جلساء الابداع وندمان الليالي في عصر الذكاء الاصطناعي لما بعد الإنسان!

حفل حقل الدراسات الأدبية والشعرية الإسلامية والعربية بحقل زاخر بقصص ومفردات دالة على جلسات وأسمار؛ ضمت مفكرين وحكماء في تاريخنا، ودوَّن هؤلاء أحاديثهم في مدونات كبيرة اشتهرت بالمؤانسات وأدب الأسمار والمجالس والأمالي..، وقد لعبت العلاقات الاجتماعية والفكرية دورا مهما في إخراج هذه المدونات لحيز الوجود، لكون بعض المؤلفين بادروا للتأليف بسبب طلب أمير أو صديق أو عاشقة أو حالة نفسية..، ككتاب “طوق الحمامة” للفقيه والأديب ابن حزم و”المؤانسة” لأبي حيان التوحيدي و”أمالي” الفقيه والأديب القالي والفقيه الزجاج و”العقد الفريد” للأديب ابن عبد ربه.
إن ربط العلاقة بالأصدقاء والندمان شيء مهم لرجال السياسة والأدباء وحتى لبسطاء الناس ممن يجلس على قارعة الطريق..، وليست كل المجالس مدونة أو ممتعة ومفيدة، ولكنها تبقى علامة على التواصل الصحي وعلى سلامة وتماسك أفراد المجتمع مع اختلافهم الأيديولوجي والعلمي والطبقي..، وفي هذا السياق، حكى التوحيدي عن أبي سليمان السجستاني قائلا:« فأما الملوك فقد جَلـُّوا عن الصداقة؛ ولذلك لا تصح لهم أحكامها، ولا توفي بعهودها، وإنما أمورهم جارية على القدرة، والقهر، والهوى، والشائق، والاستحلاء،..». وربما مع المواقع الاجتماعية الجديدة فلا حاجة للسياسي إلى صديق يؤنسه، ولا لنديم يجالسه ويكتم عنه أو يظهر محاسنه، فالكل صديق شاشته وصفحته و” الفانز”. إذ إن هذه المواقع تقوم بكل المهام بلا حاجب ولا وسائط كثيرة، وكثيرا ما تكون التعليقات على أخبارهم مباشرة، تبين صورتهم ودرجة تأثيرهم على المتلقين، فتكشف شعبيتهم من عدمها، إذا فلا انتظار للأخبار لتصل من الندمان ليلا.
لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في ظل حراك “الربيع الديمقراطي العربي” الذي مر بمنطقتنا؛ في تشكيل وعي سياسي مكثف وغير تقليدي، فربطت المواطن المعاصر مع الآلة، لينحو نحو تبني مقولات الحداثة وحرية الفرد والضمير والفردانية، بل تمكن جيل الشباب خلال هذه الفترة العصيبة عن طريق الاستعانة بالتقنية وتوابعها من التعبئة والتظاهر والثورة، مما أدى إلى نزع بعض الساسة عن كراسيهم وكشف خبايا أخبار قصورهم ومجالسهم وحياتهم الشخصية، وبذلك ساهم الاتصال الشبكي العالمي والمواقع الاجتماعية في نقض تصوراتنا لسرية المجالس ولهيبة الساسة، وتم تجاوز مخاطر اعدام الكتب التي تدون عن هؤلاء، وأعادت هذه التقنية بناء تصورنا لعالمنا المعاصر على أسس مختلفة وحفظت بالصوت والصورة كل التفاصيل.
كما أن المتتبع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي ولشبكات التواصل الاجتماعي ينذهل لما تفيض به من نميمة وغيبة في المشاهير والساسة، بنشر فضائحهم وكشف اسرارهم، وصورهم وتلفيق فيديوهات كيدية لهم من أصدقائهم قبل أعدائهم، لدرجة التأثير في حياتهم الطبيعية، كل ذلك يجعلنا نعيد التفكير مرة أخرى في مخاطر هذا العالم الافتراضي ومعنى الرفيق والنديم والصديق..، ومدى تأثيره كل ذلك على سلامتنا النفسية والسلوكية. وهنا لابد من العودة للأديب التوحيدي صاحب الكتب المشهورة عن الادب والصداقة والسياسة، لنفهم كيف كانت تجليات هذه الظاهرة السلبية في عصره، فمما نقل عنه في رسالته عن “الصداقة والصديق” مما كان يحدث من التباغض والمكائد بين الأصدقاء بسبب القيل والقال، قوله:«.. إنهم إذا خلوا من التنافس والتحاسد والتَّمَارِي والتَّمَاحُك، فربما صحت لهم الصداقة وظهر منهم الوفاء، وذلك قليل، وهذا القليل من الأصل القليل». فهذا السلوك المشين الذي يحدث بين الأصدقاء و”الفانس” يكون في الغالب نتيجة إشاعة تفاصيل الحياة الشخصية وبلوى اليوميات “ستوريز”مما يفتح لأولئك المحبين إمكانية التتبع اللصيقة لهم، ولا يختلف الساسة عن الكتاب والمغنين والممثلين والمشاهير في شيء، مما قد يجلب الحسد والسب والشتم، فعالمنا غرفة زجاجية مفتوحة ومكشوفة وبلا أقفال حقيقة، كما أن المجتمع المعاصر يتحمس لأخبار الإشاعة والفضائح والتزييف” Fake news” و” deepfake” أكثر مما يتحمس لغيرها من الحقائق، وهذا للأسف مما جنته علينا ثقافة التفاهة.
ولكن رغم كل ما قيل سابقا، فلا يخفى الجانب الإيجابي لهذه المواقع والمنصات والوسائط الاجتماعية للأصدقاء من الكتاب والمبدعين، فقد تكون خير معين لكشف جديدِ هؤلاء من تنقلات ومشاركات وإبداعات بل لهم بها أعمال ومبادرات إنسانية مؤثرة، كما أنها خدمات تفاعلية مباشرة، وهي كذلك لبعضهم مصدر مهم للدخل والتأثير..، لأنها توضح مدى اتساع قرائهم وتفاعل المتتبعين، وتجعلهم أكثر قربا من بعضهم البعض، ربما هذا ما يفسر مدى انتشار صفحات خاصة بأصدقاء الكاتب والفنان واللاعب والمؤثر الفلاني..، وهي سيف ذو حدين، قد ينعكس أمرها سلبا كما سبق وذكرناه، فتؤثر على علاقات أصحاب هذه الصفحات بعضهم البعض بنشر التعليقات المستفزة والأكاذيب والافتراءات وتحريك العداوات المجانية، وهو سبب وجيه لهدم صداقات واقعية حقيقية أو افتراضية، وقد لجأ فعلا بعضهم للقضاء بسبب انزلاقات وجرائم حدثت.
بعدما دخلت التقنية حياتنا غيرتها وقلبت بعضنا رأسا على عقب، كما غيرت طرق تفكيرنا وجعلتنا ننخرط، بشكل أو بآخر، في أشكال ثقافية استهلاكية متسارعة التحديث ومختلفة التوجهات حد الادمان، كما جعلت تعابيرنا معقدة ومرتبكة ومتصفة فيبعض الأحيان بالتبسيط الشديد أو التعقيد، وجعلت حياتنا ومشاعرنا في حالة سيولة بتعبير المفكر “زيغموند باومان”، مما أثر على مفاهيمنا التي أصبحت لها دلالات جديدة تنخرط في تزكية هذا الواقع وفرضه، لتنهار معاني ودلالة مفهوم كـ «الصديق والنديم والعشير والجليس والخليل والنجي..»، فقد أمست حقائق جزئية ونسبية، بعدما برزت إليها التقنية بأدواتها وآلياتها لتفككها، فبدأنا نصدق أوهامنا الافتراضية ونتماهى معها، فأمسى لنا تخصص معالجة “الإدمان الرقمي” و”التعفن الدماغي” و” التسمم المعلوماتي”..، بل هنالك من بادر للزواج بالآلة واتخاذ صديق أو رفيقة من آلة يقودها الذكاء الاصطناعي، وهذا فيه اغتيال تام لتجاربنا الانسانية الواقعية واستسلام للواقع الافتراضي و” الميتافيرس”، فقد منحنا له القدرة والإرادة والسلطة للتحكم في تفاصيل حياتنا الانسانية، ليتشكل كـ”دجال” آخر الزمان يحيي ويميت ويأمر وينهى، ليصنع على أعيننا ونطلق له العنان بيننا، ليكون وثنا يسلبنا جوهرنا الإنساني و”أنطولوجيتنا”، فليس “ما بعد عالم الإنسان” إلا عالم الآلة، وهي ذلك المستقبل المجهول الذي علينا أن نهابه.



