المقالات

الذكاء الاصطناعي وفن الترجمة: هوية المعنى أم صراع الإرادات؟

حركة الزمن تتسارع بشكل أُسّي، خاصة مع اقتحام “الذكاء الاصطناعي” جميع مجالات حركة الانسان، وتحدّيه في كثير مما يأتيه، نجاعةً وكُلفةً واختصارًا للوقت.

ومن بين الوظائف التي كان يقوم بها هذا الأخير (تُصنَّفُ بالراقية في سُلّم الوظائف) وتُهددُ الآلة “بانقراضها”، الترجمة بين الألسُن، علامة التحضر والتقدم. وقد قام جدل واسع بين تيارين كبيرين من أهل المهنة في الجواب عن ذلك التحدي الداهم للعمل التَرْجَمي تخصيصا والإبداع الفني بعامّة.

التساؤل الذي نحاول الإجابة عليه في ورقتنا هو: هل يمكن للذكاء الاصطناعي (أو الآلة الذكية) أن يحل محل الانسان المترجم ؟ وهل يمكن أن تنتفي وظيفة الترجمة أصلا؟

عتبة 1 . الانسان المترجم والآلة: التطور المذهل للذكاء الاصطناعي ومواجهة التحدي

“هل يمكن للآلة أن تفكر؟”. صرخة أطلقها أحد آباء الذكاء الاصطناعي، وهو عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينغ (Alan Turing) عام 1950، الذي اهتم بصناعة آلة تحاكي نقاشا بين شخصين؛[1] صرخة حاول الباحثون الأمريكيون الاستفادة منها وطرح مشروع استعانة الانسان بالآلة لترجمة بعض الوثائق السوفياتية. ولكن المشروع الذي خصصت له الإدارة الأمريكية اعتمادات ضخمة توقف نهائيا (عام 1966) لفشله في تحقيق الأهداف وعدم تناسب الكلفة مع النتيجة. وجاء تقرير اللجنة الاستشارية لمعالجة اللغات آليًا (ALPAC) ليعلن نهائيا أن الترجمة الآلية تعني “الانتقال، بواسطة خوارزمية، من نصٍّ مصدر مكتوب بلغة حاسوبية إلى نصٍّ هدف ذي فائدة، من دون اللجوء إلى الترجمة أو التحرير البشري. وفي هذا السياق، لم تحصل ترجمة آلية لنصٍّ علمي عام، ولن تحصل في المستقبل القريب”.[2]

ولكن ذلك لم يوقف البحوث العلمية حول الذكاء الاصطناعي، رغم بطء حركة تطورها، إلى حدود تسعينات القرن الماضي، حيث بدأنا نعيش ثورات طُفرية داخل ثورة الانترنت نفسها، تتميّز بسرعة تحولاتها الفائقة، وحجم قوتها، وشمول تأثيرها وعمقه. وكانت عصارة تلك الثورات في عصر الألفينية ظهور نموذج الترجمة الآلية العصبية (TAN)، ثم لحقتها بشكل سريع أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي (IAG)، لتُدخل اضطرابا واسعا (وحاسما) على الممارسة الترجمية التي يقوم بها الانسان، بل على طبيعة الحاجة إلى وجود المترجم البشري أصلا في مجال صناعة الكتاب والابداع الفني.

بعد أكثر من سبعين عاما، لايزال سؤال البدء حاضرا. تقول كارول بارز وبرونو بونشارال: ” إذا اعتبرنا مع جورج شتاينر أن «الفهم هو الترجمة»، فهل يمكن القول إنّ الآلة تقرأ النص لتترجمه كما يفعل المترجم البشري؟ إنّ الترجمة تنطوي على تفعيل شكل من التفكير بالغ الدقّة.[3]

مرّ استعمال “الذكاء الاصطناعي” – نظريا – بمراحل ثلاثة، كانت الأولى بطيئة متعثرة، تلتها ثانية تزامنت مع العشرية الأخيرة من الألفية الماضية تسارعت فيها إنجازاته وتأثيره الحاسم في كثير من مجالات النشاط البشري، واتّسمتْ بقدرة الآلة على تكوين نفسها آليا وبشكل متسارع، وبما يسمى الثورة العصبية (Neurorevolution) أو التعلم العميق (deep learning) ابتداء من 2012؛ أما المرحلة الثالثة فهي التي نعيشها منذ بداية العقد الثاني من هذا القرن، والتي وصل فيها “جبروت” الذكاء الاصطناعي أنْ هيمن على كل مناشط الانسان، وأعاد هندسة الجماعة، بل وبدأ يحدد الميول والأذواق والأحاسيس، وخاصة مع إطلاق آلية شات جي بي تي، التي وصلت نسخته الخامسة.

يصف أحد الباحثين مدى تأثير الذكاء الاصطناعي في واقع الترجمة في هذه المرحلة واصفا إياه بأنه: “[قادر على فهم] السياق، يمكنه التعامل مع الذاكرة، وعابر للمجالات”، ويعتبر أن هذا الجيل الثالث من الذكاء الاصطناعي بدأ بالكاد في الظهور، وأنه سيعرف أوجه بحلول عام 2030.[4] وتشير المصادر إلى سوق الترجمة الآلية بلغ عام 2024 أكثر من 716 مليون دولار، وأنه سيواصل التطور ليصل أكثر من 927 مليون دولار عام 2029، وهو لم يبلغ من العمر السنوات العشر بعدُ.[5]

لا شك إن طبيعة المنافع التي يوفرها الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة عديدة وفارقة في حياة الانسان ومستقبل الجماعات؛ يتعلق بعضها بالكلفة المباشرة (تقليص التكلفة المالية – اختصار أزمنة الإنجاز – مضاعفة حجم المادة المترجمة)، وبعضها الآخر بالتكلفة الاجتماعية (الاستغناء المتزايد عن المترجمين وتأثير ذلك على البنية الاجتماعية والنفسية لهؤلاء)، ويضيف بعضهم تكلفة القضاء على الابداع بالتضييق على عيش المبدعين.[6]

عتبة 2. انقسام الموقف من قدرة الذكاء الاصطناعي على الحلول محل المترجم الانسان

انقسم عالم الترجمة في مواجهة تحديات الآلة إلى فريقين كبيرين:

الأول مقتنع تماما أن موجة الذكاء الاصطناعي قادرة على الحلول محل الانسان بالكامل في غالب الأنشطة التي يأتيها، بما فيها الأنشطة الإبداعية والفنية والمعرفية. وهو ما دفع فينود خوسلا (Vinod Khosla)، أشهر مستثمري وادي السيلكون بالولايات المتحدة الأمريكية، إلى التنبؤ بواقع أسود لمستقبل العمل، متوقعاً أن يختفي 80% من الوظائف بحلول 2030، وقائلا إن “الوظائف المكتبية هي الأكثر هشاشة، لأن الذكاء الاصطناعي لا يتعب ولا يطالب بزيادة، والأهم أنه يتعلم بسرعة تتجاوز قدرة البشر”.[7] بل إن أتباع هذا الفريق يبتهجون تماما بما تقدمه الآلة من منافع للإنسانية، لدرجة أن غاري كاسباروف (Gary Kasparov) نفسه علّق على نجاح الذكاء الاصطناعي في هزم بطل العالم في الشطرنج قائلا: “ستقود الآلات الذكية حياتنا الذهنية نحو مزيد من الإبداع والفضول والجمال والسعادة”.

أما الفريق الثاني فأصحابه يشككون في نجاعة الآلة على أداء نفس مهام المترجم،[8] بل ويتنظمون لرفض ذلك الأمر الواقع على الأرض.[9] دراسات عديدة أُنجزت حول تجارب ترجمية بين الإنجليزية واليابانية، وبين الإنجليزية والهولندية، وبين الكرواتية والفرنسية وغيرها، أفضت إلى قناعة بعجز الآلة “على معالجة نقاط الصعوبة أو الخصائص المميّزة مثل البنية، والزمنية، والاستعارة، وابتكار الألفاظ، أو الانزياحات اللغوية”.[10] وقد تفننت تلك الدراسات في حصر مظاهر القصور في الترجمة الآلية، وتفكيك مواطن تخلفها عن ترجمة الانسان.[11] وقد اهتدى هذا الفريق الثاني إلى أن وظيفة المترجم هي التي ستتحول مع دخول الآلة بقوة في المجال، فتصبح الوظيفة المراجعة والتثبت والتصويب.

ولكن ذلك الجدل وتلك الريبة التي رافقت الصعود المدوي للذكاء الاصطناعي ودخول الآلة بقوة في العمل الترجمي، لم ينفِ في أن الشات جي بي تي، وبعد عام فقط من دخوله حيز الخدمة عام 2022، اعتُبِرَ ثورة في رأي 77 بالمائة من الفرنسيين المستجوبين، ونفس النسبة تقريبا لوحظت عند الصينيين والأمريكيين.[12]

توزّع المترجمون في تعاملهم مع تدخل الذكاء الاصطناعي في مجالهم إلى صنفين:

الفئة الأولى مقتنعة تماما بهَيْمنة الآلة على مستقبل الانسان ومُنتشية بالإنجازات الضخمة والفوائد العظيمة التي يحصّلها البشر من الذكاء الاصطناعي في حياتهم اليومية

أما الفئة الثانية من الفاعلين في العالم الترجمي فمتهيّبون من سطوة الآلة على مجالهم، وعاجزون أمام القوة الهائلة التي تمتلكها في الترجمة (ربح الوقت – زهد الكلفة – تضاعف الإنتاج). علاقة هؤلاء بالذكاء الاصطناعي علاقة متوتّرة، نافرة، عدائية (ولكن من موقع الإحساس بالضعف). لذلك اخترع أصحاب هذه الفئة من المترجمين ادّعاء عجز الآلة الذكية على بلوغ شأو ترجمة الانسان للإبداع الفني، والابداع الروائي والشعري منه بخاصة، وزادت بأن مهمة المترجم غير قابلة للاندثار، بل إن وظيفته فقط هي التي ستتغير، فيصبح مراجعا محكّمًا لما تجود به الآلة (وهو السبيل الذي اختارته عديد دور النشر العالمية ومراكز الإنتاج الأدبي والفني).

الاشكال هنا أن هذا النوع من العلاقة يؤدي – بسرعة – إلى اتّساع الخرق بين الطرفين، ويؤدي – بحكم تفاوت الإمكانيات المتاحة – إلى الانخراط الطوعي للإنسان والتسليم القسري لاحقا لهيمنة الآلة؛ لأن هذه الأخيرة لا تتوقف عن تطوير قدراتها وجودة ترجماتها بين الألسن بما تتوفر عليه من آلية التعلّم الذاتي العميق (deep learning). فـــالذكاء الاصطناعي يتعلم بسرعة فائقة، تتجاوز بكثير قدرة الانسان، لذلك ينافس الدماغ البشري بشدة؛ “أظهر معهد روكفللر بنيويورك في دراسة له بتاريخ 11 جويلية 2017 أن الذكاء الاصطناعي أسرع من عالم وراثة رفيع المستوى في تحليل مشكلة ورم في المخ ألف مرة. ألف ضعف اليوم، سيكون في 2030 مليار ضعف لسرعة الانسان”.[13]

عتبة 3. عجز الذكاء الاصطناعي على أن يصبح “مترجمًا – شريكا”: مثال تطبيقي على نصوص ميشال دو مونتاني (Michel De Montaigne)

أصدر ميشيل حكيم دو مونتاني (1533 – 1592) كتابه Les Essais (المقالات، أو المحاولات) في جزأيه الأول والثاني عام 1580، وأشرف – في حياته – على إعادة طباعته مرات ثلاثة، مع الزيادة (يقال إن عددها بلغ في النهاية 600 زيادة) والحذف والتنقيح (وإضافة جزء ثالث إليها)، كان آخرها نسخة 1595، وهي التي أعدها للطبع قبل وفاته والتي أصبحت النسخة الكاملة المعتمدة مُذّاك.[14]

صدر الكتاب باللغة الفرنسية، ومنذ البداية اصطُلِحَ على إعادة نشره بصفة الترجمة Traduction وليس بصفة الطبعة Edition، بما في ذلك الترجمات التي كانت تحاول تقديم الكتاب بلغة فرنسية معاصرة (مفهومة). وقد بلغت ترجمات (المحاولات) في قاعدة بيانات المكتبة الوطنية الفرنسية 435 طبعة، 

ومنذ وقت مبكر وعلى امتداد القرون الماضية نُقل كتاب (المحاولات) إلى اللغات العالمية كالإنجليزية والألمانية والهولندية والروسية واليابانية والإيطالية والتركية والاسبانية والبرتغالية وغيرها،[15]

عرفت القرون اللاحقة شغفا كبيرا بالكاتب والكتاب، والسبب يكمن في الطابع الإنساني “الشفاف” للأفكار والمواقف الواردة فيه، ولنزاهة صاحبه وإصراره على كشف ذاته للقارئ دون تجميل أو تعديل، ولكن أيضا للروح المستقبلية الكامنة فيه والمبشرة بالأنوار والحداثة القادمة وبالأمل في التغيير، وبتحرير العبارة وإعادة تمليكها للناس العاديين رافعا عنها قداسة العلماء ورجال الدين.

كيف تتحول اللغة من المِحنة … إلى المِنْحة

أجمع الناشرون والمترجمون والباحثون على أن لغة كتاب (المحاولات) كانت لغة “مُستَغْلَقَة”، لا لأنها فرنسية مهجورة فقط في ذلك الزمن، ولكن أيضا لأنها لغة “سائلة”، وهو ما جعل مُحققي الكتاب يعمدون إلى “حيلٍ” ألسنية وتركيبية ومنهجية يعتقدون عبرها “توطين” النص وإلباسه لبوس المفهومية والقبول، سواء بحذف المقاطع المستعصية (وبالتالي غير ذات الفائدة بالنسبة إليهم)، أو تبديل كلمات بمترادفات يرونها أبلغ بالمراد، أو بتصحيح موقف أو انطباع يرون الكاتب قد وقع فيه دون قصد، وفي كل الحالات فإن المنطَلَقَ المُعلَن أو المُضمَر لهؤلاء هو تبخيس حق مونتاني في اختياراته “والحَجْر عليه” بشكل من الأشكال، وكأنّهم يعلنون معرفة مصلحة الكاتب أكثر منه.

سأقترح هنا مثالا واحدا عن الجدل الذي أثاره “عائق” اللغة لنتلمّس الرهان الحقيقي لترجمة مونتاني. اعتُبِرَتْ الطبعة التي نشرها أندريه لانلي[16] عام 2003 أفضل الترجمات الفرنسية المعاصرة لكتاب (المحاولات)، لأن هذا الأخير “اعتقد ضرورة احترام بِنْية الجملة عند مونتاني، وهي التي كانت متأثرة جدا بتركيبة الجملة اللاتينية”.[17] ولكن دي بيرنون (G. de Pernon) اعتبر ذلك التمشي قد زاد من صعوبة قراءة تلك الترجمة على غير المتخصص، لذلك اقترح ترجمة جديدة، اختار لها إعادة كتابة (المحاولات) بشكل جذري ليسهل وصولها إلى الجمهور العريض. وقد وقف كريستوف باردين على “حجم الكارثة” في ترجمة لانلي عندما قارن ترجمة هذا الأخير لمقدمة مونتاني (تنبيه القارئ Au Lecteur). وأورد هنا فقرة باردين في تحليل تلك الترجمة للوقوف على معنى تحوّل لغة المترجم إلى عائق عن الفهم، وهو يظن أنه يُحسنُ صنعا:

“ثمة أمر يلفت النظر: ثلاث مرّات يستخدم لانلي صيغة يَرِد فيها الحديث عن “الكينونة”، في حين أنّ مونتاني يَستعمل ألفاظاً أنثروبولوجية خالصة. قد يبدو للوهلة الأولى أنّ الترجمة تُعيد معنى مونتاني بلغةٍ أقرب إلينا وأكثر أُلفة. غير أنّ هذا يطرح مشكلة، لأنّه لا وجود البتّة لذكر الكينونة في هذا “التنبيه للقارئ”. ولنذهب أبعد من ذلك: فمونتاني صاحب العبارة الشهيرة التي تتعلّق بالكينونة: «ليست لنا أيّ صِلة بالكينونة”. (المقالات، II، 12، ص 434)، فكيف يمكن له أن يتحدّث عن “كينونته”، وهو يذهب إلى أنّ الكينونة لا تعني الإنسان في شيء؟! بإقحام لفظ الكينونة في هذه الصفحة التي تفتتح المقالات، إنّما يُشوّه لانلي فكر مونتاني … لا يتعلق الأمر هنا [بنوع من الترجمات الموصوفة بالــ] “خائنة الجميلة” ولا أمام خيانة مُبرَّرة، بل أمام خطأ في المعنى وانقلاب لمقصود مونتاني”.[18]

المشكلة أن هذا المثال يتكرر بكثرة في ترجمة لانلي وفي ترجمات كثيرة غيرها، راكمتْ فُهومًا خاطئة بتأويلات مجانبة لعبارة الكاتب، ومُستنقِصة لاختياراته وتعبيراته عن أفكار ومشاعر وليدة، بدعوى تمكين جمهور الفرنسية الحديثة العريض من تقبل مونتاني وآرائه دون أن يكون مختصا. نحن هنا نتحدث عن المترجم الانسان المتخصص !!!!

كان مونتاني برأيي لا يُجوّد عبارته أحيانا لأنه يريد تنبيه القارئ إلى غرضه الحقيقي من تركها “سائلة”. وبالتالي فيمكن اعتبار كلّ الكتاب كشفٌ وليس خداعا. واختيار ترجمات حديثة له تدّعي تجويد لغة مونتاني وتوطين آرائه، لم تكن في كثير من فقراتها إلا مجانبة للصواب، ليس في تأويل العبارة فحسب، بل وفي تحريف استراتيجيات المعنى الذي يروم مونتاني إشراكنا فيه.

هذه بعض مظاهر تحول اللغة إلى عائق، عند مترجم يتعامل مع مثل تلك النصوص بصرامة الفصل لا بأفضال الوصل، أي أن تتعامل مع نص خارج عنك، منفصل، تَدْخُلُه وتخرُجُ بقَدَرٍ.

أعود إلى تجربتي في ترجمة للفصول الأولى من (المحاولات)، منطلقا من طبعة (ترجمة) فرنسية حديثة للنص الأصلي. منذ الفصل الأول اكتشفُ – وأنا أقارنه ببعض الطبعات الأخرى – اختلاف الاجتهادات في تراكيب ومصطلحات وكلمات، فقدتُ الثقة أكثر من مرة في سطح المعنى المقتَرَح، وبدأت بتتبع الإحالات المرجعية التي تحملك إلى المؤلف وعصره، فبدأتْ تتكشّفُ لي سيولة عبارة مونتاني، ورخاوة فكرته، وولاداته التي بدأت تتشكل في عالم الأفكار وعالم السلوك وعالم القيم. لم أعد أرتاح للموقف القائل إن ترجمة (المحاولات) إلى فرنسية حديثة قام بها لسانيون كبار وعلماء مرموقون هي بمثابة التعامل مع تحقيق جديد لكتاب الجاحظ أو المعري، وما أكثرها في تراثنا. ليس الأمر عينُه بالمرّة. وأصبحتُ أُكثِرُ العودة إلى مكتبة مونتاني لأتحقق من لوحاته المعروضة علينا في ثنايا الفقرات، علّي أظفر فيها بخيط لمعنىً يبغيه المؤلف، ولم يكتمل عنده بعد. ذاك كان تعاملي مع اللغة المستعملة في النص المطروح أمامي. وبذلك تكوّنت لديّ آليةٌ مختلفة في الترجمة، أطلقتُ عليها بالأوْبَة القلقة، هي خليط من شعور بعدم الاطمئنان، ورغبة في الانسلاخ عن فهمي للكلمات التي حبّرتُها سابقا كلما توغلتُ في التمكّن من جُوانيات الكاتب، تحدٍّ مُذبب الأطراف يَخِزُك كلما اطمأننتَ إلى سبيل، وصخبٌ خارجي يغمرُ داخلك ولا تسمعه يستعجلك المسير والانجاز.

هكذا تتحول اللغة المستغلقة للمؤلف من محنة، عائق أمام الترجمة إلى الألسن الأخرى، إلى منحة تفتحُك على عوالم زاخرة بالكلمات والمعاني والمواقف التي شكّلتْ إرهاصات النهضة الأوروبية، ثم أنوارها، فحداثتها.

لا يمكنك الاكتفاء بتتبع مسار الترجمة الخطية للنص، حتى وإن دققتَ في رسم الأسماء بالحرف العربي، وتثبّتَ من بعضها لتتطابق مع الحدث (تشابه أسماء)؛ ثم إنك لا يمكنك تجاوز الاستشهادات دون التوقف طويلا عندها، أولا لأن مونتاني يوردها باللاتينية أو بلغاتها، وثانيا دون أن يحيل إلى المصدر الذي استقى منه، وثالثا لأنه يورد القول أو نتفة منه بمعناه لا بحرفه، وهو ما تأكدنا منه في طبعات الكتاب التي حررها بنفسه وأمهرها بإمضائه (1580 – 1582 – 1587 – 1595).

ويتّفق المختصون أن نص (المحاولات) مجموعة من الأجزاء المتكسرة المتداخلة والمتقاطعة.[19] وهذه القطع المتشظية هي التعبيرة القصوى عن حالة مونتاني وحالة كتابه، وهي الدليل على ثراء هويته المتعددة. لذلك كانت عبارته “سائلة” … مفتوحة على احتمالات شتى، وآراؤه أحيانا غير منتهية، متموّجة، بل وأحيانا متعثرة ومتناقضة. هو لا يعمد في أي زاوية من زوايا كتابه إلى المغالطة والتعمية … على العكس تماما، هو يعود في كل مرة للتنبيه ولتحمل مسؤوليته. يقول:

“أقتبس كلمةً من هنا وأخرى من هناك، مقتطفاتٍ منتزعةً من سياقها، من غير قصدٍ مسبق ومن دون أن أكون قد قطعتُ أيَّ وعدٍ للقارئ؛ لستُ ملزَمًا بأن أستخلص منها شيئًا حسنًا، ولا بأن ألتزم بها التزامًا ثابتًا من غير أن أغيّر رأيي متى خَطَرَ لي. ويجوز لي أن أستسلم للشكّ ولعدم اليقين، بل للحالة التي تسودني وتغلب عليّ: أعني الجهل” (1/50)

ترجم العرب العنوان بــ(المقالات)، ربطا بفن المقالة في تاريخنا المعاصر، ولكن دون الغوص في شخصية مونتاني، ودقّته في اختيار الكلمة المعبّرة تماما عن ذاته وعما يكتبه، بالصيغة التي يكتبها بها، فاستعاضوا عن شحناتها الدلالية المتعددة والمتداخلة، بمصطلح حاسم ومنتهٍ: المقالات … غابت المعاني المتعدّية في المصطلح، كالتمرين والاستهلال والمحاولة وعيّنة الطعام، كما غاب المعنى اللاتيني الأصلي: الوزن. بل ولم ينتبهوا لمعاني الفعل (essayer) وهي: الاستشعار والتذوق والاختبار والمبادرة إلى فعل شيء والمجازفة والوزن والحساب والتحفز للانطلاق. ولعل تلك المعاني هي التي جعلت أحد الباحثين يؤكد بيقين إن الكتاب هو مجموع من الاختبارات والتجريبات، وأنه صورة عن مونتاني نفسه، في غموض معانيه وتعددها.[20]

وإذا أضفنا إلى تباينات تلك الأفكار الإنسية الجنينية، واللبس والتجريد الذي يصاحب العديد من الفقرات الطويلة، وتداخل الفنون والمعارف المختلفة بشكل مكثف، لا نستغرب أن تزداد صعوبة الترجمة، خاصة أن الكاتب نفسه وصف نصّه بأنه “جسم متوحش”.[21] كما يمكن أن تُعتَبَرَ المجهودات الجبارة التي بُذِلَتْ منذ حوالي خمسة قرون لترويض هذا “الحَرون” وإدخاله إلى حضيرة المقبولية والمقروئية في الثقافة الفرنسية عقَبَة فرعية،[22] لأنها أفضت في كثير من الأحايين إلى تشويه الأصلي وتغييب أهم معطى إبستيمي يُفضى إليه الكتاب: كان مونتاني مُنْصِتًا لعصره وهمومه، مُرتميًا في أحضان المستقبل المشرق.

ما هو الدرس الذي استفدتُه من محاولة ترجمة بعض فصول كتاب مونتاني، وفي علاقة بموضوع مقارنة ترجمة الانسان بترجمة الذكاء الاصطناعي؟

قمتُ بترجمة شخصية للفصول الأولى من كتاب مونتاني، وقارنتها بأفضل ترجمة للآلة لنفس النصوص، ووجدتُ أن الدرس المستَخلَص من تلك المقارنة حاجتنا الملحّة إلى تبنّي ما اسمّيه بالـــــ”مترجم – الشريك”، الذي لا يتعامل مع النص بعقلية “المهمة” (mission) المنفصلة عنه، المحددة بسياجات الزمان والمكان والجهد والفائدة المحصّلة، بل بعقلية شريكٍ لمؤلف النص الأصلي، أيًا كان ذلك المؤلف. أول عمل يجب على المترجم القيام به أن يبحث عن الشخص قبل النص، أن يتفهّمه موقفًا، أن يقتنع باتباع نفس السلوك الذهني والالتزام الأخلاقي للكاتب، ثم أن نتعلم الانصات إلى صمت النص وتأتآته في آن، وفي حالنا هذه، أن نتمثل موضوعات مونتاني المتقطعة مُتعةً لا غواية؛ أي أن يفهم المترجم منذ البداية أنه لا خطّية في مسارات الأفكار تصل بك إلى نهاية، ولا في العبارة التي ستنقل فيها روح النص الحي إلى العربية، وأن تستعد لتقبّل أنك لن تنقل عبارةً مكتملة تماما كما عاشها مونتاني. تلك التفهمية، وذلك الاستعداد هو ما يجعلك شريكا للكاتب – المشروع، وبذلك تستجيب لدعوة مونتاني لنا بأن تدفعنا محاولاته إلى كتابة محاولاتنا في أفق مفتوح.

هل بمقدور الترجمة الآلية عبر الإمكانيات الضخمة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي أن تأتي ما يأتيه المترجم – الشريك؟ أن يعيش عملية التفهم للنص المفتوح، حتى يصبح معنيا به؟ لا أظن.

قمنا بترجمة الفصول الستة الأولى من كتاب مونتاني، وطلبنا من وكيل للذكاء الاصطناعي (افتراضي) أن يختار أفضل ترجمة تقترحها الآلة لنفس النصوص. أخبرَنا أنه اعتمد على منصات الترجمة التالية: Google traduction (النسخة الاحترافية) / deepl / GPT5 / Claude 4، وجميعها منصات مدفوعة الثمن (غير مفتوحة للعموم)، وطلب من كل منصة على حدة ترجمة نفس النص، قبل أن يدمجها آخذًا بأفضل ما كل واحدة منها، ثم عَرَضَ علينا “ترجمة محسّنة تحافظ على الطابع الأدبي الكلاسيكي للنص مع ضمان الوضوح والدقة”، حسب تصريحه.

الفرق شاسع بين الترجمتين، فالآلة لا تقف أصلا عند “التفهمية” المقترَحة أعلاه، لا تبحث عن غاية الكاتب في اللحظة التي حبّر فيه نصه، والتساؤل عن سبب استشهاده بكلام غيره وهو يحاول “تلمّس” معالم الفكرة التي يريد إيصالها. كان تعامل الآلة مع النص باعتباره نصًا مكتملاً، لذلك – في كثير من الأحيان – لا تترجم الاستشهادات اللاتينية ولا تتوقف عند انتقال الكاتب من زمن لزمن في نفس الجملة. بعكس المترجم – الشريك الذي يعود إلى لبحث عن المستشهد به، والبحث في سيرته علّه يفهم سبب استحضار “مونتاني” له في ذلك السياق، وربما استشهد به في سياق آخر مختلف في موضع آخر من النص. عديدة جدا هي إخلالات الترجمة الآلية، رغم تصريح وكيل الذكاء الاصطناعي بأنها ترجمة حافظت على دقة العبارة والوضوح.

عتبة 4. مقترح معرفي لحسم الجدل المتوتر في العلاقة بين المترجم الانسان والترجمة الآلية، يعتمد تغيير براديغم النظر

أين تكمن المشكلة إذا؟ وكيف يمكن الخروج من مأزق العلاقة المتأزمة بين الانسان والآلة في مسألة الترجمة؟

يبدو أن كل الذين يتعاملون مع مجال الترجمة في علاقة بما وصل إليه الذكاء الاصطناعي من قدرات هائلة في الفن ينطلقون من نفس البراديغم، يتحركون داخل نفس العقل الحضاري الرأسمالي، براديغم الربح والفائدة والسيطرة. صراع تهندسه فلسفة الانسان – الإله، وليس فلسفة الانسان المستخلَف. لذلك لا ينطلق المترجم الانسان في مواجهته لتحديات الذكاء الاصطناعي من هويته كإنسان، ومن وظيفته كمُستَخلَف، بل من “ادّعاءٍ” بأنه ينقل التراكيب اللغوية، والأفكار، والسياقات الثقافية، والأحاسيس الإبداعية، من نصٍّ منتَج إلى نص مُتَقَبَّل، سلعة للبيع، وأداة في التميز.

ولكن تعالوا معي نغادر البراديغم المركنتيلي ونجيب عن سؤال قدرة الآلة على الحلول محل المترجم (الانسان) في فضاء معرفي آخر؛

سنقوم بذلك عبر ربط معنى الترجمة ودور المترجم بما تقترحه علينا الآية 13 من سورة الحجرات ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾، والتأمل بالتحديد في مفهوم “لتعارفوا“.

غايةُ الخلْق الإنساني مزيج من معرفة ومشاركة. أي أن هوية الانسان الأولى هي أن يكتشف من خلال مشاركة المعرفة طبيعة خلقه مختلفا ومتعددا. يصبح عمل المترجم ليس نقل لسان إلى لسان، ولا تقريب الصور الثقافية، ولا فهم السياقات النفسية والمزاجية لمنتجي النصوص المطلوب ترجمتها. تصبح وظيفة الترجمة البحث في النص المطلوب نقله علامات المشترك الذي يجد منه في نفسه، أي اكتشاف جزء منه في الآخر، فيترجم الآخر فيه، وبالنهاية يترجم نفسه.

خلق الله الانسان طينًا ونفخَةً وقيَمًا فطرية؛ يشملُ الخَلْقُ تلك العناصر الثلاثة، عناصر أصلية في الهوية. وبهذه الهوية جعله خليفة في الأرض. ومحتوى هذه الخلافة تسخير الكون له. القيم الفطرية التي شكّلتْ المشترك الإنساني، مهما بلغ من التنوع والانتشار، هي التي حددت “لتعارفوا” وظيفةً أساسية للفرد، يوظفها لإعادة الاختلاف إلى وضعيته السليمة.

بهذا المعنى، وداخل هذا البراديغم، تصبح عملية الترجمة بحثُ المترجم عن جزء منه في المترجم له، بحث عن المشترك الإنساني الذي تفرع عنه الاختلاف والتعدد والألسن. وهذه مهمة يستحيل على الآلة مواكبتها، مهما بلغت سرعتها ومراكمتها. ويستحيل على الذكاء الاصطناعي أن يحلّ محل الانسان أصلا لعلّة أنطولوجية، لأنه مرتبط بالنسبي (الانسان)، وهذا الأخير مرتبط بالمطلق (الله).

يحدثنا الفيلسوف كانط (Kant) عن المعرفة المحضة، التي يُعرّفها بأنها “معارف قبلية لا تلك المستقلة عن هذه التجربة أو تلك، بل المستقلة بالتمام عن كل تجربة. وتضادها المعارف الامبيرية أو تلك التي هي ممكنة بعديًا وحسب”.[23] وهي معارف يصفها أحد المختصين في المقولات الكانطية بأنها “مجموع من المفهومات الما قبلية، أو أصناف من المعرفة”،[24] وقد استعملنا سابقا للتعبير عنها عبارة “قيم فطرية”.

ويُفتَرَضُ أن تكون هذه المعارف الما-قبلية غاية العملية الترجمية بحثا عن المشترك وإعادة تركيبه، أي ألا تكون الترجمة نقلا للألسن وترويجا للفهوم المفترضة فحسب. وبذلك يرفع المترجم تحدي مواجهة الخطاب الذي يجعل من القدرات الهائلة للذكاء الاصطناعي، والمتجاوزة للإنسان الفرد، في عملية الترجمة، والتصدي لـــ”تلبيس إبليس”، الذي يجعل من الآلة “غولا قَدَريًا” لا قبل لنا بدفعه. ويبدأ رفع التحدي بتفكيك ذلك الخطاب – الادّعاء، ونزع هالة السحر عنه، ابتداء من تجريده من نسبة صفة الذكاء إليه، ووصولا إلى التركيز على الغاية الحقيقية للمترجم – الانسان التي لا قبل للآلة بها.

إذ يُقال إن هذه النماذج تُحاكي الذكاء البشري. لكن الأمر ليس كذلك: فالذكاء الاصطناعي لا يعمل كما يعمل الذكاء البشري، و”الشبكات العصبية” المستخدمة في هذه الأنظمة لا تعمل كما يعمل الدماغ. فلا يحتاج أيّ إنسان، مثلاً، إلى رؤية آلاف الكلاب لكي يتعرّف على كلب، على خلاف خوارزمية التعرّف على الصور. والأمثلة على ذلك كثيرة.


[1]) Alan M. Turing; « Computing Machinery and Intelligence », in Mind, Volume LIX, Issue 236, October 1950, p. 433-460.

[2]) Traduction automatique le rapport ALPAC. https://blog.pangeanic.com/fr/traduction-automatique-rapport-alpac

[3] ) Carole Birkan-Berz et Bruno Poncharal, « Présentation », Palimpsestes [En ligne], 38 | 2024, mis en ligne le 30 novembre 2024, consulté le 20 novembre 2025. URL : http://journals.openedition.org/palimpsestes/8690

أنظر أيضا عنوان الفصل الأول من كتاب شتاينر (Understanding as Translation ):

George Steiner, After Babel, Oxford University Press, 1975

[4]) Laurent Alexandre, La guerre des intelligences, Editions JC Lattès, 2017

[5]) mordorintelligence.com

[6]) Série IA et traduction / PROLOGUE : des praticien·nes témoignent. https://enchairetenos.org/serie-ia-et-traduction-des-praticien nes-temoignent/

[7]) https://finance.yahoo.com/news/silicon-valley-investor-vinod-khosla-205800150.html

[8]) Abeba Birhane & Marek McGann; Large Models of What? Mistaking Engineering Achievements for Human Linguistic Agency. Language Sciences, vol. 106, novembre 2024.

[9]) Syndicat des Travailleurs artistes – Auteurs de la Confédération Nationale des Travailleurs / Solidarité Ouvrière ; Non à l’automatisation des métiers de l’Art. 11 / 11 / 2025.  https://cnt-so.org/staa/2022/11/11/non-a-lautomatisation-des-metiers-de-lart/

[10]) Damien Hansen ; Traduction automatique neuronale et textes littéraires : bibliographie raisonnée. Palimpsestes, 38/2024https://doi.org/10.4000/12spf

[11] ) Laura Hurot, Samuel Sfez et Marie Van Effenterre, « La traduction d’édition face à l’IA : la réflexion s’impose », Traduire [En ligne], 250 | 2024, mis en ligne le 17 juillet 2024, consulté le 10 décembre 2024.

http://journals.openedition.org/traduire/4185

[12]) COMMISSION DE L’INTELLIGENCE ARTIFICIELLE ; IA : Notre Ambition pour la France.  MARS 2024. P 27

[13]) Laurent Alexandre, op. cit.

[14]) Michel de Montaigne ; (1533-1592). Essais: texte original de 1580, avec les variantes des éditions de 1582 et 1587. Tome 1 / publié par R. Dezeimeris et H. Barckhausen. Publications de la Société des Bibliophiles de Guyenne 1870-1873. pp VIII – XI.

[15]) Montaigne Studies An Interdisciplinary Forum, n° 23, 2011, Translating Montaigne

[16] ) Michel Eyquem de Montaigne, Essais.éd. Honoré Champion, 2002,3 t., traduction en français moderne par André Lanly.

[17] ) Les Essais ; édition électronique ; Traduction en français moderne par Guy de Pernon d’après le texte de l’édition de 1595. Ebooks libres et gratuits, Mars 2008.   https://www.ebooksgratuits.com/html/montaigne_essais_traduction_1.html#_ftn3

[18] ) Bardyn, Op. cit. p 2.

[19]) Taleb-Khyar Mohamed Bouya. Et c’est de Montaigne : l’écriture fragmentaire de soi. In: Littératures 26, printemps 1992. pp. 87-99;

[20]) Frank Lestringant ;«JE SUIS MOI-MÊME LA MATIÈRE DE MON LIVRE », Lecture du livre III des Essais. Presses universitaires de Rouen et du Havre, CNED ; 2016. pp 19 – 32

[21] ) Essais ; I, 28 « Que sont-ce ici aussi, à la vérité, que grotesques et corps monstrueux, rapiécés de divers membres, sans certaine figure ]forme réelle], n’ayant ordre, suite ni proportion que fortuits ? »

[22]) Philippe Desan ; Illustre Montaigne la lente construction d’une gloire littéraire. In PANTHÉONS DE LA RENAISSANCE : Mémoires et histoires des hommes et femmes illustres (v. 1350-1700) ; Élisabeth Crouzet-Pavan, Jean-Baptiste Delzant et Clémence Revest (dir.). Torino : Rosenberg & Sellier, 2019.  https://books.openedition.org/efr/21733

[23]) عمانويل كانط؛ نقد العقل المحض. ترجمة موسى وهبة. بيروت: مركز الانماء القومي، 1988. ص 47.

[24] ) Cyril Arnaud, Résumé de la Critique de la Raison Pure.  https://www.les-philosophes.fr/kant-critique-de-la-raison-pure.html

 

عبد الحق الزموري

باحث جامعي ومترجم من تونس. مدير مركز أبعاد للدراسات المستقبلية. له العديد من الكتب والدراسات المنشورة، آخرها مساهمة في كتاب جماعي حول "الحالة الدينية في تونس 2010 - 2015" ، وكتاب " التصوف طريق الإسلام الجوانية" (ترجمة) و"الموت الرحيم للإلحاد المعاصر" (ترجمة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى