الصداقة والصديق في عصر ثقافة مواقع التواصل الاجتماعي

( نحتمل بعضنا البعض لأننا جميعا مُدَّعون ( مقولة لـ إميل سيوران-الفيلسوف الروماني، هذا الأخير الذي نحت في الأدب الإنساني مفاهيم ثقافية عن علاقتنا الاجتماعية والنفسية التي تربط بعضنا ببعض، وتجعلنا نجتمع بشكل إنساني تحت سقف نعوت وربما ارتباطات مختلفة، تشكل ذواتنا. وربما يحتل مفهوم الصداقة، على غير العادة، مكانة مهمة بين مختلف تلك المفاهيم الفلسفية والاجتماعية والتربوية الأخرى، والتي تؤسس لعلاقتنا الإنسانية لما له من أثر في بنيتنا النفسية والاجتماعية.
ربما يتبادر إلى ذهن القارئ، وهو يطالع هذه المقالة أن عتبتها مبنية على مفهوم “الصداقة“، وقد يتسرع هذا أو ذاك من باب المجازفة والاستشراف، ويربط هذا المتن برسالة لأبي حيان التوحيدي المعنونة بـ«الصداقة والصديق»، وهي رسالة لطيفة ومفيدة في بابها، كما لها مكانة طيبة ضمن الأدب العربي عموما، إلا أننا في هذه المقالة نمر عليها مرور الكرام، بالإشارة والمعنى. ونترك للقارئ الكريم، حرية اختيار الإشباك الفكري مع تلك النصوص المتينة وقت ما شاء، ولكن لابد من التأكيد على أننا جميعا بحاجة إلى استعادة بعض من تلك الكلمات والمعاني والتفاصيل، لبناء صداقات ناجحة أو -على الأقل- للاطلاع على ما نفتقر إليه من تصورات أصيلة لمسمى “الصداقة“.
وتأتي مقولة سيوان للتأكيد على موقف وجودي- براغماتي واضح من العلاقة بـ«الآخر»، ربما كان بدوره، باعتباره فيلسوفا، يتصور أن احتمال وجود صداقات جديدة أو قديمة في حياتنا شيء تفرضه ظروف ما سريعا ما نتخلص منها بمجرد تغير تلك الظروف، وهو شيء مربك وعملي في نفس الوقت.
لقد أصبحت لفظة صديق بلا بعد فلسفي ولا اجتماعي ولا نفسي بعدما كثر توظيفها في المواقع الاجتماعية وتطبيقات الدردشة اليومية..، فلا نرى إلا إضافات لصداقات جديدة، حتى إن بعض هذه المواقع، مثلا، لكثرة طلب صداقات جديدة، تُوقِفُ تفعيل تلك الخدمة مدة شهر كامل على أمل أن يراجع المستخدم بِروِيَّة ذلك المفهوم أو حتى يتأكد من جدية طلبه على الأقل، فيؤجلون شغفه وفضوله للحصول على لائحة صداقات جديدة إلى وقت آخر، ولاحظت أن بعض «الأصدقاء» يكثرون من ذكر عدد صداقاتهم الجديدة بافتخار وكثير «مزايدة» ولو تعلق الأمر بصداقات موقعُها «العالم الافتراضي»، وهذا كله إفراغ لما نفهمه من مفهوم الصداقة من معنى وحقائق جليلة.
ولا غرابة إن قولنا، لو عاش بيننا الأديب أبو حيان التوحيدي، وهو الذي قد يتمنى ربما أن يواكب كل هذه التحولات المعاصرة المذهلة، تأكيده على دور الصديق الحقيقي والواقعي في رسالته، بالقول:” إن حديثه فيه حلاوة، كما أن فيه شفاء للصدر، وتخفيفا من البرحاء، وانجيابا للحرقة، واطرادا للغيظ، وبردا للغليل، وتعليلا للنفس..”، وقد يكون بعض الناس اليوم لا يملكون القدرة على تكوين وربط علاقات اجتماعية ناجحة وواقعية، إما بسبب التزامات العمل أو حالة نفسية أو موقعهم الاجتماعي أو المهني..، مما يجعلهم يهربون إلى العالم الافتراضي، للإحساس بأنه بديل لهم أولا، وثانيا لمشاركة مشاعرهم مع «الأغيار» دون كثير تحرج، ليس فقط بالدردشة في غرف خاصة، ولكن بالإفصاح عنها على الجدار الشخصي للعموم، سواء باسم مستعار أو باسمهم الحقيقي، ثم انتظار «التعليق» و«المشاركة( (commenter ou partager، وهذا تحول كبير آخر يصيب جانبا مهما من تصوراتنا للعلاقات الاجتماعية والأخلاقية دون أن أنعتها بالسلب ولا بالإيجاب بل أقف منها موقفا حياديا وربما ” إيبوخيا”.
إن مواقع التواصل الاجتماعية اليوم تنحت لنا تصورات ومواقف ومشاعر، كما تساعدنا على التغيير بشكل سلس ومرن جدا، فتجعلنا ننتقل من حال إلى حال دون أن نعيى بذلك، ومشكلتنا أننا لا نعرف عمق هذا التغير والتحول إلا بعد أن نقطع مسافة كبيرة، دون أن نملك استراتيجية متكاملة تجعل علاقتنا تنسجم مع واقعنا والتحديات التقنية الجديدة، بمختلف جزئياتها، وهو ما يسمى بـ«التبيئة» بكل شروطها، فلا أحد اليوم يقدر على أن يغلق بابه أمام هذا السيل الجارف من المستحدثات و “البدع” التقنية والتي زاد من تعقيدها طفرة الذكاء الاصطناعي، فكأننا بصدد حلم مثالي يمنحنا اللذة ويمنع عنا التفكير، وشتان بين الحلم وبين فترة الاستيقاظ، ومثالا على ذلك نتحدث كثيرا عن الخصومات التي تقع بسبب نشر غسيل أحدهم أو أوراق الامتحان على جدار المواقع الاجتماعية أو امتلاك مسؤول لصفحة أو مشكل عائلي بين زوجين بسبب صفحة شخصية..، فنكتشف مشاكل وجرائم جديدة، وفوارق عميقة بين الأجيال المتعاقبة إلى درجة الدهشة، وقد نلاحظ فيما بعد أننا لسنا كما نتصور أنفسنا أو مجتمعنا، بل إننا مختلفون جدا أو منمطون جدا أو بـ “أقنعة لا متناهية”، فالتقنية بأبعادها السائلة اليوم؛ سلاح لا نقدر على محاكمتها أو تخفيف مخاطرها فهي كل حين تنزع نحو الاستقلال عنا، وإيجاد إرادة ذاتية لها لتفكر وتعمل من تلقاء نفسها بعد أن أمسى الانسان ينحو نحو نحت عالم مواز لعالمه الواقعي، ونزع مساحة أكثر للتقنية والذكاء الاصطناعي من عالمه على حساب ذاته وحريته.
هل نتحدث اليوم، عن آداب الصديق ورسالة أبي حيان التوحيدي فقط..؟ أم هل حديثنا سيكون عن التقنية والذكاء الاصطناعي وصداقتنا بـ”آلة” الحاسوب؟ إننا نتحدث أيضا عن الأخير بطبيعة الحال بكل أشكاله وتصنيفاته وتأثيراته، خصوصا إذا كان متصلا بالشبكة العنكبوتية، ولا أظن أحدا ينزعه عنها، لأنه سيفقد أكبر فوائده ومقصدا من مقاصده؛ ألا وهي الاتصال بالعالم، إن الحاسوب اليوم، وما جرى على منواله وشكله، يعد الصديق اللصيق والحقيقي للإنسان، لأنه يمنح المتعة ويجعل عالمنا منفصلا عن كل العالم أو متصلا بكل العوالم إنه بالنسبة لنا سحر أعين وسفر لا ينتهي، قد كاد يشبه في قدراته ما في أحلام الفتاة “أَلِيسْ” في بلاد العجائب، ومما يروى في روايات المراهقين عن قدرة بساط الريح الساحرة، فلم يعد الكتاب الورقي مجديا أو “خير أنيس” فقد أعدمت هذه الحكمة، وحل مكانها الزمن الافتراضي و”الميتافيرس” و”الأفاتار”، وليس لها نفس الروعة كما الاستمتاع بـ «أنيس بشري»، فنحن أصبحنا في عصر إعادة تشكيل روابطنا الاجتماعية والنفسية. والسؤال الآن: هل سنتمكن من إبداع أمثلة وحكم مرتبطة بالواقع الجديد كـأمثلتنا الثقافية القديمة: «الصديق قبل الطريق» و«خير جليس في الزمن كتاب»، تساعدنا على ترشيد علاقتنا بالوافد حديثا وتقنينها؟ أم أننا يا ترى فقدنا الإرادة وسلبت قدرتنا، وأمسينا أسرى للآلة، وما تبثه لنا من أفكار، وما تتقاسمه معنا من مشاعر في عصر الذكاء الاصطناعي؟


