الدراساتالمقالات

المغالطات اللغوية في تحليل الأسماء المحلية : دحض الأصل العربي المزعوم ل “شلح” من خلال النقد الإيتيمولوجي والقاموسي

ملخص :

تسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء على القضايا المحيطة بالاسم المحلي (endonym) “شلح” في تشلحيت. لطالما كان أصل كلمة “شلح” في لغة تشلحيت مثيرًا للجدل. فالقواميس العربية، التي تفتقر إلى أطر إيتيمولوجية متخصصة، تربط  هذه الكلمة خطأً بالجذر العربي الذي يعني “قطاع الطرق”. يُفنّد التحليل الإيتيمولوجي والمعجمي، الذي تتبع المعنى الأصلي لكلمة “شلح” في تشلحيت وقارنها بتفسيرات متناقضة في القواميس العربية، وأصلها العربي المزعوم (المرتبط بـ”قطاع الطرق”)، ويؤكد أنها قد تكون مصطلح تشلحيتي قديم يعني إيتيمولوجيا “ساكن الكوخ”. كما يُفنّد هذا المقال نظرية الأصول الحامية بالإشارة إلى أبحاث وراثية وأنثروبولوجية تؤكد أصالة السكان البربر. ويختتم المقال باستنتاج مفاده أن مرجعية تعريف المصطلحات الأصلية، مثل “شلح“، تكمن في المجتمعات التي تستخدمها، وليس إلى القواميس أو نظريات اللغات المهيمنة خارجيًا.

الكلمات المفتاحية: العربية، ذات الصلة، القاموس، علم أصول الكلمات، المغالطة، الشلح، التشلحيت.

مقدمة

تعمل الأسماء المحلية كحاملات أساسية للهوية اللغوية، وخاصة بالنسبة للمجتمعات ذات اللهجات غير الموثقة مثل تشلحيت بالمغرب. في حين أن السجلات المكتوبة المبكرة (مارمول كارڤاخال  Marmol Caravajal ، 1667؛ هاريسHarris ، 1895) ذكروا كلمة “شلح” على أنها نسبة ذاتية قديمة، إلا أن أصلها لا يزال محل نزاع وسط هيمنة المعاجم العربية، التي تفتقر إلى أطر إيتيمولوجية مخصصة رصينة (لوكسنبرغ Luxenberg ، 2007) – وهي فجوة أدت إلى العديد من التفسيرات الخاطئة. تكمن المشكلة الرئيسية في شقين: الادعاء الخاطئ منهجيًا بأن “شلح” هو اسم أجنبي عربي مرتبط بجذور مهينة مثل شلح (شلح، “قطاع الطرق”)، متجذر في مصادر معجمية غير متسقة (مثل لسان العرب لابن منظور عام 1882 مع تعريفات متضاربة) ومغالطة الاسم المشترك الزائف(false cognate fallacy) ؛ وتداخل هذا الخطأ مع روايات غير علمية مثل نظرية النسب الحامي (Hamitic ancestral theory)  (ابن خلدون، 1981)، التي تُشوّه الهوية الأمازيغية رغم وجود أدلة جينية/أثرية على أصلهم (Fregel وآخرون، 2018؛  Lucas Sánchez وآخرون، 2021). ولمعالجة هذه المسألة، ستضع هذه المقالة كلمة “شلح” في سياقها اللغوي التشلحيتي، ودحض أصلها العربي من خلال التحليل المعجمي والدلالي، مع إثبات صحة جذورها التشلحيتية، ونقد التحيزات المنهجية التي تُمكّن من الادعاءات الزائفة، وتفكيك النظرية الحامية بالأدلة التجريبية، مُستعيدةً بذلك سلطة التعريف للمصطلحات المحلية، ومُضعةً معايير صارمة لبحوث اللغات غير الموثقة.

 

تشلحيت

تشلحيت هي لهجة من لهجات اللغة البربرية (تمازيغت). و هي عائلة لغوية من مجموعة اللغات الأفروآسيوية في شمال أفريقيا، تضم العديد من اللغات واللهجات (مثل: التماشقية، الطارقية، الازناكية، تشلحيت) (بوسمان Bussmann، 1996). البربرية (تمازيغت) فرع من شعبة (phylum) اللغات الأفروآسيوية. في اللسانيات، تُعرّف الشعبة بأنها مجموعة من اللغات التي ترتبط بسلف مشترك، كما يتضح من أوجه التشابه المنهجي في المفردات والقواعد وعلم الأصوات (غرينبرغ Greenberg، 1963). لا تزال كلمة “بربرية” تُستخدم على نطاق واسع للإشارة إلى هذه العائلة اللغوية. ومع ذلك، تُستخدم كلمة “الامازيغية” للإشارة إلى هذه العائلة اللغوية، وتكتسب مكانة مرموقة في المجال العلمي الغربي.

على الرغم من أن مصطلح “البربرية” يحمل دلالات سلبية ومهينة في بعض السياقات، إلا أن استخدامه لا يزال يفضل في بعض السياقات الاكاديمية لأنه يساعد في إزالة الالتباس الذي قد ينشأ عند الاعتماد حصرًا على مصطلح “الأمازيغية”. فمصطلح “البربرية” يشير إلى الجنس او الفرع العرقي العام لجميع المجموعات الأمازيغية الممتدة عبر شمال إفريقيا بشكل شامل. في المقابل، فإن مصطلح “الأمازيغية” يحمل دلالات متعددة تسبب الالتباس؛ فقد يُستخدم للإشارة إلى اللغة الرسمية المغربية بشكل عام، أو للإشارة تحديدًا إلى اللهجة الأمازيغية المتحدث بها في وسط المغرب وجبال الأطلس الكبير دون شمول بقية الفروع واللهجات الأمازيغية الأخرى. وبالتالي، يفرق مصطلح البربرية” الإطار العام عن التحديدات المحلية واللغوية الخاصة بمصطلح الأمازيغية.

أول ذكر لكلمة “شلح” في المطبوعات

ذكر أغرورAgrour  (2012) أن كلمة “شلح” ظهرت في القرن السادس عشر في المغرب للإشارة إلى القبائل القريبة من المدن الكبرى التي كانت تتحدث لهجة أمازيغية حديثة (تشلحيت)، وكانت أبرز سماتها كثرة الكلمات التي استعارتها من اللغة العربية الدارجة. أما أول ذكر لكلمة “شلح” في سجل مطبوع غربي، فقد ورد على يد مارمول كارڤاخال  Marmol      Caravajal (1667) في كتابه أفريقيا حيث قال “…القوم النوميديّين الجيتوليانيون في الجزء الغربي من أفريقيا، يتحدثون باللغة البربرية مع خصائص محلية واضحة، وهناك يسمون هذه اللغة بالشلحة و تمزيغت، التي هي أسماء قديمة جدًا” (ص. 92-93). كما ذكر هاريس والترHarris Walter (1895) كلمة “شلح” في كتابه “تفيليت” (Tafilet) حيث قال إن “شلوح” كلمة تعني “نبيل”:

الاسم الشائع الذي يُطلقون به على أنفسهم في المغرب هو “شلوح”، وهي كلمة تعني “نبيل”، وبالتالي تُشبه المصطلح الكلاسيكي “أمازيغ”، والذي، على الرغم من شيوعه بين القبائل التي تسكن المناطق الواقعة جنوب الأطلس، لم أسمعه إلا مرة أو مرتين. أما الأمازيغ فهو بلا شك الاسم الأقدم، وكان معروفًا لدى كل من الإغريق والرومان، ويبدو اليوم، وإن كان نادر الاستخدام في جنوب المغرب، أنه اللقب الكلاسيكي للعرق (ص 94).

 

مغالطة الاستناد إلى أصول اللغة العربية (Arabic etymology) في تفسير كلمة “شلح”

المسألة المطروحة هي أن هناك بعض الناس (من العرب والشلح) الذين يجادلون بأن كلمة “شلح” هي اسم أجنبي في الأصل، أي أنها نشأت من الجذر العربي الفعلي “شلح” والذي يعني “جعل عاريًا” ومن الجذر العربي الاسمي “شلح” والذي يعني “قطاع الطرق”. من ناحية أخرى، يجادل آخرون بأن كلمة “شلح” هي اسم محلي نشأ من تشلحيت والذي يشير حاليًا إلى الشلوح ولغتهم، تشلحيت.

 

يشير لسان العرب لابن منظور (1882) إلى كلمة “شلحة” على أنها “سيف”، وكفعل “شلحة” تعني “نصب كمين وسلب الثياب والمؤن”. تكمن المشكلة الأساسية التي تنشأ عند الإشارة إلى تعريف “شلح” الكامل في لسان العرب في الدلالات المتضاربة والتنافر الإقليمي والتفسيرات اللغوية التي تصل إلى مجرد تكهنات في تعريفها. معنى “شلحة” هو “سيف” في اللهجة اليمنية، ولكنه مرتبط بـ “النهب واللصوصية” في الاستخدام النبطي وبين سكان السهول والقرى؛ لا يوجد ارتباط دلالي-لغوي بين الكلمتين. يبدو أن الجذر نفسه قد تحول إلى معانٍ غير ذات صلة عبر المناطق، دون تفسير للكيفية والسبب. وقد ذكر اللغوي من البصرة ابن دريد في لسان العرب قائلاً ” أما قول العامة شلحه فلا أدري ما اشتقاقه” (ص. 123). إن التأكيد على أن كلمة “شلح” نشأت من اللغة العربية قد يكون محاولة متحيزة لتأطير الشعب البربري ومقاومته للغزو العربي تاريخيًا على أنه خروج على القانون، وليس دفاعًا منظمًا عن الأرض والاستقلال (رويغي Rouighi، 2022).

أصل كلمة “شلح” etymology of “shelh”

من هنا يمكننا القول بيقين إنه من غير المجدي البحث عن معنى وأصل كلمة “شلح” في العربية أو أي لغة أخرى غير تشلحيت. إن تفسير معنى “شلح” باستخدام المعاجم العربية فقط وتجاهل لغتها الأصلية يعتبر قمة العبث اللغوي والتهور العلمي. لذلك، يجب تفسير كلمة “شلح” باستخدام لغتها الأصلية التي هي تشلحيت، وبعيدًا عن تكهنات أولئك الذين يعتقدون أنها غريبة الاصل. ذكر العلوي (1978) في بحثه أن كلمة “أشلوح” تعني إيتيمولوجيا “المسكن البسيط” و”الكوخ”، وكلمة “شلوح في أصلها تفيد معنى المسكن البسيط. مثل الكوخ او ما يقاربه، والشلوح او اشلحيون اى سكان الاكواخ هم في الاغلب جبليون مستقرون يسكنون الان الدور الثابتة المبنية باللبن او الحجارة ولا اثر للتنقل عندهم” (العلوي، 1978، ص. 213). ويذكر أيضًا أن “شلوح” هي الكلمة التي استخدمها المصامدة (سكان المغرب الأمازيغ الأصليون) للإشارة إلى أنفسهم. يجدر بالذكر أن العلوي اعتمد في تتبعه الإيتيمولوجي على النقل من كتاب Les Origines Berbères، حيث يذكر مؤلفه لويس رين (Louis Rinn) انه:

على الرغم من أن كلمة اشلوح تعني “خيمة” في اللهجات المغربية، إلا أن “الشلوح” هم في المقام الأول- وبشكل غالب- سكان مرتفعات مستقرون، يقطنون الأكواخ والمنازل؛ في حين يُشار إلى “أهل الخيام والسهول” تحديداً باسم البرابر. وعلاوة على ذلك، يُطلق اسم الشلوح عموماً على معظم التجمعات السكانية الأمازيغية في المغرب (رين Rinn ،1899، ص. 199).

 ويمكننا أن نستنتج أن كلمة (شَلَح) في تشلحيت وكلمة (شَلَح) في اللغة العربية ما هي إلا حالة من المصادفة اللغوية. بغض النظر عن هذا الاشتقاق اللغوي المحتمل، لم يقدم العلوي ولا رين (Rinn) مصادر موثوقة لتفسيره الإيتمولوجي، ولم يعتمد أيًا من المنهجيات المعتمدة لدى علماء الإيتمولوجية، كالتحليل النصي التاريخي، المقارنة اللغوية، الدراسات المعجمية، أو تتبع التطور الصوتي والدلالي للكلمات.

 

كلمة “إشْلح” لا تعني أصلاً “الإقامة” أو “العيش” أو “الاستقرار” كما جادل محمد أقديم (2015) في قوله ” أن اسم “الشلوح” يعني المستقرين والمقيمين أو السكان المستقرين.”المعنى الذي أعطا أقديم لكلمة “شْلح” هو مجرد معنى مُوسَّع استنبطه هو نفسه من المعنى الأصلي (ساكن الكوخ). ذكر علوي (1978) صراحةً أن “شْلح” تعني “ساكن الكوخ”، وأنهم سكان الجبال المستقرون الذين يعيشون في مساكن دائمة مبنية من الطين والحجر، دون أي أثر للبدو الرحل بينهم، ويقول كما نقل أعلاه أن “كلمة  أشلوح في اصلها تفيد معنى المسكن المبسيط، مثل الكوخ او ما يقاربه ، والشلوح اواشلحيون اى سكان الاكواخ هم فى الاغلب جبليون مستقرون يسكنون الان الدور الثابتة المبنية باللبن او الحجارة ولا اثر للتنقل عندهم” (علوي، 1987، ص. 213). استخدم أقديم نفس المقالة البحثية لعلوي (1978) لكنه لم يذكر المعنى اللغوي للكلمة وحاول تقديم قراءة مختلفة لما كتبه علوي. ربما يعود سبب محاولة أقديم تحريف المعنى إلى رغبته في تبرئة كلمة “شلح” نهائيًا من أي دلالات ازدرائية، وخاصةً ما قد تحمله كلمة “أشلوح” (المسكن البسيط). إلا أن هذه الممارسة غير أكاديمية وغير موضوعية.

ربما فقدت كلمة “شلح” معناها الأصلي الذي كان يشير إلى “المسكن البسيط” و”الكوخ” و”ساكن الكوخ” نتيجةً لاتصال تشلحيت باللغة العربية. أما الآن، فلم تحتفظ الكلمة إلا بمعناها الحالي الذي يشير إلى الناس ولغتهم (اشلحيين وتشلحت). وقد ذكر محمد شفيق (1996) أن تفاعل الأمازيغية مع اللغة العربية أدى إلى اندثار العديد من الكلمات والمعاني الأمازيغية الأصيلة. وضرب مثالاً بالطوارق كلهجة حافظت على جذورها اللغوية الأمازيغية الأصلية، نتيجة عزلتها لقرون في جزيرتها الجبلية الصحراوية (ص 9-10).

ذكر رين (1889) أن كلمة “أشلوح” تعني “خيمة”، وأن الشلوح هم في الأساس سكان جبال، مستقرون إلى حد كبير، يعيشون في أكواخ ومنازل. ولا بد أن تكون كلمة “شلوح” تحريفًا لاسم أقدم، تم تشويهه على مر الزمن من قبل متحدثي لهجة معينة. وقد جادل رين (1889) بأن حرف  CH في اللغة الأمازيغية الحديثة هو إما نطق خاص لحرف  K  أو تعديل صوتي لحرف تيفيناغ الأصلي . وبالتالي، تمثل كلمة “شلوح” شكلاً حديثًا نسبيًا لكلمتين: كيللوحة = كيل-لو؛ سيللوحة = سيلوا، سيلاوا = سأهل-لوا. وتعني “كيل-لوحة” أو “كيل لوا” “عشيرة لوا”. وتعني كلمة “لوا” “الناس” في اللغة الأمازيغية، وبشكل أدق، “الناس الأقوياء، الناس ذوو السيادة”.

 

تُعتبر قبيلة ليغوريا أو الباسك، المعروفة أيضًا باسم ليفوا أو ليبوا أو ألافا من إسبانيا، آخر ما تبقى من آثار شعب ليوا في أوروبا قبل هجرتهم إلى أفريقيا. ويذهب رين (1889) إلى أن هؤلاء الكيل-لوا هم أحفاد مباشرون للغليين أو الكلت. كلمة   Celti  تتكون من kel  التي تعني “شعب” و ta   التي تعني “أب” (سائد، قديم)، أي “الشعب البدائي”، “الشعب الأب”، “الشعب السائد”. كانت قبيلة لواتا قبيلة بربرية سكنت منطقة قورينائية Cyrenaica خلال العصر الروماني. وفي العصور الإسلامية الوسطى، وصف ابن خلدون هذه القبائل، وعُرفت هذه المجموعة باسم “لواتا“، وكانت تسكن حول واحات الصحراء الغربية في مصر (ابن خلدون، 1981).

اقترح de Slane  William، المترجم الفرنسي الذي نشر ملحقًا حول اللغة والأدب وأصول الأمازيغ في ترجمته لكتاب ابن خلدون (ابن خلدونIbn Khaldoun  ,1856، 489-583)، أن كلمة “شلوح” من أصل أمازيغي. وفي هذا الملحق، اقترح de Slane  – مستشهدًا بمصادر أرشيفية أمازيغية في الأرشيف الوطني الباريسي – نسبًا أمازيغيًا خالصًا لكلمة “شلوح”، قائلاً:

في الأقاليم الجنوبية من الإمبراطورية المغربية، يُطلق البربر على أنفسهم اسم “شلوح”، وهي كلمة مشتقة من الاسم البربري “أشلوح”، وجمعها “إيشلاح”، والتي تعني خيمة مصنوعة من شعر الجمال. ويُطلقون على اللهجة التي يتحدثونها اسم “شلحة”، وهي كلمة مشتقة من نفس الجذر اللغوي للكلمة السابقة، وعندما يرغبون في التعبير عن أنفسهم بأسلوب راقٍ، يُشيرون إليها باسم “تمازيغت” أو “تمازيرت” (ابن خلدون، 1856 495).

تم لاحقًا دحض هذا الادعاء الاشتقاقي وتعديله من قبل Auguste Mouliéras، الذي جادل بأن كلمة “شلوح” مشتقة من المصطلح الأمازيغي “أشلوح” (وجمعها “إيشلحن”)، ولكنه أعاد تعريف معناها الأساسي على أنه “حصير مصنوع من القصب أو الحلفاء أو نخيل البلميط، قديم وممزق”. كما لاحظ  Mouliéras أن كلمة “شلوح” تُستخدم في اللغة الدارجة للإشارة إلى الأمازيغ، وأحيانًا إلى العرب المغاربة الذين يسكنون في خيام مصنوعة من الليف (وهو نسيج شبكي مصنوع من ألياف النخيل والبلميط) (Mouliéras ,1905، 25).

في الواقع، فإن المعنيان “خيمة” و”صانع الخيام” في اللغة الأمازيغية تجعل أصل الكلمة التي اقترحها de Slane  أكثر تعقيدًا، نظرًا لمجموعة المعاني المعقدة التي تحملها كلمة “أشلوح” ومشتقاتها في اللغة الأمازيغية. فبينما ربط de Slane  في الأصل كلمة “أشلوح” بـ”الخيمة”، فإن كلمة “أشلوح” تشير بالفعل إلى “الخيمة”، على سبيل المثال، في اللهجة القبيلية في الجزائر (Agrour، 2012). وفي معناها الأصلي، الذي وجده Huyghe  (1901، 8)، تشير الكلمة أساسًا إلى “نسيج صوفي خشن”، مع كون “الخيمة” مرادفًا مشتقًا (Delaporte  وآخرون، 1844، 588)، وفي معنى خاص، تشير إلى “خيمة الجندي” (Huyghe، 1901، 9) في اللغة الأمازيغية. وتشمل المعاني المشتقة الأخرى (تاشلوحت/شلوحة) “برنوس من قماش خشن” في اللغة الأمازيغية (Huyghe، 1901، 8).

إلى جانب اللغة الأمازيغية، تُظهر الكلمات المشتقة من الجذر “شلح” في اللهجات العربية، والغير المرتبطة بالأصل الإيتيمولوجي الأمازيغي، نطاقًا واسعًا من المعاني في المنطقة العربية. معانٍ تختلف اختلافًا كبيرًا عن المعنى الشائع (الكمين وسلب الملابس والمؤن). ففي اليمن، تعني كلمة “شلح” (جمعها “أَشلَاح”) “رجل عجوز” (Piamenta ،1990 ، 264)، دون أي صلة بالمعاني المتعلقة بالنسيج أو الخيام الموجودة في شمال إفريقيا. وفي لهجات شمال إفريقيا العربية الأخرى، تعني كلمة “شلح” في أحد المواضع “أنه ارتدّ عن دينه”، وفي موضع آخر “أنه ألقى شيئًا من الأعلى” (Marcel،1883، 40، 340). وتمتد هذه الاختلافات الجغرافية إلى الجزائر، حيث تُستخدم كلمة “شلوح” في لهجة الجزائر العاصمة بمعنى “أن يكون مبللاً تمامًا” (Cherbonneau، 1868، 76)، بينما في مصر، تعني كلمة “أَشلَاح” (جمعها “شلح”) “بداية الصلع” (Hinds & Badawi، 1986، 475).

حتى في منطقة بلاد الشام، تحمل هذه الكلمة معنىً خاصًا بها: ففي لهجة سوريا ولبنان وفلسطين، تشير كلمة “شلوح” (أو بالأحرى “شلح” في صيغة المفرد) إلى “سيقان النباتات التي تنمو على الأرض (مثل سيقان القرع والبطيخ)” (Denizeau ،1960، 287). وتشير هذه الاختلافات اللغوية مجتمعةً إلى مدى تعقيد تتبع أصل كلمة “شلوح“، وكيف تطورت الكلمة الأصلية دلاليًا بطرق مختلفة، وابتعدت كثيرًا عن ارتباطها البربري الأصلي بالنسيج أو الخيمة، كما اقترح علماء اللغة الأوائل.

التحيز اللغوي وغياب المعاجم الإتيمولوجية العربية

اللغة العربية ليست كغيرها من اللغات، كاللغات الرومانسية (Romance languages)، التي تمتلك و تشتغل أساسا على قواميس إيتيمولوجية (etymological dictionary) تُمكّنها من تتبع أصول الكلمات (أصول لغوية مثل اللاتينية واليونانية والألمانية والعبرية والسنسكريتية). ومن المشكلات الملحة التي تواجهها المعاجم العربية افتقارها للتركيز على الأصول الإيتيمولوجية، وهي فجوة حددها أيضًا لوكسنبرغ  Luxenberg(2007)، الذي جادل بأن قاموس إيتيمولوجي عربي يبقى “مطلبًا مُلحًا”، ويرجع ذلك على الأرجح إلى الافتراض السائد بأن اللغة العربية المكتوبة الان هي نفسها لغة الشعر العربية القديمة.

مع ذلك، توجد محاولات من قبل بعض اللغويين العرب لشرح الكلمات الأجنبية الواردة في اللغة العربية من منظور أصولي إيتيمولوجي. فقد سعى الجواليقي في المعرّب من الكلام الأعجمي والسيوطي في المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب إلى تتبّع الألفاظ المعرّبة وردّها إلى أصولها الأعجمية بشكل مباشر نسبيًا. وبدرجة أقل بكثير، نجد الأزهري في تهذيب اللغة وابن دريد في جمهرة اللغة يوردان إشارات متفرقة إلى بعض الألفاظ الأعجمية ضمن معاجمهما العامة. غير أنّ هذا الاشتغال في جميع هذه المؤلفات الأربعة والأخرى، سواء أكان مباشراً أو غير مباشر، ظلّ في كثير من الأحيان قائمًا على الرجوع إلى المعاجم والشروح ونقل ما ورد فيها، دون توسّع كبير في التحقيق اللغوي المستقل.

على الرغم من وجود محاولاتٍ لدى بعض اللغويين العرب لتفسير أصول بعض الألفاظ وبيان معانيها من منظورٍ إيتيمولوجي، فإنّ هذه المحاولات لم تكن في كثير من الأحيان قائمة على منهج لغوي تاريخي مقارن بالمعنى الحديث، مما جعل عددا من التتبعات الإيتيمولوجية والتفسيرات الواردة فيها عرضة للاضطراب أو عدم الدقة العلمية. كما أن كثيرا من التصحيحات والتفسيرات الإيتيمولوجية الأكثر دقة في الطبعات المعاصرة لهذه الكتب لا تعود إلى مؤلفيها الأصليين، بل أضافها محققو الكتب في الهوامش والتعليقات اعتمادا على الدراسات اللغوية الحديثة.

تظهر بعضُ التتبعات الإيتيمولوجية عند اللغويين العرب الأوائل على نحو يعتريه الخلل من جهة المنهج أو من جهة رد الألفاظ إلى أصول غير صحيحة. فقد ذكر الجواليقي في المعرب من الكلام الأعجمي أن كلمة “إبليس” مشتقة من الفعل العربي “أبلس” بمعنى يَئِسَ وانقطع رجاؤه، غير أنّ محقّق الكتاب نبّه إلى أنّ الأصل الأصح للكلمة يوناني، وهو διάβολος diavolos“، بمعنى النمّام أو العدو أو الشيطان. وكذلك ذهب الجواليقي، متأثرًا بما نقله عن ابن دريد، إلى أنّ كلمة “الإنجيل” قد تكون مشتقة من “النَّجْل”، وهو “ظهور الماء على وجه الأرض واتّساعه” (الجواليقي، 1990: ص. 123)، إلا أنّ التحقيق الإيتيمولوجي الحديث يبيّن أنّ أصل الكلمة يوناني “euangelion εὐαγγέλιον” ومعناها البُشرى أو الخبر الحسن.   

ذكر الجواليقي أيضا أن كلمة “الأبيل” تعني “الراهب”، وذهب إلى أنها كلمة فارسية معربة، غير أن المحقق بين أن الأصح أنها من أصل سرياني “أبيلا”، ومعناها الحزين أو الباكي (ص. 137). كما أورد ابن دريد أن “المنديل” مشتق من الفعل “ندلت يده” أي غمستها، وهو تفسير داخلي يعتمد على الاشتقاق العربي، بينما نجد في لسان العرب قولا آخر يربطه بجذر “النَّدَل” بمعنى الوسخ. إلا أن التحقيق الإيتيمولوجي الأدق يثبت أن أصل الكلمة لاتيني mantele، كما أوضحه محقق كتاب المعرب. وتكشف هذه الأمثلة، وغيرها الكثير مما هو مبثوث في هذا التراث، أن التصحيحات التي أضافها المحققون في الهوامش والدراسات النقدية كثيرة جدًا، وتشكل عنصرًا أساسيًا في إعادة ضبط الأصول اللغوية وتحريرها من التأويلات غير الدقيقة. وتُبرز هذه الأمثلة أنّ بعض المحاولات العربية القديمة في تفسير الألفاظ الأعجمية كانت تعتمد على المشابهة الصوتية أو الاشتقاق الداخلي، دون الاستناد إلى المقارنة التاريخية بين اللغات.

أما المعاجم العربية الكلاسيكية (مثل لسان العرب لابن منظور، القاموس المحيط لفيروزآبادي وتاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي والصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري) فتقوم بآلياتها التفسيرية وشروحها اللغوية، في الغالب، على إرجاع الألفاظ إلى أصولها الاشتقاقية اعتمادًا على نظام الجذر الثلاثي والأوزان الصرفية العربية، حتى في الحالات التي تكون فيها الكلمة ذات أصلٍ أعجمي. وفي المقابل، تكاد المعاجمُ الإيتيمولوجية، التي تُعنى بردّ الألفاظ إلى أصولها التاريخية غير العربية وتتبّع تطوّرها الدلالي والصوتي عبر اللغات، تكون نادرةً، فضلًا عن محدودية توظيفها في التحليل والتفسير اللغوي، مع الاكتفاء في الغالب بالمعاجم الاشتقاقية الجذرية. وقد يترتب على ذلك إسنادُ تفسيراتٍ اشتقاقية عربية إلى ألفاظٍ أعجمية، بما يفضي إلى نتائج غير دقيقة أو مغلوطة من الناحية الإيتيمولوجية.

إن قلة القواميس الإيتمولوجية يُنشئ ميلًا ملحوظًا لدى العلماء العرب لإعطاء الأولوية لعلم أصول الكلمات العربية عند تفسير العديد من الكلمات التي ذُكر أنها ذات أصول أجنبية. وتحديدًا، كثيرًا ما يُفسر هؤلاء العلماء هذه الكلمات الأجنبية من خلال مقارنات صوتية مع جذور الأفعال العربية، وهو نفسه النهج الذي أدى إلى الافتراض الخاطئ بأن كلمة “شلح” مشتقة من الفعل العربي ” شَلَح.” ولا يزال بعض العلماء العرب يدّعون أن كلمة “إبريق” على سبيل المثال، هي من أصل عربي، نظرًا لوجود جذر الفعل “برق” في اللغة العربية. ومع ذلك، فقد أثبت آرثر جيفري  Arthur Jeffery (1938) بأن كلمة “إبريق” فارسية الأصل. وأكد علوي (1972) هذا الانحياز اللغوي بقوله: 

وحينما فتح العرب بلدان الشمال الافريقي وجدوا لفظة بربر مرتبطة بالسكان فتداولتها السنتهم وأقلام كتابهم وبلغ من هوسهم بالاشتقاق اللفظي الى أنهم حاولوا أن يجدوا للفظة أصلا في لغة العرب فقالوا انها مشتقة من البربرة وهي اختلاط الاصوات الغير المفهومة (ص. 86).

يعتمد البعض على حدس لغوي محض، يخلو من أدلة إيتيمولوجية و فيلولوجية راسخة. ويفعلون ذلك بإعطاء الأولوية للبحث عن أصول الكلمات في جذور الأفعال العربية، وهي ممارسة تُعتبر معيبة منهجيًا. ينبغي أن يركز البحث في علم أصول الكلمات (etymology) على الأسماء ومعانيها الجوهرية ورمزيتها، بدلًا من الأفعال التي تُصاغ في كثير من الحالات بأثر رجعي، ثم لا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمعنى الأصلي للكلمة. على سبيل المثال، جاء اسم “شلح” أولًا، وليس فعل “شلحه” الذي اختُرع لاحقًا كمحاولة لغوية متحيزة لتأطير البربر ومقاومتهم للغزو العربي تاريخيًا على أنها خروج على القانون، بدلًا من كونها دفاعًا منظمًا عن الأرض والاستقلال (رويغي Rouighi، 2022).

إلى جانب هذه الممارسة الإشكالية، يلجأ الناطقون باللغة العربية واللغويون عادةً إلى تفسير الكلمات الأجنبية أو غير العربية بمقارنة صوتية مع جذور الأفعال العربية، حتى عندما لا تكون هذه الكلمات متشابهة، بل مجرد تطابق لغوي. وتتفاقم هذه الممارسة بسبب اختلال التوازن الرمزي في التراث اللغوي المكتوب. فبينما تفتخر اللغة العربية بمجموعتها المعجمية العريقة، افتقرت اللغة الأمازيغية ولهجاتها تاريخيًا إلى قواميس موحدة، مما سمح للجماعات المهيمنة بفرض معانٍ اشتقاقية ودلالية على مصطلحات ناشئة عن مجتمعات لغوية غير موثقة جيدًا – وهي ظاهرة مرتبطة بالسلطة الرمزية للقواميس المكتوبة في إضفاء الشرعية على معانٍ معينة أو فرضها (بورديو Bourdieu، 1991؛ إيرفين وغال Irvine & Gal ، 2000).

إذا أراد الناطقون بالعربية فرض معناها العربي على كلمة “شلح” الأمازيغية، على أساس أن كلمة “شلح” أصلها عربي، فإنهم يحتاجون أولاً إلى قاموس إيتيمولوجي؛ لأنه حتى لو كانت كلمة “شلح” تعني ما يفترضه الناطقون بالعربية، فقد تكون كلمة “شلح” أصلها من لغة أجنبية أخرى ثم أخذتها وتبنتها اللغة العربية، ثم انتقلت إلى الأمازيغية. وقد نقل عن الأزهري في معجم لسان العرب لابن منظور (1882) قوله “ما أرى الشلحاء والشلح عربية صحيحة” (ص 123) ويعتقد كذلك أنها قد تكون من أصل نبطي. وكما ذكر لوكسنبرغ Luxenberg (2007)، فقد تم تصنيف اللغة العربية في اللسانيات التاريخية على أنها أقدم من الآرامية بسبب عدد من خصائصها اللغوية القديمة، ويمكننا القول بأمان أن مثل هذه اللغة القديمة لا يمكن أن تعيش دون أي تأثير لغوي من لغات أخرى. ومما يدعم هذا المنطق أن كلمة “شلح” ليس لها مصدر إيتيمولوجي ثابت، ولا يزال أصلها مجهولًا. وهنا يعود حق تعريف الكلمة إلى ناس الشلوح (إشلحيين)، ويتفق أغلبهم على أن الكلمة تشير إلى سكان الجنوب الناطقين بتشلحيت.

المصادفة اللغوية ومغالطة المشترك اللفظي الكاذب

مغالطة المشترك اللفظي الكاذب (false cognate) مصطلح لساني شائع، وهو خطأ الخلط بين الكلمات المتشابهة غير الحقيقية (كلمات متشابهة من لغات مختلفة ولكنها غير مرتبطة/ لا توجد قرابة بينهما) والكلمات المتشابهة الحقيقية (كلمات من لغات ذات جذر أصيل مشترك موثق: كامبل Campbell، 2013). ينتج عن هذه المغالطة افتراض أن نفس التهجئة/الصوت يعني نفس الأصل، في حين أن هذا التشابه محض مصادفة لغوية (هوك Hock، 2015).

بعض الناس بشكل عام، واللغويين العرب بشكل خاص، لا يعتمدون فقط على الحدس اللغوي ولكنهم أيضًا عرضة لمغالطة المشترك اللفظي الكاذب. وأعني بذلك أنهم يتجاهلون حقيقة أن بعض الكلمات، التي تشترك في نفس الجذر والبنية الصوتية والمعنى، يمكن أن تظهر وتتطور بشكل مستقل في سياقين لغويين وثقافيين مختلفين. على سبيل المثال، تبدو كلمة “عين” العربية متطابقة وتحمل نفس المعنى مثل الكلمة الإنجليزية “eye“، وهي من أصل جرمانيGermanic origin  (قاموس أكسفورد للمتعلمين  [OLD]، n.d.). مثال آخر هو الكلمة الإنجليزية “sift” (غربل) والتي تعني “وضع الدقيق أو أي مادة دقيقة أخرى من خلال منخل” (قاموس أكسفورد للمتعلمين [OLD]، n.d.). في لغة تشلحيت، كلمة “sift” (غربل) متطابقة مع الكلمة الإنجليزية وتحمل نفس المعنى تمامًا. من غير المرجح أن يكون أصل كلمة تشلحيت “sift” من الإنجليزية لأنها لا تشترك في نفس الجذور الجرمانية مثل الإنجليزية.

ما يجب على البعض تذكره هو أن بعض هذه المصادفات اللغوية قد تحدث بسبب ما يُسمى بالرمزية الصوتية. وهي ظاهرة لغوية ترتبط فيها سمات صوتية محددة بانتظام بمعاني دلالية محددة في العناصر المعجمية (وودورث Woodworth، 1991). من منظور الرمزية الصوتية، تنقل كلمة “sift” (غربل بالإنجليزية و تشلحيت) معناها “المتدفق” عبر المحاذاة الصوتية-الدلالية: يُصدر الحرف الاحتكاكي الصامت /s/ في البداية صوتًا مستمرًا وهسيسًا يُحاكي التدفق الثابت والدقيق للجسيمات التي تمر عبر غربال؛ ويُعزز الحرفان /ɪ/ و/t/ في النهاية الطبيعة المُتحكمة والانتقائية لهذا التدفق، رابطين الجودة الصوتية للكلمة بترشيح المواد عبر حاجز.

ينبغي على ناس الشلوح أيضًا تجنب مغالطة الجذر – وهي خطأ شائع حتى بين اللسانيين المتخصصين – بافتراض أن معنى الكلمة يبقى ثابتًا في معناها التاريخي المزعوم عبر الزمن (دانيال Daniel، 2014). هذا الافتراض لا أساس له من الصحة. فاللغة ليست ثابتة، بل ديناميكية، مع تطور المعاني تدريجيًا عبر الأجيال. في هذا السياق، يمتلك ناس الشلوح سلطة إسناد معنى لكلمة “شلح” بناءً على اتفاق جماعي. هذه القدرة التفسيرية تقع حصريًا على عاتقهم، وليس على عاتق أطراف خارجية.

 

 

نظرية الأصول الحامية للبربر

يتناول هذا القسم الافتراض غير العلمي القائل بأن شلوح، إلى جانب البربر عمومًا، هم من نسل حام بن نوح. ولا تزال هذه الفرضية قائمة في بعض الأوساط الأكاديمية، مستشهدةً غالبًا بابن خلدون، الذي أحال على البربر بأنهم من نسل كنعان (ابن حام)، الذي هاجر من بلاد الشام إلى شمال أفريقيا. ذكر ابن خلدون (1981) في كتابه “العبر“:

وذكر آخرون منهم الطبري وغيره أن البربر أخلاط من كنعان والعماليق. فلما قتل جالوت تفرّقوا في البلاد وأغزى أفريقش المغرب ونقلهم من سواحل الشام وأسكنهم إفريقية وسماهم بربر. وقيل إن البربر من ولد حام بن نوح بن بربر بن تملا بن مازيغ بن كنعان بن حام (الجزء السادس ص. 93).

كما ذكر المؤرخ الإسباني مارمول كاراڤخال  Marmol Caravajal(1667) في كتابه أفريقيا:

تشتمل مملكة مراكش على سبعة اقاليم هي، ابتداء من الغرب حاحا وعاصمتها تَدْلُنِسْتُ؛ وسوس، وقاعدتها ترددانت التي جدد بناءها وجعل منها مدينة شهيرة والد مولاي عبد الله الملك الحالي لمراكش وفاس ، لكنه ليس هو مؤسسها كما يتوهم البعض؛ وجزولة أو جتولة، حيث لا توجد أية مدينة أو قرية مسورة؛ وأقليم مراكش الذي كان يسمى قديما بوكانواييرو، وكانت أغمات عاصمته قبل أن يؤسس اللمتونيون مراكش؛ ودكالة، وكانت مدينتها الرئيسية تيط التي سميت هكذا – غلى ما يقال – باسم حفيد نوح الذي صحب معه إلى موريطانيا القبائل المسماة باسمه التيطيين (الجزء الأول ص. 25-26).   

تفتقر نظرية النسب الحامي للأمازيغ إلى الصحة العلمية لأسباب عديدة، وسأذكر ثلاثة منها فقط هنا. أولًا، تستند إلى تصنيف عرقي اعتُبر قديمًا، إذ خلط بين القرابة اللغوية و”العرق” البيولوجي، وهو مفهوم رفضته النتائج الأنثروبولوجية والجينية المعاصرة التي لم تجد أي نوع عرقي هاميتي (Hamitic race) موحد (أرونا وآخرون Arauna et al.، 2017؛ سيراديل وآخرونSerradell et al. ، 2025). ثانيًا، تُثبت الجينات أن الأمازيغ هم سكان أصليون من شمال إفريقيا، ذوي أصول محلية عميقة – تشمل مزيجًا كبيرًا من العصر الحجري الحديث الإيبيري والشامي (Iberian- Levantine)، دون أي دليل على وجود أصل هاميتي واحد (فريجل وآخرون Fregel et al.، 2018). ثالثًا، إن الحجة الأساسية للنظرية القائلة بأن البربر والحضارات الأفريقية الأخرى نشأت من الانتشار “الحامي” تدحضها البيانات القديمة من الحمض النووي والبيانات الأثرية التي تشير إلى استمرارية ثقافية وجينية مستقلة في شمال أفريقيا إلى جانب أحداث اختلاط (admixture) محلية متعددة، وليس تأثيرًا حاميًا على مستوى القارة (لوكاس سانشيز وآخرون Lucas-Sánchez et al.، 2021؛ فان دي لوسدرخت وآخرون Van de Loosdrecht et al.، 2018).

خاتمة

يؤكد التحليل اللغوي الإيتيمولوجي في هذه الورقة البحثية لكلمة “شلح” – وهي التعريف الذاتي لمجتمع الشلوح ولهجتهم تشلحيت – أنها اسم محلي تشلحيتي الذي قد يعني في الأصل “ساكن الكوخ” (علوي، 1978) او معانٍ تختلف اختلافًا كبيرًا عن المعنى الشائع (الكمين وسلب الملابس والمؤن)، مما يدحض الادعاء الخاطئ بأصلها العربي (شلح المرتبطة بـ “قطاع الطرق”) نتيجة للمغالطة الخاطئة في أصل الكلمة والاعتماد المفرط على المعجم العربي – الذي يفتقر إلى التأصيل الإيتمولوجي، كما أكد للوكسنبرج Luxenberg (2007)؛ علاوةً على ذلك، تُفنّد هذه الدراسة النظرية الحامية حول أصول البربر – وهي نتاج تكهنات ابن خلدون (1981) وآخرين – بالإشارة إلى أدلة وراثية وأثرية وأنثروبولوجية تُشير إلى أصالة البربر كشعوب شمال أفريقية ذات أصول محلية عميقة (فريجل وآخرون Fregel et al.، 2018؛ لوكاس-سانشيز وآخرون Lucas-Sánchez et al.، 2021). في النهاية، تُؤكد الورقة البحثية على أن سلطة تعريف مصطلح أصلي مثل “شلح” تقع على عاتق المجتمع نفسه التي تشير إليه، وأن البحث اللغوي يجب أن يُعطي الأولوية للغة الأصل للمصطلح على التحيزات اللغوية الأجنبية والمهيمنة.

 

تثبت مصادر بحثية وتاريخية عديدة أن أصل كلمة “شلح” غير عربي. ينبغي للأوساط الأكاديمية أن تتحلى بالانفتاح الفكري بدلاً من التمسك برؤى ضيقة تتجاهل الأدلة البديلة. إن الاعتماد الحصري على التفسيرات الاشتقاقية العربية محدود منهجيًا، حيث توجد تفسيرات وسرديات أصل لغوي متعددة ومعقولة تستحق الدراسة والبحث جنبًا إلى جنب مع التفسيرات السائدة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السيرة الذاتية

يونس بوسعيد استاذ اللغة الإنجليزية. يُدرّس في الصين منذ عام 2018. يُدرّس حاليًا في مدرسة دولية بمدينة تيانجين، الصين. حصل على درجة البكالوريوس في اللغويات الإنجليزية من جامعة ابن زهر، ودرجة الماجستير في اللغويات التطبيقية وتدريس اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها (TESOL) من جامعة بورتسموث  ببريطانيا. تخرج من برامج وطنية و دولية مرموقة، مثل برنامج الوزارة الخارجية الأمريكية Access في المغرب، وبرنامج MEPI من جامعة ديليويرفي الولايات المتحدة الأمريكية، وبرنامج Darmasiswa من جامعة إندونيسيا. ألّف العديد من المقالات الأكاديمية في مجلات دولية مُحكمة حول مواضيع من بينها: تاشلحيت، الاستعارة، اللغويات المعرفية، والتدريس، بالإضافة إلى كتابين: Metaphor and Deixis in Tashelhit وUnlocking English Grammar: A Chinese Learner’s Roadmap to Mastery، والذي يتناول الأخطاء الأكثر شيوعًا لدى متعلمي اللغة الإنجليزية الصينيين (مكتوب باللغتين الإنجليزية والصينية). تشمل اهتماماته البحثية تمازيغت، اللسانيات المعرفية، التدخلات التربوية المُبتكرة، الاستعارة، التداولية، اللغة الصينية والعبرية ومقارنة الأديان.

رابط البحث : المغالطات اللغوية في تحليل الأسماء المحلية بحث يونس بوسعيد

 

المراجع

بالعربية

  • ابن خلدون، عبد الرحمن. (1981). كتاب العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب و العجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. بيروت: دار الفكر.
  • ابن دريد، محمد بن الحسن. (1987). جمهرة اللغة (تحقيق: رمزي منير بعلبكي). دار الجيل.
  • ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي. (1882). لسان العرب. دار المعارف.
  • الأزهري، أبو منصور محمد. (2001). تهذيب اللغة (تحقيق: عبد السلام هارون). دار الكتب العلمية.
  • اقديم، محمد. (2015، ديسمبر10). شلوح و تشلحيت، و مصمودة و المصامدة. العمق.

https://al3omk.com/141216.html#:~:text=3)%2D%20اسم%20”%20الشلوح”%20و,زالوا%20لم%20يرضوا%20عنه%20بديلا.

  • الجواليقي، أبو المنصور. (1990). المعرب من الكلام الأعجمي (تحقيق: ف. عبد الرحيم). دار القلم.
  • الجوهري، أبي نصر إسماعيل بن حماد. (2009). الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (تحقيق: محمد محمد تامر). دار الحديث.
  • الزبيدي، محمد مرتضى الحسني. (1995). تاج العروس من جواهر القاموس (تحقيق: ضاحي عبد الباقي). وزارة الإرشاد والأنباء في الكويت.
  • السيوطي، جلال الدين. (1998). المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب (تحقيق: التهامي الراجي الهاشمي). وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
  • شفيق، محمد. (1996). المعجم العربي الامازيغي. اكاديمية المملكة المغربية.
  • العلوي، التقي. (1972). أصول المغاربة: القسم البربري. مجلة البحث العلمي- المركز الجامعي للبحث، 9(19). 81- 88.
  • العلوي، التقي. (1978). أصول المغاربة: القسم البربري شعبة المصامدة. مجلة البحث العلمي- المركز الجامعي للبحث، 14(28). 209-248.
  • فيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب. (2005). القاموس المحيط (تحقيق: أنس محمد الشامي وزكريا جابر أحمد). دار الحديث.

 

بالإنجليزية

  • Agrour, A. (2012). Le parler berbère de Taqbaylit: Étude lexicale et sémantique. Presses Universitaires de Constantine.
  • Arauna, L. R., Mendoza-Revilla, J., Mas-Sandoval, A., Izaabel, H., Bekada, A., Benhamamouch, S., Fadhlaoui-Zid, K., Zalloua, P., Hellenthal, G., & Comas, D. (2017). Recent Historical Migrations Have Shaped the Gene Pool of Arabs and Berbers in North Africa. Molecular biology and evolution34(2), 318–329. https://doi.org/10.1093/molbev/msw218
  • Bourdieu, P. (1991). Language and symbolic power. Harvard University Press.
  • Bussmann, H. (1996). Routledge Dictionary of Language and Linguistics (G. P. Trauth & K. Kazzazi, Trans.).
  • Campbell, L. (2013). Historical linguistics: An introduction(3rd ed.). MIT Press.
  • Cherbonneau, E. (1868). Dictionnaire arabe-français du dialecte d’Alger. Imprimerie Impériale.
  • Daumas, A., & Fabar, J. (1847). Vocabulaire arabe-français des mots et expressions les plus usités dans le Mzab. Imprimerie de la Société Asiatique.
  • Delaporte, J., et al. (1844). Dictionnaire français-arabe (Vol. 2). Imprimerie Royale.
  • Denizeau, J. (1960). Dictionnaire du dialecte arabe de Syrie, Liban et Palestine. Klincksieck.
  • Fregel, R., Méndez, F. L., Bokbot, Y., Martín-Socas, D., Camalich-Massieu, M. D., Santana, J., Morales, J., Ávila-Arcos, M. C., Underhill, P. A., Shapiro, B., Wojcik, G., Rasmussen, M., Soares, A. E. R., Kapp, J., Sockell, A., Rodríguez-Santos, F. J., Mikdad, A., Trujillo-Mederos, A., & Bustamante, C. D. (2018). Ancient genomes from North Africa evidence prehistoric migrations to the Maghreb from both the Levant and Europe. Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America115(26), 6774–6779. https://doi.org/10.1073/pnas.1800851115
  • Greenberg, J. H. (1963). The Languages of Africa. Indiana University Press.
  • Harris, W. (1895). Tafilet. William Blackwood and sons
  • Hinds, M., & Badawi, E. (1986). A Dictionary of Egyptian Arabic. Yale University Press.
  • Hock, H. H., & Joseph, B. D. (2015). Language history, language change, and language relationship(4th ed.). Walter de Gruyter.
  • Huyghe, L. (1901).Vocabulaire berbère-français. Imprimerie Nationale.
  • Ibn Khaldoun. (1856). Histoire des Berbères et des dynasties musulmanes de l’Afrique septentrionale (W. de Slane, Trans.). Imprimerie Nationale.
  • Irvine, J. T., & Gal, S. (2000). Language ideology and linguistic differentiation. In P. V. Kroskrity (Ed.), Regimes of language: Ideologies, polities, and identities(pp. 35 – 84). School of American Research Press.
  • Lucas-Sánchez, M., Serradell, J. M., & Comas, D. (2021). Population history of North Africa based on modern and ancient genomes. Human molecular genetics30(R1), R17–R23. https://doi.org/10.1093/hmg/ddaa261
  • Luxenberg, C. (2007). The Syro-Aramaic Reading of the Koran: A Contribution to the Decoding of the Language of the Koran. Hans Schiler.
  • Marcel, G. (1883). Dictionnaire arabe-français du dialecte marocain. Imprimerie Impériale.
  • Marmol Caravajal, L. del. (1667). L’Afrique de Marmol, de la Traduction de Nicolas Perrot sieur d’Ablancourt. Divisee en trois volumes, et enrichie des Cartes Geographiques de M. Sanson, Geographe ordinaire du Roy. Avec l’Histoire des Chérifs, traduite de l’Espagnol de Diego Torres, par le Duc d’Angoulesme le Pere. Reveue & retouchée par P.R.A. Chez Louis Billaine.
  • Mouliéras, A. (1905). Études sur le dialecte berbère de Sousse.
  • Oxford University Press. (n.d.). Sift. In Oxford Learner’s Dictionary. Retrieved November 4, 2025, from https://www.oxfordlearnersdictionaries.com/us/definition/american_english/sift
  • Piamenta, M. (1990). A Dictionary of Post-Classical Yemeni Arabic. J. Brill.
  • Rinn, L. (1889). Les origins Berbères: Études linguistiques et ethnologiques. Adolphe Jourdan.
  • Rouighi, R. (2022). Inventing the Berbers: History and ideology in the Maghrib. University of Pennsylvania Press.
  • Serradell, J. M., Lorenzo-Salazar, J. M., Flores, C., Lao, O., & Comas, D. (2024). Modelling the demographic history of human North African genomes points to a recent soft split divergence between populations. Genome biology25(1), 201. https://doi.org/10.1186/s13059-024-03341-4
  • Van de Loosdrecht, M., Bouzouggar, A., Humphrey, L., Posth, C., Barton, N., Aximu-Petri, A., Nickel, B., Nagel, S., Talbi, E. H., El Hajraoui, M. A., Amzazi, S., Hublin, J. J., Pääbo, S., Schiffels, S., Meyer, M., Haak, W., Jeong, C., & Krause, J. (2018). Pleistocene North African genomes link Near Eastern and sub-Saharan African human populations. Science (New York, N.Y.)360(6388), 548–552. https://doi.org/10.1126/science.aar8380
  • Wallace, D. (2014, December 8). Lexical fallacies by linguists. https://danielbwallace.com/2014/12/08/lexical-fallacies-by-linguists/
  • Woodworth, N. L. (1991). Sound symbolism in proximal and distal forms. Linguistics, 29(2), 273 – 300. https://doi.org/10.1515/ling.1991.29.2.273

 

 

رابط البحث :المغالطات اللغوية في تحليل الأسماء المحلية بحث يونس بوسعيد 

يونس بوسعيد

يونس بوسعيد استاذ اللغة الإنجليزية. يُدرّس في الصين منذ عام 2018. يُدرّس حاليًا في مدرسة دولية بمدينة تيانجين، الصين. حصل على درجة البكالوريوس في اللغويات الإنجليزية من جامعة ابن زهر، ودرجة الماجستير في اللغويات التطبيقية وتدريس اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها (TESOL) من جامعة بورتسموث ببريطانيا. تخرج من برامج وطنية و دولية مرموقة، مثل برنامج الوزارة الخارجية الأمريكية Access في المغرب، وبرنامج MEPI من جامعة ديليويرفي الولايات المتحدة الأمريكية، وبرنامج Darmasiswa من جامعة إندونيسيا. ألّف العديد من المقالات الأكاديمية في مجلات دولية مُحكمة حول مواضيع من بينها: تاشلحيت، الاستعارة، اللغويات المعرفية، والتدريس، بالإضافة إلى كتابين: Metaphor and Deixis in Tashelhit وUnlocking English Grammar: A Chinese Learner’s Roadmap to Mastery، والذي يتناول الأخطاء الأكثر شيوعًا لدى متعلمي اللغة الإنجليزية الصينيين (مكتوب باللغتين الإنجليزية والصينية). تشمل اهتماماته البحثية تمازيغت، اللسانيات المعرفية، التدخلات التربوية المُبتكرة، الاستعارة، التداولية، اللغة الصينية والعبرية ومقارنة الأديان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى