المقالات

القضايا المنهجية في إعادة بناء اللغة الأمازيغية البدائية: إعادة تقييم استبعاد الفونيم الحلقي /ح/

في اللسانيات الأمازيغية، تتميز الأعمال الاستعمارية المبكرة في مجال اللهجات بطابع وصفي تزامني (synchronic)، إذ تركز عادةً على دراسة لهجة منفردة بدل إجراء مقارنة تاريخية منهجية عبر السلسلة الأمازيغية ككل. ويُعد هذا النطاق الضيق للأبحاث الاستعمارية أحد المصادر الرئيسية لانتقاد أحمد بوكوس لهذه الأعمال وتصنيفها ضمن مجال “علم اللهجات” (dialectology) وليس ضمن اللسانيات التاريخية المقارنة(Boukous, 2016) . ولا يقتصر هذا القصور على الجانب المنهجي فحسب، بل له تداعيات أوسع، إذ يؤدي إلى تعميمات مفرطة انطلاقًا من بيانات جزئية وغير كافية، كما يحجب التباين التعاقبي (diachronic) داخل المجال اللغوي الأمازيغي.

أشار أحد أساتذة اللسانيات في المغرب، عبد الله الحلوي من جامعة القاضي عياض، بثقة مفرطة إلى أن الفونيم الحلقي /ح/ لم يكن موجودًا في اللغة الأمازيغية البدائية(Proto-Berber) . ويبدو أن هذا الافتراض يستند ضمنيًا إلى النموذج الصوتي الأمازيغي العام (Pan-Berber) الذي قدّمه أندري باسيت في منتصف القرن العشرين (Basset, 1945–48, pp. 33–36). غير أن هذا الافتراض يعاني من إشكال جوهري، ليس فقط لأنه يتعامل مع النظام الصوتي الذي قدمه باسيت وكأنه جرد تاريخي مكتمل، بل لأنه يخلط أيضًا بين مستويين تحليليين مختلفين، هما: الصوتيات الأمازيغية العامة (Pan-Berber phonology) وإعادة بناء الأمازيغية البدائية (Proto-Berber reconstruction).إ

إن نموذج باسيت الأمازيغي العام هو في جوهره اختيار وصفي تجريدي تزامني، لا يهدف إلى إعادة بناء الأمازيغية البدائية، بل إلى إبراز السمات الصوتية المشتركة بين اللغات الأمازيغية كما هي موجودة في وضعها الراهن. وبالتالي، فإن هذا النموذج، الذي لا يمثل بشكل شامل جميع المعطيات الصوتية الموثقة، يغفل بعض العناصر الصوتية في اللغات الأمازيغية، ولا سيما الصامت الحلقي/ح/، رغم وجود هذا الصامت في عدد من اللهجات/ اللغات الأمازيغية الحديثة   .(Kossmann, 1999)ومن ثم، فإن اعتماد واعتبار النموذج الصوتي الأمازيغي العام نظامًا شاملًا قادرًا على وصف اللغات الأمازيغية الحديثة أو الأمازيغية البدائية بدقة يُعدّ خطأً منهجيًا.

وتتفاقم هذه الإشكالية بسبب الخلط بين مفهومي “الأمازيغية البدائية” و”الأمازيغية العامة”. فالأمازيغية البدائية هي لغة سلفية يتم إعادة بنائها عبر المنهج المقارن، وهو ما يستلزم بالضرورة درجة من الافتراض والاستدلال الاحتمالي والحذر المنهجي. أما الأمازيغية العامة (Pan-Berber)، فهي تجريد وصفي للسمات اللغوية الغالبة في اللغات الأمازيغية المعاصرة، وقد طُوِّرت في الأصل لتسهيل المقارنة، وأصبحت تُستعمل لاحقًا في سياقات مرتبطة بالتوحيد اللغوي (Kossmann, 1999). إن استنتاج خصائص خاصة بالأمازيغية البدائية اعتمادًا على هذه التجريدات الوصفية يؤدي إلى أحكام تاريخية ولغوية مفرطة في اليقين تتجاوز حدود المعطيات المتوفرة.

وفيما يتعلق بإعادة بناء الأمازيغية البدائية، تجدر الإشارة إلى أن وضع الصوامت الحلقية، سواء كانت بلعومية (pharyngeal)  أو حنجرية (laryngeal)، لا يزال غير محسوم في معظم النماذج التفسيرية. ورغم أن غالبية الدراسات الحديثة لا تعيد بناء الصامت/ح/، فإن ذلك لا يعني إنكار وجود أصوات حلقية أو حنجرية بشكل عام. بل إن محاولات سابقة في إعادة البناء، مثل اقتراح برّاس (Prasse) لوجود صوت حلقي/حنجري ممثل بالحرف H في مرحلة ما قبل الأمازيغية البدائية، تشير إلى أهمية هذه الفئة من الأصوات في المراحل الأقدم من الأمازيغية (Prasse, 1969; 1972).  كما تؤكد عمليات إعادة البناء اللغوي الأحدث عدم اليقين واستمرار الغموض بشأن الخصائص الصوتية الدقيقة لهذه الصوامت  .(Kossmann, 2020)

وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الأجدر توجيه الانتباه إلى معطيات اللهجات المحافظة والمهمشة جغرافيًا. فقد أظهرت أبحاث تين-شيخ (Taine-Cheikh, 2000) وكوسمان (Kossmann, 2020) أن الزناكة وغيرها من المتغيرات اللغوية الطرفية الأخرى تحتفظ بخصائص صوتية قديمة، مثل استعمال الصوامت الحلقية المركبة، مما يفتح إمكانية إعادة تصور بنية حلقية أكثر تعقيدًا في الأمازيغية البدائية. ورغم أن هذه المعطيات غير كافية لإثبات وجود /ح/ بشكل قطعي في الأمازيغية البدائية، إلا أنها تتحدى الافتراض القائل بغياب هذا الصامت .ويؤدي تجاهل هذا النوع من البيانات إلى تعميق الإشكال المرتبط بموقع /ح/ في الأمازيغية البدائية، خاصة بسبب توزيعه غير المنتظم. فقد يكون هذا الصامت محصورًا في بعض المجتمعات اللغوية الطرفية حيث لم يعد منتجًا من الناحية الصرفية. وبالتالي، فإن انخفاض تواتره وتوزيعه غير المتجانس لا يعني غيابه التاريخي، بل يمكن تفسيره على أنه نتيجة تراجع أو اندماج أو تهميش صوتي في اللهجات المركزية.

وعلى الرغم من أن العديد من حالات ظهور /ح/ في الأمازيغية قد تكون نتيجة تأثير عربي، فإن هذه ليست الصورة الكاملة. إذ يشير كوسمان (Kossmann, 1999) إلى مجموعة من الألفاظ في الأمازيغية التي تحتوي على /ح/ دون مقابل واضح في العربية، ويبدو أنها ذات أصل أمازيغي داخلي. ومن بين هذه الألفاظ نجد كلمة حند في لهجة فيگيگ والتي تعني “لفّ الرضيع” و كلمة أشحشوح و التي تعني “شعر طويل غير ممشوط” وكذلك كلمة حلوليد بمعنى ان”يصبح هلاميًا”. وفي اللهجة القبيلية نجد كلمة حبروريش والتي تعني “التكتل إلى كرات صغيرة” وكذلك حلوشد وحنوشد اللتان تفيدان معنى “ينزلق”. ويوجد لفظ مماثل في اللهجة الصنهاجية وتاشلحيت (حلوشد أو حلوشيد) يحمل نفس المعنى “ينزلق” (Kossmann, 1999, p. 246). إن وجود هذا الصامت في عدة تنوعات لغوية يضعف أي محاولة لتقليصه إلى عنصر فونولوجي هامشي أو مستعار.

ومن منظور لساني تاريخي، فإن وجود مجموعة محدودة ولكن منتظمة من التقابلات اللغوية يمكن أن يكون كافيًا لتحدي أو حتى نقض الافتراض القائل بغياب /ح/ في الأمازيغية البدائية. وبما أنه من غير الممكن للمعطيات الحالية أن تقدم إعادة بناء قطعية لهذا الصامت، فإن غياب الأدلة الكافية لا يثبت غيابه، بل يضعف فقط الادعاءات التي تؤكد هذا الغياب بشكل قاطع. ومن ثم، فإن الموقف العلمي السليم في هذه الحالة هو تبني درجة من اللاتعيّن الجزئي(partial indeterminacy) في مسألة الصوامت الحلقية في الأمازيغية البدائية.

علاوة على ذلك، فإن مسألة وجود /ح/ في الأمازيغية البدائية ليست مسألة دحض تجريبي مباشر بقدر ما هي اختلاف في المقاربات المنهجية واختيار المعطيات وتفسيرها. إذ تتوقف المعايير والأحكام في هذه المسألة على ما إذا كان الباحثون يعتبرون المعطيات اللغوية الطرفية منخفضة التواتر ذات قيمة تاريخية أو مجرد ضوضاء هامشية. وأيًا كانت النتائج، فإن اليقين المفرط غير مبرر منهجيًا. كما أن الاعتماد على نماذج أمازيغية عامة غير مكتملة قد أدى إلى ظهور ادعاءات غير مدعومة، مثل القول بأن كلمة شلح ليست ذات أصل أمازيغي، وهو استنتاج يعتمد على نماذج تتجاهل بالفعل المعطيات الصوتية والمعجمية الهامشية. إن بناء استنتاجات على نماذج انتقائية غير مكتملة يمثل ممارسة دائرية من الناحية المنهجية.

وخلاصة القول، فإن رفض الطابع الوراثي للصامت /ح/ في الأمازيغية البدائية ليس حقيقة مثبتة بقدر ما هو نتيجة لثلاثة عوامل مترابطة: (1) الاعتماد غير المبرر على نموذج أمازيغي عام غير مكتمل؛ (2) الخلط بين النماذج الوصفية التزامنية وإعادة البناء التاريخي (التعاقبي)؛ و(3) التمثيل غير الكافي للأشكال اللهجية القديمة أو الواقعة على هامش النظام الصوتي. إن القراءة الحذرة للمعطيات، بما يتماشى مع مبادئ اللسانيات التاريخية، تفترض أن إعادة بناء الأمازيغية البدائية تظل بطبيعتها مؤقتة وقابلة للمراجعة مع ظهور معطيات وتحليلات جديدة.

Reference:

Basset, A. (1945–1948). Le système phonologique du berbère. GLECS IV.

Boukous, A. (2012). [Details not fully specified in provided reference], 159–179.

Boukous, A. (2016). Colonization and Berber dialectology: An overview. In La lingua nella vita e la vita della lingua: Itinerari e percorsi degli studi berberi (pp. 153–171). p. 166.

Kossmann, M. G. (1999). Essai sur la phonologie du proto-berbère. Rüdiger Köppe Verlag.

Kossmann, M. G. (2020). Proto-Berber phonological reconstruction: An update. Linguistique et Langues Africaines, 6, 11–42.

Prasse, K.-G. (1969). A propos de l’origine des voyelles e et o en touareg. Akademisk Forlag.

Prasse, K.-G. (1972). Manuel de grammaire touarègue (tahaggart). Akademisk Forlag.

Taine-Cheikh, C. (2000). À propos du zénaga : Vocalisme et morphologie verbale en berbère. Bulletin de la Société de Linguistique de Paris, 95(1), 269–322.

 

يونس بوسعيد

يونس بوسعيد استاذ اللغة الإنجليزية. يُدرّس في الصين منذ عام 2018. يُدرّس حاليًا في مدرسة دولية بمدينة تيانجين، الصين. حصل على درجة البكالوريوس في اللغويات الإنجليزية من جامعة ابن زهر، ودرجة الماجستير في اللغويات التطبيقية وتدريس اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها (TESOL) من جامعة بورتسموث ببريطانيا. تخرج من برامج وطنية و دولية مرموقة، مثل برنامج الوزارة الخارجية الأمريكية Access في المغرب، وبرنامج MEPI من جامعة ديليويرفي الولايات المتحدة الأمريكية، وبرنامج Darmasiswa من جامعة إندونيسيا. ألّف العديد من المقالات الأكاديمية في مجلات دولية مُحكمة حول مواضيع من بينها: تاشلحيت، الاستعارة، اللغويات المعرفية، والتدريس، بالإضافة إلى كتابين: Metaphor and Deixis in Tashelhit وUnlocking English Grammar: A Chinese Learner’s Roadmap to Mastery، والذي يتناول الأخطاء الأكثر شيوعًا لدى متعلمي اللغة الإنجليزية الصينيين (مكتوب باللغتين الإنجليزية والصينية). تشمل اهتماماته البحثية تمازيغت، اللسانيات المعرفية، التدخلات التربوية المُبتكرة، الاستعارة، التداولية، اللغة الصينية والعبرية ومقارنة الأديان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى