المقالات

توهج المؤشرات وهشاشة البنية: قراءة في فلسفة الأولويات

في سنة 1916 افتتح بولاية نيوجيرسي الأمريكية مصنع لإنتاج الساعات المضيئة في الظلام، وكان ذلك يُعد آنذاك رمزاً للحداثة الصناعية والانبهار العلمي، اشتغلت داخل المصنع فتيات شابات كنّ يستخدمن مادة “الراديوم” في طلاء عقارب الساعات، وقد أقنعتهن الشركة بأن هذه المادة مفيدة للصحة والجمال وتمنح الجسم حيوية استثنائية، كانت العاملات يوجّهن فرشاة الطلاء بأفواههن من أجل الدقة، دون أن يدركن أن هذا الضوء الذي يلمع على أجسادهن كان يخفي موتاً بطيئاً ينخر عظامهن من الداخل.

لاحقاً، ستكشف التحقيقات الطبية أن الجسم يتعامل مع الراديوم كما لو كان كالسيوم، فيترسب داخل العظام ويتسبب في تآكلها وتشوهها. لقد كان المشهد مثالاً صارخاً على التناقض بين الواجهة المضيئة و”الهشاشة البنيوية” [1]، وهذه القصة ليست مجرد حادثة تاريخية، بل تكاد تكون استعارة دقيقة لفهم كثير من مسارات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في الدول النامية، حيث يتم أحياناً التركيز على بريق المؤشرات أكثر من صلابة البنية الاجتماعية.

في المغرب مثلاً، تبدو بعض المؤشرات الاقتصادية إيجابية إذا ما قرئت من زاوية التوازنات الماكرو اقتصادية، فقد سجل تقرير مؤشر برتلسمان للتحول لسنة 2026 [2]تنقيطاً بلغ 6.0 في ما يتعلق بالاستقرار النقدي وضبط العجز المالي، وهو ما يعكس قدرة الدولة على الحفاظ على التوازنات الكبرى للاقتصاد الوطني، غير أن التقرير نفسه يثير ما يشبه “المفارقة التنموية” (مغرب يسير بسرعتين اقتباسا من الخطاب الملكي)، إذ يؤكد أن هذه النتائج لم تنعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، بل تزامنت مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار الفوارق الاجتماعية.

تكمن المشكلة هنا في الاعتقاد بأن نجاح المؤشرات المالية يعني تلقائياً نجاح النموذج التنموي، فالأرقام قد تمنح انطباعاً بالصّلابة بينما يظل الداخل هشاً، وهذا ما يفسر أن المغرب، رغم المشاريع الكبرى والإصلاحات الهيكلية، ما يزال يواجه تحديات اجتماعية عميقة مرتبطة بالفقر والهشاشة والبطالة وضعف العدالة المجالية[3]، إن التوهج الرقمي – إن صح الوصف-  الذي تصنعه بعض التقارير الدولية قد يتحول إلى ما يشبه “الراديوم السياسي”، أي شعور مؤقت بالتقدم يخفي اختلالات أكثر عمقاً.

ويتجلى هذا التناقض بشكل واضح في ورش الدولة الاجتماعية والحماية الصحية، فقد ارتفع عدد المسجلين في نظام التأمين الصحي إلى حوالي 31.8 مليون شخص، وهو رقم يبدو في ظاهره إنجازاً مهماً في مسار تعميم الحماية الاجتماعية، لكن تقرير المركز المغربي للحكامة والتسيير كشف أن نحو 23 في المائة من هؤلاء- أي ما يقارب 8.5 ملايين شخص- لا يستطيعون الولوج الفعلي إلى العلاج والخدمات الصحية، وهنا يظهر الفرق الجوهري بين “التغطية النظرية” و”الاستفادة الواقعية”[4].

إن الأزمة لا تتعلق فقط بتوسيع قاعدة المستفيدين، بل بقدرة المنظومة الصحية نفسها على الاستجابة للحاجيات المتزايدة، فالمغرب يعاني خصاصاً يناهز 32 ألف طبيب، إضافة إلى تمركز حوالي 65 في المائة من الخدمات الصحية في خمس جهات فقط[5]، مما يكرس تفاوتاً مجاليّاً حاداً بين المدن الكبرى والمناطق القروية والهامشية، لذلك الحديث عن نجاح الدولة الاجتماعية لا يمكن أن يقتصر على عدد البطاقات الصحية الموزعة، بل يجب أن يرتبط بجودة العلاج، وعدد الأطر الطبية، وسهولة الولوج، والكرامة الإنسانية داخل المؤسسات الصحية[6].

وإذا كان المجال الصحي يكشف هشاشة البنية الاجتماعية، فإن وضعية الشباب تمثل المؤشر الأكثر حساسية على عمق الاختلالات التنموية، فقد بلغت نسبة البطالة على المستوى الوطني حوالي 13 في المائة، بينما تجاوزت بطالة الشباب البالغين بين 15 و24 سنة عتبة 36%، فضلاً عن وجود أكثر من 1.5 مليون شاب في وضعية “لا شغل، لا تعليم، لا تكوين”، وهو ما يعكس أزمة بنيوية في الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للشباب، وهذه الأرقام لا تعبر فقط عن أزمة اقتصادية، بل عن أزمة اندماج اجتماعي وفقدان للثقة في المستقبل[7].

إن المجتمعات لا تنهار عادة بسبب ضعف واجهاتها، بل بسبب تصدّع بنيتها الداخلية، ولذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في ضعف المشاريع الكبرى أو محدودية الاستثمارات، بل في إنتاج نموذج تنموي يراكم الثروة دون أن يضمن توزيعاً عادلاً للفرص، فحين يشعر الشباب بالتهميش، وتتسع الفوارق المجالية، وتتراجع الثقة في جدوى التعليم والعمل، يصبح المجتمع معرضاً لما يمكن تسميته “الهشاشة الهيكلية”، تماماً كما تحولت عظام فتيات الراديوم إلى بنية قابلة للتفتت بمجرد اللمس.

ومن زاوية أخرى، تكشف هذه المفارقة عن أزمة فلسفة الأولويات في التدبير العمومي، إذ يبدو أحياناً أن السياسات العمومية تمنح أهمية أكبر لما يحقق الصدى الإعلامي أو يرفع التصنيف الدولي، بينما يتم التعامل مع القطاعات الاجتماعية باعتبارها ملفات ثانوية أو مؤجلة، والحال أن الاستثمار الحقيقي ليس في الواجهات اللامعة، بل في الإنسان ذاته؛ في المدرسة العمومية، والمستشفى العمومي، والنقل، والعدالة المجالية، والشغل الكريم.

لقد انتهت مأساة فتيات الراديوم عندما قررت العاملات رفع دعوى قضائية ضد الشركة سنة 1927، لتتحول قضيتهن إلى محطة مفصلية في تاريخ الحقوق الاجتماعية وقوانين السلامة المهنية، أما اليوم، فإن التحدي المطروح أمام من يدبر السياسة العمومية بالمغرب يتمثل في بناء إصلاحات لا تكتفي بتجميل المؤشرات، بل تعالج جذور الاختلالات البنيوية، لأن التنمية الحقيقية ليست مجرد أرقام صاعدة في التقارير، وإنما قدرة المواطن على العيش بكرامة داخل مجتمع متوازن وعادل.

إن الضوء الحقيقي لا تصنعه التقارير الدولية وحدها، بل تصنعه قوة الداخل وصلابة المؤسسات وعدالة الفرص، فحين يصبح الإنسان محور السياسات العمومية، تتحول المؤشرات إلى نتيجة طبيعية للتنمية، لا إلى قناع يخفي هشاشة البنيان.


[1] كيت مور، “فتيات الراديوم” (The Radium Girls): كتاب يوثق قصة العاملات في مصانع نيو جيرسي وإلينوي (1916-1930) والمأساة الطبية والقانونية التي واجهنها.

[2] للاطلاع على التقرير يرجع للرابط التالي: https://bti-project.org/en/reports/country-report/MAR

[3] صنف تقرير التنمية البشرية لسنة 2025، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المغرب في المرتبة 120 عالمياً من أصل 193 دولة، بمعدل بلغ 0.710، ضمن فئة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة، غير أن هذا التحسن الكمي ما يزال يواجه تحديات بنيوية مرتبطة بالفوارق الاجتماعية والمجالية، وضعف جودة الخدمات الأساسية، واستمرار معدلات البطالة والهشاشة، خاصة في صفوف الشباب والعالم القروي، بما يحد من الأثر الفعلي للنمو الاقتصادي على مؤشرات العدالة الاجتماعية والتنمية البشرية المستدامة.

  • برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية 2025، نيويورك، 2025، ص. 289 وما بعدها.

[4] بلغ عدد المسجلين في نظام التأمين الإجباري عن المرض بالمغرب حوالي 31.94 مليون شخص عند متم سنة 2024، غير أن عدد المستفيدين الفعليين لم يتجاوز 25.6 مليون شخص، أي بنسبة تغطية فعلية تناهز 70%، وفق ما أورده المجلس الأعلى للحسابات في تقريره السنوي 2024/2025.

  • المجلس الأعلى للحسابات، التقرير السنوي 2024/2025، صادر بالجريدة الرسمية عدد 7476 مكرر، 3 شعبان 1447 (23 يناير 2026)، ص 526 وما بعدها.

[5] ورغم التقدم الذي عرفه ورش تعميم الحماية الاجتماعية، فإن القطاع الصحي ما يزال يعاني خصاصاً بنيوياً حاداً في الموارد البشرية، بشكل لا يواكب التزايد المستمر في الطلب على الخدمات الصحية. فبرسم سنة 2024، لم يتجاوز عدد الأطباء العاملين بالمؤسسات الصحية العمومية 15.452 طبيباً، مقابل 40.102 من الأطر شبه الطبية، وهي أرقام تظل محدودة مقارنة بالحاجيات الوطنية والمعايير الدولية المعتمدة في مجال التغطية الصحية. وتبعاً لذلك، لا تتعدى الكثافة الوطنية للأطباء والممرضين 2.2 مهني صحي لكل ألف نسمة، وهو معدل يقل بكثير عن العتبة المرجعية التي توصي بها منظمة الصحة العالمية والمحددة في 4.45 مهني صحي لكل ألف نسمة، باعتبارها الحد الأدنى الضروري لضمان الولوج العادل والفعال إلى الخدمات الصحية الأساسية. ويعكس هذا الوضع استمرار اختلال هيكلي عميق داخل المنظومة الصحية العمومية، يتمثل في ضعف التأطير الطبي وشبه الطبي، والتفاوت المجالي في توزيع الموارد البشرية، الأمر الذي يحد من قدرة القطاع على الاستجابة الفعالة للحاجيات الصحية المتزايدة للسكان، خاصة بالمناطق القروية والهامشية.

المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التقرير السنوي 2024، ص48 وما بعدها

[6] على سبيل المثال يؤكد تقرير مجلس المنافسة السابق أن أسباب التوزيع غير المتكافئ تعود أساساً إلى عوامل سوسيو-اقتصادية تتعلق بوجود زبائن قادرين على الأداء (المؤمنون والمؤدون المباشرون من الميسورين)، وهو ما يحدد “الطلب الموجه إلى المصحات الخاصة”، ويجعل الاستثمار رهيناً بتوفر آليات التضامن الأسري أو المجتمعي لضمان الربحية، بعيداً عن اعتبارات التغطية الجغرافية العادلة.

  • مجلس المنافسة، رأي رقم ر/4/22 حول “وضعية المنافسة داخل السوق الوطنية للرعاية الطبية المقدمة من لدن المصحات الخاصة والمؤسسات المماثلة لها”، المملكة المغربية، ص 39، تم تحميله من الموقع الرسمي: www.conseil-concurrence.ma ، تاريخ الزيارة: 14 أبريل 2026، الساعة 15:00.

[7] صدر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في إطار إحالة ذاتية، رأي تحت عنوان “شباب لا يشتغلون، ليسوا بالمدرسة، ولا يتابعون أي تكوين “NEET”: أي آفاق للإدماج الاقتصادي والاجتماعي؟”، وضعية فئة شباب، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، يوجدون خارج نطاق منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل. كما يوصي بعدد من مسالك العمل التي من شأنها الارتقاء بهذه الفئة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية. و قد تمت المصادقة على هذا الرأي بالإجماع خلال الجمعية العامة للمجلس المنعقدة بتاريخ 30 نونبر2023.

    مقالات ذات صلة

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى