المقالات

حين يقبل خريج الشريعة قاضيا ويقصى محاميا: أي منطق تشريعي؟

  لم يكن النقاش الذي أثاره مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة، ولا سيما المادة الخامسة منه، مجرد اختلاف عابر حول تعديل تقني يخص شروط الترشيح أو التباري لاجتياز مباراة المحاماة، بل كشف، في العمق، عن أزمة تصور حقيقية تجاه بعض التخصصات الجامعية، وفي مقدمتها تخصص الشريعة.

  كما أبان، في الآن ذاته، عن إمعان في إعادة إنتاج نظرة نمطية تقليدية تختزل هذا التخصص في صورة ضيقة، بعيدة كل البعد عن حقيقة التكوين الأكاديمي والقانوني الذي تقدمه كليات الشريعة بالمغرب.

  ولئن كان من الطبيعي أن تختلف الفرق البرلمانية حول فلسفة الولوج إلى مهنة المحاماة، فإنه من غير الطبيعي أن يتحول هذا الاختلاف إلى مرافعة ضد فئة جامعية بأكملها، وكأنها غريبة عن مجال العدالة والقانون، والحال أن جزءا مهما من خريجيها يمارسون فعليا مهنا ترتبط بالقضاء والتوثيق ومختلف مهن العدالة.

   ومن هنا، كان وقع الموقف الذي عبرت عنه السيدة النائبة زينة إدحلي شديدا لدى عدد كبير من خريجي الشريعة؛ ليس فقط لأنها رفضت التعديل الذي اقترح إدراج الإجازة أو الماستر في الشريعة ضمن المؤهلات العلمية المخول لها اجتياز مباراة المحاماة، بل لأن مداخلاتها، وفق ما تداولته الصحافة الوطنية حول أشغال اللجنة، بدت من أكثر المواقف تشددا في رفض هذا التعديل والدفاع عن استبعاد خريجي الشريعة من دائرة المؤهلات المقبولة.

   والحال أن كثيرا من خريجي الشريعة لم يكونوا ينتظرون هذا الموقف تحديدا، بل كانوا ينتظرون العكس تماما؛ خصوصا وأن السيدة النائبة، بحسب ما تداولته بعض المنابر الإعلامية، تنتمي أكاديميا إلى نفس المؤسسة الجامعية، وتدرك من موقع المعرفة المباشرة، طبيعة التكوين الذي تقدمه كليات الشريعة ومسالكها العلمية والقانونية.

   ويظهر أن جزءا من هذا الرفض يستند، بشكل مباشر أو ضمني، إلى التصور السائد الذي يختزل تكوين الشريعة في بعض الوحدات ذات الطابع الشرعي، وكأن حضورها داخل المسلك يفقده طابعه القانوني، ومن قبيل ما يمثل له بذلك: وحدات العقيدة والفقه.

   والحال أن تدريس العقيدة والفقه، وفق الثوابت الدينية الرسمية للدولة، لا يمكن اعتباره، بأي حال، سببا للتقليل من القيمة العلمية للتخصص أو من أهليته للانخراط في مهن العدالة. بل إن الفقه الإسلامي، في جوهره، يمثل أحد أهم الحقول المؤسسة لفلسفة التشريع وقواعد التعاقد والتقاضي وتنظيم الحقوق.

   والمتتبع المنصف لهذا النقاش الدائر داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، بمناسبة مناقشة مشروع قانون مهنة المحاماة، لا يمكنه إلا أن يتساءل: هل كان بعض المتدخلين يناقشون فعلا تخصص الشريعة كما هو قائم داخل الجامعات المغربية اليوم؟ أم كانوا يناقشون صورة ذهنية قديمة لا علاقة لها بالواقع الأكاديمي الحالي؟

   ذلك أن كلية الشريعة اليوم ليست فضاء تقليديا للتلقين الوعظي كما قد يتصور البعض، وإنما مؤسسة جامعية تؤطرها مسالك أكاديمية معتمدة، وتدرس داخلها وحدات قانونية متعددة ومتنوعة. فطالب الشريعة يدرس المدخل لدراسة القانون، والقانون الجنائي العام والخاص، والقانون الإداري، والقانون الدستوري والمؤسسات السياسية، والقانون التجاري، والعقود المسماة، والقانون الضريبي، وقانون الشركات، والقانون الاجتماعي، والعقود والالتزامات، ومدونة الأسرة، ومناهج البحث القانوني، إلى جانب وحدات فقهية وأصولية ذات امتداد تطبيقي واضح في المجالين الأسري والعقاري.

  كما أن كليات الشريعة بالمغرب، وعلى رأسها كلية الشريعة بفاس، التابعة سابقا ــ ولو من الناحية الرمزية والتاريخية ــ لجامعة القرويين، والمنضوية اليوم رسميا ضمن جامعة سيدي محمد بن عبد الله، تضم أساتذة متخصصين في القانون العام والقانون الخاص، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا: ماذا يفعل أساتذة القانون بشقيه العام والخاص داخل كلية الشريعة إذا كان هذا التخصص، في نظر البعض، بعيدا عن المجال القانوني ولا يدرس سوى العقيدة والفقه؟

  ومن المعطيات الدالة أيضا على الطبيعة القانونية والأكاديمية للتكوين داخل كليات الشريعة، أن كلية الشريعة بفاس ظلت، لسنوات، تفتح بعض مسالك الماستر أمام خريجي كليات الحقوق دون أدنى حساسية مؤسساتية، استحضارا لكون التكوين القانوني الذي تلقوه يعد، في جانب منه، امتدادا لمسار علمي يمكن استكماله داخل مسالك الشريعة ذات البعد القانوني والقضائي.

وفي المقابل، لم تكن المعاملة بالمثل قائمة دائما داخل عدد من كليات الحقوق بالمغرب، حيث ظل خريج الشريعة، لسنوات طويلة، يواجه صعوبات حقيقية في ولوج عدد من ماسترات الحقوق، فقط بسبب اسم الكلية المانحة للشهادة، دون نظر دقيق إلى طبيعة التخصص أو الملف الوصفي للمسلك الذي اختاره الطالب خلال مرحلة الإجازة.

ومع ذلك، برزت بعض التجارب الأكاديمية الفضلى التي تجاوزت هذا المنطق الإقصائي، ومن ذلك تجربة ماستر الأسرة والتوثيق الذي كان موطنا بكلية الحقوق ظهر المهراز بفاس، وماستر الأسرة والقانون بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، اللذين قبلا خريجي الشريعة، خصوصا من مسالك القضاء والتوثيق، بالنظر إلى اشتمال تكوينهم على مواد قانونية متخصصة تتقاطع بشكل كبير مع التكوين المقدم داخل كليات الحقوق.

بل إن المفارقة الأبرز تتجلى في أن سلك الدكتوراه داخل مختبر الدراسات التطبيقية في الشريعة والقانون بكلية الشريعة بفاس يعرف حضورا لافتا لطلبة قادمين من مختلف كليات الحقوق بالمغرب، دون أن يطرح داخل المؤسسة أي نقاش حول ما يمكن تسميته بـ”مزاحمة” خريج الحقوق لخريج الشريعة داخل فضائه الأكاديمي. إذ ظل معيار الكفاءة العلمية والاستحقاق في المقابلات العلمية هو الفيصل الحقيقي، لا اسم الكلية المانحة للشهادة ولا الخلفية الجامعية للطالب.

وهنا تحديدا يظهر أن التخوف الذي يروج له أحيانا، والقائل إن فتح مباراة المحاماة أمام خريجي الشريعة سيؤدي إلى “مزاحمة” خريجي الحقوق أو حرمانهم من فرص الولوج إلى المهنة، يبقى تخوفا مفتعلا يفتقر إلى السند الموضوعي. لأن منطق الجامعة والتباري العلمي لا يقوم على الإقصاء المسبق، وإنما على الكفاءة والاستحقاق. والعلم، كما قيل، رحم بين أهله، والمباراة تبقى وحدها الفيصل العادل بين المترشحين.

  ويكفي تأمل أسماء بعض الماسترات المفتوحة داخل كلية الشريعة بفاس، من قبيل: ماستر قضاء الأسرة، وماستر القضاء والتوثيق، وماستر الوساطة الأسرية والاجتماعية، وغيرها من المسالك ذات الطبيعة القانونية الواضحة، لإدراك حجم الهوة بين الصورة النمطية المتداولة عن كليات الشريعة، وبين واقعها الأكاديمي الفعلي.

  ثم إن هذا النقاش أعاد إلى الواجهة خلطا متكررا بين شعبة الشريعة وشعبة الدراسات الإسلامية، مع أن الفرق بينهما واضح من حيث البنية البيداغوجية والتكوين الأكاديمي. فعادة ما تكون شعب الدراسات الإسلامية موطنة بكليات الآداب والعلوم الإنسانية، بينما توجد شعب الشريعة ومسالك الشريعة والقانون داخل كليات الشريعة ذات التكوين المتخصص تاريخيا وأكاديميا.

   بل إن عددا من التجارب المقارنة حسمت هذا النقاش منذ عقود، كما هو الحال في مصر، التي اعتمدت تسمية “الشريعة والقانون” لعدد من كلياتها، إدراكا منها للعلاقة العضوية بين المجالين، ولأن الفقه الإسلامي لا ينفصل، في نهاية المطاف، عن فلسفة التشريع       ومنطق التقاضي وتنظيم المعاملات. ولعل الإبقاء على تسمية كلية الشريعة بفاس، دون عطفها على “القانون”، راجع إلى الحفاظ على رمزية تاريخية وعلمية ارتبطت بهذه المؤسسة العريقة.

  ولعل من أبرز المؤشرات الدالة على أن الإشكال لم يعد مجرد نقاش فئوي أو سجال ظرفي، أن تظلما في الموضوع نفسه سبق أن رفعته إلى مؤسسة وسيط المملكة، باعتبارها مؤسسة دستورية معنية بحماية الحقوق والإنصاف الإداري، بشأن رفع الحيف عن خريجي كلية الشريعة بفاس وأكادير، والمتمثل في حرمانهم من ولوج بعض المهن القانونية المساعدة للقضاء، بما فيها مهنتا المحاماة والتوثيق العصري، وكذا التسجيل لمتابعة الدراسة بماسترات القانون الخاص، وكان ذلك سنة 2022.

  والأهم من ذلك أن جواب المؤسسة تضمن إشارات ذات دلالة عميقة، بعدما أكدت أنها راسلت الجهات المختصة، ومن بين تلك الإشارات قولها:

“واعتبارا لما تم بسطه، فإن المؤسسة تعي أهمية الملتمس وتهيب بالإبقاء على هذا النقاش وبحث إمكانية تحقيقه، طبعا على ضوء المواد القانونية والأصول الفقهية التي تدرس، والتي ترفع من قدرات الخريجين وتؤهلهم لتحمل أعباء المهن القضائية أو تسمح لهم بمواصلة التحصيل في أسلاك الماستر”.

  ومهما كان التأويل الإداري لقرار حفظ الملف، فإن مجرد صدور هذه العبارة عن مؤسسة دستورية رسمية يكشف أن القضية ليست وهما أو ادعاء معزولا، بل إشكال مؤسساتي حقيقي يرتبط بمسارات التكوين والولوج إلى المهن القانونية والقضائية.

ومن هنا نهيب بمؤسسة وسيط المملكة، اعتبارا لمركزها الدستوري ورمزيتها المؤسساتية في حماية مبادئ الإنصاف، أن تساهم من موقعها في إعادة فتح هذا النقاش، في إطار الاختصاصات الموكولة لها بموجب القانون 14.16 المتعلق بمؤسسة وسيط المملكة، ولا سيما بالنظر إلى ما يطرحه هذا الملف من قضايا ترتبط بتكافؤ الفرص والولوج العادل إلى المهن القانونية والقضائية.

ثم إن الممارسة المؤسساتية ذاتها تكشف أن السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، بما راكمته من خبرة في تنظيم الامتحانات المهنية، تدرك طبيعة التكوين القانوني الذي يتلقاه خريجو الشريعة. ويظهر ذلك بوضوح من خلال إدراج تخصص الشريعة، إلى جانب العلوم القانونية، ضمن التخصصات المقبولة لاجتياز عدد من المباريات التي تشرف عليها وزارة العدل، كمباريات المنتدبين القضائيين والمفوضين القضائيين وغيرها من المهن المرتبطة بمنظومة العدالة.

  بل إن الأطر والمشرفين على المقابلات الشفوية بهذه المباريات يلمسون، بشكل عملي ومباشر، مدى تمكن عدد من خريجي الشريعة من المواد القانونية والإجرائية، وهو ما يجعل من الصعب الحديث عن تخصص غريب عن الحقل القانوني أو منفصل عنه.

ومن هنا يطرح التساؤل نفسه بإلحاح: إذا كانت الوزارة الوصية على قطاع العدل تعترف، عمليا، بكفاءة خريجي الشريعة في عدد من الامتحانات القانونية، فكيف يستمر منطق الإقصاء عند الحديث عن ولوج مهنة المحاماة تحديدا؟

ثم إن هذا المطلب لا يستند فقط إلى منطق الإنصاف، بل يجد سنده أيضا في روح دستور 2011 نفسه، الذي كرس مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والولوج العادل إلى الوظائف والمهن. فالإقصاء القبلي المبني على اسم الشعبة، دون تمكين الطالب حتى من حق اجتياز المباراة، يثير أسئلة حقيقية حول مدى انسجام بعض المقاربات التشريعية مع الفلسفة الدستورية للدولة الحديثة.

ومن هنا أيضا، تبرز المفارقة التاريخية والسياسية بوضوح؛ إذ إن علال الفاسي  ــ رحمه الله ــ، المعروف بتشبعه بقيم التعادلية، كان من أوائل المدافعين عن حق خريجي الشريعة في ولوج مهنة المحاماة، واعتبر “إقصاءهم  ظلما لا مبرر له”. ولم يكن ذلك موقفا عابرا، بل موقفا صادرا عن زعيم تاريخي لـحزب الاستقلال.  

  بل إن علال الفاسي نقل في كتابه: “دفاع عن الشريعة”، أن وزارة العدل نفسها كانت مقتنعة بأحقية خريجي الشريعة في ولوج المحاماة، غير أن “ضعف وزارة العدل” _حسب تعبيره_ حال دون تمتيعهم بهذا الحق. وهو ما يكشف أن هذا النقاش ليس وليد لحظة مناقشة مشروع القانون المتعلق بمهنة المحاماة، ولا سيما المادة الخامسة منه موضوع الجدل، بل يمتد لعقود طويلة لما يمكن تسميته بكرنولوجيا من التردد التشريعي والمؤسساتي وصولا إلى مقصلة مشروع القانون 66.23.  

  ومن هنا، يحق لنا أن نتساءل وبكل أمانة: كيف يمكن اليوم التراجع، سياسيا وتشريعيا، عن مطلب دافع عنه علال الفاسي منذ ردح من الزمن؟ وكيف يستقيم أن يتحول بعض المنتسبين إلى المدرسة الفكرية نفسها من موقع الدفاع عن الإنصاف إلى موقع التردد أو التراجع، رغم أن بعض نواب حزب الاستقلال داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب كانوا قد عبروا، في بداية النقاش، عن مواقف إيجابية تجاه فتح المهنة أمام خريجي الشريعة، قبل أن تتراجع تلك المواقف، وفق ما تداولته وسائل الإعلام، تحت ضغط الرأي الرافض الذي تزعمته بعض الأصوات داخل الأغلبية؟  

  إن الأمر هنا لا يتعلق فقط بخلاف حول تعديل قانوني، بل بسؤال أعمق يرتبط بمدى الوفاء لروح المدرسة الوطنية التي كانت ترى في العلم والكفاءة أساسا للإنصاف، لا اسم الشعبة أو الخلفية الأكاديمية.

  ومن أكثر ما أثار الاستغراب أثناء هذا النقاش، محاولة تبرير قبول خريج الشريعة في القضاء ورفضه في المحاماة، بدعوى أن اشتغاله في القضاء يبقى محصورا في المادة الأسرية فقط، وكأن هناك فارقا جوهريا بين منصة القضاء ومنصة الدفاع.

  غير أن هذه الحجة سرعان ما تنهار أمام حقيقة يعرفها كل من له إلمام بمنظومة التكوين القضائي بالمغرب؛ ذلك أن الناجح في ولوج المعهد العالي للقضاء، أيا كانت شهادته الأصلية، يملك حق اختيار التخصص القضائي الذي يرغب فيه، سواء تعلق الأمر بالقضاء العادي أو المتخصص، التجاري أو الإداري، ولا يفرض عليه أن يبقى محصورا في المادة الأسرية.

  ومن هنا يبرز التناقض بوضوح إذا كان خريج الشريعة مؤهلا لأن يصبح قاضيا تجاريا أو إداريا بعد اجتياز المباراة والتكوين، فكيف يصبح، في المقابل، غير مؤهل حتى لاجتياز مباراة المحاماة؟ وكيف يستقيم منطق الاعتراف بكفاءته داخل منصة القضاء، ثم إنكار أهليته عند منصة الدفاع؟

  إن منطق الدولة الحديثة لا يقوم على إقصاء التخصصات، بل على الاحتكام إلى معيار الكفاءة وتكافؤ الفرص. وإذا كانت مباراة المحاماة قائمة أساسا على التباري والانتقاء، فإن توسيع قاعدة المترشحين لا يمكن أن يفهم باعتباره تهديدا للمهنة، بل تكريسا لمنطق المنافسة العلمية العادلة.

  والحال أن النائب البرلماني ليس نائبا عن فئة مهنية أو عن توازنات سياسية ضيقة، بل هو نائب عن الأمة بكل مكوناتها، ومن واجبه أن يناقش الملفات الكبرى بمنطق العدالة والإنصاف، لا بمنطق الصور المسبقة أو الحسابات الظرفية.

  ومن هنا، فإن جميع الفرقاء السياسيين والأحزاب الممثلة داخل البرلمان، أغلبية ومعارضة، مدعوون اليوم إلى توضيح مواقفهم من هذا التعديل بشكل صريح ومسؤول، وبيان ما الذي قاموا به أو ينوون القيام به بشأن هذا الملف؛ لأن مثل هذه اللحظات لا تقاس فقط بمنطق التصويت العددي، بل بما ستسجله الذاكرة الأكاديمية والوطنية من مواقف تجاه فئة جامعية كاملة تطالب فقط بحقها في التباري العادل.

  ومن هنا أيضا، يحق لنا أن نتساءل: أين صوت عمادة كلية الشريعة بفاس؟ وأين موقف كلية الشريعة بأكادير؟ وأين موقف الجامعات المعنية من هذا النقاش الذي يمس بصورة مباشرة قيمة التكوين الذي تقدمه مؤسساتها لآلاف الطلبة؟

فإذا كان البرلمان يناقش أهلية خريجي الشريعة لولوج مهنة المحاماة، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمصير فئة من الطلبة، بل يتعلق أيضا بصورة الجامعة العمومية نفسها، وبمدى ثقة المؤسسات في جودة التكوين الذي تمنحه.

  والنقاش الدائر حول ولوج خريجي الشريعة إلى مهنة المحاماة لا ينبغي أن يختزل في سجال فئوي ضيق، بل ينبغي أن ينظر إليه باعتباره جزءا من سؤال أكبر يتعلق بصورة الجامعة المغربية، ومعايير الإنصاف الأكاديمي، وفلسفة الولوج إلى المهن القانونية داخل دولة يفترض أنها تحتكم إلى الكفاءة وتكافؤ الفرص.

  فخريج الشريعة لا يطالب بامتياز استثنائي، ولا بإعفاء من شروط التباري، وإنما يطالب فقط بحقه في اجتياز المباراة وترك الكلمة الفصل للاستحقاق العلمي والمؤسسات المؤطرة للمهنة. أما الإقصاء القبلي المبني على اسم الشعبة، فإنه لا ينسجم مع روح الجامعة الحديثة، ولا مع فلسفة الدستور، ولا مع التحولات التي عرفها التكوين القانوني بالمغرب.

  وفي الأخير، أستطيع القول إن الأوطان لا تنهض بإقصاء الكفاءات، ولا تبنى بمنطق الأبواب المغلقة، وإنما تزدهر حين يؤتى الناس حقوقهم في التباري والإنصاف.

  فالعلم ــ كما في المعنى القرآني ــ ليس حكرا على فئة دون أخرى، وقد قال الله تعالى: ” هل يستوي الذين يعلمونَ والذين لا يعلمون”.

  ولذلك، فإن العدالة الحقيقية لا تكون بإقصاء حامل العلم قبل الاختبار، وإنما بفتح المجال للتنافس الشريف، ثم ترك الكفاءة تقول كلمتها الأخيرة، إذ الأوطان القوية ليست تلك التي تضيق بتعدد التخصصات، بل تلك التي تحسن توظيف طاقات أبنائها، وتجعل من تكافؤ الفرص جسرا للإنصاف، لا عنوانا للإقصاء.

  ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تظل قائمة على عاتق نواب الأمة والفاعلين السياسيين والمؤسسات المعنية، من أجل مراجعة هذا التصور الإقصائي، بما ينسجم مع روح دستور الحقوق والحريات ومنطق العدالة الأكاديمية، وحتى لا تضاف هذه القضية إلى سجل المظالم والخيبات الاجتماعية والمهنية التي باتت فئات واسعة من المجتمع تشتكي من تفاقمها في ظل هذه المرحلة.

لأن الدول لا تقاس فقط بما تسنه من قوانين، وإنما أيضا بمدى قدرتها على الإنصاف، وفتح الأفق أمام الكفاءات، وصيانة الثقة في مؤسساتها وجامعاتها ومساراتها العلمية. 

———————————————————–

** حسام حوليش :خريج كلية الشريعة بفاس، طالب باحث  بسلك الدكتوراه  /مختبر الدراسات التطبيقية في الشريعة والقانون

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى