الثقافية، والفكرية، من حالة الازدهار الاقتصادي، والاستقرار السياسي، والتعايش الاجتماعي، وإن لم تدم، فتكونت طبقة من المثقفين، والعلماء، المهتمين بصنوف العلوم، والفنون، والمُتَفَرِّغين لها، في مقابل طبقة المحافظين من الفقهاء، ورجال الدين.
المبحث الثاني: الإجماع والخروج عند ابن رشد.
بعد أن قمنا خلال المبحث الأول بتبيان لسياق ابن رشد، السياسي منه، والتاريخي، والاقتصادي، والاجتماعي، وبعد أن ألمحنا لأثر السياسة وفعاليتها، في مآل الرجل، بدءا من عهد المنصور، ثم الناصر، وكيف أن تغليب الحاكم لمبدأ الأمن الروحي/السياسي، جعله يقمع كل صوت مختلف/مخالف. نركز الحديث الآن على ثنائية فاعلة في الفكر الإسلامي عامة، وعلى وجه التخصيص في شقه السياسي، والكلام هنا عن الإجماع؛ والخروج.
ونذكر أننا لا نروم إغراقا في المحمول الفقهي، أو الأصولي للإجماع؛ والخروج، بل التركيز سيكون على المعنيين/التأويلين السياسيين لهما.
1- الإجماع، والخروج لغة واصطلاحا:
أ- الإجماع في اللغة والاصطلاح:
يأتي الإجماع لغة بمعنيين، فأما الأول: الاتفاق، وجعل الأمر جميعا بعد تفرقه. والثاني، العزم على الأمر، أجمعت الأمر، وعليه، والأمر مجمع لقوله تعالى: “فاجمعوا أمركم وشركاءكم” [يونس/71]، أي: ادعوا شركاءكم.
والثاني: العزم والتصميم، يقال أجمع فلان كذا بمعنى عَزَم عليه، وأجمعته أي عزمت عليه، ويقال أجمعت على السفر أي عزمت عليه. وجمع أمره، وأجمعه، وأجمع عليه؛ عزم عليه، كأنه جمع نفسه له[23].
وقد جمع البعض بين المعنيين، فقالوا إن “تجعل المتفرق جميعا، فإذا جعلته جميعا، بقي جميعا، ولم يكد يتفرق، كالرأي المعزوم عليه الممضى.”[24]، غير أن الذي تقرر لغة، وذهب إليه كل اللغويين وخاصة منهم الفقهاء، هو المعنى الأول؛ معنى الاتفاق وإتيان الشيء من هنا وهناك. وقد أُقِرَّ هذا المعنى لارتباطه الشديد بالمعنى الاصطلاحي الشرعي.
أما اصطلاحا، أو شرعا فقد اختلف علماء الأصول في تعريفاتهم للإجماع، للاختلاف أو الإتفاق في شروط انعقاده، وإن تقاربت هذه التعريفات “في المعنى”[25].
ونورد هنا بعضا منها:
– تعريف حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، الذي قال في المستصفى أنه: “اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة على أمر من الأمور الدينية”[26].
– تعريف أبو إسحاق الشيرازي: “وأما في الشرع فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة”[27].
– تعريف فخر الدين الرازي، يقول فيه: “وأما في اصطلاح العلماء فهو: عبارة عن اتفاق أهل الحل والعقد – من أمة محمد صلى الله عليه وسلم – على أمر من الأمور”[28].
– تعريف الإمام الشوكاني، حيث يقول: “اتفاق مُجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على أمر من الأمور”[29].
نكتفي بهذه التعاريف؛ إذ فيها ما يغنينا عن إيراد أُخَر، لنقول إن الملاحظ هو هذا التخصيص الذي تم في إقرار الإجماع والقول به، وقد رُفِضَ ما ذهب إليه أبو حامد من إدخال العامة كما الخاصة في هذا الاتفاق، فيما “عُلِم من الدين بالضرورة وهو كل ما يشترك في إدراكه العوام والخواص”[30]؛ ليتم جعله وظيفة وشغل العلماء، وعلى وجه تخصيص التخصيص “أهل الحل والعقد” من هؤلاء، إذ “لا قيمة لكلام العوام فيما هو من شأن اختصاص أهل النظر والمعرفة والفقه”[31]. وقد عَقَّب بعض المفكرين المُعاصرين على تعريف الشوكاني، بتقييد عبارة “أمر من الأمور” وجعل الإجماع فيما يعد “أمر ديني”[32]، أي “اتفاق مجتهدي الأمة على أمر من الأمور العقلية أو العادية”[33].
هذا التحول، وإن بدأ فقها وأصولا سيمتد من بعد ذلك للسياسة، أو ما نسميه “الإجماع السياسي”، خاصة لما جُعِلَ من اختصاص طبقة أهل الحل والعقد، كأيديولوجيين للدولة، يعملون على استدامة ثوابتها، وخاصة ثابت طاعة وَلِيِّ الأمر.
ب- الخروج في اللغة والاصطلاح:
يأتي الخروج الذي هو نقيض الدخول كذلك بمعنيين:
– المعنى الأول: فيقول كل من صاحب “القاموس المحيط” و “لسان العرب” أنه الموضع، أي موضع الخروج[34].
– المعنى الثاني: هو ما ذهب له صاحب “المفردات في غريب القرءان” من أن خروج المرء “أي من مقره أو حاله سواء كان مقره دارا أو بلدا وسواء كان حالة في نفسه أو في أسبابه الخارجية”[35].
إذن الخروج، هو مغادرة الموضع أو الحالة، والانتقال من مستوى أدنى؛ في تمثل الخارج، لمستوى أعلى وأفضل. غير أنه يلاحظ التباين في التعاريف اللغوية، بين ما تقرره اللغة وما قد يُحْمَل على الاصطلاح، وهو ما سيتضح بالتعاريف الاصطلاحية.
فلما كان الخروج نقيضا للدخول، أضحيا ملتصقين بالطاعة؛ أو عدمها، وبالقول في الإمامة والإمام؛ وخاصة شرط القرشية. فيعرف الشهرستاني، فرقة الخوارج أنهم أولئك القوم الذين يقولون: “بالتبريء من عثمان وعلي، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك، ويكفرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقا وواجبا”[36].
الملاحظ في تعريف صاحب “الملل والنحل” أنه عام، يرى فيه أن شرطي الزمان والمكان المُحَدَّدَيْن لا يدخلان في اعتبار الخروج، بل يبقى مخالفة الإمام للسنة وحسب.
وأما ابن حزم فقد عرف الخارجي، بأنه: “من وافق الخوارج في إنكار التحكيم، وتكفير أصحاب الكبائر، والقول بالخروج على أئمة الجور، وأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار، وأن الإمامة جائزة في غير قريش”[37].
يؤكد صاحب “الفصل في الملل والأهواء والنحل” أن الخروج ينبني على، إنكار التحكيم، وتكفير مرتكب الكبيرة، وعدم طاعة أئمة الجور والثورة عليهم، وأن الإمامة لا يجب أن تقتصر فقط على النسب القرشي، وهي الأسس التي اختلفت جل الفرق فيها وعليها؛ مع القائلين بالخروج، أي الخوارج.
نكتفي بهذين التعريفين لأنهما جامعين؛ للمراد بَيَانُه، وهو شَقُّ صف وحدة الإجماع في مسائل دينية وفي أخرى سياسة، ولهذا وُصِفَ الخوارج بالغلاة والمارقين، دلالة رفض قطاع واسع من مكونات الفكر والخطاب الإسلامي لهم، ولمواقفهم الدينية/السياسية. ولا ننسى هذا التأكيد من طرف علماء الأصول والفقهاء، على أنه بين ثنايا الإجماع الديني هناك هوامش-تتسع أو تضيق- للاختلاف، غير أن مكمن ولب المشكل حاضر في مستوى السياسة والخلاف السياسي، إذ قُرِّرَ قديما أن سلامة الدين بسلامة الحكم، وأن الخروج مفسدة لابد من درئها والضرب على القائلين بها بيد من حديد؛ حفاظا على لحمة الدين، ووحدة المسلمين.
2- الإجماع والخروج عند ابن رشد:
يتمحور الإجماع عند أبي الوليد محمد ابن رشد الحفيد على معنى الاتفاق، والاختلاف، أي توافق العلماء في عصر ما، أو اختلافهم كذلك، مما ذاع واشتهر في المسائل والأحكام الشرعية، فيقول في مقدمة كتابه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”، ما نصه: “غرضي في هذا الكتاب أن أثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها (…) وهي المسائل التي وقع الاتفاق عليها، أو اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء الإسلاميين من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى أن فشا التقليد”[38]. والمُلاَحَظُ أن ابن رشد يسعى لبناء الاجتهاد على ما عرفه المُجتهد من مواطن الإجماع/الاتفاق وما تُصْرَفُ منه بخلاف ما يظنه البعض من أنه يقصد اتفاق الأكثر. وبتعبير مباشر وبسيط، فإن ابن رشد يُرَادِفُ بين نفي الخلاف، والإجماع.
أما الخروج عند ابن رشد الحفيد فيلتزم فيه كفقيه مالكي بعدم توافر شروط الإمامة؛ وانتفائها، فيقول في “بداية المجتهد” ما نصه: “اختلفوا فيمن أولى بالإمامة، فقال مالك: يَؤُمُّ القوم أفقههم لا أقرؤهم، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: يَؤُمُّ القوم أقرؤهم”[39]. وانطلاقا من قاعدة (دوام الإمامة بدوام شروطها، وزوالها بزوال شروطها إلا العدالة)، فقد اخْتُلِف في الحاكم الفاسق، ووجوب الخروج عليه من عدمه، لأنهم “اختلفوا في إمامة الفاسق، فرَدَّها قوم بإطلاق، وأجازها قوم بإطلاق”[40]. وقد اعتبر ابن رشد أن هذا الاختلاف في تقييم وضع الحاكم الفاسق، ومن تم إنتاج موقف شرعي، يرجع (إلى أنه شيء مسكوت عنه في الشرع)، لعدم ورود نص قطعي واضح، فيبقى الأمر آنذاك للتقدير البشري أي ما أسماه ابن رشد “القياس” والذي تتجاذبه الاختلافات والتعارضات.
ويرجع سبب الخلاف الفقهي؛ ذي المضمون السياسي، في هذه المسألة إلى ما يلي:
1- تعارض ظواهر الأدلة التي تأمر بالصبر على جور الأئمة، والتي تحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2- اختلاف العلماء في تفسير الكفر البواح الذي جعلته بعض الأحاديث قيداً لجواز الخروج، فمنهم من فهم أنه الكفر الناقل من الملة، ومنهم من حمله على الظلم والفسق.
3- السوابق التاريخية أيام الصحابة والتابعين الذين خرجوا على الدولة الأموية وغيرها.
4- الاختلاف في تقدير مصلحة المسلمين، فالذين يُحَرِّمون الخروج يرون أن مصلحة المسلمين في إبقاء الفاسق في الحكم، والمجيزون يرون عكس ذلك.[41]
إذن يمكن اعتبار ابن رشد لم يَشُذَّ كثيرا عما تم تقريره في الفقه السياسي الإسلامي، بالإجماع على شروط الإمامة؛ وتوخي الحيطة في إقرار الخروج، والتَّرَيُّثُّ في أجرأته عمليا، تحقيقا لمقصد وحدة الأمة، ودرءً للفتنة والمفسدة. وهو ما يدفعنا للتساؤل: هل يختلف رأي ابن رشد الفيلسوف، عما أقره الفقيه في أمر الإجماع؛ والخروج؟ وهل كان للأحداث التاريخية التي عاشها الرجل، دور في نحت معالم فكره السياسي؟
المبحث الثالث: موقف ابن رشد السياسي-النقدي للمدن الناقصة، وصلتها بالمدينة الفاضلة.
لقد أظهرنا سابقا أن تعريف ابن رشد لهذه الثنائية المفهومية؛ إجماع/خروج كفقيه، وأصولي، وإن كان الأمر مهما، لم يبتعد فيه الرجل كثيرا عما اتُّفِقَ عليه، بتأكيد الإجماع السياسي كطاعة؛ وموالاة، وتقييد شديد للخروج، كمعارضة؛ وشق لعصى الطاعة. غير أن مُرَادَنا إبراز المعنى/التأويل السياسي لها، عبر استحضار لمقول ابن رشد الفيلسوف السياسي، والذي يُشَكِّلُ مربط الفرس في هاته الدراسة.
إن الذي يمكن تسجيله كملاحظة، بدئية، إن الفقه السياسي الإسلامي يُجمِع على الطاعة والموالاة؛ إلا فيما نَدُرَ من القول في الخروج على الحاكم الفاسق، بسقوط شروط الإمامة؛ وعلى رأسها الإسلام. والغريب أن شروط الإمامة هاته؛ والتي حُصِرت حسب الماوردي في سبعة “(1) العدالة على شروطها الجامعة، والمقصود أن لا يعرف عنه ما يطعن في سلوكه الديني والأخلاقي؛ (2) العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام؛ (3) سلامة الحواس؛ (4) سلامة الأعضاء؛ (5) الرأي المفضي إلى سياسة الرعية؛ (6) الشجاعة والنجدة؛ (7) النسب وهو أن يكون من قريش”[42]، قد عرفت الكثير من التعديلات؛ بإسقاط العديد منها، ما وصفه الجابري “سلسلة من التنازلات تنتهي بالتنازل عنها جميعا”[43]. وقد تتبع الجابري تطور الشروط الثلاثة الأساسية “العدالة والعلم والنسب القرشي”[44]، عند كبار الفقهاء، ليخلص إلى سقوطها، لفتح الباب أمام تأسيس “الأيديولوجيا السلطانية”[45]، والتي تعتبر القاعدة المالكية (من اشتدت وطأته وجبت طاعته)، أبرز تكثيف أيديولوجي لها.
ويجب التنبيه هنا، لأمر أساس وهو أن القاموس المفهومي الفقهي (الأحكام) متشعب ومركب؛ لدرجة كبيرة مما يغيب في أحايين كثيرة الحضور السياسي أو ما يمكننا تسميته بالأجرأة السياسية لهذا الجهاز المفهومي، أي أننا كلما بحثنا عن مساوقة الفهم السياسي لهذا الإطار النظري الفقهي، إلا وشاب العملية صعوبة قد تصل لحد الغبش، ويؤكد هذا الباحث فوزي خليل في دراسته “دور أهل الحل والعقد في النموذج الإسلامي لنظام الحكم”، فيقول: “الدارس للنموذج الإسلامي لنظام الحكم الإسلامي يجد نفسه أمام عدد هائل من المصطلحات الفقهية الأصيلة ذات الدلالة السياسية والسلطة ونظام الحكم (…) ومن ثم ينبغي التعرض للمصطلحات الفقهية المتعلقة بنظام الحكم على وجه الخصوص، وبحث دلالتها ومفهومها رفعا للبس الذي سيشتبه على البعض من جراء تعدد المصطلحات”[46].
يبدو أن حالة “اللُّبْسِ”، كما سماها فوزي خليل؛ مردها التعدد أو التضخم في القاموس المفهومي الفقهي الذي ربما أحال على بعض الإشارات السياسية، وكذلك ما ينطوي عليه هذا الجهاز المفهومي من غياب التناسق من وجهة نظر سياسية-علمية؛ نظرا لاكتناه السياسي للديني؛ والعكس، ليصبح الحديث عن قاموس سياسي-علمي في الفكر الفقهي صعبا جدا.
أما الفكر، والفلسفة السياسية الإسلامية فقد عمدت لمحاولة التأسيس العلمي لنظرية الحكم، ما يشبه عملية عقلنة للظاهرة السياسية، وبالتالي بناء جهاز مفاهيمي يساوقها، وخاصة بالاعتماد على أفلاطون؛ وأرسطو. وقد كانت لحظة ابن رشد فارقة في الانتقال من “الموروث الذي بقي يشكل المصدر الرئيسي لنصائح الملوك والآداب السلطانية”[47]، إلى عملية تأسيس علمي؛ عملية تفكُّر في ماهية “الظاهرة السياسية نفسها أي مسألة الحكم وتحليل أنواع الحكومات والدساتير لبيان النوع الذي يتحقق به الحكم الأمثل القائم على العدل”[48].
اعتبر محمد عابد الجابري في تقديمه التحليلي لترجمة كتاب “الضروري في السياسة”، أن الكتاب يمثل تأسيسا علميا لماهية السياسة في البيئة الثقافية الإسلامية، وأن ابن رشد “يواجه السياسة مواجهة صريحة مسلحة بالعلم والفلسفة”، وتتم عملية المواجهة/التصدي العلمية بأن “يندد بجميع أشكال التسلط والاستبداد ويؤمن بالتقدم، وينشد الإصلاح في الحكم والسياسة كما نشده في مجال العقيدة الدينية والعلم والفلسفة”[49].
هي خارطة طريق علمية/عملية رسمها فيلسوف قرطبة لماهية التنظير السياسي، ولعلاقة الفكر بالواقع، بمحددين اثنين:
أ- التنديد بجميع أشكال التسلط، والاستبداد، ومعارضتها، بما يعني نقد المدن الناقصة.
ب- الدعوة للتقدم عبر إصلاح الحكم والسياسة، قياسا على ما تم في مجالات العقيدة، والعلم، والفلسفة. وبتعبير آخر التنظير للمدن الفاضلة.
فهل يمكن القول وبتوظيف مبدأ القياس، أن المدن الناقصة في الفلسفة السياسية، هي المرادف لدعوى الخروج؟ وأن التنظير للمدن الفاضلة، فلسفةً، هو إجماع على نمط من الممارسة السياسية؟
لنفصل الآن قليلا في عناصر الخطة الرشدية هاته.
1- النقد الرشدي للمدن الناقصة[50]:
يقول الدكتور الصاوي الصاوي أحمد في كتابه “الخطاب السياسي عند ابن رشد”، ما نصه: “ثالثا: وتؤكد هذه الدراسة الزعم والادعاءات التي روجها البعض والتي تتمثل في أن ابن رشد لم يكن له كثير إبداع في الفكر السياسي، وأن آراءه ماهي إلا مجرد تفويض الحكومة إلى الشيوخ، وأن الدولة ليست في حاجة إلى أطباء ولا إلى قضاة، ومن ثم ليست في حاجة إلى قوانين، فقد ثبت أن ابن رشد يعد في مقدمة فلاسفة الإسلام نضجا في الفكر السياسي، وأن آراءه لا تقل عن آراء أكبر فلاسفة الإسلام من أمثال الفارابي صاحب المدينة الفاضلة، وابن الربيع، وابن سينا، والطرطوشي، وابن باجة، وابن تيمية وغيرهم، وأن ما ورد في كتابه الضروري في السياسة وغيره من مؤلفاته يضعه في أعلى مرتبة فلاسفة الفكر السياسي، نظرا لوضوح موقفه.”[51]
لقد حاول الكثيرون أن يطمسوا الموقف العقلاني للفلاسفة المسلمين[52]، وخاصة ابن رشد من السياسة، وكونهم انتحوا فكرا سياسيا راقيا ومُتَّزِنًا دون إغراق لا في المُدَاهَنَة ولا في المناوأة. ويُظْهِر النص الذي سقناه، جِدَّةَ العمل التنظيري للفلسفة الإسلامية في سبر أغوار الممارسة السياسية، وإن كانت قد آلت للتسلط والتغلب؛ عبر تأسيس السياسة الشرعية والآداب السلطانية، بمعنى إخراج السياسة من رحابة التنظير الذي رافق اكتشاف العقل العربي للمُنتج الفلسفي-السياسي الإغريقي، إلى ضيق التبرير والنفعية خاصة مع الفقهاء، والمحدثين، وعلماء الكلام الأشاعرة.
وهو ما أكده محمد عابد الجابري، لما حاول الجواب عن سؤال مهم: “ما هو دور الخاصة كمنزلة بين المنزلتين: الخليفة من جهة والعامة من جهة أخرى؟”[53]، فأظهر أن التحول الذي تم في تمثل “العقل السياسي العربي”- كما يسميه- للسياسة، تم لما انتقل العلماء من حُمَاِة الكليات الدينية وعلى رأسها العدل، إلى أدوات أيديولوجية تبريرية، فيقول بعد أن يثبت أن للخليفة منزلة تعلو الخاصة “منزلة الله”[54]، ما يلي: “(…) وسيقوم الأيديولوجيون من الخاصة بالتنظير لمنزلة الخليفة: فريق منهم يوظف الأدبيات السياسية الفارسية المنقولة عن الفرس، وفريق يواصل تسييس المتعالي التي دشنتها حركة التنوير في العصر الأموي، ولكن في الاتجاه الذي يخدم منطق الدولة الذي حل محل منطق الثورة، بينما يستولي فريق ثالث التشريع للسياسة، ولكن لا السياسة كما ينبغي أن تكون من منظور أيديولوجيي المدينة الفاضلة بل كما يفرضها الواقع ويُكَرِّسُها الخليفة، أي كجملة نوازل تنتظر فتوى الفقهاء”[55]، هذا العمل الذي سينتج عنه أنماط خطاب في حقل السياسة، حصرها “الجابري” في ثلاثة ” الأيدولوجيا السلطانية، جليل الكلام في مضمونه السياسي، ثم فقه السياسة”[56].
وقد سطت هذه الأنماط على التنظير السياسي، وغيبت رؤى أخرى؛ أو دوائر سياسية صغرى داخل الدائرة الأم للفكر السياسي في الإسلام، ويأتي في مقدمتها القول السياسي-الفلسفي، لأن موقف الفيلسوف كان –في غالب الأحيان- موقف “الصوت المعارض في كل اتجاه ينقذ ويحلل ويرفض كل أنظمة الحكم الفاسدة والمستبدة”[57]، إلى جانب تحميل مسؤولية تفشي الفساد واستشراء التغلب “لبعض فقهاء عصره والمتكلمين ومن تبعهم من رجال السلطة، والتي كانت السبب في نكبته”[58].
إن هذا التوصيف لحال السياسة وما وصل إليه الحكم، بالنكبة بليغ، فالأمر هنا يتجاوز “نكبة” ابن رشد، بل تعداه لإقرار حالة عامة، صار فيها، وبها الحكم مُتَغَوِّلا، كان للفقهاء والعلماء عامة وللنقليين منهم على وجه التخصيص الدور البارز في مآله.
ولا شك أنه أكثر من الفارابي وابن سينا، فابن رشد يعتمد على مبدأ استقلالية العقل البشري، كعِمَادٍ لفلسفته السياسية، لأن “التأسيس للعلم المدني (=السياسة) هو تأسيس للنظر العقلي”[59]، مبررا ذلك بالتمييز بين عقيدة الإيمان والقانون والعلوم السياسية. هي إذن عملية بعث/تأسيس لقانون المدينة، كفن مستقل عن الفكر الإسلامي، وكان التحدي هو الموافقة بينه؛ وبين الحق المرتبط بالعقيدة الدينية.
غير أن أبا الوليد لم يسقط في فخ الإغراق النظري في السياسة دون طائل، بل جمع بينها كتنظير وممارسة، وبين الأخلاق، أي أن ابن رشد تَنَبَّه للحاجة لتدبير الجماعة؛ بما هي السياسة، كما الحاجة لتدبير النفس؛ بما هي الأخلاق. فقد قام ابن رشد بتوسيع التحليل الأفلاطوني لأنظمة الرياسة، أنظمة الحكم، ليعانق الفضاء الإسلامي؛ بدراسة “أنواع السياسات –وهي ما نعبر عنه نحن اليوم بأنظمة الحكم- والمقارنة بينها وبيان كيف تتحول الواحدة إلى الأخرى”، مع التنبيه لمواصفات الحكم، أو لنقل مؤسساته، من خلال “مقارنة سلوك وطباع هؤلاء الرؤساء وكيف يتحول الواحد منهم من صنف إلى آخر”[60].
لقد حلل ابن رشد؛ ونقد، التحول الذي تم في التاريخ الإسلامي من نظام حكم يماثل نموذج السياسة/المدينة الفاضلة، أي دولة الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى نمط مُسْتَحْدَث من الممارسة السياسية، أسماه سياسة/مدينة الكرامة؛ التي تفارق قيم الفضيلة، لتؤسس لمنظومة قيمية أخرى قِوامها النسب، والمجد، والمال، كما كان عليه الأمر منذ عهد الأمويين، وكذلك في البيئة الأندلسية/الموحدية.
خصص ابن رشد مقالته الثالثة من كتابه “الضروري في السياسة”، ل “السياسات غير الفاضلة”، ومن خلال فحص لمكوناتها [1- أنواع السياسات: سياسة الملك الفاضل وسياسة الأخيار، 2- سياسة الكرامة: المال والتمتع ونُشْدَانُ الشرف والمجد، 3- سياسة الخسة: المبالغة في الخراج والإسراف في النفقة، 4- السياسة الجماعية، أو مدينة الحرية، 5- الاجتماعات في الممالك الإسلامية اجتماع بيوت وأسر، 6- سياسة التسلط في غاية التناقض مع السياسة الفاضلة، 7- السياسات وطبائع النفوس، 8- تحول المدينة الفاضلة إلى المدينة الكرامية، 9- كيف يتحول الفاضل إلى الكرامي؟، 10- تحول المدينة الكرامية إلى مدينة حكم الأقلية، 11- كيف يتحول الكرامي إلى جامع للمال، 12- تحول مدينة القلة من الأغنياء إلى مدينة جماعية، 13- المدينة الجماعية يمكن أن تتحول إلى أية مدينة أخرى، 14- المدينة الجماعية تتحول إلى وحدانية التسلط، 15- تحول الرجل الجماعي إلى وحداني التسلط، 16- وحداني التسلط قاتل أبيه، 17- لا أسعد من الملك الفاضل…ولا أشر من وحداني التسلط، 18- لا حتمية في الشؤون الإنسانية، 19- اللذة العقلية، لذة المعرفة، أفضل لذة]، نسجل بضع ملاحظات:
– بناء ابن رشد فكره السياسي على مقاربة واقعية، قِوامُها تحليل علمي للواقع السياسي المُعَاش، بعيدا عن الإغراق التنظيري/اللاواقعي utopique.
– الإدراك العلمي لمكامن الخلل، والانحراف في الممارسة السياسية، داخل المدينة الناقصة.
– تبيان ابن رشد للارتباطات التي تنشأ في عملية تحول السياسات/المدن، خاصة بورود معايير الشرف، المجد، والمال.
يعتبر ابن رشد أن سياسة الكرامية؛ المبنية على المجد، والشرف، وسياسة الخسة؛ التي جوهرها المبالغة في الخراج والإسراف في النفقات، مآلها التسلط، والاستبداد. أي أن هذه الأنماط من الممارسة السياسية تَكْتَنِه تغلبا، وتسلطا، وتُنتج حكاما وحدانيي التسلط.
وقد حدد ابن رشد آليات التحول، وإنتاج سياسة وحدانية التسلط في المدن الجماعية، خاصة وأن قرطبة التي ثارت على المرابطين، عادت لبراثن المستبد ابن غانية بعد ذلك[61]، فيما يلي:
– الإفراط في اكتساب المال، بسيادة المُحِبِّين له، ولجمعه، واعتباره نموذجا مجتمعيا يُحتذى به.
– الإفراط في طلب الحرية، والتزيد منها إلى ما لانهاية مما قد يُفْسد نظام المجتمع، إذ تتحول الحرية المطلقة إلى نوع من الفوضى.
– تفشي الأعمال الخاصة، والأناس الذين ينفردون بها.
– تعرض الناس للظلم، بسيادة التنافر والقسوة، والنهب.
– الحاق الضرر بمخالفي وحداني التسلط، والفتك بهم.
– تَقَمُّص وحداني التسلط دور مرشد المدينة، الحريص على مصالحها، وحاميها، وأنه يتعف عن إتيان خيراتها، وأموالها، وذلك لشرعنة تَغَلُّبه هذا.
– انشغال العامة في المدن الناقصة بقوت يومهم.
– استعداء وحداني التسلط في المدن الناقصة لأصحاب المال، والسعي لتطهير المدينة منهم.
– اتخاذ وحداني التسلط حماية، قوامها أشخاص غرباء، مُرتزقة، من غير أهل المدينة، واستمالتهم بالأعطيات والأموال من المال العام.[62]
ونتيجة هذه العملية القيصرية، للتحول إلى وحدانية التسلط، وغلبة الاستبداد، يعمل أهل المدينة على قلب الأوضاع، بالخروج على الحاكم، واستبدال هذه الممارسة السياسية الناقصة، بأخرى أساسها الفضائل، و “تسعى الجماعة الغاضبة عندها إلى إخراجه من مدينتهم، فيضطر هو إلى استعبادهم والاستيلاء على عتادهم وآلة أسلحتهم، فيصير حال الجماعة معه كما يقول المثل: كالمستجير من الرمضاء بالنار”، إذ تصير الجماعة حبيسة دائرة التسلط، بمستوياته المختلفة “وذلك أن الجماعة إنما فَرَّت من الاستعباد بتسليمها الرئاسة إليه، فهي تقع في استعباد أكثر قسوة”[63].
كما وَجَّه ابن رشد سهام نقد لاذع لكينونة هذا الممارس لوحدانية التسلط، أي الحاكم وحداني التسلط، عبر الوقوف على سيرورة هذا التحول لهاته الممارسة المستبدة، ليعتبر أن هناك انزياحا واضحا في أولويات الفعل السياسي، والاهتمام بأَخَسِّ الأشياء عوض النظر إلى “أشرف الأجزاء فيه، وهو العقل، لا قليلا ولا كثيرا”، ويُتم ليعتبر أن مثل هذا الحال لا ينطبق سوى على “المجنون والسكران”، هؤلاء الذين يمارسون السياسة كـ “المختلين”[64].
إذن نحن أمام إقرار من شاهد عيان –وأي شاهد هو- على أن الحالة السياسية بمدن الأندلس صارت لحتمية تغيير، إذ وحدانية التسلط؛ والتغلب، صارت مما لا يُدْرَكُ فقد بالعمل التنظير الفكري، المتعالي، بل “بالحس والمشاهدة”[65]. هو ما يُمكن أن ننعته بالإجماع على فساد الأوضاع، والإجماع على ضرورة الخروج/الإصلاح، وهو ما أسماه الجابري “الجانب السياسي الإصلاحي”[66] في مشروع ابن رشد السياسي، “إصلاح يتمثل في الارتفاع بالسياسة أعني بالفكر السياسي من مستوى الجدل” سواء عند أفلاطون في المحاورة، أو حتى لدى المتكلمين المسلمين، “إلى مستوى العلم”[67].
فما هي معالم هذا الفكر الإصلاحي السياسي الرشدي، وخاصة فيما يتعلق بالمدينة الفاضلة؟ وهل هذا النمط من الممارسة السياسية قابل للأجرأة؟
2- المدينة الفاضلة، دعوة ابن رشد للإصلاح:
أظهرنا عبر نقد ابن رشد للمدن الناقصة، أنماط الممارسة السياسية التي تكتنه استبدادا، وتغلبا. كما أوضحنا مسارات التحول لوحدانية التسلط، باعتبارها تَخَلٍّ عن منظومة قيمية فاضلة، والتأسيس لمنظومة أخرى تنبني على رذائل المال، والشهوة، وغيرها.
وحللنا الجهد الرشدي المبذول في تَبْيِئَةِ النص الأفلاطوني، على الواقع الإسلامي، من خلال الانطلاق منه في رصد أنماط الممارسة السياسية، توصيفا، ونقدا، بغرض التأسيس للمشروع الإصلاحي الذي قاده فيلسوفنا. لنفصل الآن في هذا المشروع، والذي تم عقد إجماع عليه.
يتأسس المشروع الإصلاحي الرشدي على عقلنة النظر في السياسة، باعتبار “فلسفته السياسية تُقِرُّ أساسا بالحاجة لحكومة/رِيَاسَةِ العقل”[68]. وهنا تكمن أهمية كتابه الضروري في السياسة، من حيث “نقد الحكم وممارساته التي قد تؤدي به للتسلط”[69]. ولما كان الأمر يتعلق باقتراح بديل عملي/نظري لوضع التسلط، والتغلب السائدين، فابن رشد يستأنس بتحليل أفلاطون في الجمهورية، من حيث اقتراح سيادة العقلنة السياسية، وكتعبير إجرائي لها، دولة، مدينة أو حكم تكون على رأسه النخبة المثقفة، وتحديدا الفلاسفة.
حاول ابن رشد عبر تأويله العقلاني للنصوص الدينية، وخاصة القرءان، أن يجد للقول الفلسفي لأفلاطون موطئ قدم في بيئته العربية الإسلامية، بيئة القرن 12 ميلادي، فاعتبر أن البديل لحالة وحدانية الاستبداد، هو مدينة/حكم إسلامي، يرأسه “الملك-الفيلسوف”[70]. ولبلوغ هذا المَرِمى يجب لزوما عقلنة الدين، أي إيجاد نقاط تكامل بين الشريعة، والحكمة/الفلسفة، لتكون قاعدة التحول للجماعة؛ كما الفرد المسلمين باعتبارهما “كائنين سياسيين بالتعريف” «être politique par nature» [71]. هذا لا يعني إغفال البعد الأخلاقي؛ الحاضر بقوة في قول ابن رشد، لماهية تربية جماعة المدينة الفاضلة، عبر إدراك راسخ له لعلاقة الترابط بين السياسة، والأخلاق، التي تُعَدُّ ركنا أساسا في الفلسفة السياسية الإسلامية.
إن الفهم السليم للمشروع الفلسفي الرشدي، يرتبط أساسا في تقييمنا، بضرورة التأكيد على الطابع التركيبي لهذا المشروع، أي أن ابن رشد لم يعمد لإصلاح النظام السياسي فقط، أو إصلاح الفرد –موضوع هذا النظام- فقط، بل عمد إلى مستويات متداخلة من الإصلاح، تنطلق من الفرد في اتجاه الجماعة، ومن تم النظام السياسي، في مسار أول صاعد، وفي مسار هابط من النظام السياسي، إلى الجماعة، ثم الفرد.
أ- من الفرد، للنظام السياسي: المسار الصاعد للإصلاح.
بالرغم مما قد يلاحظ من ابتعاد ظاهري عن إشكاليتنا، أي الإجماع؛ والخروج في التفكير السياسي لابن رشد، إلا أننا ومن باب التذكير، نؤكد على محاولتنا الربط بين هذه الثنائية المفهومية الإجرائية، والفلسفة السياسية لابن رشد. وقد اقترحنا، ومن باب التساؤل، خلال استعراض خطوات ما أسميناه خطة ابن رشد للتنظير السياسي، ممارسة قياس نهدف من خلاله استكشاف حضور دعوى الإجماع في دعوة ابن رشد للإصلاح السياسي، أي المدن الفاضلة، من جهة، ومن جهة أخرى، دعوته للخروج على أنماط الممارسة المتسلطة، والمتغلبة، والتي نقدها.
خصص ابن رشد المقالة الأولى، والثانية من كتابه “الضروري في السياسة”، “تلخيص السياسة” لإظهار أهمية، ودور إصلاح الفرد، في تأسيس إصلاح الجماعة، ومن تم الدولة. وانطلاقا من اقتناعه الراسخ بالعلاقة بين الأخلاق، والسياسة فابن رشد يعتبر أن تحصيل الفرد، والجماعة للفضائل أساس المدينة الفاضلة، ورُكْنُها الركين.
يتجاوز ابن رشد سؤال الإمكان الحقيقي للمدينة الفاضلة، لاقتناعه بذلك، واقتناعه بحتميتها. وما يُثبت هذه الحتمية، ويؤسسها، هو معالم مشروع الإصلاح الرشدي ذاته، أي أن أبا الوليد المؤمن بالفرد، والجماعة، والحكم الفاضل، يبني تصوره للإصلاح على مَحْوَرَةٍ للفرد، يدفع بها هذا الأخير رذائله، لوضع قطار التغيير المنشود، على سكة الفضيلة، فيما أسميناه بالمسار الصاعد. وعلى غرار الرؤية الأفلاطونية للفرد الفاضل، فابن رشد ينبه لضرورة تحلي الأفراد المؤسسين للمدينة الفاضلة؛ والحالمين بها بأربع فضائل: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة، يحققونها “لَمَّا يكون لها جيش قوي مقدام… ولَمَّا يتسم به أهلها من عفة. وهي أخيرا عادلة حين يقوم فيها كل مواطن بالعمل المخصص له أو الذي يصلح له حسب قدراته وإمكاناته”[72].
ولغرض بلوغ هذه الكِفايات الفضائلية، إن جاز التعبير، يقترح ابن رشد، وعلى منوال أفلاطون، خطة تربوية للأفراد، تنطلق من دفق أخلاقي/قيمي؛ قِوَامُه ومَرماه الفرد الصالح، ومن تم الدولة الصالحة، إذ “الرجل الصالح، في نظر اليونان لابد أن يكون عضوا في دولة، ولا يمكن أن يكون صالحا إلا من خلال عضويته في الدولة”[73]. ولبلوغ الفرد/الدولة الصالحة، ينتصر ابن رشد لضرورة سيادة البعد العاقل في الإنسان على أبعاده الأخرى، وبقياس مماثل لما هو عليه الحال في المدينة، بقيادة النخبة العاقلة لمستويات التدبير فيها، فيقول: “وبالجملة، فنسبة هذه الفضائل في أجزاء المدينة هي كنسبة القوى النفسانية في أجزاء النفس”[74]، أي أن تحديد نوع الممارسة السياسية في الدولة الصالحة/الفاضلة، يتأسس ضرورة على تربية الفرد على منظومة الفضائل، وبمقدار ما اكتسبها، يكتسبها المجتمع، والدولة “فتكون هذه المدينة حكيمة في جزئها النظري الذي به تسود جميع أجزائها، على النحو الذي يكون به الإنسان حكيما بجزئه الناطق الذي يسود على قِواه النفسانية الأخرى”[75]، والعكس بالعكس.
ولما كان اكتساب الفضائل في المشروع التربوي الإصلاحي لابن رشد يتم باستحضار ملائمته للزمان، والمكان المناسبين، وبترتيبها –أي الفضائل- في سُلَّم الأهمية، إذ “يكون الإنسان فاضلا بجميع الفضائل العقلية والخلقية، وتكون الرياسة فيه كرياسة هذه الفضائل بعضها على بعض”[76]. فلابد من السؤال عن سبل اكتساب الفضائل تلك؟ و”كيف ترسخ هذه الفضائل في نفوس الأحداث، ليُرَبُّوا عليها بالتدريج، إلى أن يبلغوا كمالهم”[77].
يشابه ابن رشد هذا الأمر بما يتم في الطب، فلابد من معرفة وافية للداء/الرذيلة، معرفة علمية بعيدا عن الانطباعات، أو التشخيص الخاطئ، لتوصيف الدواء/الفضيلة المناسبة، و “كيف تنشأ الأجسام على الصحة، وكيفية حفظها، وكيف تُزال منها العلل إذا مرضت”[78]. وكما نجد في الطب الحاجة لجمع الأدوية حتى يتم الشفاء من العِلَّة، فكذلك في النفوس إذ وجب “معرفة أي الفضائل التي إذا اجتمعت مع غيرها كان فعلها أكمل، وأي منها يعوق غيره”[79].
يبني ابن رشد برنامجا من العلوم التي يجب على الفرد، كما الجماعة، إتيانها، وفي مقدمته المنطق “لكونه العلم الذي يَعْصِم العقل من الخطأ”، والفرد سواء كان من جمهور المدينة الفاضلة، أو فلاسفتها، يحتاجون “إلى ما يعصم عقله من الخطأ وبالتالي إلى علم صحيح يؤسس العمل الفاضل، وليس إلى تأمل الحقائق المجردة”[80]، ويخالف هذا ما وضعه أفلاطون، من جعل الحساب أول علوم برنامجه التربوي للمدينة الفاضلة.
إضافة لعِصْمة العقل بالمنطق، فلابد من الرياضة والموسيقى. فأما الأولى “لإكساب الجسم فضيلته الحق (الصحة)”، والثانية “لتهذيب النفس وتحصيل الفضائل”[81]. وعن ماهية الموسيقى التي يرمي إليها ابن رشد، فهي “الأقاويل المَحْكِية التي يرافقها اللحن”، وعن طبيعة هذه الأقاويل، ففيلسوفنا يولي كل الأولوية للقول البرهاني، ليبتعد عن جدل أفلاطون، دون إغفال منه لاختلاف الناس في الفهم، والاستيعاب، فيقول: “والأقاويل التي يُؤَدَّب بها أهل المدينة، منها كما قلنا أقاويل في الأمور النظرية وأقاويل في الأمور العملية”، ليحدد طبيعة الأقاويل النظرية أنها “أقاويل برهانية، وأقاويل جدلية وخطابية وشعرية. والأقاويل الشعرية أخص بالصبيان، فإذا كبروا وكان منهم من يصلح لأن يرتقي إلى مرتبة أعلى من التعليم فُعِل بهم ذلك، إلى أن يبرز منهم من هو قادر بالطبع على تحصيل الأقاويل البرهانية، وهم الفلاسفة” فإن لم تكن لهم قدرة التدَرُّج نحو البرهان، أي “الذين ليسوا بالطبع كذلك فيبقون في المرتبة التي لا يسمح لهم طبعهم بتجاوزها: ويكون تأديبهم إما بالأقاويل الجدلية، وإما بالطريقتين المشتركتين في تعليم الجمهور، وهما الأقاويل الخطابية والشعرية”، بإبراز مكانة الأقاويل النظرية التي “يختص بها على الأغلب من نظر في العلم الإلهي”[82].
هذا مع حِرْصٍ بيِّنٍ على تنقية النفس من رذائل، المال والشهوة، والغضب، وغيرها، حتى تُعَوِّضها الفضائل. وإن نحن وَسَّعنا المشهد للجماعة، والحكم، فنقول أن تعويض الحكم الفاسد، يتم بنقده، وتنقيته، وإيجاد أرض الفضيلة الخصبة، التي تُثمِر الفرد/المدينة الفاضلة.
فماذا الآن عن المسار الهابط المُقابل؛ والمُكَمِّل للإصلاح؟
ب – من النظام السياسي، للفرد: المسار الهابط للإصلاح.
لنَقُم الآن بتحليل للمسار الثاني من مساري الإصلاح الرشدي، والذي أسميناه “المسار الهابط”، ولكي لا يُعتَقد بأن الأمر لا يعدو أن يكون رَجْع صدىً، فعيننا على فاعلية النظام السياسي الصالح/الفاضل، في تربية أفراد فاضلين، يديمونه ويكونون قِوامه. ولكن ماهي سمات هذه المدينة الفاضلة؟
يعتبر ابن رشد أن نظام حكم أو مدينةٌ هي فاضلة، إذا تميَّزت ب:
1 – الوحدة، لكونها أسمى أهداف المدينة، إذ ينطلق ابن رشد من مبدإ دفع شر الفُرْقة، بخير اللُّحْمة والوحدة، فيقول: “ولا شر أعظم من السياسة التي تجعل من المدينة الواحدة مدنا متعددة، كما أنه لا خير أعظم في سياسة المدن من الجمع بينها وتوحيدها”[83]. فهي عائلة كبيرة حسب أفلاطون، يناقضه فيها أرسطو، لكونه يرى المدينة كينونة سياسية، ويميزها عن العائلة.[84]
2 – الدور المهم للطبيب، والقاضي، في المشروع الإصلاحي لابن رشد، وغيابهما التام في مدينة أفلاطون الفاضلة.[85]
تتأسس الميزة الأولى للمدينة الفاضلة الرُّشدية على الوحدة، أي وحدة الجماعة السياسية، ولا يتأتى هذا سوى بالنظر للفرد ككائن اجتماعي/سياسي. يرى ابن رشد أن الإنسان لن يتمكن من إيجاد غاية السعادة، سوى عبر ارتباطه، وتفاعله، وتعاونه مع باقي مكونات الجماعة الإنسانية[86]، ولهذا جعل من وحدة المدينة الفاضلة ضمان شيوع المنافع، والمضار[87]، أي أن ورود الأنانية؛ هو مما قد يَضُرُّ بالمدينة “فليس هناك أجلب للشر والإرباك للمدينة من أن يردد أهلها في أمر من الأمور: هذا لي وهذا ليس لي”، ويُلِحُّ فيلسوفنا على استدعاء الطب، لما يماثل بين اشتراك أفراد المجتمع في السَّرَّاء؛ والضَّرَّاء، و”اشتراك أعضاء الجسم الحي في الألم واللذة اللذين يعمان سائر الجسم”[88]، وذلك لأن الجماعة المؤسسة للمدينة الفاضلة، هي وحدة سياسية، ضرورة، وتتأسس بالتعاون بين أفرادها ككائنات اجتماعية.
أما الميزة الثانية، فيعتبرها ابن رشد ركيزة للمدينة الفاضلة، إذ يرى في وجود الطبيب سلامة، وعافية للمجتمع، لأنه هو القادر على تحديد العِلَلِ، والأدوية، ولأنه يزيل “من الجسم كل عضو تعفن وبطل العمل به”[89]، ومن باب القياس، أن الأمر إن تم هكذا في الجسم الأصغر (البدن)، فسيتم كذلك في الجسم الأكبر (المجتمع). يمارس القاضي دورا شبيها بدور الطبيب، إذ “يُحتاج لوجوده أيضا لينظر في أمر من كان شريرا بالطبع، ولا يفيد فيه علاج، أعني إصلاح النفس”، ولقيامه بمهمة إنفاذ القانون العادل فلابد أن تكون نفسه “فاضلة بالفطرة الأولى”[90]، فلا يتحقق مقصد العدل، سوى بشرط دفع الشر، بالخير والفضيلة.
يُدَافع ابن رشد عن حتمية، وواقعية نموذجه من المدن الفاضلة، ويبتعد في ذلك عن أفلاطون الذي صبغ مدينته بطابع المثالية مما يُصَعِّب من إمكانية تحققها. يعتبر قاضي قضاة قرطبة، أن هناك أساسين مَرْجعيين لمدينته الفاضلة:
– الأول، يتجلى في المرجعية التي تمثلها تجربة دولة المدينة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون، التي جَسَّدت التشريع الإسلامي في أبهى صُوَره، حسب ابن رشد. ولهذا نجده حريصا على المزاوجة بين البعدين النظري، والعملي، لأن “هذا التمثل لم يكن منفصلا عن مساءلة وقائع التاريخ العربي، فقد استحضر أمثلة تعود إلى تلك الوقائع، الأمر الذي يعني أنه لم يكن معنيا بالتفكير بالشأن السياسي من خلال المفاهيم المجردة، وإنما أيضا باستقراء التجارب التاريخية”[91].
– الثاني، اعتبار ابن رشد أن النظام الجمهوري، خير النطم السياسية، وأقربها إلى ما يبتغيه من مدينته الفاضلة، خاصة وأن هناك عناصر يُماثل فيها هذا النظام، ما كان من حكم إسلامي قبل الانقلاب الأموي، وخاصة اختيار الحاكم. هذا بالإضافة إلى اشتراك النموذج الإغريقي للمدينة الفاضلة، والنموذج الإسلامي، في رئاسة النُّخبة العارفة، سواء الفلاسفة في النموذج الأول، أو الرسل؛ والصالحون في النموذج الثاني.
يشترط ابن رشد في الفيلسوف رئيس المدينة الفاضلة تحصيل المعارف النظرية، وخاصة البرهان، معضدا استحقاقه الرياسة و “بلوغ الكمال لابد له من تحصيل العلوم النظرية والعملية معا، والفضائل الخلقية والعلمية معا”[92]. ويُعَمِّم فيلسوفنا هاته الشروط على الملوك، وحاملي الشرائع، وكذلك الإمام[93]، ويرى في اتصاف الأنبياء بها مما هو “على جهة الأفضل لا الضروري”[94].
كما يضع خصالا وصفها بكونها “لابد منها، ولكن يندر اجتماعها في شخص واحد”، يُحقق بها من يرأس المدينة الفاضلة الكمال، وهي عشرة: 1- تحصيل العلوم النظرية، 2- قوة الحافظة، 3- حب التعلم، 4- الصدق، 5- الإعراض عن اللذات، 6- عدم حب المال، 7- التشوق إلى معرفة الكل والموجودات بأسرها، 8- الشجاعة، 9- الاستعداد لكل ما هو خير وجميل، 10- إضافة للبراعة في الخطابة[95]. ولما كان توافر هذه الخصال في الحكام من الصعوبة، والنُّدرة بما كان، ولما كانت المدينة الفاضلة تُوجد بهؤلاء الناس، فابن رشد يدرك المسار الصعب والشاق لإيجاد هؤلاء الفلاسفة، الذين سيوجِدون هذه المدينة الفاضلة. والجواب لهاته المُعضلة عند الرجل، هي إعداد النشإ على هاته المنظومة القيمية؛ الفضيلة، لترويض العقول، والنفوس.
إن المدينة الفاضلة، ونهج الإصلاح في مسارَيْه الصاعد، والهابط، سيرورة من التحولات الفكرية، والقيمية، والسياسية، أساسها تعميم المعرفة، والفضيلة، ومجابهة الجهل، والرذيلة. إنها إجماع على الخير والفضيلة، والحكم العادل بأساس المعرفة والعلم، ونقد للشر والرذيلة، والحكم المُستَبِد، وخروج عنه.
خاتمة، ورأي:
حاولنا في دراستنا هاته أن نحلل المقول السياسي لابن رشد الحفيد، مُرَكزين على الثنائية المفهومية: إجماع، وخروج، باعتبارهما مفهومين إجرائيين مُساعدين في تشخيص، وتحليل، وفهم ما أسماه الجابري العقل السياسي العربي. فقمنا بتحديد لمعنى المفهومين لغة، واصطلاحا، ثم عَرَّفنا بقول فيلسوفنا فيهما، وأظهرنا أن الجانب الفقهي لابن رشد لم يَشُذَّ كثيرا عما ورد عند كبار الأصوليين، فيما يخص ماهية الإجماع، والخرج، وشروطهما.
وكان هَمُنا ومناط العمل، الكشف عن البعد السياسي في هذه الثنائية المفهومية، أي الابتعاد قدر الإمكان؛ وحسب ما تُمليه ضرورة البحث، عن الإغراق الفقهي/الأصولي. فقد تَقَفَّينا أثر الإجماع والخروج، سواء في المنطوق الفقهي لابن رشد، عبر تحليل نصوص من مُدَوَّناته الفقهية، والتي قدمت لنا كما قلنا، فقيها كلاسيكيا. ثم قمنا بمد جسور هذا التحليل، في محاولة للكشف عن حضور المفهومين، في مُدَوَّنات الفلسفة السياسية الخاصة بابن رشد “الضروري في السياسة”، و”تلخيص السياسة”، وكان هَمُّنا إقامة قياس، أو المقارنة، بين ما عليه الأمر في الشق الفقهي/الأصولي، وما هو مبثوث في الشق الخاص بالفلسفة السياسية.
فصلنا في النقد البارز الذي وجهه ابن رشد لأنظمة الحكم ذات الجوهر الاستبدادي، أي ما يسميه هو بالمدينة الناقصة، كتجَلٍّ لسيادة الرذائل، والشرور، من شهوات، ومال، وغيرها. وأظهرنا حِرص فيلسوف قرطبة على التحليل الواقعي، بعيدا عن الإغراق النظري المثالي، بل جعل الواقع المعيش، والسياق التاريخي، أساس عملية التفكر في ماهية نظام الحكم، وطبيعته، ونوع الإعوجاجات التي تنشأ عنه.
ثم قمنا بتحليل لمنطلقات، وآليات المشروع الإصلاحي لابن رشد، محاولين عرضه على المفهومين الإجرائيين إجماع/خروج، عبر تفصيل فيما أسميناه بالمسارين الصاعد، والهابط لدعوى الإصلاح الرشدية. وأظهرنا أن المدينة الفاضلة كتكثيف لهذا المشروع الرشدي، تنبني أساسا على الشق التربوي، الخاص بتهيئة النشإ على الفضيلة، والشق السياسي، والذي يقوم على ركيزة المعرفة العلمية البرهانية بمعنى السياسة، أي ما سماه البعض بعقلنة السياسة، بعيدا عن الفهم التقليدي الذي كانت الآداب السلطانية، والنصيحة قوامه.
لنقول في ختام الدراسة، أن مُحاولتنا المتواضعة في عرض مفاهيم تنتمي لحقل معرفي، على حقل آخر، بل واستعمالها كأدوات إجرائية، مغامرة، قد نصيب فيها الهدف، وهو المأمول، وقد نخطئ التقدير، وهو الوارد، إلا أن الرغبة في عرض بعض من إواليات الفقيه/الأصولي ابن رشد، على الفيلسوف، والمنظر السياسي، تجعلنا نتجشم هذا العناء، ونُقبل على هاته المغامرة بكل توابعها، خاصة لما يتعلق الأمر برجل مارس السياسة بشكلها الكلاسيكي، ونظر فيها بشكلها الحداثي[96] فيما وافق أوانه، وزمانه.
لائحة المصادر والمراجع:
عربية:
– الأزهري، أحمد، تهذيب اللغة، تحقيق: عبد السلام ومحمد بن هارون، (القاهرة: المؤسسة المصرية للطباعة، 1964).
-الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب، المفردات في غريب القرآن، تحقيق وضبط: محمد سيد كيلاني، (بيروت: دار المعرفة، د.ت).
– ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، شرح وتحقيق: نزار رضا، (بيروت: دار مكتبة الحياة، د.ت).
– ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، (مصر: مكتبة الخانجي، د.ت).
– ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، مراجعة سهيل زكار، (بيروت: دار الفكر للنشر والتوزيع، 2000) .
– ابن رشد
الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، نقله من العبرية للعربية: أحمد شحلان، ط 1، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق وتعليق: أبو أوس يوسف بن أحمد البكري، (عمان: بيت الأفكار الدولية، 2007).
تلخيص السياسة: محاورة الجمهورية، نقله للعربية: د. حسن مجيد العبيدي وفاطمة كاظم الذهبي، ط 1، (بيروت: دار الطليعة، 1998).
– ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، قسم الموحدين، تحقيق: محمد إبراهيم الكتاني وآخرون، ط 1، (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1985).
– ابن فرحون، إبراهيم بن نورالدين، الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، دراسة وتحقيق: مأمون بن محيي الدين اللجنان، ط 1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1996).
– ابن قنفذ، أبو العباس أحمد بن حسن بن علي بن الخطيب، الوفيات، تحقيق وتعليق: عادل نويهض، ط 4، (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1983.
– ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، تحقيق: عبد الله علي الكبير- محمد أحمد حسب الله- هاش محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، طبعة جديدة محققة ومشكولة شكلا كاملا ومذيلة بفهارس مفصلة، (القاهرة: دار المعارف، د.ت).
– الجابري، محمد عابد، المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، ط2، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،2000).
– الخضيري، زينب محمود، أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، (مصر: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1983).
– خليل، فوزي، دور أهل الحل والعقد في النموذج الإسلامي لنظام الحكم، (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996).
– الذهبي، ، سير أعلام النبلاء، المرجع السابق، ج 19، ص 501؛ كوربان، هنري، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة: نصير مروة، حسن قبيسي، ط 2، (بيروت: عويدات للنشر والطباعة، 1998).
– الرازي، فخر الدين، المحصول في علم الأصول، تحقيق: طه جابر فياض العلوان، ط 2، (مؤسسة الرسالة، 1996).
– الزبيدي، مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: علي شيري، ط 1، (بيروت: دار الفكر، 1994).
– الزحيلي، وهبة، أصول الفقه، ط 1، (دمشق: دار الفكر، 1986).
– الشهرستاني، الملل والنحل، صححه وعلق عليه: أحمد فهيمي محمد، ط 2، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992).
– الشوكاني، محمد بن علي، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت).
– الشيرازي، أبو إسحاق، شرح اللمع، تحقيق: عبد المجيد تركي، ط 1، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988).
– الضبي، أحمد بن يحيى بن أحمد بن عميرة، بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، تحقيق: إبراهيم الأبياري، ط1، ( القاهرة، بيروت: دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني، 1989).
– الصاوي، الصاوي أحمد، الخطاب السياسي عند ابن رشد، (مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005).
– الغزالي، أبو حامد، المستصفى من علم الأصول، تحقيق وتعليق: د. محمد سليمان الأشقر، ط 1، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1997).
– الفيروز آبادي، مجد الدين بن يعقوب، القاموس المحيط، تحقيق: مكتب التراث بمؤسسة الرسالة إشراف محمد نعيم العرقسوسي، ط 8، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2005).
– المراكشي، عبد الواحد، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ضبط وتصحيح وتعليق: محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي، ط1، (القاهرة: مطبعة الاستقامة، 1949).
– إمام، عبد الفتاح إمام، الأخلاق والسياسة: دراسة في فلسفة الحكم، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2001).
– خلاَّف، عبد الوهاب، علم أصول الفقه، ط 8، (د.م: مكتبة الدعوة الإسلامية شباب الأزهر، د.ت).
– داوودي، صفوان بن عدنان، قواعد أصول الفقه وتطبيقاتها، (د.م: دار العاصمة للنشر والتوزيع، د.ت).
– ديلو ستيفن، ديل تيموتي، التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني، ترجمة وتقديم: ربيع وهبه، ط.1، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010).
– ربَّاع، كامل علي إبراهيم، نظرية الخروج في الفقه السياسي الإسلامي، (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت).
– رزيق، رابح، الآراء السياسية لابن رشد، مجلة مشكلات الحضارة، (جامعة الجزائر، 2021).
– رينان، أرنست، ابن رشد والرشدية، ترجمة: عادل زعيتر، عيسى الحلبي، (القاهرة: 1957).
– عزاوي، أحمد، رسائل موحدية: مجموعة جديدة، ط 1، (المغرب: مطبعة النجاح الجديدة، 1995).
– عطية، سالم، عبد المحسن بن حمد العباد، حمود بن عقلا، تسهيل الوصول إلى فهم علم الأصول، ط 1، (القاهرة: دار الإمام أحمد، 2011).
– عمارة، محمد، مسلمون ثوار، ط 3، (القاهرة: دار الشروق، 1988).
– فاخوري، حنا، تاريخ الفلسفة العربية، (القاهرة: دار الفكر العربي، 1960).
– كوربان، هنري، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة: نصير مروة، حسن قبيسي، ط 2، (بيروت: عويدات للنشر والطباعة،1998).
– مؤلف مجهول، الاستبصار في عجائب الأمصار، تحقيق: سعد زغلول عبد الحميد، (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، د.ت).
– مخلوف، محمد، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، ج1، (القاهرة: المطبعة السلفية، 1349هـ).
أجنبية:
– Rebbache, Meriem, L’activité philosophique comme condition nécessaire à l’établissement d’un État juste dans la pensée d’Averroès, Faculté des arts et des sciences – Département de philosophie, Université de Montréal, 2021, p 04.
– Abbes Makram, dans « Episode 4 : comment fonder une cité juste ?», Averroès avait raison (4 épisodes), les chemins de la philosophie, par Adèle Van Reeth, France-Culture07-01-2021.URL : https://www.radiofrance.fr/franceculture/podcasts/les-chemins-de-la-philosophie/comment-fonder-une-cite-juste-5242950.
مقالات ودراسات:
– ألهيبي، فائز صالح محمود، الفلسفة السياسية لدى ابن رشد، مجلة التكامل، الجزائر، (العدد 5، أبريل 2019).
[1]– ديلو ستيفن، ديل تيموتي، التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني، ترجمة وتقديم: ربيع وهبه، ط.1، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص 33.
[2]– يذهب صاحبا “التفكير السياسي” لاعتبار العلاقة الترابطية بين التفكير السياسي، ووجود نظرية في السياسة، تؤطره؛ وتتأطر به خاصة لما يتم الخوض في سؤال الحكم. ويعتبران وجوب أن “يستفيد المنشغل بالتفكير السياسي من الرؤى المختلفة للحياة السياسية المطروحة من قبل مختلف المنظرين السياسيين”. المرجع نفسه، ص36.
[3]– انظر ترجمة ابن رشد في: المراكشي، عبد الواحد، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ضبط وتصحيح وتعليق: محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي، ط1، (القاهرة: مطبعة الاستقامة، 1949)، ص 242-243 و305-307؛ مخلوف، محمد، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، ج1، (القاهرة: المطبعة السلفية، 1349هـ) ص 147-146؛ الضبي، أحمد بن يحيى بن أحمد بن عميرة، بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، تحقيق: إبراهيم الأبياري، ط1، ( القاهرة، بيروت: دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني، 1989)، ج1، ص 79؛ ابن فرحون، إبراهيم بن نورالدين، الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، دراسة وتحقيق: مأمون بن محيي الدين الجنان، ط 1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1996)، ص 378 و379؛ ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، شرح وتحقيق: نزار رضا، (بيروت: دار مكتبة الحياة، د.ت)، ص 530؛ ابن قنفذ، أبو العباس أحمد بن حسن بن علي بن الخطيب، الوفيات، تحقيق وتعليق: عادل نويهض، ط 4 (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1983)، ص 298؛ الذهبي، ، سير أعلام النبلاء، المرجع السابق، ج 19، ص 501؛ كوربان، هنري، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة: نصير مروة، حسن قبيسي، ط 2، (بيروت: عويدات للنشر والطباعة، 1998)، ص 358؛ الخضيري، زينب محمود، أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، (مصر: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1983)، ص 15-19؛ … وغيرها
[4]– الجابري، محمد عابد، المثقفون في الحضارة العربية، المرجع السابق، ص121؛ والمراكشي، المعجب، المرجع السابق، ص 239.
[5]– المراكشي، المعجب، المرجع السابق، ص 238.
[6]– نفس المرجع، ص 242.
[7]– نفس المرجع، ص 243.
[8]– نفس المرجع، ص 278.
[9]– سنعود لهذا الاتهام لما سنعرض للسياق السياسي لابن رشد، والأسباب السياسية لنكبته.
[10]– أنظر: ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، المرجع السابق، ص 531؛ مخلوف، شجرة النور الزكية، المرجع السابق، ص 439؛ كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، المرجع السابق، ص 359، وغيرها.
[11]– عمارة، محمد، مسلمون ثوار، ط 3، (القاهرة: دار الشروق، 1988)، ص 265-266.
[12]– ابن رشد، الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، نقله من العبرية للعربية: أحمد شحلان، ط 1، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص 37-38.
[13]– ابن رشد، تلخيص السياسة: محاورة الجمهورية، نقله للعربية: د. حسن مجيد العبيدي وفاطمة كاظم الذهبي، ط 1، (بيروت: دار الطليعة، 1998)، ص 19.
[14]– نفس المرجع، ص 20.
[15]– جمع لنا الباحث أحمد عزاوي، في عمله المهم “الرسائل الموحدية”، بعضا من المراسلات التي تكشف عن الأوضاع السياسية، الاقتصادية، الثقافية، والاجتماعية للدولة الموحدية، ومنها تلك التحديات الخطيرة التي واجهتها داخليا، وخارجيا في عهد كل من المنصور، والناصر، راجع: عزاوي، أحمد، رسائل موحدية: مجموعة جديدة، ط 1، (المغرب: مطبعة النجاح الجديدة، 1995)، ج 1، من الرسالة رقم 37 ص 178، إلى الرسائل 67 و68 ص264.
[16]– ابن رشد، تلخيص السياسة، المرجع السابق، ص20.
[17]– مؤلف مجهول، الاستبصار في عجائب الأمصار، تحقيق: سعد زغلول عبد الحميد، (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، د.ت)، ص 210,
[18] -عزاوي، رسائل موحدية : مجموعة جديدة، المرجع السابق، ص 280، والصفحات، 282، 285.
[19]– ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، مراجعة سهيل زكار، (بيروت: دار الفكر للنشر والتوزيع، 2000)، ج 6، ص 316-317.
[20]– ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، قسم الموحدين، تحقيق: محمد إبراهيم الكتاني وآخرون، ط 1، (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1985)، ج 3، ص 362-363.
[21]– مؤلف مجهول، الاستبصار، المرجع السابق، ص 212.
[22]– ابن عذاري، البيان، المرجع السابق، ص 256.
[23]– أنظر: مادة “جمع” في الفيروز آبادي، مجد الدين بن يعقوب، القاموس المحيط، تحقيق: مكتب التراث بمؤسسة الرسالة إشراف محمد نعيم العرقسوسي، ط 8، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 2005)، ص 710؛ ابن منظور، لسان العرب، المرجع السابق، ج 1، ص 678؛ الأزهري، أحمد، تهذيب اللغة، تحقيق: عبد السلام ومحمد بن هارون، (القاهرة: المؤسسة المصرية للطباعة، 1964)، ج 1، ص 391؛ الزبيدي، مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: علي شيري، ط 1، (بيروت: دار الفكر، 1994)، ج11، ص 75؛ وغيرها.
[24]– ابن منظور، لسان العرب، المرجع السابق، ج 1، ص 678.
[25]– داوودي، صفوان بن عدنان، قواعد أصول الفقه وتطبيقاتها، (د.م: دار العاصمة للنشر والتوزيع، د.ت)، ص 662.
[26]– الغزالي، أبو حامد، المستصفى من علم الأصول، تحقيق وتعليق: د. محمد سليمان الأشقر، ط 1، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1997)، ج 1، ص 325.
[27]– الشيرازي، أبو إسحاق، شرح اللمع، تحقيق: عبد المجيد تركي، ط 1، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988)، ج 1، ص 665.
[28]– الرازي، فخر الدين، المحصول في علم الأصول، تحقيق: طه جابر فياض العلوان، ط 2، (مؤسسة الرسالة، 1996)، ج 4، ص 20.
[29]– الشوكاني، محمد بن علي، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت)، ص 109.
[30]– الزحيلي، وهبة، أصول الفقه، ط 1، (دمشق: دار الفكر، 1986)، ج 1، ص 490.
[31]– نفس المرجع، ص 491.
[32]– خلاَّف، عبد الوهاب، علم أصول الفقه، ط 8، (د.م: مكتبة الدعوة الإسلامية شباب الأزهر، د.ت)، ص 45؛ الزحيلي، وهبة، أصول الفقه، المرجع السابق، ج 1، ص 490؛ عطية، سالم، عبد المحسن بن حمد العباد، حمود بن عقلا، تسهيل الوصول إلى فهم علم الأصول، ط 1، (القاهرة: دار الإمام أحمد، 2011)، ص 78.
[33]– عطية، تسهيل الوصول إلى فهم علم الأصول، المرجع السابق، ص 79.
[34]– أنظر: مادة “خرج” ابن منظور، لسان العرب، المرجع السابق، م 2، ص 1125؛ الفيروز آبادي، القاموس المحيط، المرجع السابق، ص 185.
[35]– الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب، المفردات في غريب القرآن، تحقيق وضبط: محمد سيد كيلاني، (بيروت: دار المعرفة، د.ت)، ص 135.
[36]– الشهرستاني، الملل والنحل، صححه وعلق عليه: أحمد فهيمي محمد، ط 2، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992)، ص 107.
[37]– ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، (مصر: مكتبة الخانجي، د.ت)، ج 2، ص 113.
[38]– ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق وتعليق: أبو أوس يوسف بن أحمد البكري، (عمان: بيت الأفكار الدولية، 2007)، ص 17.
[39]– نفس المرجع، ص 174.
[40]– نفس المرجع، ص 175.
[41]– ربَّاع، كامل علي إبراهيم، نظرية الخروج في الفقه السياسي الإسلامي، (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت)، ص 167، 177.
[42]– الجابري، العقل السياسي العربي، المرجع السابق، ص 361.
[43]– نفس المرجع، نفس الصفحة.
[44]– نفس المرجع، نفس الصفحة.
[45]– نفس المرجع، ص 362.
[46]– خليل، فوزي، دور أهل الحل والعقد في النموذج الإسلامي لنظام الحكم، (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996)، ص 27.
[47]– ابن رشد، الضروري في السياسة، المرجع السابق، ص 17.
[48]– نفس المرجع، ص 21.
[49]– نفس المرجع، ص 27.
[50]– الترجمة الفرنسية للمدن الناقصة هي les cités injustes، مما يطرح إشكالا حول ما إذا كانت ترجمة الناقصة تحمل نفس المعنى، أم بالأحرى الغير عادلة، باعتبار أن سؤال العدالة كان الشغل الشاغل لأفلاطون.
[51]– الصاوي، الصاوي أحمد، الخطاب السياسي عند ابن رشد، (مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005)، ص 162-163.
[52]– من هؤلاء المفكرين الذين نزعوا عن ابن رشد أصالة التنظير العلمي السياسي، أرنست رينان في كتابه “ابن رشد والرشدية”، من خلال ادعاء كون ابن رشد لا يعدو أن يكون تُرْجُمانا لأقوال أفلاطون، وأرسطو، وناقلا لها. أنظر رينان، أرنست، ابن رشد والرشدية، ترجمة: عادل زعيتر، عيسى الحلبي، (القاهرة: 1957)، ص 17.
[53]– الجابري، العقل السياسي العربي، المرجع السابق، ص 334.
[54]– نفس المرجع، ص 339.
[55]– نفس المرجع، نفس الصفحة.
[56]– نفس المرجع، نفس الصفحة.
[57]– الصاوي، الخطاب السياسي عند ابن رشد، المرجع السابق، ص 162.
[58]– نفس المرجع، نفس الصفحة.
[59]– رزيق، رابح، الآراء السياسية لابن رشد، مجلة مشكلات الحضارة، (جامعة الجزائر، 2021)، ص 5.
[60]– ابن رشد، الضروري في السياسة، المرجع السابق، ص 63.
[61]– ابن رشد، الضروري في السياسة، المرجع السابق، الهامش 1، ص 194.
[62]– نفس المرجع، ص 192-196.
[63]– نفس المرجع، ص 196.
[64]– نفس المرجع، ص 198.
[65]– نفس المرجع، ص 196.
[66]– نفس المرجع، ص 31.
[67]– نفس المرجع، ص 45.
[68] – Rebbache, Meriem, L’activité philosophique comme condition nécessaire à l’établissement d’un État juste dans la pensée d’Averroès, Faculté des arts et des sciences – Département de philosophie, Université de Montréal, 2021, p 04.
[69] – idem, p 47.
[70] – ibid.
[71] – ibid.
[72]– إمام، عبد الفتاح إمام، الأخلاق والسياسة: دراسة في فلسفة الحكم، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2001)، ص 160.
[73]– نفس المرجع، نفس الصفحة.
[74]– ابن رشد، الضروري في السياسة، المرجع السابق، ص 76.
[75]– نفس المرجع، نفس الصفحة.
[76]– نفس المرجع، ص 77.
[77]– نفس المرجع، ص 78.
[78]– نفس المرجع، نفس الصفحة.
[79]– نفس المرجع، نفس الصفحة.
[80]– نفس المرجع، مقدمة الجابري التحليلية، ص 60.
[81]– نفس المرجع، ص 86.
[82]– نفس المرجع، نفس الصفحة.
[83] – نفس المرجع، ص 130.
[84] – بالنسبة لابن رشد فيجب الحذر في التأكيد على موافقته لأفلاطون؛ أو لا، على تلك الإجراءات التي أقرها هذا الأخير لتحقيق وحدة المدينة، من قبيل تعميم المال والعائلة، ومشاعتهما. ويرى الباحث عباس مكرم، أن السبب عدم التوفر على النص العربي الأصلي لابن رشد، إضافة لعدم اطلاعه على كتاب السياسية لأرسطو.
[85]– Abbes Makram, dans « Episode 4 : comment fonder une cité juste ?», Averroès avait raison (4 épisodes), les chemins de la philosophie, par Adèle Van Reeth, France-Culture07-01-2021.URL : https://www.radiofrance.fr/franceculture/podcasts/les-chemins-de-la-philosophie/comment-fonder-une-cite-juste-5242950.
[86]– فاخوري، حنا، تاريخ الفلسفة العربية، (القاهرة: دار الفكر العربي، 1960)، ص 463.
[87]– ابن رشد، الضروري في السياسة، المرجع السابق، ص 130.
[88]– نفس المرجع، نفس الصفحة.
[89]– نفس المرجع، ص 100.
[90]– نفس المرجع، ص 101.
[91]– ألهيبي، فائز صالح محمود، الفلسفة السياسية لدى ابن رشد، مجلة التكامل، الجزائر، (العدد 5، أبريل 2019)، ص 9.
[92]– ابن رشد، الضروري في السياسة، المرجع السابق، ص 136.
[93]– نفس المرجع، نفس الصفحة.
[94]– نفس المرجع، ص 137.
[95]– نفس المرجع، 137 و138.
[96]– أعني بوصف الحداثي، المُحايث لسياقه التاريخي، والثقافي.



