أزمة السويس في ذكراها السبعين:كيف شكَّلت منعطفًا هيكليًّا في النظام الدولي وآذنتْ بمغيب النفوذ البريطاني في الشرق؟

يَحلُّ يوم التاسع والعشرين من أكتوبر 2026 حاملًا معه الذكرى السبعين لأزمة السويس، التي يُشار إليها تاريخيًّا بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، عندما شنت الإمبراطورية البريطانية وفرنسا، إلى جانب إسرائيل التي لم يكن قد مضى على إعلان تأسيسها سوى ثماني سنوات، عدوانًا عسكريًّا مفاجئًا، ردًا على إعلان الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر، تأميم قناة السويس شركة مساهمة مصرية، منهيًا بذلك تسعة عقود من الاحتكار الأجنبي لإدارة القناة ومواردها. ولم يكن فشل العدوان الثلاثي مجرد اخفاق في تحقيق الأهداف السياسية التي وضعتها الدول المعتدية بعدما أجبرت على قبول وقف إطلاق النار الصادر عن الأمم المتحدة، بل شكَّل هذا الحدث لحظةً مفصلية في تاريخ السياسة الدولية، أُعلن خلالها رسميًّا عن أفول نجم الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس وتراجع مكانتها كقوةٍ عالميةٍ عظمى، ليفسح هذا التراجع الطريق أمام نظام دولي ثنائي القطبية، تحوَّلت فيه بريطانيا ومعها الأقطاب الأوروبية الأخرى من دور القيادة إلى فلك التبعية.
تأميم قناة السويس.. القطرة التي أفاضت الكأس!
في 26 يوليو 1956، أعلن الرئيس المصري، جمال عبد الناصر، تأميم قناة السويس التي كانت خاضعةً لإدارة بريطانية فرنسية مشتركة منذ افتتاح القناة رسميًّا أمام الملاحة الدولية عام 1869، وذلك بعد أشهر من تصاعد التوترات السياسية بين حكومات الدول الثلاث. ولم يكن هذا القرار مجرد رد فعل سياسي على قيام الأطراف الغربية، وتحديدًا بريطانيا والولايات المتحدة والبنك الدولي، بسحب عرض تمويل مشروع السد العالي، بل كان تحديًا مباشرًا للإمبراطورية البريطانية وكبريائها، إذ لم تكن قناة السويس بالنسبة للبريطانيين مجرد مجرى ملاحي للسفن التجارية، بل شريانًا حيويًا يغذي المملكة المتحدة ويربطها بمستعمراتها في الشرق.
وعلى الرغم من تعهد الحكومة المصرية منح المتضررين جراء قرار التأميم تعويضات اقتصادية مناسبة، فقد شعرت الحكومتان البريطانية والفرنسية بالاستياء الشديد إزاء هذه الخطوة، واعتبرتاها محاولةً مصرية للتعدي على نفوذهما ومصالحهما في المنطقة، بالتوازي مع دعم النظام المصري لحركات التحرر الوطني ضد الاستعمار، وخاصةً في الجزائر؛ حيث اتخذت “جبهة التحرير الوطني الجزائرية” من القاهرة مقرًا لحكومتها المؤقتة ومنها أذيع أول بيان للثورة في الأول من نوفمبر 1954، مما زاد من حدة التوترات بين القاهرة وحكومتي لندن وباريس اللتين كانتا تنظران إلى سياسة مصر الإقليمية بعين الريبة والقلق.
بروتوكول سيفر.. التخطيط للحرب بلا مباركة من الحليف الأكبر
مع رفض القاهرة للضغوط الغربية بالعدول عن قرارها بتأميم قناة السويس، شرعت حكومة المحافظين البريطانية التي كان يقودها حينذاك السير أنتوني إيدن Anthony Eden، بالدخول في ترتيباتٍ ولقاءاتٍ سرية مع قادة كل من فرنسا وإسرائيل، بهدف التحضير لشن عملية عسكرية خاطفة ضد مصر، تهدف إلى سحق الرئيس المصري جمال عبد الناصر والتخلص من مشروعه القومي المناهض للاستعمار، واستعادة السيطرة على قناة السويس، وقد أسفرت هذه اللقاءات السرية عن توقيع بروتوكول سيفر (Protocol of Sèvres) بالعاصمة الفرنسية باريس، بين 22 و24 أكتوبر 1956، وكان من بين القادة وكبار المسؤولين السياسيين الذين حضروا مراسم توقيع هذا البروتوكول غي موليه Guy Mollet، رئيس الحكومة الفرنسي، وعن الجانب الإسرائيلي حضر رئيس الحكومة ديفيد بن غوريون David Ben-Gurion، ورئيس أركان الجيش موشيه ديان Moshe Dayan، بينما لم يكن أنتوني إيدن حاضرًا للتوقيع باسم الحكومة البريطانية، وأرسل بدلًا منه وزير خارجيته سيلوين لويد Selwyn Lloyd، وتضمَّن البروتوكول خطةً بشأن التنسيق السياسي والعملياتي المشترك للحملة العسكرية على مصر، والتي حُدِّد يوم التاسع والعشرين من الشهر نفسه موعدًا لها.
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق، أن توقيع بروتوكول سيفر السري جاء بعد أسبوع واحد من إعلان وزير الخارجية المصري آنذاك محمود فوزي موافقة بلاده على إنشاء هيئة دولية تتولى إدارة قناة السويس وتحصيل رسوم المرور، مع الإقرار بالسيادة المصرية المطلقة على القناة وضمان حرية الملاحة فيها، وكانت هذه الهيئة التي اقترحتها الولايات المتحدة، عبر وزير خارجيتها جون فوستر دالاس، تحت مسمَّى (هيئة المنتفعين) قد حظيت بموافقة بريطانيا وفرنسا، بعدما أبدت واشنطن رفضها التام لاستعمال القوة وفضلت تسوية الأزمة عبر المفاوضات والضغط السياسي، مما يظهر أن الحكومتين الفرنسية والبريطانية لم تدخلا المفاوضات مع مصر بحسن نية، وأن كلا الدولتين كانت لديهما نية سابقة لاستخدام القوة وتجاوز فرص الحلول الدبلوماسية.
ربما يفسر ذلك لماذا استغل قادة الدول الثلاث انشغال الولايات المتحدة بالانتخابات الرئاسية التي كان مقررًا عقدها في نوفمبر 1956 بين الرئيس دوايت أيزنهاور Dwight Eisenhower والمرشح الديمقراطي أدلاي ستيفنسون Adlai Stevenson، السفير الأمريكي الأسبق لدى الأمم المتحدة، ورفضهم دعوة واشنطن لحضور اجتماعات سيفر السرية واخفاء نتائجها عنها، اعتقادًا منهم بأن هذا الأمر سيعزز فرص نجاح الحملة العسكرية على مصر، وكان هذا الاعتقاد مدفوعًا بفرضية مؤداها أن الرئيس أيزنهاور لن يغامر بمعارضة هذه الحملة، خشية أن يفقد أصوات الناخبين الداعمين لإسرائيل قبل أيام قليلة من بدء الاستحقاق الانتخابي، غير أن الأحداث التالية دحضت صحة هذا الاعتقاد تمامًا.
مجلس الأمن تعطَّل.. لكن القوتين العظميين اصطفتا معًا رفضًا للعدوان
تنفيذًا لما اتفق عليه في بروتوكول سيفر السري، شنت القوات الإسرائيلية هجومًا واسعًا على سيناء يوم 29 أكتوبر 1956، وفي اليوم التالي أصدرت الحكومتان الفرنسية والبريطانية إنذارًا مشتركًا طالبتا فيه بوقف إطلاق النار وانسحاب القوات المتحاربة من منطقة القناة لمسافة عشرة أميال، ومع رفض تل أبيب لهذا الإنذار، بدأت القوات الأنجلو- فرنسية في شن غارات جوية مكثفة، استهدفت تدمير سلاح الجو المصري، وفي الخامس من نوفمبر قامت القوات الفرنسية والبريطانية بإنزال بحري في مدينتي بورسعيد وبورفؤاد للسيطرة على القناة.
في هذه الأثناء، كان مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة قد أنعقد في جلسةٍ طارئةٍ يوم 31 أكتوبر 1956 لمناقشة العدوان العسكري على مصر، لكن المجلس بدا في حالةٍ من العجز والجمود نظرًا لوجود فرنسا وبريطانيا كعضوين دائمين فيه وعرقلتهما لقرار وقف الحرب وانسحاب القوات المعتدية، مما دفع بإحالة المسألة (بناءً على طلبٍ من يوغسلافيا) إلى الجمعية العامة تنفيذًا للقرار 377 أو ما يعرف بقرار الاتحاد من أجل السلام الذي اعتمدته الأمم المتحدة عام 1950، وبموجبه تتولى الجمعية العامة النظر في القضايا التي تعرِّض السلم والأمن الدوليين للخطر وتدعو إلى اتخاذ تدابير عاجلة وملزمة طالما كان مجلس الأمن عاجزًا عن الاضطلاع بهذه المهمة بسبب تعارض المصالح وغياب الاجماع بين الدول الخمس الدائمة العضوية، وعلى إثر ذلك أصدرت الجمعية العامة قرارًا دعت فيه إلى تجميد الأعمال الحربية، ومنع تدفق مزيد من القوات المعتدية إلى مركز العمليات بمحيط القناة، كما تضمَّن القرار إرسال قوات دولية لحفظ السلام للفصل بين القوات المتحاربة تحت مظلة الأمم المتحدة.
هذا الموقف الإيجابي الذي ظهرت به الأمم المتحدة في إدارتها لأزمة السويس، والذي أظهر توافق المجتمع الدولي حينها ورفضه التام للعدوان على مصر باعتباره سلوكًا استعماريًّا، يُعزى بشكل أساسيٍّ إلى موقف القطبين العظميين- الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي- ورفضهما القاطع لاستعمال القوة في تسوية الأزمة، رغم العداء الأيديولوجي وتعارض المصالح بين القوتين. فبينما وجَّهت موسكو إنذارًا شديد اللهجة للدول المعتدية، وهدَّدت بالتدخل وتوجيه ضربة صاروخية ونووية ضد باريس ولندن ما لم تنسحبا من مناطق العمليات تنفيذًا لقرارات الأمم المتحدة، فإن الموقف الأمريكي بدوره لم يكن أقل حدةً من نظيره السوفيتي؛ حيث دعت واشنطن إلى وقفٍ فوري لإطلاق النار والانسحاب من منطقة القناة دون قيدٍ أو شرطٍ.
جاء هذا الموقف الأمريكي تعبيرًا عن حالة الاستياء التي انتابت الإدارة الأمريكية جراء عدم اطلاعها على خطة العملية العسكرية واخفاء تفاصيلها عنها، فضلًا عن مخاوفها بأن يحفز هذا العمل العسكري الدول العربية على التوجه نحو الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي، وبلغ الموقف الأمريكي ذروته مع التهديد ببيع احتياطات لندن وأصولها المالية من الجنية الاسترليني، الأمر الذي اعتبره البريطانيون طعنةً أمريكيةً في الظهر، وتقويضًا لطموحات بريطانيا وآمالها في الإطاحة بعبد الناصر واستعادة السيطرة على القناة.
الفشل والخيبة.. كيف قوَّضت أزمة السويس النفوذ البريطاني في الشرق؟
أمام ضغط المجتمع الدولي وصمود الجبهة المصرية، وتحت تهديدات القوتين العظميين، اضطرت الدول المعتدية إلى القبول بوقف إطلاق النار وسحب قواتها من القناة؛ حيث غادرت القوات الأنجلو- فرنسية في 22 ديسمبر 1965، بينما أكملت القوات الإسرائيلية انسحابها من سيناء بعد شهرين ونصف من انسحاب حليفيها الآخرين، وبذلك فشل العدوان الثلاثي في تحقيق أهدافه السياسية رغم نجاحاته العسكرية والميدانية.
وثمة اتفاق بين المؤرخين وعلماء السياسة الدولية على أن أزمة السويس شكَّلت مرحلةً مفصليةً في تاريخ انهيار الإمبراطورية البريطانية وانحسار نفوذها في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، فقد كان للانسحاب المخزي والمهين للقوات البريطانية من مدن القناة تحت تهديدات الحليف الأمريكي ببيع احتياطيات البلاد من الجنية الإسترليني ارتداداته وآثاره الفورية على الحياة السياسية في بريطانيا؛ حيث شهدت المملكة المتحدة احتجاجات شعبية حاشدة رافضة للعدوان، وتصاعدت موجة الاستقالات داخل الحكومة البريطانية نفسها ردًا على تواطؤها مع فرنسا وإسرائيل، مما أجبر رئيس الحكومة، أنتوني إيدن، على الاستقالة واضعًا حدًا لحياته السياسية وسمعته الدبلوماسية كسياسيٍّ مخضرم ومفاوضٍ قديرٍ. وعلى الجانب الآخر، أصبح خصمه اللدود، جمال عبد الناصر، رمزًا للنضال والمقاومة العربية ضد الاستعمار، مكرسًا سيطرة بلاده على قناة السويس ومقدراتها.
علاوةً على ذلك، وصل المسؤولون السياسيون في لندن بعد أزمة السويس إلى قناعةٍ بأن بريطانيا لم تعد قادرةً على تحمل تكلفة الاحتفاظ بمستعمراتها في الشرق وأن الواقعية السياسية تقتضي منها تصفية وجودها العسكري في المنطقة والاستجابة لمطالب حركات التحرر الوطنية، إيذانًا بتفكك الإمبراطورية البريطانية وانفراط عقدها، خاصةً وأن الفشل السياسي في السويس أجَّج المشاعر القومية المناهضة للنفوذ البريطاني في الشرق وحطم الإطار الأمني الذي كانت تعوِّل عليه الحكومة البريطانية في إدارتها للمنطقة، عبر اتفاقيات الحماية والقواعد العسكرية، باعتبارها قوة حامية وضامنة للاستقرار. والأهم من ذك، كشفت الأزمة أن بريطانيا لم تعد قوةً عظمى من الدرجة الأولى قادرة على التحرك عسكريًّا بمفردها، ومن ثمَّ يمكن القول إن أزمة السويس قد كرَّست النظام الدولي ثنائي القطبية الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية، وأثبتت للقوى الأوروبية أنه لم يعد بمقدورها أن تتصرف بشكل مستقل أو بمعزل عن القيادة الأمريكية، وأن عليها القبول بالوضع الجديد الذي يُحتم عليها الدوران في فلك التبعية الأمريكية وعدم الخروج عنه.
في ختام هذا المقال، يمكن القول إن أزمة السويس عام 1956، بعد سبعين عامًا على انقضائها، لم تكن أزمةً دولية عابرة، بل شكَّلت منعطفًا هيكليًّا في النظام الدولي. فبالرغم من الأزمات الدولية العديدة التي حفلت بها مرحلة الحرب الباردة، تظل أزمة السويس أكثرها تأثيرًا، بالنظر إلى حجم التداعيات التي أفرزتها والحقائق الدولية الجديدة التي أقرتها، فقد أظهرت هذه الأزمة أن الاستعمال غير المحسوب للقوة الصلبة قد يفضي إلى نتائج معاكسة ولا يمكن التنبؤ بها، وهو ما ينبغي للقوى الكبرى أن تعيه وتتفطن إليه، وأن المصالح الدولية متغيّرة بطبيعتها وتخضع لحساباتٍ دقيقةٍ ومعقدةٍ قد تتجاوز قدرة صناع القرار على استيعابها وفهمها بالشكل الصحيح في ضوء المعلومات المتاحة لديهم.


