المقالات

ما بعد الانتخابات التشريعية المغربية 2026:   حكومة إدارة الحرج الاجتماعي وتحدي العقد السياسي الجديد

تشكل محطة 23 شتنبر 2026م من تشريعيات المملكة المغربية أكثر من مجرد إعلان عن نتائج صناديق الاقتراع، إنها إيذان بدخول المشهد السياسي المغربي مرحلة إعادة تشكل عميقة، وأرى أن السلطة التنفيذية تتجه نحو هندسة أغلبية برلمانية متجانسة ببرغماتيتها، وسجل تدبيرها المشترك في الحقبة المنصرمة، بائتلاف يضم الأصالة والمعاصرة، التجمع الوطني للأحرار، الاستقلال، والحركة الشعبية..، كما أظن، أن هذه الأغلبية الهادئة عدداً ستصطدم بلا شك بتموقع معارضة باسلة وشرسة تقودها القوى الإسلامية (حزب العدالة والتنمية) وأطياف اليسار (التقدم والاشتراكية وتحالف اليسار.. )، معارضة تتجاوز في أدائها العمل البرلماني البروتوكولي لتمارس رقابة سياسية وشعبية قد تكون غير مسبوقة في تاريخ المملكة، وفي عهد الملك محمد السادس.

أعتقد أن الحكومة الجديدة ستستلم مقاليد الحكم في ظرفية حاصرة تتسم بمناخ إقليمي ودولي شديد الاضطراب، وتفاقم حاد للأزمات الهيكلية الوطنية، فلم يعد يخفى على أحد ثقل التضخم المتواصل وارتفاع أسعار المحروقات وتآكل القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة والفئات الاجتماعية الهشة..، ويوازيها اختلال صارخ في الميزان التجاري الذي اتسع من 158 مليار درهم سنة 2020 ليصل إلى أزيد من 353 مليار درهم متم 2025.

 إن هذا الاتساع المقترن بتزايد المديونية العميقة وتصاعد معدلات البطالة والفساد المستشري مع فقدان المملكة لبعض النقاط في “موشر مدركات الفساد”، كل هذا يضيق هامش المناورة أمام صانع القرار المقبل، وفي وقت تتزايد فيه حدة المطالب الشعبية الداعية للقطع النهائي مع اقتصاد الريع، وتضارب المصالح، وتسيير الشأن العام بمنطق المكتسبات الفئوية، وتكتمل هذه المعادلة المعقدة بالرهان الاستراتيجي لملف كأس العالم 2030م، وما يتطلبه من تعبئة مالية وضغط هائل على الميزانية والبنيات التحتية.

أمام هذا الوضع المتأزم، تتخذ المعارضة المرتقبة تموقعاً نقدياً يُعيد إلى الأذهان مفهوم “المثقف المنشق” (L’intellectuel dissident) كما صاغته الفيلسوفة جوليا كريستيفا، فالمعارضة هنا لا تسعى فقط للمنافسة على مقاعد السلطة، بل تتحول إلى فاعل نقدي يفكك اليقينيات الحكومية ويكشف الثغرات التي طبعت الحقبة السابقة، والتي اتسمت بكونها مشوشة أيدلوجيا وتنمويا واجتماعيا، إنها ممارسة للشقاق السياسي ضد الخطاب الشمولي الأحادي، ولتكون حجرة عثرة أمام تمركز الثروة والسلطة الذي جسدته الحكومة السابقة تحت رئاسة الأستاذ عزيز أخنوش، كما معضلات مورثة، تتعلق بانتكاسات تشريعية مثل سحب مشروع قانون الاثراء بلا سبب، وتقييد دور المجتمع المدني، وتجميد بعض التشريعات كتضارب المصالح وتراجع حريات التعبير..، إن من شأن هذه الراديكالية النقدية، إذا ما تقاطعت مع الحراك الميداني لجيل الشباب “جيل زيد” Gen Z، أن تفعل أقصى آليات الرقابة الدستورية، بما فيها تفعيل “ملتمس الرقابة” لإسقاط الحكومة قبل انقضاء ولايتها الاستحقاقية في حالة انسداد أفق الحوار أو في حالة الفشل في تنزيل برنامج وطني استراتيجي يحد من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية.

إن الخروج من حالة الحرج السياسي والتخوف من الاحتقان الاجتماعي يتطلب صياغة خريطة طريق توافقية تستحضر الأطروحة الفلسفية للمفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي في كتابه : “السياسة والتسامح“، يدعونا الخطيبي إلى تجاوز “التسامح الأخلاقي المتعالي” الذي ينطلق من العفو والملاطفة، نحو “تسامح سياسي” يستند إلى الحق في الاختلاف والاعتراف بالغيرية. يقتضي هذا المنظور ممارسة “النقد المزدوج” لتفكيك الهيمنة وتجنب نزوعات الإقصاء من طرف الأغلبية، واعتبار المعارضة ولو كانت يسارية أم يمينية أو حتى دينية .. شريكاً أصيلاً في إدارة الفضاء العام، بما يضمن تدبيراً عقلانياً للاحتجاجات وصيانة لدولة الحق والقانون، وإصلاحاً حقيقياً للملفات الحارقة كالتعليم والصحة والعدالة.

علاوة على ذلك، أعتقد أن الحكومة المرتقبة ستجد نفسها أمام مسؤولية تاريخية لتثبيت الإجماع الوطني حول القضية الأولى، قضية الصحراء المغربية، في لحظة فارقة تتسم بمكاسب ميدانية ودبلوماسية متتالية وتزايد الاعترافات الدولية بمبادرة الحكم الذاتي، ثم إن صيانة هذه المكاسب في ظل الاضطراب الدولي تفرض على الدولة المغربية بمختلف مكوناتها التعجيل بصياغة تعاقد اجتماعي وسياسي وطني وديمقراطي جديد، قد يكون رسما لمرحلة ما بعد  أيديولوجية الربيع الديمقراطي، تعاقد يتجاوز الهوس بإدارة الموازنات الماكرو-اقتصادية إلى إعادة التوزيع العادل للثروة، وتحصين المنظومة القانونية، وعدالة مجالية، وتفعيل “المفهوم الجديد للسلطة” الذي أرساه الملك محمد السادس  منذ توليه عرش البلاد سنة 1999م، كمرجعية تضمن كرامة المواطن والمواطنة الفاعلة وهيبة الدولة وقوانينها.

استئنافا لما سبق، تؤكد القراءة التحليلية للراهن المغربي أن المملكة ملزمة، بحكم الصيرورة التاريخية وتوازنات البناء الدستوري، بالانتقال نحو مرحلة تاريخية جديدة تمثل استكمالاً حقيقياً لإرث التناوب التوافقي، والذي قاده المرحوم عبد الرحمان اليوسفي، كما كونها تثبيتا لمكتسبات الحراك الدستوري لعام 2011م.

 إن حماية الاستقرار السياسي تقتضي التنفيذ الناجز لدولة الحق والقانون، وترسيخ سمو القاعدة القانونية للقطع مع الريع والاستئثــار الفئوي بالموارد، وتفعيل مخرجات النموذج التنموي الجديد، لتفكيك الفوارق المجالية التي تهدد السلم الاجتماعي، ولعل الدروس الممتدة لاستضافة التظاهرات الرياضية الكبرى -كما في تجارب إسبانيا وقطر أو البرازيل وجنوب إفريقيا- تنبهنا بوضوح إلى أن مرحلة “ما بعد كأس العالم” هي دائماً مفترق طرق حاسم؛ إما أن تفضي إلى إقلاع اقتصادي ورفاه مستدام، أو أن تقود إلى هزات وارتدادات اجتماعية وسياسية إذا لم تحسن إدارة العدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الثروة، والتي كان السؤال حولها في خطاب ملكي مشهور، وكثير من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والشعبية السلبية أمست متراكمة هنا وهنالك، لتخلق بؤر توتر متفرقة وفي مجالات جغرافية مختلفة (مثال حراك جيلZ Gen )، لابد أن تثير انتباه الفاعلين السياسيين لاستباق الحلول لها، وفي ظروف إقليمية وعالمية غير مستقرة

يوسف محمد بناصر

باحث مغربي، متخصص في الحوار الديني والحضاري وقضايا التجديد في الثقافة الإسلامية، متحصل على درجة الدكتوراه من كلية الآداب ببني ملال جامعة السلطان مولاي سليمان- المغرب، له عدة مشاركات علمية في ندوات وطنية ودولية، كما ساهم بمقالات ودراسات وأبحاث عدة في مجلات وجرائد ومواقع عربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى