محمد جبرون والأمازيغ: بين هاجس الانقسام الإثني وحقيقة الهوية المغربية المركبة

تطرح إحدى تيارات الخطاب العمومي والفكري في المغرب أطروحة مفادها أن المطالب المرتبطة بالهوية الأمازيغية المعاصرة ليست تعبيرات ثقافية مشروعة، وإنما هي حركات عرقية خطيرة وموجهة من الخارج، تهدف إلى تقسيم المجتمع، وإضعاف الدولة، وتقويض الإسلام واللغة العربية والوحدة الوطنية. ووفق هذا المنظور، يُنظر إلى كل تعبير عن الهوية الأمازيغية باعتباره موقف يحمل نزعة انفصالية أو تصادمية، مع استحضار حالات مثل الحرب البوسنية بوصفها نموذجاً تحذيرياً. كما يُصوَّر الانتماء المغربي في هذا الخطاب على أنه ذو طبيعة عربية بالأساس، سواء من حيث اللغة أو الثقافة أو التاريخ. كما تتردد أصداء هذا التصور لدى عدد من المؤرخين المغاربة، من بينهم محمد جبرون، الذين ينظرون إلى نماذج الهوية المتعددة أو التصورات القائمة على التعدد الثقافي بشيء من الارتياب، باعتبارها قد تشكل تهديداً لتماسك الدولة، عوض اعتبارها نماذج لبناء وطنية شاملة. ومن هذا المنظور، فإن إقرار البعد الأمازيغي في الهوية الوطنية قد يُفسَّر بوصفه مدخلاََ إلى النزعة الانفصالية، أو إلى ديناميات الاستقطاب الإثني، أو إلى تقويض السردية الوطنية الموحدة.
غير أن هذا الطرح يقوم على دمج غير مبرر بين مفهوم الهوية الثقافية ومفهوم الانفصال السياسي. فقد أظهرت أبحاث النظرية السياسية أن الهويات المتعددة الثقافية لا تتعارض بالضرورة مع وجود دول وطنية قوية، بل يمكنها، عندما تحظى بالاعتراف المؤسساتي، أن تساهم في تعزيز التماسك الوطني (Kymlicka, 1995). إن وجود هويات ثقافية أو لغوية أو تاريخية متميزة ومتعددة داخل الدولة لا يؤدي بصورة حتمية إلى التفكك والتشرذم السياسي، وإنما تتوقف النتائج على الطريقة التي تُدار بها مسألة التنوع داخل المؤسسات السياسية والاجتماعية؛ إذ يمكن أن يصبح التنوع مصدراً للاندماج والتكامل، أو مصدراً للتوتر والصراع، بحسب طبيعة السياسات المعتمدة تجاهه.
إن القول بأن الانتماء الأمازيغي يمثل أيديولوجيا انفصالية أو إقصائية ذات طابع عرقي يشكل قراءة مجانبة للسياق التاريخي ولمظاهر الحراك الأمازيغي المعاصر في المغرب. فقد انصبت مطالب الحركة الأمازيغية، في الغالب، على الاعتراف الثقافي، والحقوق اللغوية، وصيانة التراث، ووضع سياسات لغوية أكثر إنصافاً، وليس على الانفصال الترابي أو تأسيس كيان سياسي مستقل. وفي هذا السياق، يرى المدلاوي (2010) أن إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM) مثّل آلية مؤسساتية للتهدئة والاحتواء السياسي. فوفق التصور الرسمي للدولة، كان دور المعهد، إلى جانب وظائفه المرتبطة بالتخطيط اللغوي، يتمثل في تعزيز الوحدة الوطنية من خلال إدماج الأمازيغية/تيموزغا داخل الهوية المغربية، وليس السماح بتحولها إلى حركة سياسية قائمة على أساس إثني. ويشير باو (Bao, 2026) إلى أن تصميم الدولة لهذا المشروع كان يهدف إلى إذابة التصور السياسي للأمازيغ ككيان مستقل من أجل منع تسييس الأمازيغية على أساس هوية إثنية.
غير أن إذابة مفهوم الأمازيغ باعتبارهم جماعة تاريخية وثقافية ضمن هوية مغربية مجردة لا تمثل بالضرورة الوسيلة الوحيدة أو الأكثر فعالية لمنع التسييس الإثني. فالتجارب المقارنة تُظهر أن الاعتراف بالهويات الثقافية وإدماجها يمكن أن يحققا الهدف نفسه، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الخصوصية الثقافية. فعلى سبيل المثال، فإن الاعتراف بهوية الماوري (Māori) باعتبارهم السكان الأصليين في نيوزيلندا لم يمنع اعتبارهم جزءاً أصيلاً من المجتمع الوطني النيوزيلندي الأوسع. فالاعتراف لا يعني الانفصال، وإنما يعني الإقرار بأن الأمة يمكن أن تتكون من مكونات تاريخية وثقافية متعددة تشكل، مجتمعة، كياناً وطنياً واحداً. وبناءً على ذلك، فإن الهوية الأمازيغية لا تحتاج إلى الذوبان داخل مفهوم “تامغربيت” للحفاظ على الوحدة الوطنية، بل يمكن الاعتراف بها وترسيخها باعتبارها أحد الأسس التاريخية المكونة للهوية المغربية.
ويؤكد باحثو اللسانيات الاجتماعية في شمال إفريقيا بدورهم أن المطالب الأمازيغية تتمحور أساساً حول الاعتراف، والتوحيد المعياري، ووضع سياسة لغوية عادلة، وليس حول تفكيك الدولة المغربية (Boukous, 2012; Crawford & Silverstein, 2004). كما تُظهر الدراسات السوسيولوجية المتعلقة بالهوية أن الهوية الأمازيغية ليست نقيضاً للهوية الوطنية المغربية، وإنما تندرج ضمنها وتشكل أحد مكوناتها. وترى فاطمة صديقي (Sadiqi, 2014) أن إحياء الأمازيغية يمثل رصيداً ثقافياً مساهماً في استقرار المجتمع، لأنه يغني التعددية المغربية ويساهم في بناء فضاء ديمقراطي متعدد المستويات، وليس تهديداً للتلاحم الوطني. ومن ثم، فإن الجمع بين الانتماء الأمازيغي والانتماء المغربي ليس أمراً متناقضاً أو مهدداً للاستقرار، بل هو شكل طبيعي من أشكال الانتماء المركب. كما تؤكد فاطمة صديقي (2007) أن تعزيز اللغة الأمازيغية يساهم في توحيد الأمة، سياسياً وثقافياً، لأن الاعتراف بالتراث الأمازيغي يقوي واقع التعددية المغربية بدلاً من إضعافه.
وتُظهر أمثلة على الصعيد الدولي كذلك أن وجود هويات ثقافية فرعية داخل الدول الوطنية يمثل ظاهرة عالمية عادية وليس استثناءً. فشعوب الماوري (Māori) في نيوزيلندا، والكاتالونيون (Catalans) في إسبانيا، والكيبيكيون (Québécois) في كندا، والأكراد (Kurds) في العراق، جميعهم يحافظون على هويات لغوية وثقافية متميزة، مع استمرار انخراطهم -رغم اختلاف الأوضاع السياسية الخاصة بكل حالة- ضمن أطر وطنية أوسع. ورغم أن بعض هذه التجارب شهد توترات سياسية، فإن النقطة الأساسية تتمثل في أن التعبير الثقافي لا يساوي الانفصال السياسي. ويؤكد منظرو السياسة أن نموذج المواطنة متعددة الثقافات يسمح للهويات الأقلية بالتعايش داخل مجتمع سياسي مشترك، وذلك عبر الاعتراف بالتنوع بدلاََ من السعي إلى إقصائه أو قمعه (Kymlicka, 1995). وعليه، فإن تصوير الهوية الأمازيغية باعتبارها تهديداً في حد ذاتها يستند إلى مساواة زائفة بين التعبير عن الهوية الثقافية وبين النزعة القومية الإثنية، وقد يؤدي في الواقع إلى إنتاج الاستقطاب الذي يدّعي أنه يحاربه. لذلك، ينبغي فهم الهوية الأمازيغية باعتبارها جزءاً من نموذج شامل لـتمغرابيت يدمج التنوع التاريخي للمغرب بدلاً من أن يؤدي إلى تفتيته.
كما تكشف الدراسات الجينية حول المغرب عن محدودية التصورات التي تقوم على الفصل الحاد بين العرب والأمازيغ. فقد أثبتت الأبحاث أن البنية السكانية المغربية تتميز بدرجة عالية من الاختلاط الجيني، حيث تظهر لدى الأفراد والجماعات نسب متفاوتة من المكونات الوراثية المرتبطة بالسكان الأصليين لشمال إفريقيا، إلى جانب مكونات وراثية مرتبطة بتدفقات سكانية لاحقة من الشرق الأدنى. وتبين الدراسات الجينومية الشاملة وجود تدرج جغرافي من الشرق إلى الغرب في توزيع الأصول الوراثية، مع حضور أقوى للمكونات الشمال إفريقية المحلية لدى بعض الجماعات، وارتفاع نسبي للمكونات المرتبطة بالشرق الأدنى لدى جماعات أخرى (Henn et al., 2012). وفي الوقت نفسه، تكشف التحليلات الخاصة بالمجموعات التي تعرف نفسها بأنها عربية أو أمازيغية عن تراث جيني مشترك ومتداخل تشكل عبر قرون من الهجرة والتفاعل والامتزاج، وليس عن فئات بيولوجية منفصلة بشكل صارم (Arauna et al., 2017). ويؤكد الباحثون أن التنوع الجيني لا يتطابق بصورة مباشرة مع التصنيفات الإثنية، لأن كلاً من الجماعات العربية والأمازيغية في المغرب تضم درجات متفاوتة من الأصول المحلية، والإفريقية جنوب الصحراء، والشرق أوسطية (Arauna et al, 2017). وبالتالي، فإن الاختلافات الوراثية توجد ضمن سلسلة متصلة وليست ضمن حدود ثابتة، بينما تظل الهوية في جوهرها ثقافية وتاريخية وقائمة على الاختيار الذاتي. ولذلك يمكن للفرد أن يعرف نفسه بأنه أمازيغي أو عربي أو أن يجمع بين الانتماءين داخل إطار هوية مغربية أوسع تستوعب هذه الطبقات التاريخية والثقافية المتداخلة.
وفي نهاية المطاف، فإن وجود أشخاص يعرفون أنفسهم بأنهم عرب، وآخرين يعرفون أنفسهم بأنهم أمازيغ، يمثل واقعاً اجتماعياً لا يمكن إنكاره أو إسكات التعبير عنه. فالتعريف بالذات باعتبارها أمازيغية يعبر عن انتماء ثقافي وارتباط تاريخي، ولا يحمل في ذاته أي دلالة انفصالية. كما لا ينبغي النظر تلقائياً إلى الرموز الثقافية الأمازيغية، أو اللغة الأمازيغية، أو التقاليد المرتبطة بها باعتبارها أدوات للتمييز أو الانقسام. بل يتطلب بناء مجتمع مغربي متماسك اعتماد منظور أكثر انفتاحاً على التعدد الثقافي، يعترف بشرعية أشكال متعددة من الانتماء داخل الإطار الوطني الواحد. تيموزغا تعد مكونا مشتركا من مكونات الهوية الوطنية المغربية، وهي ملك لجميع المغاربة للاحتفاء بها والتعبير عنها. إذ يظل المغاربة أحراراَ في تعريف أنفسهم، سواء باعتبارهم عرباَ أو أمازيغ، ضمن إطار تمغرابيت مشتركة. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إزالة الأمازيغية/ تيموزغا باسم الوحدة، بل في الاعتراف بها باعتبارها أحد الأسس التاريخية التي قامت عليها الوحدة المغربية عبر التاريخ.
المراجع
المدلاوي، محمد. (2010). المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (المغرب) بعد ثماني سنوات ]حوار أجراه عبد العزيز جهابلي.[ OrBinah. https://orbinah.blog4ever.com/en-arabe-1-l-institut-ircam-maroc-apres-huit-ans
Arauna, L. R., Mendoza-Revilla, J., Mas-Sandoval, A., Izaabel, H., Bekada, A., Benhamamouch, S., Fadhlaoui-Zid, K., Zalloua, P., Hellenthal, G., & Comas, D. (2017). Recent historical migrations have shaped the gene pool of Arabs and Berbers in North Africa. Molecular Biology and Evolution, 34(2), 318–329. https://doi.org/10.1093/molbev/msw218
Bao, K. (2026). Language policy and planning of Amazigh languages in Morocco: A study of the language ideology of the Royal Institute of Amazigh Culture (IRCAM) (LOT Dissertation Series, Vol. 706). LOT Publishing. https://doi.org/10.48273/LOT0706
Boukous, A. (2012). Revitalizing the Amazigh language: Stakes, challenges, and strategies. Rabat: IRCAM.
Crawford, D. L., & Silverstein, P. A. (2004). Amazigh activism and the Moroccan state. Middle East Report, 233, 44–48.
Henn, B. M., Botigué, L. R., Gravel, S., Wang, W., Brisbin, A., Byrnes, J. K., Fadhlaoui-Zid, K., Zalloua, P. A., Moreno-Estrada, A., Bertranpetit, J., Bustamante, C. D., & Comas, D. (2012). Genomic ancestry of North Africans supports back-to-Africa migrations. PLoS Genetics, 8(1), e1002397. https://doi.org/10.1371/journal.pgen.1002397
Kymlicka, W. (1995). Multicultural citizenship: A liberal theory of minority rights. Oxford University Press.
Sadiqi, F. (2014). Language and gender in Moroccan urban spaces. In F. Sadiqi (Ed.), Moroccan Feminist Discourses(pp. 55–78). Palgrave Macmillan.



