المقالات

في وداع عميد الأدب المغربي عباس الجراري

ودع المغرب، والمجتمع العلمي والثقافي تحديدا، عميد الأدب المغربي عباس الجراري، (1937-2024)، رحمه الله. وبغض النظر عن شهرة المرحوم، وعن دوره العلمي في التاريخ الثقافي المعاصر للمغرب، بما يلزمني بالكتابة عنه وبتوديعه، مادمت قد ألزمت نفسي بتوديع مفكرين، ممن كان لهم دور محوري، بنظري بالطبع، في حياتنا الثقافية والعلمية، أو ماهو متعلق، على الأقل، بمساري الفكري وتكويني الثقافي. بالرغم من كل هذا فإني أرى قواسم مشتركة إضافية تشدني إلى المرحوم عباس الجراري، تلزمني أخلاقيا أكثر، بالكتابة عنه، وبتوديعه بما يليق به، وبما يعرف بدوره الأساسي في بناء باراديغم ثقافة المغرب المعاصر.

تربطني بالأستاذ عباس الجراري رابطة الانتماء إلى قبائل أولاد جرار إقليم تزنيت، لذلك هو يسمى: عباس الجراري، نسبة إلى أولاد جرار. وكان يلح دائما على مناداته ب(الجراري: بفتح الجيم، وفتح الراء المشددة). وتشرفت أن كنت من بين الذين استقبلوه عند زيارته لأولادجرار(2010)، رفقة العديد من فعاليات المنطقة. كما تربطني به مجالات الاهتمام الفكري بشقيه الأدبي والنقدي، وخاصة الدراسات المتعلقة بالثقافة الشعبية، وكذا مجال الفكر الإسلامي المعاصر. لذلك يصبح ضروريا ، وبسبب من هذه الروابط، أن يكون لتوديع أستاذنا عباس الجراري، رحمه الله، نكهة خاصة، تحفها هذه الروابط العاطفية والمعرفية.

تخرج عباس الجراري من جامعة القاهرة، بعد أن قضى فترة دراسية في مصر بين1961و1969. وقد أنجز أطروحة جامعية حول (الزجل في المغرب:القصيدة( بتسكين القاف وكسر الصاد) ). نشرت هذه الأطروحة سنة1970. ولكن ماذا يعني أن تناقش أطروحة دكتوراه في الزجل المغربي وفي الملحون في مصر في الستينيات؟ ففي هذه المرحة كان المد القومي الناصري على أشده. وكانت النزعة العروبية مهيمنة على الخطاب الثقافي. وكانت تشن الحملات الثقافية على مايسمونه يومها ب(الأدب العامي)، أو (الأدب الشعبي)، أو مانسميه في المغرب ب(الثقافة الشعبية). ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك أن المرحوم قصد مصر والشرق بغير بضاعتهم، حتى لايقولوا له ماقالوه لابن عبد ربه صاحب كتاب ( العقد الفريد) : بضاعتنا ردت إلينا. لقد ذهب الجراري محملا بثقافته المغربية، ليس الفصيحة والعالمة وحسب، بل الشعبية أيضا، وليس في الموضوعات التي تدرس عادة ضمن الأنماط الثقافية المدرسية المشتركة، بل في مجال دقيق، هو الموسيقى، والزجل، وفن الملحون. لذلك سيرتبط التأسيس لدراسة الثقافة الشعبية المغربية، ودراسة أنماطها المختلفة، خصوصا في الزجل والموسيقى، بمجهود عباس الجراري، وبأطروحته المرجعية في الموضوع. وقد خرجت من مشكاة هذه الأطروحة بحوث أخرى للمرحوم، مثل: (معجم مصطلحات الملحون الفنية، منشورات مطبعة فضالة، المحمدية،1970)، و(موشحات مغربية،: دراسة ونصوص، منشورات دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1973)، و( أثر الأندلس على أوروبا في مجال النغم والإيقاع، منشورات مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 1982)، و(في الإبداع الشعبي، منشورات مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 1988)، و( معالم مغربية، منشورات الهلال العربية،الرباط، 1991)، و( موشحات مغربية، منشورات كلية اللغة العربية، فاس، 1992)، و( عاشوراء عند المغاربة، منشورات مطبعة الأمنية، الرباط، 1999)، و( النغم المطرب بين الأندلس والمغرب، منشورات النادي الجراري، الرباط، 2002)، و( موسوعة الملحون، منشورات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 2008)، وقد أشرف عليها المرحوم وراجع وصحح أجزاءها التي جمع فيها ديوان الملحون، مثل: ديوان الشيخ الجيلالي أمتيرد، 2008، وديوان عبد العزيز الغمراوي، 2008، وديوان الشيخ عبد القادر العلمي، المعروف بسيدي قدور العلمي، 2009، وديوان الشيخ محمد بن علي ولد أرزين، 2009، وديوان الشيخ التهامي المدري، 2010، وديوان الشيخ أحمد الكندوز، 2011، وديوان الشيخ إدريس بن علي السناني، المعروف ب(الحنش)، 2012، وديوان الشيخ أحمد الغرابلي، 2012، وديوان السلطان مولاي عبد الحفيظ، 2014، وديوان الشيخ محمد بن علي المسفوي الدمناتي، 2016، وديوان الشيخ أحمد سهوم، 2019. كما وضع المرحوم دليلا لقصائد الزجل في المغرب:الملحون، منشورات النادي الجراري، 2017. وراجع الدليل البيبليوغرافي للموسيقا في الغرب الإسلامي: مقاربة تحليلية نقدية، وقدم له، وقد ألفه عبد العزيز بن عبد الجليل، منشورات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 2019. وجمع المرحوم تقديماته لدواوين الملحون في كتاب( مقدمات دواوين موسوعة الملحون الصادرة عن أكاديمية المملكة المغربية)، منشورات النادي الجراري، الرباط، 2012.

فلم يكن، إذن، اقتحام عباس الجراري مجال البحث العلمي الأكاديمي من جامعة القاهرة بموضوع مرتبط بالثقافة الشعبية المغربية، وبالموسيقى والزجل المغربيين، اعتباطيا، بل كان بداية مرحلة إثبات الذات، والمساهمة في استراتيجيا النبوغ المغربي، مما سنكشف عنه في ماسيأتي من حلقات. ففي الفترة التي كان فيها الجراري طالبا بجامعة القاهرة، كان العلامة المغربي عبد الله كنون(1908-1989)، رحمه الله، صاحب أطروحة النبوغ المغربي، عضوا منتخبا وعاملا وممثلا للمغرب في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

 

كانت استرتيجيا إثبات النبوغ المغربي عند عباس الجراري تنطلق من المدخل الثقافي. لذلك سكنه من البدايات الأولى لعمله التأليفي الترافع على دور الثقافة، والثقافة المغربية تحديدا، في التغيير. والثقافة المغربية عند عباس الجراري هي ثقافة المغرب والأندلس. فكتب (الثقافة في معركة التغيير، منشورات دار النشر المغربية، الدارالبيضاء، 1972)، و(الثقافة من الهوية إلى الحوار، منشورات الهلال العربية، 1993)، و(بقايا الكلام في الثقافة، منشورات مطبعة الأمنية، الرباط، 1999)، و(ثقافة الإصلاح وإصلاح الثقافة، منشورات النادي الجراري، الرباط، 2011). وعمل على التعريف بالكثير من رموز هذه الثقافة، فكتب( فنية التعبير في شعر ابن زيدون، شاعر قرطبة، توفي463ه/1071م، منشورات مطبعة النجاح الجديدة، الدارالبيضاء، 1977). و(عبقرية اليوسي، منشورات دار الثقافة، 1981)، و( الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحدي:عصره، حياته وشعره، منشورات دار الثقافة، الدار البيضاء، 1984)، و(العالم المجاهد عبد الله بن العباس الجراري، منشورات دار الثقافة، الدار البيضاء، 1985)، و( عبد الرحمن بن زيدان، ألفه بالاشتراك مع سعيد بن سعيد العلوي وأحمد التوفيق، منشورات مؤسسة أونا، 1998)، و(الشاعر الناقد محمد البيضاوي الشنقيطي، منشورات النادي الجراري، 2007). وعرف بالثقافات الجهوية للمغرب، والمشكلة للباراديغم الكلي للثقافة المغربية، وكان سباقا إلى مفهوم (الجهوية الثقافية المتقدمة)، فكتب ( ثقافة الصحراء، منشورات دار الثقافة، الدار البيضاء، 1978)، و( شعر الصحراء، وهو في أصله درس افتتاحي بجامعة ابن زهر بأكادير، من منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 1997). وأطر هذه الأبحاث الثقافية الجهوية من خلال كتابيه: (الهوية الوطنية الجهوية، منشورات النادي الجراري،الرباط 2013)، و(من قضايا الهوية الوطنية، منشورات النادي الجراري، الرباط، 2013).وقدم مرافعته الكبرى عن مجال حيوي في الثقافة المغربية، وهو الأدب المغربي، من خلال كتابه العمدة (الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضايا، منشورات مكتبة المعارف، الدار البيضاء، 1979). ويكاد يكون (مانيفيستو الأدب المغربي) الذي لا يضاهى في الجامعة المغربية. وهو بنظري في مرتبة (النبوغ المغربي لعبد الله كنون)، من حيث المرجعية والسبق والحماس لإثبات نبوغ الشخصية المغربية وفرادتها، ومن حيث التصدي لكل النزعات التي تريد إلحاق الشخصية المغربية بالشرق، واعتبار إنجازها الثقافي، فكرا وأدبا، مجرد هامش مغربي على متن مشرقي. لذلك سكنه هم الذات في علاقتها بالآخر، الآخر من داخل مجالها التداولي، أو من خارجه، فكتب (الذات والآخر، منشورات مطبعة الأمنية، الرباط، 1998)، و(هويتنا والعولمة، منشورات النادي الجراري، مطبعة الأمنية، الرباط، 2000). ولم يمنعه حماسه للخصوصية المغربية، في الأدب تحديدا، من تقديم أبحاث مقارنة في الأدب العربي بالمغرب، فكتب ( تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من1830م إلى 1990م، منشورات مطبعة الأمنية، الرباط، 1997)، وهو استكمال لأبحاثه الموضوعاتية حول الأدب العربي بالمغرب، منذ كتابه: ( النضال في الشعر العربي بالمغرب:من 1830إلى1912، منشورات دار الثقافة، الدار البيضاء، 1978)، و(الأدب المغربي الحديث والمعاصر:أسئلة وقضايا، منشورات النادي الجراري، دار أبي رقراق، الرباط، 2020). إن الأدب المغربي والأدب العربي يمشيان بشكل تكاملي في تصور الجراري، وفي أبحاثه، وفي مقاصده العلمية. والنوعان بنظره يسهمان وظيفيا ومعرفيا في بناء باراديغم الثقافة المغربية متعددة الروافد. وسيتعزز هذا التصور التكاملي والتركيبي في بناء باراديغم الثقافة المغربية في العمل التأطيري الجامعي والأكاديمي الذي سيشرف عليه الدكتور عباس الجراري شخصيا في أكثر من جامعة مغربية. وسيتعرض بسبب من ذلك لمقاومات وحصار لأسباب أيديويولجية وأخرى ذات تبريرات(علموية) لاترى الثقافة إلامنتوجا عالما، ولاترى الحقائق إلا في النصوص المكتوبة، وفي أحايين كثيرة في النصوص الفصيحة والمدونة. وهو خيار خالفه الجراري، وناضل من أجل فتح البحث الجامعي على محيطه الثقافي والاجتماعي القائم على ماهو مكتوب ومدون وعلى ماهو شفوي ومتداول في الوقت نفسه.

لقد أشرف الجراري على بحوث جامعية، وعلى رسائل، وعلى أطروحات، في جامعات: الرباط، وفاس، ومكناس، والمحمدية، وأكادير. وأشرف على أطروحات بالاشتراك في مؤسسات جامعية بمصر. ولم يكن الإشراف العلمي عند الجراري مجرد مسؤولية إدارية على البحث وعلى الباحث، بل كان إشرافا يجسد المسؤولية الثقافية للمشرف، ويعبر عن رسالته العلمية بمقاصد واضحة. فهاجس الجراري مشرفا هو بناء باراديغم الثقافة المغربية، من منظور بحثي أكاديمي، في أكثر من محور، وهو هاجسه مذ كان طالبا باحثا. هو هاجس محكوم باللحظة التي تشكلت فيها شخصيته العلمية، وهي لحظة بعيد الاستقلال، ومسؤولية الباحث/المثقف، في بناء الذات الوطنية، واستعادة مابدده الاستعمار من مقوماتها، والمساهمة في بناء ذات مابعد الاستعمار من خلال استثمار عناصر التنوع الجزئي في الذات لبناء الذات الكلية والناهضة. لذا ستبرز لأول مرة أبحاث جامعية حول الرصيد الثقافي المغربي الأمازيغي والعربي والصحراوي… جمعا وتدوينا وتحقيقا وتحليلا ونقدا وتثمينا. وسيظهر البعد الجهوي المتقدم في البحث الجامعي المغربي.

 

محمد همام

أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر بأكادير. له أكثر من عشرة كتب في اللغة والفكر واللسانيات القانونية. مشارك في مؤتمرات علمية داخل المغرب وخارجه. له عشرات الدراسات والأوراق العلمية في مجلات مغربية ودولية. منسق ماستر الصياغة القانونية وتقنيات التشريع بالمغرب، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ٱيت ملول. عضو مختبر التخصصات البينية في العلوم الاجتماعية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير. تتركز اهتماماته البحثية حول نظرية تكامل العلوم، والأبحاث البينية، والمقاربات عبر المنهاجية، والدراسات الثقافية والنقدية، ودراسات مابعد الاستعمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى