المقالات

حكومة المنصوري: حين يصبح “تدوير النخب” بديلا عن “تغيير المسار”

لم تستغرق رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، سوى سبعة عشر يوما لإعلان تشكيلتها الحكومية القائمة على ائتلاف رباعي؛ لتكون بذلك الأسرع تشكيلا مقارنة بحكومتي عبد الإله بنكيران (35 يوما) وعزيز أخنوش (27 يوما) منذ إقرار دستور 2011. كشفت الهندسة الحكومية التي تضمنت 32 وزيرا عن موازين القوى داخل الائتلاف، حيث استحوذ حزب الأصالة والمعاصرة، قائد التحالف، على 11 حقيبة وزارية، تلاه حزب الاستقلال بست حقائب، ثم حزب الاتحاد الاشتراكي بأربع حقائب، وحزب التقدم والاشتراكية بثلاث حقائب، فيما أسندت 8 حقائب لشخصيات تكنوقراطية مستقلة.

أثار التضخم العددي للفريق الحكومي الجديد العديد أسئلة كبرى لدى الشارع المغربي، الذي وجد نفسه أمام ثاني أكبر حكومة من حيث الأعضاء عند انطلاقها منذ دستور 2011، بعد حكومة سعد الدين العثماني التي استهلت ولايتها ب39 وزيرا، قبل تقليصها إلى 24 عضوا في تعديل عام 2019. فهل يستدعى شعار “تغيير المسار” الذي رفعه حزب “الجرار” في الانتخابات هذا الانتفاخ التنظيمي؟ أم أن منطق الترضيات الحزبية كان حاضرا لرأب الصدع بين مكومات التحالف، ما يضع الانسجام الحكومي المعلن على محك الاختبار.

يشكل الوزراء المنتدبون زهاء ثلث الهيكل الحكومي بوجود أحد عشر وزيرا منتدبا، ما يعزز التشتت وتداخل الاختصاصات داخل القطاعات الوزارية. ففي أكثر من حقيبة وزارية حيوية؛ مثل: التربية الوطنية، الشباب، الإسكان… نجد وزيرا منتدبا يزاحم الوزير الأصلي، في قطاعات جرى العرف في تجارب حكومية سابقة على إسنادها لكتاب دولة، فضلا عن وجود مؤسسات عمومية متخصصة في البعض منها. ما أثار إشكالية تضخم الجهاز التنفيذي، وزكى فرضية “تشطير القطاعات” لضمان التوازنات، وتطييب خواطر الفرقاء الحزبيين.

كما تكشف التسمياتُ المحدثة للحقائب الوزارية عن ظاهرة لافتة، تتمثل في إغراق القطاعات الحكومية بمفاهيم وغايات فضفاضة؛ من قبيل “النجاعة العمومية” و”السيادة الغذائية” و”الابتكار”… حتى تحوّلت عناوين الوزارات إلى ما يشبه شعارات براقة. بطبيعة الحال، لا يكمن الخلل في نبل الأهداف أو أهميتها، وإنما فيما تنتجه من تداخل وخلط بين غايات السياسات العامة وحدود الاختصاص التنفيذي لكل وزارة. فالإصلاح الإداري وتحقيق الفاعلية لا يُقاسان بطول التسمية ولا بتضخم الهياكل، وإنما يُحكم عليهما بالنتائج والمؤشرات على أرض الواقع.

بعيدا عن الشكليات، طرح حزب الأصالة والمعاصرة نفسه بديلا قادرا على تصحيح اختلالات حكومة أخنوش – التي كان شريكا فيها – وإعادة توجيه السياسات العمومية نحو قضايا العيش الكريم والعدالة الاجتماعية تحت شعار “تغيير المسار”. غير أن استقدام 14 عضوا من الحكومة المنتهية ولايتها يضعنا أمام تعديل حكومي موسع لا أمام حكومة جديدة؛ فإعادة تدوير 47٪ من الوزراء مؤشر صريح على تثبيت المسار لا تغييره، لا سيما بعد الاحتفاظ بوزراء ارتبطت أسماؤهم بحصيلة كارثية في قطاعاتهم. وتكتمل الصورة بنشاز سياسي لافت يتمثل في عودة وزيرين سابقين، هما نبيل بنعبد الله وشرفات أفيلال، بعد أعوام على إعفائهما بقرار ملكي عام 2017 إثر تعثر مشروع “الحسيمة منارة المتوسط”، وهو الإعفاء الذي أحدث يوما زلزالا سياسيا بليغ الدلالة.

يبقى المثير حقا في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري هو القبول باستوزار أسماء أقصتها صناديق الاقتراع؛ إذ لم يظفر الوزيران أحمد المهدي مزواري وعائشة الكلاع (عن الاتحاد الاشتراكي)، بمقعد في البرلمان، ما يضع قرار تعيينهما أمام سؤال مشروع حول قيمة الاعتبار الشعبي ونتائج التصويب. رغم أن عدم الفوز بالانتخابات ليس مانعا قانونيا يمنع تولي الحقائب الوزارية، إلا أنه يعيد إلى الواجهة نقاشا أوسع بشأن القيمة السياسية لـصناديق الاقتراع؛ حيث أضحى الفوز مسارا يتيح الوصول إلى المسؤولية الحكومية، في حين لا يمنع الإخفاق من بلوغ ذات المسؤولية. إن هذا التوجه يقطع صراحة مع عرف سياسي استقر في تجارب حكومية سابقة، كان يقضي بتجنب مكافأة الخاسرين انتخابيا احتراما لإرادة الناخبين.

قد يُحاجج قائل بأن الفصل 47 من الدستور واضح في عدم اشتراطه الاقتران بين المنصب الوزاري والمعقد البرلماني، وأن مشروعية الوزراء مستمدة أساسا من إجراءات التعيين ونيل ثقة مجلس النواب، وليس من الفوز في الاستحقاق الانتخابي، وهو دفع يجد سنده أيضا في العرف عبر الحضور الدائم لتكنوقراط في مختلف الحكومات بإسناد قطاعات وزارية حيوية لهم. لكن لا قياس مع وجود الفارق، إذ يُفترض في اختيار التكنوقراط اقترانه بالكفاءة والجدارة، بينما يأتي استوزار خاسري الانتخابات بمثابة مكافأة سياسية لإخفاق انتخابي صريح، مع ما يعنيه ذلك من التفاف على مغزى الديمقراطية التمثيلية.

وكأن الواقع السياسي أَبَى إلا أن يبصم سريعا على صحة هذه القراءة؛ إذ لم يمضِ على تعيين الحكومة سوى يومين حتى أُعلن عن إعفاء الوزيرة المنتدبة لدى وزير التربية الوطنية المكلفة بالتكوين المهني مديحة خيير. وتتجلى المفارقة في أن حكومة المنصوري، التي تردد عبارة “التأهيل” لدرجة إقحامها في تسمية الوزارات، اضطرت بعد 48 ساعة فقط من إعلان ولادته إلى إجراء مراجعة خاطفة لتأهيل بنيتها الوزارية ذاته!

يقف حزب الأصالة والمعاصرة اليوم أمام التحدي الأكثر مفصلية في مساره؛ وهو إثبات الذات بعد سنوات قضاها في الدفاع عن شرعيته ضد اتهامات بالسعي وراء التحكم في المشهد السياسي. وكان المفترض أن يمنحه تشكيل الحكومة فرصة لتقديم رد عملي حاسم عبر بناء فريق متجانس قائم على الكفاءات ووضوح الاختصاصات. لكن مجريات الأحداث تظهر أن شيئا من ذلك لم يقع؛ فنجاح الحكومات لا يرتبط بسرعة التشكيل أو ضخامة الحقائب، بل بالسعي وراء تغيير إيجابي ملموس في معيشة المواطن. وبين شعار “تغيير المسار” المرفوع، والواقع القائم على تدوير النخب ومكافأة الإخفاق، تبدأ الحكومة ولايتها على وقع تناقضات صارخة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى