المقالات

تدويل التعليم العالي: مراجعة نقدية في الإطار الشامل للمبررات بين المستوى الفردي والمؤسسي

شكل موضوع المبررات المتباينة بين المستوى الفردي والمؤسسي أحد قضايا تدويل التعليم العالي عالميا. فالفجوة الحاصلة بين تلك المبررات على المستوى الكلي الاستراتيجي المؤسسي من جهة؛ والمستوى الجزئي الفردي الذي يجسده الأكاديميون والإداريون والطلاب من جهة ثانية، تكشف مدى الانفصال بين السياسات المعتمدة والممارسات الفعلية. ولمعالجة هذه الفجوة طُرح إطار مفاهيمي شامل يدمج بين تطلعات المؤسسات واحتياجات الأفراد[1].

وإذا نشأت تصورات مبررات التدويل في منتصف تسعينات القرن الماضي عبر أعمال جين نايت وهانس دي ويت، فقد حددت أربعة مبررات رئيسة على المستوى الكلي تتوزع بين الأكاديمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية الثقافية لتوجيه الاستراتيجيات الوطنية والمؤسسية. ورغم صعود اتجاهات حديثة تنادي بتدويل أخلاقي أو إنساني مجرد أو مسؤول المسار، إلا أن العناية المركزة بقيت محصورة في الغايات التنظيمية والمؤسسية، حتى كاد يمحي من دائرة الحسبان الفاعلون الأساسيون الطلاب والأكاديميون والإداريون. بناء على ذلك، ظهرت دعوات يلمع فيها القصد نحو الاهتمام بالمستوى الجزئي الذي يتخذ من الأفراد محور الدور ومناط النظر، حيث يضم إطار المبررات الفردية أربعة أبعاد هي: تعليمية، واقتصادية، وتجريبية وخبراتية ثم تطلّعية. لكن هذا الوضع أدى إلى وجود تعارضات وأخلاقيات معقدة نتيجة الانفصال المرير القائم بين طموحات المؤسسة وتطلعات الفرد.

ولكي يُدوى هذا الانفصال القائم، اتضح إطار خماسي شامل يدمج المبررات الكلية والجزئية عسى أن يسفر ذلك عن تحديد مناطق التلاقي والتداخل، وكشف مواضع الخلل والفجوات؛ وذلك عبر أبعاد خمسة هي:

أولا، المبرر الأكاديمي/ التعليمي، وفيه ينصرف اهتمام المستوى الكلي إلى ضمان الجودة، ورفع السمعة الأكاديمية، وطلب التميز في التصنيفات العالمية المرموقة. أما المستوى الجزئي فيرتبط برغبة الطلاب في اكتساب تخصصات محددة، أو التعلم بلغة أجنبية، أو الاستفادة من النمط التعلمي المدمج بالعمل؛ مع وجود فجوة تتمثل في إغفال أصوات الأكاديميين المشاركين في البحوث الدولية والمشغولين بها.

ثانيا، المبرر الاقتصادي الذي يطغى على التدويل المؤسسي ويعامل التعليم معاملة السلعة المصدرة، ويحسب استقطاب الطلاب ضربا من جلب الدخل، في حين ينظر الطلاب إليه بشعور مغاير؛ فيرونه استثمارا لتطوير الرأس المال البشري وتحسين فرص التوظيف. وهنا، ينشأ تناقض صاخب بين أن يُنظر إلى الطلاب كأنما هم مجرد مصادر تمويل من جهة أولى؛ وإغفال صعوباتهم الاقتصادية الحقيقة المتعلقة بتكاليف المعيشة وأعباء الدراسة المتزايدة.

وثالثا، المبرر الاجتماعي والثقافي والتجريبي؛ وفيه يسعى المستوى الكلي لتشجيع التبادل الثقافي وترسيخ قيم المواطنة العالمية، بينما يعبر المستوى الجزئي عن رغبة الأفراد في الخروج من منطقة الراحة وطوق المألوف لاكتساب خبرات حياتية متنوعة، وسط تحديات تتعلق بسيادة اللغة الإنجليزية وتهميش الخلفيات الثقافية المتنوعة.

ورابعا، المبرر الطليعي الذي يرتبط في المستوى الجزئي بنزوع الطلاب نحو تحقيق الذات، وأن يكونوا سفراء صادقين لثقافتهم، وصناعا للتغيير الفاعل في الآفاق العالمية. في حين يتجلى هذا المبرر في المستوى الكلي عبر طموح الجامعات وسعيها المحموم لتعزيز مكانتها وبسط نفوذها الدولي. إلا أن واقع الاستراتيجيات المؤسسية السائدة نادرا ما يتضمن آليات واضحة لدعم طموحات الأفراد ورعايتها.

خامسا، المبرر السياسي الذي يتصل في المستوى الكلي بصيانة المصالح الوطنية العليا، وتفعيل أدوات القوة الناعمة، وممارسة دبلوماسية المعرفة في ظل تأثير التحولات الجيوسياسية. في حين يُقتصر على المستوى الجزئي على المبادرات والمجموعات الطلابية الداعية لتحسين ظروفهم ورفع مظالمهم، ومع بقاء البعد السياسي الفردي غير مدروس كفاية.

وخلاصة الأمر، أن بناء تدويل تحويلي وشامل، يتطلب تجاوز النظرة الضيقة التي تركز على الأهداف الاقتصادية للمؤسسات؛ والأخذ بمنهج يقوم على المشاركة النشطة لجميع الفاعلين؛ والاعتراف بالقيود الهيكلية والتنوع الثقافي؛ والمساهمة الفعالة من الجميع لتحقيق أهداف تدويل التعليم العالي، بما يضمن تحويله من مجرد آليات إدارية جامدة أو معاملات تجارية عابرة، إلى عملية إنسانية وشاملة، تعود بالنفع على المؤسسات والإفراد على حد سواء.

إلى هذا الحد، أوشكت المبررات المتباينة بين المستوى الفردي والمؤسسي في تدويل التعليم العالي عالميا أن تستوي معالمها جلية لا خفاء فيها؛ غير أن المقام يقتضي سبر بعض عواملها الخفية التي تعمل خلفها، أو التي تحتك مع أصولها دون أن تشابكها، ورغم أن ما قيل بصددها، لا يخالجنا شك في قيمته الأكاديمية وفي رصانة مبناه المبتكر.

وحسبنا أولا، أن نبدأ بالتوجهات التصورية والأصول النظرية، فنقف على أمور منها:

الإسراف في التوفيق التصوري الذي يُجهد الفكر لإدماج المبررات الكلية والجزئية داخل ‘إطار شامل موحد’. بيد أن هذا التوجه يفترض ضمنيا إمكان التوفيق والتناغم بين أهداف المؤسسات والتصورات الدولية من جانب، وتطلعات الأفراد  ( الطلاب وهيئة التدريس). وهذا التوفيق الافتراضي يغفل الصراع البنيوي المتأصل في نظام التعليم العالي المدَوَّل؛ فالمبررات الاقتصادية الكلية القائمة على تسليع التعليم والجباية المالية يستحيل معها الطلاب الدوليين في كثير من الأحيان مصدرا لتمويل العجز المالي للمؤسسات. وهنا، ينتهي بنا النظر إلى ما يقرره نقاد اتجاه تفكيك الاستعمار في التدويل؛ أمثال: ستاين وأندروتي وباشبي[2]، إذ إن التناقض بين الخطاب النيوليبرالي الذي تتذرع به الجامعات من جهة، ومقتضيات العدالة الاجتماعية من جهة أخرى، هو تناقض بنيوي أصيل يضرب في أعماق النظام، وليس مجرد ‘ فجوة سوء فهم’ يمكن جسرها بإطار شامل محايد. وبالتالي، فإن محاولة محاذاة المبررات دون تفكيك موازين القوى الاقتصادية والسياسية تظل معالجة إصلاحية تنكرية.

التناقض بين استنكار الهيمنة اللغوية واستخدام التصور الغربي؛ حيث إن بعض الدراسات تسلط الضوء على اختلالات الهيمنة اللغوية للإنجليزية واستشرائها باعتبارها أداة تدويل وعامل تعرية ثقافية في الوقت ذاته، كما ينقم على اختزال التدويل في الرؤى الغربية. لكن تلك الدراسات نفسها تعتمد مناهج ونظريات ونماذج صاغها باحثون نبتوا في أحضان بيئات أنغلوفونية. إن شجب الهيمنة بلغة المهيمن الغربي، وتلمس الفكاك من تصوره بأدوات قدت من إهابه، يسقط التحليل في التباس بنيوي تجتمع فيه دعوى الاستقلال مع عبودية المنهج. هنا نقارن بين ما أشار إليه باحثون من الجنوب مثل نديبا[3] وكابفودزاغوا[4] إلى أن مبررات التدويل في مؤسسات الجنوب العالمي تختلف جذريا في بنيتها التاريخية والتمويلية والسياسية عن دول الشمال. لذا، فإن تطبيق نموذج ‘ ميكرو- ماكرو’ مستمد من سياقات غنية يفرض تحيزا إبيستميا مستترا على بقية سياقات العالم.

ثانيا، في نقد التوجهات والافتراضات المنهجية يمكننا الوقوف عند هذه الأمور:

الاعتماد على التجميع التصوري دون الاستناد إلى تحقق تجريبي؛ حيث هنا تنتمي معالجة المبررات المتباينة- بين المستوى الفردي والمؤسسي في تدويل التعليم العالي- إلى فئة المقالات التصورية أو التفكرية. والافتراض الذي يبنيه ذلك التجميع هو صياغة إطار مفاهيمي مقترح كفيل بتقديم حلول لتطبيق السياسات؛ غير أن هذا التوجه يفتقر لأدوات الإثبات الميداني، حيث لم يخضع هذا الإطار الشمولي لاختبارات كمية أو نوعية للتثبت من مدى صلاحية التداول الميداني أو كيفية إمكان إشراك صانعي القرار الأكاديميين والأفراد في تفعيله. ومن هنا، نهضت دراسات منهجية، مثل التي أنجزها سيبر[5]، بضرورة استخدام نماذج تحليلية متعددة المستويات مدعومة ببيانات قياسية لقياس مدى التوافق بين مخرجات التدويل والتوقعات الفردية، بدلا من الاكتفاء بالتأطير المفاهيمي النظري.

ومَثّل اختزال البعد الجزئي في شريحة الطلاب وتهميش الأكاديميين أحد المآخذ المنهجية؛ فعلى الرغم من أن البعد الجزئي يشمل الأكاديميين والإداريين والطلاب، إلا أن التحليل الفعلي لـ ‘ المبررات الجزئية’ بُني بالكامل تقريبا على نموذج فوكلين[6] الخاص بالطلاب الدوليين. هذا الافتراض الضمني، بتمثيل الأفراد عبر بوابة الطلاب فقط، يغفل المبررات الأكاديمية والمهنية لأعضاء هيئة التدريس والإداريين التي تدير العملية الميدانية. وفي هذا الصدد، نذكر أن أبحاثا متخصصة في مشاركة أعضاء هيئة التدريس، مثل أبحاث كاليكوغلو[7] وفريزن[8]، وويتسايد[9]، تؤكد أن لهيئة التدريس مبرراته المعقدةوموانعها الهيكلية الخاصة التي لا يمكن سحب نتائج دراسات الطلاب عليها دون الوقوع في تعميم منهجي غير دقيق.

ثالثا، في نقد مضامين السياسات والتطبيقات العملية وقفنا عند غموض آليات الربط وإغفال التأثيرات الجيوسياسية.

يكتنف الغموض مسالك آليات الربط والمحاذاة بين المستويين الفردي والمؤسسي. لقد طُرح الإطار الشامل بهدف ‘ تجسير الفجوة’ بين السياسات الاستراتيجية والممارسة الميدانية؛ إلا أن المحتوى يظل في مستوى الحث والتوصيات التوجيهية، من نحو المطالبة بـ ‘إضفاء الطابع الإنساني على التدويل’ وإيجاد ‘القصدية’، دون تقديم خريطة طريق هادية أو مؤشرات قياسية للأداء تثبت كيف يتأتى لمديري الجامعات موازنة الميزانيات الاقتصادية القاسية مع الاشتراطات المادية الصارمة من ناحية؛ والطموحات الذاتية والأخلاقية للأفراد. في هذا الإطار، توضح الأبحاث التنظيمية في التعليم العالي- مثل أبحاث تاسير[10] وفان دير ويندي[11]– أن الفجوات بين السياسات المكتوبة والممارسات هي نتيجة ‘معضلات أخلاقية’ وهيكلية حقيقية، ولا يعود سببها إلى غياب الأطر النظرية التجميعية بقدر ما يعود إلى كونه ناتج عن ضغوط السوق والقيادات الأكاديمية النيوليبرالية.

وأخيرا، تعزب معالجة المبررات المتباينة بين ما هو فردي ومؤسسي، عن بُعد تأثير القيود السياسية والقانونية السيادية. فعند مناقشة المبرر السياسي على المستوى الجزئي والكلي، نقع في اعتراف بصعوبة التوفيق ومحدوديته بسبب حقوق الدول السيادية في حماية حدودها وأمنها. بيد أن هذا التناول يُلبس البعد السياسي اللين والوصف، فيغفل عن صرامة سياسات الهجرة، وتعقيدات التأشيرات، والقيود الجيوسياسية المتصاعدة؛ مثل: الصراعات العنيفة الحالية وتحولات سياسات الهجرة في الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وكندا والمملكة المتحدة، وهي كلها تجعل المبررات الفردية للطلاب والأكاديميين لا قيمة لها أمام التشريعات السيادية القسرية. في هذا السياق، تطالعنا دراسات معنية بالسياسات والتأثيرات الجيوسياسية؛ مثل: ألتباخ ودي ويت[12] والعفو[13]، بأن المتغيرات الجيوسياسية والأمنية أصبحت هي المحرك الفعلي والمهيمن على مسار التدويل المعاصر، مما يُوهن قدرة النماذج المفهومية الأكاديمية، ويَسلبها الفاعلية في إعادة هيكلة الممارسات والتأثير المباشر على أرض الواقع.

إن دراسة فاكونل ودو ويت قدمت إسهاما تجميعيا ممتازا لتطوير المفاهيم ومراجعة الأدبيات السابقة عبر وضع المبررات المؤسسية والفردية في صورة بيانية وشاملة واحدة. غير أن قيمتها المرجعية التطبيقية تظل محدودة الأثر، لعكوفها على الافتراضات التوفيقية المثالية وسكونها إليها على حساب الصراعات البنيوية والاقتصادية الواقعية؛ واعتمادها الطبيعة المفاهيمية النظرية الخالية من الاختبارات الميدانية والقياسات التجريبية؛ واختيارها التحيز المنهجي المستتر نحو أدبيات الطلاب وتجارب دول الشمال الأنغلوفونية، مما يجعل تعميم الإطار الشامل على كافة السياقات العالمية موضع تساؤل ونقد منهجي.


[1] Fakunle, O., & De Wit, H. (2026). Rationales for the Internationalization of Higher Education: Bridging the Disconnect Between Strategy and Practice. Journal of Studies in International Education, 0(0). https://doi.org/10.1177/10283153261480611.

[2] Stein, S., & Andreotti, V. D. O. (2016). Decolonization and higher education. In M. Peters (Ed.), Encyclopedia of educational philosophy and theory. Springer.

Pashby, K., & Andreotti, V. (2016). Ethical internationalisation in higher education: Interfaces with international development and sustainability. Environmental Education Research, 22(6), 771–787.

[3] Ndaipa, J., Edström, C., & Geschwind, L. (2023). Internationalisation of higher education institutions in Mozambique: Exploring the rationales, strategies and challenges. Journal of Studies in International Education, 27(3), 501–519.

[4] Kapfudzaruwa, F. (2025). Internationalization of higher education and emerging national rationales: Comparative analysis of the Global North and South. Higher Education Policy, 38(3), 493–522.

[5] Seeber, M., Cattaneo, M., Huisman, J., & Paleari, S. (2016). Why do higher education institutions internationalize?: An investigation of the multilevel determinants of internationalization rationales. Higher Education, 72(5), 685–702.

[6] Fakunle, O. (2021a). Developing a framework for international students’ rationales for studying abroad, beyond economic factors. Policy Futures in Education, 19(6), 671–690.

[7] Calikoglu, A., Lee, J. J., & Arslan, H. (2022). Faculty international engagement: Examining rationales, strategies, and barriers in institutional settings. Journal of Studies in International Education, 26(1), 61–79.

[8] Friesen, R. (2013). Faculty member engagement in Canadian university internationalization: A consideration of understanding, motivations and rationales. Journal of Studies in International Education, 17(3), 209–227.

[9] Whitsed, C., Gregersen-Hermans, J., Casals, M., & Leask, B. (2022). Engaging faculty and staff in the internationalization of higher education. In H. De Wit, H. Charles, B. Leask, & D. K. Deardorff (Eds.), The handbook of international higher education (2nd ed., pp. 325–342). Routledge.

[10] Tesar, M., Peters, M., & Jackson, L. (2021). The ethical academy? The university as an ethical system. Educational Philosophy and Theory, 53(5), 419–425.

[11] Van der Wende, M. (1997). Missing links: The relationship between national policies for internationalization and those for higher education in general. In T. Kälvemark & M. Van Der Wende (Eds.), National policies for the internationalization of higher education in Europe (pp. 10–22). National Agency for Higher Education.

[12] Altbach, P. G., & De Wit, H. (2023). Student mobility? Uncertainty abounds after political change. University World News.

[13] Elaafou, M. (2026). Internationalization of Higher Education in Africa: An Introduction to the Impacts of Geopolitics and Digital Transformation. In: Adoui, A. (eds) Artificial Intelligence, Academic Integrity, and the Internationalization of Higher Education. Palgrave Macmillan, Cham. https://doi.org/10.1007/978-3-032-19585-2_10

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى