الدراسات

في الاقتصاد الوجداني للفعل السّياسي المعاصر

                                           

الملخص:

تسعى هذه الدراسة إلى مساءلة العلاقة المركّبة بين الفعل السياسي والأهواء والانفعالات في الفلسفة السياسية المعاصرة، مُنطلقة من فرضية مفادها أن فهم التحولات السياسية الراهنة يظل ناقصًا ما لم يُؤخذ بعين الاعتبار المعطى الوجداني الذي يؤطرها ويوجه مساراتها. تتعقب الدراسة، عبر أربعة محاور، ظاهرة الأوبة الوجدانية في الحداثة المتأخرة كما بلورها ميشال لاكروا، ثم أزمة العقل المعاصر وانفعالاته الخاصة من “الحس السليم” الراسخ عند بودون إلى “العقل الكلبي” عند بيتر سلوتردايك، قبل أن تنتقل إلى تحليل الحسد والسخط بوصفهما محرّكين للعنف الأصولي في قراءة سلافوي جيجك النقدية للتفسيرات العقلانية، وصولًا إلى مساءلة الاقتصاد الوجداني للثورة عند حنة أرندت، حيث يتأرجح المجال العمومي بين شغف تأسيس الحرية وسطوة الضرورة الحيوية، وحيث يفضي تسييس الشفقة إلى انقلاب الفضيلة الثورية ثمّ إلى رعب. تخلص الدراسة إلى أن الانفعال السياسي محايد القيمة في أصله، وأن الحسم لا يكمن في طبيعته، وإنّما في أنماط تدبيره؛ فحيثما استُدعي لخدمة منطق الإقصاء والانتقام صار أداة هيمنة، وحيثما استُدعي لتأسيس فضاء ظهور مشترك أمكنه أن يصبح طاقة تحرر، وإن كانت هذه الطاقة عرضة دومًا للانزلاق نحو التدمير متى استولت عليها سطوة الضرورة.

الكلمات المفاتيح: الاقتصاد الوجداني، الفعل السياسي، الأهواء والانفعالات، الحسد والسخط، الثورة، المجال العمومي، الشفقة.

Abstract:

This study investigates the complex relationship between political action and the passions and emotions within contemporary political philosophy, proceeding from the premise that any adequate understanding of present-day political transformations must account for the affective substrate that frames and directs them. Across four sections, the study traces the phenomenon of affective resurgence in late modernity as theorized by Michel Lacroix; the crisis of modern reason and its own hidden affects, moving from Boudon’s account of “common sense” to Sloterdijk’s “cynical reason”; the analysis of envy and resentment as drivers of fundamentalist violence in Slavoj Žižek’s critique of rationalist explanations; and, finally, the affective economy of revolution in Hannah Arendt’s thought, where the public realm oscillates between the passion for founding freedom and the pressure of biological necessity, and where the politicization of pity turns revolutionary virtue into terror. The study concludes that political emotion is axiologically neutral in itself; what is decisive is not its nature but the manner of its management: where it is mobilized in the service of exclusion and retribution, it becomes an instrument of domination, and where it is mobilized to found a shared space of appearance, it can become a force of liberation; though one perpetually liable to collapse into destruction once overtaken by necessity.

Keywords: Affective Economy; Political Action; Passions and Emotions; Envy and Resentment; Revolution; Public Realm; Pity.

مقدّمة:

شهدت الفلسفة السياسية المعاصرة، خلال العقود المنصرمة، تحوّلًا نوعيًا في طرائق فهمها للفعل السياسي ولمُحدّداته العميقة، وذلك بعد أن تراجَعت المقاربات التي اختزلت المجال السياسي في بُعده المؤسساتي أو العقلاني الصّرف، وبرزت، بالمقابل، اتجاهات جديدة ردّت الاعتبار للأهواء والانفعالات بوصفها عناصر مؤسسة للحياة الجماعية بعدما عدَّت في وقت سابق ظواهر هامشية أو اضطرابات عرضية تعتري الوعي السياسي. وقد اقترن هذا التحول بما نعته لفيف من الباحثين بـ«المنعطف الوجداني» (Affective Turn)، وهو منعطف أسهم في إعادة مُساءلة الإرث الحداثي الذي أقام تمييزًا حادًّا بين العقل والانفعال، واعتبر السياسة فعلا ينبغي أن يتحرر من سلطان الأهواء حتى يبلغ مستوى التنظيم العقلاني الرشيد.

غير أن التحولات الكبرى التي عرفها العالم المعاصر، سواء تعلق الأمر بتنامي صعود الشعبويات، أو عودة العنف الأصولي، أو انفجار الحركات الاحتجاجية، أو هيمنة الإعلام العاطفي، أو تصاعد سياسات الخوف والكراهية، قد كشفت محدودية هذا التصور العقلاني الضيق، وأبانت أن الفضاء العمومي لا يتحرك بمنطق المصالح والحسابات وإنما كذلك بمنطق الانفعالات الجماعية والرغبات المكبوتة والتمثلات الوجدانية العميقة. لقد أضحت الأهواء تشكل بنية خفية للفعل السياسي، وموردًا أساس لتفهُّم أشكال الطاعة والهيمنة والعنف والثورة، بل وغدت الديمقراطيات نفسها تعتمد بصورة متزايدة على تدبير المشاعر الجماعية وتوجيهها.

في هذا السياق، لم يعد السؤال الفلسفي متعلّقًا فقط بكيفية حماية السياسة من الانفعال، وإنما أضحى يتجه نحو التفكير في الكيفية التي تُنتج بها السياسة اقتصادها الوجداني الخاص، وكيف تتحول الانفعالات إلى قوى فاعلة في تشكيل المجال العمومي وفي إعادة بناء العلاقات بين الذوات والجماعات. ومن هنا تنبع أهمية العودة إلى التراثين الفلسفي والسياسي الذي اشتغل على الأهواء والانفعالات، سواء في صيغتها الكلاسيكية عند هوبز وسبينوزا وروسو، أو في صيغتها المعاصرة عند حنة أرندت وسلافوي جيجك Slavoj Žižek (1949-…) وبيتر سلوتردايك Peter Sloterdijk (1947-…) وغيرهم، قصد استجلاء الكيفية التي تتداخل بها الأبعاد الوجدانية مع رهانات السلطة والحرية والعنف والتأسيس السياسي.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن فهم التحولات السياسية المعاصرة يظل ناقصًا ما لم يُؤخذ بعين الاعتبار المعطى الوجداني الذي يؤطر الفعل السياسي ويوجه مساراته؛ فالأهواء قد تعدَّت أن تبقى حبيسة معطيات نفسية خاصة ومنعزلة عن العالم المشترك، وغدت في شكلِ ديناميات جماعية تشتغل داخل المجال العمومي وتؤثر في إنتاج المعنى السياسي وفي تشكيل الوعي الجماعي وفي بناء أنماط الانتماء والعداء. ومن ثم، فإن الثورة، العنف، الشعبوية، الشفقة، الحسد، والخوف، هي ظواهر وجدانية لا يمكن فهمها إلا بردّها إلى البنية الانفعالية التي تسندها، علمًا أنَّها عُدَّت من طرف طائفةٍ من المهتمِّين، في وقتٍ انصرم، ظواهر سياسية صرفة.

وعلى هذا الأساس، تسعى الدراسة إلى مساءلة العلاقة المركبة بين السياسة والانفعال من خلال جملة من الأسئلة المركزية: كيف أعادت الفلسفة المعاصرة الاعتبار للأهواء بوصفها مكونًا بنيويًا للفعل السياسي؟ وكيف تحول المجال العمومي الحديث إلى فضاء لتدبير الانفعالات الجماعية واستثمارها؟ وهل تمثل العودة المعاصرة إلى العاطفة تحريرًا للإنسان من اختزال العقلانية الأداتية أم أنها تفتح المجال أمام أشكال جديدة من الهيمنة والعنف الشعبوي؟ ثم كيف يمكن تفسير تحولات الثورة الحديثة والعنف الأصولي انطلاقًا من مفاهيم الحسد والسخط والخوف والشفقة؟ وإلى أي حد يؤدي تسييس الانفعالات إلى تقويض المجال العمومي ذاته وتحويل السياسة من فضاء للحرية والتعدد إلى مجال للرعب والإقصاء؟

وللإجابة عن هذه الإشكالات، تعتمد الدراسة مقاربة فلسفية تحليلية وتأويلية تستند إلى تفكيك النصوص والمفاهيم الأساس التي بلورتها الفلسفة السياسية المعاصرة حول الأهواء والانفعالات. وهي مقاربة تتغيّى الكشف عن الوظائف السياسية للانفعالات أكثر مما تتغيّى تقديم وصف سيكولوجي لها، وعن الكيفية التي تتحول بها إلى قوى منتجة للسلطة والعنف والتعبئة الجماعية. ومن هنا انقسمت الدراسة إلى محاور تتعقب، بدءًا، ظاهرة الأوْبة الوجدانية والمنعطف الأنثروبولوجي المعاصر، لتنتقل إلى تحليل أزمة العقل الحديث وانفعالاته الخاصة، قبل أن تنتهي إلى مساءلة الجوانب الوجدانية للعنف والثورة وحدود تسييس الشفقة داخل المجال العمومي الحديث.

إنّ الرّهان الفلسفي الذي يوجه هذه الدراسة يتمثل، في الجوهر، في محاولة تجاوز الثنائية التقليدية التي فصلت بين العقل والانفعال، وبين السياسة والهوى، عبر التفكير في الأهواء باعتبارها معطى أنثروبولوجيًا وسياسيًا لا غنى عنه لفهم الكائن البشري في انخراطه داخل العالم المشترك؛ حيث إنَّ الفعل السياسي لا يكمنُ حصره في دائرة الفعل العقلاني الخالص، كما أنه ليس انفجارًا عاطفيًا أعمى. إنّه يتعدَّى كلّ ذلك ليغدو حصيلة توتر دائم بين العقل والأهواء، بين الرغبة في التأسيس والخوف من الانهيار، وبين شغف الحرية وسطوة الضرورة.

أوّلًا: الأوبة الوجدانية والمنعطف الأنثروبولوجي المعاصر

  1. الانتعاش الوجداني في الحداثة المتأخرة

كثيرةٌ هي الشواهد الاستعارية التي تلجأ إليها الفلسفة السياسية المعاصرة لتوصيف المشهد الراهن. ولعل في طليعتها ما استعاره الفيلسوف الفرنسي ميشال لاكروا (1946-…) من عالم الحكايات الخرافية لشارل بيرو؛ حين شبّه انبعاث الأهواء الجارفة في فضاء الحداثة المتأخرة باستيقاظ “الأميرة النائمة” من سباتها الطويل. يطفو على السطح ما يدعوه لاكروا بـ”عبادة العاطفة” (Le culte de l’émotion)، وقد امتدت هذه العودة، في تقديره، من الحاجة إلى العيش المشترك لتشمل الانفعال الجمعي(([1])) ذاته. تُعبّر هذه الأوبة عن نفسها بأشكال متعدّدة ومتشعّبة؛ إذ استحالت الانفعالات أداةً تُتوسّل سياسيًا لإحداث التأثرات المُرادة، من حقدٍ وخوف وهلع وحزن وغضب وارتياح. لقد جعلها ذلك تغدو – وفقًا لتوصيف لاكروا الدقيق- طقسًا اجتماعيًا وسياسيًا راسخًا. والمعنى هنا بالغ الأهمية: الانفعال تخطَّى مرتبة ردّ فعل عفوي وآنيٍّ، ومن ثمَّ فقد صارت مناسباته متوقّعة وظروفه مهيّأة ونتائجه موظّفة.

لا تتغذّى الحركات البيئية مثلًا ولا تنبني تصوّراتها ولا تستقيم سياساتها إلا على جملة انفعالات، الخوف في مقدمتها: الخوف من المستقبل، والخوف من تدمّر الأنظمة البيئية، والخوف مما ستؤول إليه الكوارث الطبيعية المُحدقة. لا معنى لهذه الحركات إذن إن لم يُرافقها استيقاظٌ للشعور بالطبيعة وحضورٌ للحساسية الوجدانية. وليس ذلك ببعيد عما عبّر عنه رودولف أوتو في سياق الدراسات الدينية؛ حينما رأى أن الحركات الدينية الجديدة أفسحت المجال مجددًا للنومينو (Numineux) الذي لا ينبني إلا على الانفعال بوصفه خليطًا من الذعر والانجذاب لما هو خارق للعادة*.

  • من الثروة إلى الخطر؛ ازدواجية العودة

تحت تأثير العلوم العصبية وثورتها في فهم الإنسان، برزت أنثروبولوجيا جديدة مثّلت ردّة فعل عن الأحكام السائدة التي كانت ترى في الانفعالات خللًا وانحرافًا في السلوك. وأعادت الاعتبار إليها؛ إذ نظرت إليها بوصفها مؤازِرةً للفعل لا مُعيقةً له، وحليفةً للعقل لا خصيمةً له. غير أن هذه الأنثروبولوجيا الجديدة تحتسب العودة تلك، في الآن نفسه، ثروةً وخطرًا متداخلَين لا يمكن الفصل بينهما.

إنها ثروةٌ؛ لأنها امتصّت، بشكل أو بآخر، المبالغة في العقلانية الباردة التي طبعت النموذج الحداثي الكلاسيكي، وأعانَت على تعطيل، وإن بشكل مؤقت، التصوّر العقلي الضيّق الذي يطبع الإنسان المعاصر Homo Sapiens في صورته الأنقى. أما خطرها فيكمن في منحها للإحساس توجّهًا أحاديًا منحازًا؛ إذ تولي العناية لمشاعر بعينها تُلقائيًا مقابل إهمال أخرى، فتنصرف إلى الاعتناء بتلك التي تتسم بـالانفعالية الصاخبة، وإلى عدم الاكتراث بتلك التي من شأنها أن تُثري روح الإنسان وتُرسّخ صلته بالعمق.

وهنا يقف لاكروا عند تمييز دقيق ضروري بين صنفين من العواطف: “عواطف التأمل” (émotion-contemplation) وعواطف يسميها “عواطف الصدمة” (Émotion-choc)؛ فالإنسان المعاصر يتخيّر تلك المشاعر القوية التي تُبهره وتهزّه وترتجّ لها أعصابه، في حين يعجز عن الإصغاء للمشاعر الهادئة التي تتطلب صبرًا واستعدادًا للتأمل. لقد تزايد الانشغال بعواطف الصدمة على حساب عواطف التأمل في انقلاب يُعبّر عن فقر شعوري عميق رغم الثراء البائن([2]).

يبدو أننا أمام مفارقة بارزة: نتأثر كثيرًا دون أن نُحسن هذا التأثر، بل ودون أن نُحسّ حقًّا. نُضخّم مشاعرنا ونُصيّرها انفعالات، لكننا لا نتردد في إساءة استعمالها وتوظيفها في سياقات الاستهلاك والمنافسة والسياسة. وتُعبّر الحملات الدعائية عن هذه الطبيعة المزدوجة للذات المعاصرة: فهي تُثبت تحقق العودة إلى العواطف وتُعلن صيرورة الذات ذاتًا “ظامئة للعاطفة” (la soif d’émotion)([3])، لكنها تُحذّر، في الآن ذاته، من خطر تحويل العواطف عن مساراتها القويمة عبر ما تلعبه من أدوار في مجتمع استهلاكي لا يُقيم وزنًا لأصالة الشعور.

  • السياسي وانفعالات الفضاء العمومي

ما عاد ممكنًا تصوّر الحياة العامة المعاصرة بمعزل عن سيادة العاطفة. يُجسّد “السياسي النموذجي” هذه المعادلة أكمل تجسيد؛ إذ يتعيّن عليه الاستجابة الدائمة وعلى نحو ملائم لحاجات الرأي العام الشعورية، استجابة تمنحه الظهور بمظهر إنساني متعاطف ومتضامن. ولعل الأمثلة الحية في هذا الصدد أكثر من أن تُحصى: لقد تأثّرت شعبية فلاديمير بوتين حين أبدى لا مبالاة في بداية حادثة غرق الغواصة كورسك عام 2000، إذ لم يُبدِ أي استجابة شعورية، مما دفع الرأي العام الروسي إلى الاحتجاج ومعاكسة هذا التصرف الذي يُعادي السجية البشرية.

في هذا السياق، يلحظ لاكروا أن ثمة مبدأين رئيسين يرتبطان خفيةً بالجانب الانفعالي، ويؤطّران جزءا كبيرا من الممارسة السياسية المعاصرة. يسمّي الأول بـ “واجب الذاكرة” الذي يفرضه الوعي المعنوي، ويُعبّر به عن معاكسةٍ للحياد العاطفي وعن التزام بالمحافظة على القدرة على التأثر بمعاناة الأجيال السابقة. ويُعبّر عن الثاني بـ”الحذر”، الذي أمسى عنصرًا رئيسًا في القرار السياسي المعاصر، فهو -من حيث إن مبناه على الخوف- يغدو ملازمًا للوعي الجمعي في طبعته الديمقراطية.

ويرى لاكروا أن غياب “مشاريع ضخمة” كانت مأمولة ومنتظرة قد أفضى إلى كبح طاقات الفعل وإلى حرمانها من أن تجد متنفسًا لها، وإذ يتعذّر عليها الانتشار خارجيًا، فإنها تتركّز في المحيط الداخلي وتتخمّر. وما الانفعالات سوى نتاج خالص لهذا التخمّر، وليس شيئًا آخر غيرها ما يشغل هذا الفراغ الذي يدعوه إرنست بلوخ بـ “قاعدة الأمل”. وقد لاحظ بيير فيانسن بونتي (Pierre Viansson-Ponté) في مقاله الشهير: “عندما تشعر فرنسا بالملل”([4]) هذه الصلة البنيوية بين انعدام آفاق الفعل واليأس الذي يُشعل الانفعال الجمعي ويُلهب الحماسة الانفعالية في غياب مشاريع تحرر حقيقية.

ثانيًا: انفعالات العقل المعاصر؛ من “الحس السليم” إلى “العقل الكلبي”

  1. أزمة العقل المعاصر

ينزع العقل المعاصر إلى تدمير ذاته، وقد أفضت به نزعته هذه إلى إنتاج خطاب شعبوي مثلما أنتج أنواعًا جديدة من الهمجية والتوتاليتارية. وقد كشف هذا العقل عن حيازته انفعالاته الخاصة؛ انفعالات تنفلت منه وتتحرر متى تشبّع بالسلطة والهيمنة، ومتى أفرط في شغفه ورغباته واختلت موازينها. يمثّل هذا العقل، المولود من نزعة الإنسان الاندفاعية باتجاه السيطرة على الطبيعة، ممارسةً استبداديةً([5]) تخفي انفعالًا من نوع آخر تحت غطاء العقلانية.

والحال أن هذا العقل المعاصر قد خبا بريقه وأضحى عقلًا نسبيًا متواضعًا بعد أن تناقصت مبادئه، وانقشعت اعتقاداته بالانتصار والسيادة، وانكشفت طموحاته من حيث غلوّها وإفراطها([6]). برزت -مع مطالع القرن التاسع عشر- تيارات فكرية تقاطعت في النظر إلى “الحس السليم” بوصفه سرديةً يتعيّن فضح أمرها. وقد بلغت هذه التيارات المعارضة أوج ازدهارها في القرن العشرين، حين ذهبت إلى القول بأن الكائن البشري يسلك بوحي من أهوائه وانفعالاته وأحكامه القبلية، وأن أفكاره تنشأ بتأثير من قوى ثقافية واجتماعية وبيولوجية ونفسية خارجة عن نطاق وعيه([7]).

تتحدد المعادلة الجوهرية التي تُفيدنا في هذا الصدد من خلال رايمون بودون الذي لفت إلى أن الظواهر الاجتماعية المعاصرة لا سبيل إلى تفسيرها تفسيرًا وافيًا إلا بإقرار ازدواجية الكائن البشري بما هو كائن تُسيّره الأهواء من جهة، والحس السليم من جهة ثانية([8]). الظاهر أنَّ هذه الازدواجية تُبقي الجهتين في تفاعل مستمر وتوتر خلاّق، دون أن تُلغي إحداهما لصالح الأخرى؛ تفاعلٌ وتوترٌ من شأنهما أن يُعيدا، باستمرارٍ، تشكيل السلوك الإنساني ورسم آفاق الفعل وحدوده.

  • العقل الكلبي؛ أفول الانفعال وسخرية الذّات

يشهد الوضع المعاصر سيادة “عقل كلبي” (raison cynique)* وهو عقل لا مبالٍ ومستقيل وذو نزعة عدمية، تحمله على التسليم بانهيار القيم، وعلى التخلي عن العقل الأنواري. لقد تشكّل هذا العقل مما ينتاب الوضع ذاك من انفصام وقلق وتوتر عميق. ولم يعد للنقد -إزاء هذا الوضع- من قدرة فعلية على التغيير فـ«ماذا يستطيع النّقد، وماذا عساه أن يعمل في مرحلةٍ مُنهكةٍ من فَرْطِ التنظير»([9]). وهو ما يضعنا أمام عقل فقد ولعه وشغفه وبُعده الانفعالي، وبلغ، تبعًا لذلك، حالته السوداوية القصوى، فأمسى لا يُقاوم الأيديولوجية السائدة وأشكالها إلا على نحو متهكّم وساخر. يلاحظ الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك أنّ الفلسفة الأخيرة تشهد على انعدام الهوى والشغف والانفعال؛ إذ «لم يعد الأمر متعلقًا بحبّ الحكمة، ولا بمعرفة يسعى المرء إلى أن يكون لها صديقًا Philos»([10]). إن اليأس والإحباط من شأنهما أن يؤولا بالإنسان المعاصر حتمًا إلى وعي بالحزن العميق؛ «وعي يسخر من ذاته بواسطة دحض أخلاقي ذاتي»([11])، مما يُفضي إلى عقل استسلامي امتثالي تُرسّخه أفول النقد وانتهاء عهد الحكايات الكبرى بتعبير فرانسوا ليوتار.

  • الانفعال بوصفه شرطًا للحرية

يقف برتراند راسل Bertrand Russell (1872-1970) بوضوح عند الخطأ الشائع الذي يرى أن العقلانية ستقتل الأهواء الغائرة إن سُمح لها أن تعمل بحرية. الراجح أنَّ لأهواء من مكوّنات الحياة الطيبة (the good life)؛ تلك الحياة التي تنطوي على تقصُّد إسعاد الناس الآخرين. وليس “العاقل الرشيد” ذاك الذي يميل إلى إخماد الأهواء، وإنما إلى استشعارها وإلى الانفعال المدروس بها. وما كان للعقل أن يقوم إلا بتبيّن السبل التي تمنع الأهواء من أن تكون عائقًا لسعادة الإنسان؛ أي إيجاد الطرق المفضية إلى تقليص مساحات الخوف والغضب والحقد والحسد، وهو ما يُعبّر عنه راسل بالسيكولوجية العقلانية (rational psychology).

لقد اتخذ التوق إلى الحرية بُعدًا انفعاليًا راسخًا في الفضاء الحداثي المتأخر. وما عاد المُبتغى مقتصرًا على الانفلات من السلطة الاستبدادية، بل امتد إلى الحق في “التعبير عما أمكن من الحالات العاطفية” وفي تحصيل سبله. هكذا رسمت الأهواء والانفعالات حدودًا جديدة للنزاع من أجل الحرية. ويعود نوربير إلياس (Norbert Elias) في كتابه “دينامية الغرب” ليُبيّن أن الخيط الناظم لمجمل فترات الحضارة الغربية هو القمع الشديد للأهواء، وأن الانفعالات كانت تتدفق في العصور الوسطى بحرية أكبر وبوضوح أكثر، قبل أن تُلجمها قواعد الآداب الحديثة.

وإجمالًا، تُعزى معظم المحاولات النقدية للعقل – التي تذمّ العقل ذمًا مطلقًا وتمدح الهوى مدحًا لا محدودًا – إلى سوء فهم أدوار العقل ووظائفه؛ إذ ليس في غياهب الأهواء، على العموم، ما ينأى عن التعقُّل وسُنن المنطق. ما يوجد إنّما أناسٌ لا عقلانيون، يستشعرونها على نحو خاطئ، ولا يُعنَوْن إلا بأكثرها تفاهةً. وفقًا لذلك، تتحدد العقلانية بالانسجام الداخلي، الذي مبناه – ليس على نبذ الهوى والانفعال – وإنما على استيعاب كل أشكالهما والتفاعل الخلاق مع مدّهما.

ثالثًا: منابع العنف الانفعالية؛ الحسد والسّخط

  1. نقد التفسيرات العقلانية للعنف الأصولي

طيلة تأمّله في شأن العنف – سواء تعلق الأمر بالعنف عامة أو بالعنف الأصولي خاصة – لا يتردد سلافوي جيجك([12]) في أن يعزوه إلى انفعالين رئيسين هما: الحسد والسخط. ويُناقش في مساعي استيعاب الإرهاب الأصولي، هجماتِ الأصوليين الإرهابية الناجمة عن سخط إرهابي (Terrorist Resentment)، وينتقد الانحياز العنصري للنظريات العقلانية التي، على الرغم من أنها تغيّت فهم الآخر من الداخل، انتهت إلى إضفاء أكثر المعتقدات إثارةً للسخرية عليها.

وقد شدّد دونالد ديفيدسون (Donald Davidson) (2003-1917) على «قصور الفكرة التي تنص على أن الأفعال البشرية عقلانية القصد وقابلة للتسويغ من منطلق جملة معتقدات الفاعل ورغباته»([13]). وهذا النقد يُشكّل نقطة التحول في مقاربة جيجك: إنّ الهوى هو ما يُفسّر الهوّة الراهنة بين ليبراليين يعانون الضعف والوهَن، وأصوليين تغزوهم الحماسة وتغمرهم العاطفة. ما عاد “المتميزون” -لقلة شغفهم- مقتدرين على الاشتباك الحقيقي، بينما يغرق “السيئون” في سراديب التعصب العرقي والديني والجنسي.

  • الحسد والسخط؛ محرّكا العنف

يميز جيجك بين أصوليين حقيقيين وأصوليين شبيهين بهم ظاهرًا، وهو تمييز لا ينبني إلا بمقتضى أهواء الحسد والسخط ومقدار حضورها في اعتقاداتهم. إنها تُترجم انشغالهم بخطايا غير المؤمنين، ففي قتالهم للآخر، إنما يُقاتلون أهواءهم وإغراءاتهم الخاصة. ومن ثمة، فهؤلاء الأصوليون المزعزمون – سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين – ليسوا سوى وصمات عار على جبين الأصولية الحقة (true fundamentalism)؛ إذ هم «مسكونون بقدر هائل من الانزعاج والارتباك والانبهار حيال حياة غير المؤمنين المليئة بالخطايا»([14]).

ينطوي الإرهاب الأصولي، وفقًا لهذه القراءة، على سوء تقدير للذات، لا على اعتقاد بالتفوق العرقي أو الرغبة في حماية الهوية الثقافية والدينية كما تذهب إلى ذلك أغلب التفسيرات المتسرّعة؛ إذ يرى الأصولي نفسه في المحصلة أقل شأنًا. ولعل ما نحتفظ به من هذا التفسير، هو أن ما يُحرّك الأصوليين لم يكن هو الاقتناع الحقيقي بالتفوق الذاتي، وإنما هو – وهذه هي المفارقة – افتقارهم إليه تحديدًا.

  • الحسد والعدالة؛ من نيتشه إلى راولز

يُعيدنا هذا التحليل إلى ما قرّره نيتشه وفرويد ومضمونه أن العدالة لا تُحتسب في جوهرها غير “مساواة مبناها على الحسد”: حسد الآخر الذي يحوز ما لا نملكه. ومن ثم، فإن مطلب العدالة لا يتحدّد إلا بوصفه تقليصًا لمتعة الآخر، ولا يتحقق ويُحرزُ إلا متى تساوت فرص الفرح وتكافأت إمكانات المنفعة. وهو ما لا سبيل إليه إلا بالمنع والحظر في نهاية المطاف.

وإذا كانت التفاوتات الاجتماعية عند جون راولز مقبولة شريطة أن تكون في مصلحة من هم أكثر حرمانًا([15])، فإنه لم يعتنِ بالكيفية التي سيجد بها المجتمع شروط حالة سخط واستياء غير خاضعة لأي تحكم. يُعلّق جيجك على هذا بالقول إن راولز يفتح «نموذجًا مرعبًا لمجتمع تحوز التراتبية فيه سمتها الشرعية والطبيعية»([16])، مما يُفوّت العبرة البسيطة لحكاية الفلاح الذي سارع إلى اختيار أن تُسلب منه بقرة وتُسلب من جاره اثنتين على أن يأخذ بقرة ليأخذ جاره اثنتين؛ فالأمر هنا لا يتوقف على احتساب انتصار الذات مساويًا لخسارة الآخر فقط بقدر ما يتوقف على الاعتقاد بأن انتصار الآخر كذلك يُدنّس انتصاري. وهو ما يُذكّرنا بصورة الحسد في المشهد الأوغسطيني؛ إذ لا يُفسّر الحسد في ضوئه بالاستيلاء على ما يحوزه الآخر، بل بـ “تدمير قدراته على الاستمتاع بالشيء”. وباستناده إلى هذا الحسد وإلى الإفراط فيه، يُميّز روسو بين حب الذات (amour-de-soi) المُحتسب أمرًا طبيعيًا، وبين “العُجب” (amour-propre)؛ حيث تفضيل الذات بشكل لا يُقاس على الآخرين وحيث لا يتم التركيز على هدف معين، وإنما على تدمير كل ما يعوق الذات.

  • الرغبة اللاكانية والحسد

ولئن كانت مشكلة الرغبة البشرية، بحسب جاك لاكان، محددة في كونها رغبة للآخر ورغبة في الآخر ورغبة في أن يكون المرء مرغوبًا من الآخر ورغبة فيما يرغب فيه الآخر تحديدًا، فإنه من رحم هذه الرغبة يتولّد الحسد الذي يشتمل بالضرورة على السخط*. وما كانت العدالة المساواتية، وفق هذا المنطق، لتُعوّل على التضحية والإيثار بقدر ما تُعوّل على الحسد، وإن تضمّنت تضحية فإنها تكون مقترنة بحرمان الآخر من متعته وسعادته. لا تطابق إذن بين الشر والأنانية؛ فالشرير ليس بالضرورة ذلك الأناني المنشغل بمصالحه وحدها. ولعلَّ ما ينشأ مما تقدم أنَّ الأناني الحقيقي يكون شديد الانشغال برعاية خيره بدلًا من إهدار الوقت للتسبب بشقاء الآخرين. فالشر، بهذا المعنى، لا يتأتى إلا من الانشغال على الذات بالآخر، كما أن الحقد والغضب، وفق المعنى ذاته، لا يُنظر إليهما إلا بحسبانهما امتدادين طبيعيين ومتوقعين لهذا الانشغال الانفعالي بالآخر.

وإذا كان الحسد والسخط، في القراءة الجيجكية، يمثلان النموذج الأخف للاقتصاد الوجداني السياسي؛ إذ هما انفعالان تفكيكيان ينزعان إلى نفي الآخر وتدمير قدرته على الاستمتاع بذاته، فإن الفعل الثوري يفتح أمامنا نموذجًا مغايرًا في منشئه، وإن كان لا يخلو من مصير مماثل في منتهاه. ذلك أن الأهواء التي تُحرك الثورة، بحسب حنة أرندت، أهواء تأسيسية في جوهرها، تتغيى بناء فضاء عمومي جديد لا هدم كيان قائم؛ غير أن هذا الفارق في المنشأ لا يعصمها من الانزلاق – متى استولت عليها سطوة الضرورة – نحو الشكل التدميري ذاته الذي رصدناه في تحليل الحسد والسخط. من هنا تستدعي الدراسة الانتقال إلى تحليل هذا البعد الوجداني الثوري، حيث يتأرجح المجال العمومي بين تأسيس الحرية وسطوة الضرورة.

رابعًا: بنية الثورة الوجدانية؛ تأرجح المجال العمومي بين تأسيس الحرية وسطوة الضرورة

  1. أركيولوجيا الأهواء الثورية؛ من شغف الحرية إلى وهم الاستعادة

تفتتح حنّة أرندت أفقًا متميزًا في النظرية السياسية المعاصرة من خلال إعادة قراءة الفعل الثوري عبر تلازمه الإبستمولوجي والوجودي مع جملة الأهواء والانفعالات الدفينة التي تشكله وتوجه مساراته، متجاوزة بذلك المقاربات الاختزالية التي تحصر الثورة في حتمياتها الاقتصادية أو نتائجها المؤسساتية الجافة. إن المجال العمومي، في المنظور الأرندتي، هو بمنأى أن يكون حيزًا إداريًا أو هيكلًا قانونيًا محايدًا، ومن ثمَّ فإنَّها تتصوره بحسبانه “فضاء ظهور وبروز” يتأسس، في المقام الأوّل، على وجود ذوات سياسية فاعلة ومتكلمة تمتلك القدرة على التشارك والتواصل. بناءً على هذا التحديد، ترتقي الأهواء من منزلة أن تنضوي على أعراض نفسية أو هوامش وجدانية تصاحب الاضطراب السياسي، لتبلغ مرتبة التبدل وتغدو عبارة عن آليات معيارية تكشف عن تحول شروط هذا المجال وبنيته. نحن هنا أمام مراجعة جذرية لمفهوم الثورة بمعناه الحديث، حيث يتم تمييزه بصرامة عن النزاعات الأهلية والأشكال التقليدية من العصيان؛ فالثورة الحقّة ترتبط بعنصر “الجدّة” بوصفه الشرط الرئيس والأساس لـ”تجربة البدء الجديد”، وهو بدء لا يُطلب تاريخيًا إلا حيثما تطلب الحرية بوسمها ممارسة جماعية إيجابية؛ حيت ترفض أرندت الإقرار بالتحديد الأفلاطوني للثورة بوصفها «تحوّلات شبه طبيعيةٍ في شكلٍ من أشكال الحكومة إلى شكلٍ آخر»([17]). وفي هذا السياق، تظهر الصياغة الفلسفية التي تلازم بين الكلمة والغاية، إذ لم يكن من الممكن التعبير عن هذا التلاحم أبلغ مما عبّر به كوندورسيه حين أكد أنه «(…) لا تنطبق كلمة الثّورة إلّا على تلك الثورات التي تتغيّا الحرية»([18]). غير أن رجال ثورات القرن الثامن عشر العظيمة، وتحديدًا في التجربتين الفرنسية والأمريكية، كانوا مأخوذين في البداية بوهم “الاستعادة” أو الأوبة؛ إذ كانوا مقتنعين بأن سعيهم لا يخرج عن «(…) إعادة النّظام القديم، حيث كانت الأمور كما يجب أن تكون، بعد أن جرى انتهاكه وأُسيء استخدام سُلطته»([19]). ولم يتجلّ لهم مشروع الجدّة إلا في خضم الممارسة، حيث كشفت الثورتان عن «هذه التجربة في أن تكون حرّا، وكانت تجربة جديدة لا في تاريخ البشرية الغربية بل في القرون التي تفصل بين سقوط الإمبراطورية الرومانية ونشوء العصر الحديث (…) وكانت في الوقت ذاته تجربة مقدرة الإنسان لكي بدأ بشيء جديد»([20]). لقد شكّل هذا الانزياح الوجداني من الشغف بالحرية إلى “الولع بالمساواة” كتعويض نفسي وعاطفي تعبيرًا عن العجز عن تثبيت الحرية في صورة مشاركة عمومية مستدامة. نستحضر نيكولا ميكيافيلي بوصفه “الأب الروحي للثورة” لأنه «أوّل من تصوّر واعتقد في إمْكانَ نُشوء فضاء عَلماني صِرْف، تكون مبادئه وقوانينه مُستقلّة عن تعاليم الكنيسة»، مرادفًا إياها بالسعي لتأسيس وحدة سياسية عبر مفهوم “الحالة/الوضع” ([21])lo stato. إن هذا التداخل المقلق بين عسكرة الفعل وتأسيس المجال العمومي هو ما مهد للقرن العشرين ليتحدد بملامح العنف الكثيف. لم يفعل روبسبيير لاحقًا سوى استعارة هذا المنطق العاطفي الميكيافيلي وتطويره عندما نظر إلى الثورة وعدَّها تيارًا جارفًا وعاصفة ثورية لا تخضع لمقتضيات العقل والتحليل الحسابي البارد وإنما تقودها الأهواء والرغبات المطلقة التي تجعل الثوار على وشك الترنح وكأنهم ارتشفوا نبيذ الحرية. إن هذه الصورة الوجدانية تظهر كيف يتحرك الفعل السياسي في لحظاته الأولى مدفوعًا بقوة عاطفية هائلة تبحث عن الانفلات من الأطر القائمة، لكنها في الآن ذاته تحمل بذور فنائها عندما تعجز عن خلق المسافة الضرورية بين الذوات، وتتحول العاصفة من أداة لهدم القديم إلى إعصار يبتلع شروط إمكان السياسة نفسها، ممهدة الطريق لبروز الضرورة الحيوية التي ستعيد صياغة المشهد الثوري وتنقله من أفق الحرية الواسع إلى مضيق الحاجة المحتوم.

  • من الحرية إلى الضرورة والبؤس؛ تصدّر “المسألة الاجتماعية”

أحدثت “المسألة الاجتماعية” شرخًا عميقًا وجذريًا في بنية الفعل الثوري، محوّلة إياه من التطلع إلى الحرية السياسية إلى الوقوع تحت سطوة الضرورة الحيوية. وتعني أرندت بالمسألة الاجتماعية تلك التصورات الشعبية المتأزمة حول الفقر، والتفاوت الطبقي، وتوزيع الثروة، وهي مسائل لم تكتسب زخمًا ثوريًا مدمرًا إلا في العصر الحديث بعد أن تمّت مراجعة المسلّمة التقليدية التي كانت ترى في الفقر قدرًا محتومًا لا مفر منه ومتأصلًا في الوضع البشري. عندما تهاوت هذه الرؤية القديمة، جرى اقتحام الفضاء العمومي من قِبل حشود الفقراء والمعوزين الذين حملوا معهم مطالب الجسد والضرورة الحيوية الطاغية. إن الفقر، في التوصيف الأرندتي، هو وضع مهين ومذل بالضرورة، وذلك بعدما شاع في صفوف الناس، في وقت مضى، أنه كان مقترنًا بالعوز المادي، ومرد ذلك أنه «(…) يضع البشر تحت الإملاءات المُطْلقة لأجسادهم أو تحت الأمر الأساسي للضّرورة كما خبِرَها النّاس من تجربتهم الذّاتية الحميمية»([22]). وحينما تقدمت هذه الحشود الغفيرة إلى مشهد السياسة، تغيرت طبيعة الاقتصاد الوجداني للثورة بالكامل؛ إذ تصارعت “انفعالات الضرورة” اللحظية المتجلية في طلب السعادة والرفاهية مع “أهواء الحرية” الدائمة المتمثلة في رغبة التأسيس والمشاركة السياسية، وبسبب الضغط الهائل للبؤس، استسلمت أهواء الحرية لانفعالات الضرورة. ولعل هذا التحول الوجداني قاد الثورات، ولا سيما الفرنسية، إلى نقطة اللاعودة؛ حيث أطلق العنان للرعب الشامل لأن منطق تلبية الرغبات الحيوية غاية دائرية لا تُستنفد، مما أدى بالضرورة إلى تأجيل الحرية بلا أفق وتوسيع تبرير العنف والتأسيس الشرعي للرعب بحسبانه مشروعًا للفضيلة السياسية. تشير أرندت، بنقد فلسفي صارم، إلى زلّة كارل ماركس النظرية، والذي رغم عظمته كمنظر للثورة، إلا أنه أخطأ عندما أعاد تعريف الشغف الثوري بصيغ اقتصادية بحتة، فما عادت الثورة عنده تتغيا تأسيس الحرية، بل تحولت إلى السعي وراء الإنتاج والوفرة، لدرجة أن «الوفرة، وليست الحريّة، قد غدت الآن هدف الثورة»([23]). إن هذا الانزياح من السياسة إلى الاقتصاد يعكس في جوهره عجز الفكر الحديث عن الحفاظ على استقلالية المجال العمومي أمام غزو المجال الخاص المتمثل في متطلبات الاستهلاك. فعندما يتم اختزال الفضاء المشترك في آلية لتوزيع الثروات وتلبية الحاجات اليومية، تفقد الثورة طابعها الإنساني التأسيسي وتتحول إلى سيرورة شبه طبيعية محكومة بحتميات مادية صارمة، وهو الأمر الذي يفسر لماذا لم تفلح أي ثورة في التاريخ في حل المسألة الاجتماعية من خلال الوسائل السياسية الصرفة؛ فالبؤس لا يمكن علاجه بالخطابات والمحاججات داخل البرلمانات والمجالس، وإنما يتطلب عملًا تقنيًا واقتصاديًا يقع بالأساس خارج دائرة الفعل السياسي الحر القائم على الإقناع والتعدد. وبدلًا من ذلك، فإن محاولة حل معضلة الفقر بالوسائل الثورية السياسية أدت دائمًا إلى القضاء على الحرية والوقوع في شرك الديكتاتورية الاستبدادية التي تبرر قمعها للمواطن بحجة إطعام الجائع وتوفير الرفاهية للحشود. وتظهر المقاربة الأرندتية هنا أن تغييب النوايا الحقيقية لرجال الثورة الأوائل والتركيز على المسارات الموضوعية والاقتصادية أدى إلى خسارة المعنى الأعمق للسياسة، حيث تم استبدال الكرامة الإنسانية النابعة من ممارسة المواطنة بالكرامة الزائفة المستمدة من الاستهلاك والوفرة المادية. إن الثورة الصناعية نفسها، وفقًا لهذا المنظور، لم تكن ثورة سياسية بالمعنى الحقيقي لأنها حررت العمال من عبودية الأسياد لتضعهم تحت سيادة حاجاتهم ومتطلباتهم الاستهلاكية اليومية التي لا تنتهي. ومن هذا المنطلق، يصبح الأمر الوجداني للثورة محكومًا بهاجس الخوف من الشح وتأمين الغد، بدلًا من أن يكون منطلقًا من شغف الظهور والتميز مع الآخرين في فضاء حر، مما يحول الكائن البشري من “مواطن” فاعل يتنفس الحرية السياسية في العلن إلى “فرد خاص” منغلق على ذاته ويبحث عن مصلحته الضيقة مستعدًا للتضحية بالحقوق العامة مقابل معانقة الرخاء الاقتصادي الشخصي والأمان المادي.

  • تسييس الشفقة؛ من نفاق القلب إلى رعب التأسيس

أدّى إدخال “الشفقة” والتعاطف إلى الحقل السياسي إلى تقويض شروط المجال العمومي وتحويل الفضيلة الثورية إلى عاصفة من الرعب والبحث اللامتناهي عن المنافقين. والحقّ أنّ لعنة تسييس الشفقة تكمن في قدرتها البيّنة على إلغاء “المسافة السياسية” والحيّز الدنيوي الضروري بين البشر؛ فهي لا تملك، بحسب طبيعتها، القدرة على المحاججة العقلية أو الإقناع والتسوية، بقدر ما تنزع إلى العمل السريع والمباشر عن طريق العنف لتخفيف المعاناة. ومن خلال حوار فلسفي غنيّ بين روسو وروبسبيير ودوستويفسكي وجون آدمز، تظهر الكيفية التي تحولت بها الشفقة عند روبسبيير من دافعٍ شخصي إلى مشروع أيديولوجي للفضيلة السياسية العليا؛ مشروعٌ تقاطع مع فكرة روسو حول “الإرادة العامة” ونكران الذات، حيث صاغ روسو أطروحته على حقيقة «أنّ الإرادة العامّة ليست سوى ما يربط الكثرة بواحد فقط»([24]). ولأن أهواء القلب والانفعالات الدّفينة بطبيعتها تنتمي إلى الظلمة والتستر ولا تطيق العرض العلني في فضاء الظهور دون أن تتحطم أو تتحول إلى شبهة، فإن إصرار روبسبيير على نقل نزاعات الروح والقلب إلى السياسة حول الفضاء العام إلى معركة ميتة لا نهاية لها للبحث عن “المنافقين” ونزع الأقنعة عن الوجوه، وهي عملية تفتيش في الضمائر لا حدود لها ولا تنتج سوى الفوضى المطلقة والرعب العاري، حيث عاثت هذه الفضيلة الرحيمة فسادًا بالعدالة واستخفت بالقوانين والمؤسسات. وعندما ينكشف زيف هذه الفضيلة وتفشل الشفقة، ينبثق انفعال “الغضب” بوصفه الشكل الوحيد الذي يصبح فيه سوء الطالع والبؤس فعالًا ومدمرًا، متسلحًا بقوة تدميرية هائلة يغذيها إحباطهم الشديد وتمرّد أمعائهم، مما أدى بالضرورة إلى تحطيم حواجز التحمل البشري وجعل الثورة تائهة بين خياريّْ الحرية أو الرخاء الاقتصادي. وفي مقابل هذا الخراب الإعصاري، تقدم الثورة الأمريكية نموذجًا مغايرًا لم يتأسس على معالجة الضرورة البيولوجية بقدر ما تأسس على مجابهة الفقر بوصفه إقصاءً وعزلة عن المجال العمومي وغيابًا للمرئية؛ ويتجلى هذا البعد السياسي للبؤس بأقصى وضوح في الشهادة التاريخية لجون آدمز حينما كتب بصوت واهب ومؤثر: «إنّ ضمير الرّجل الفقير ضمير مرتاح؛ إلا أنّه يشعر بالخزي. إنّه يُحسّ بنفسه خارج أنظار الآخرين، مُتخبّطًا في الظّلام. إنّه، سواء أكان وسط جمهورٍ أم في كنيسةٍ أم في سوقٍ، فهو في عُزلة مُطبِقة وكأنّه في حُجرةٍ مهجورةٍ تحت السّقف أو في قبوٍ تحت الأرض (…) أن يكون المرء موضع التجاهل التام لهو أمر لا يُطاق (…)»([25]). ومن هنا ارتبط الغرض الحقيقي من التأسيس الدستوري بإنشاء نظام جديد للسلطة وتوليد قنوات جديدة للقوة بدلًا من تقييدها، مستلهمة أفكار مونتسكيو، وسط مخاوف فلسفية غائرة وسحيقة عبّر عنها فلاسفة الأنوار بقولهم إن «تنقرض الحرّية في معقِلها الوحيد الذي عثرت عليه، [وأن يقع] تهاوي الأعراف والمبادئ الأخلاقية عند أوّل طارئٍ»([26]). إنّ مصير الفعل السياسي ومستقبل الجمهوريات يتحدد بالكامل داخل هذا الاقتصاد الوجداني المتقلب والمتأرجح بين طاقة التأسيس العاقلة وبين انفعالات الانهيار المدمرة.

خاتمة

أفضت التحولات التي عرفها الفكر السياسي المعاصر إلى إعادة مساءلة العلاقة التقليدية بين العقل والانفعال، وكشفت أن الأهواء لا يُمكن عدُّها عناصر طارئة على المجال العمومي أو بقايا نفسية ينبغي استبعادها من دائرة السياسة وإنما هي من صميم الديناميات التي تُنتج الفعل السياسي وتحدد مساراته. فقد أبرزت الدراسة أن الحداثة المتأخرة لم تشهد أفول الانفعال كما بشّرت بذلك بعض التصورات العقلانية، وإنما عرفت، على العكس من ذلك، عودة قوية للأهواء داخل الفضاء العمومي، سواء في صورة خوف جماعي، أو غضب شعبوي، أو حسد اجتماعي، أو شفقة مؤدلجة، أو توق متزايد إلى الاعتراف والظهور.

وقد سمح تتبع مسارات هذا «الاقتصاد الوجداني» بالكشف عن الكيفية التي تتحول بها الانفعالات إلى قوى سياسية منتجة للعنف والتعبئة والهيمنة، وعن الدور الذي تؤديه في إعادة تشكيل المجال العمومي الحديث؛ فالعنف الأصولي، وفق القراءة الجيجكية، يتغذى أساسًا من انفعالات السخط والحسد والشعور الدفين بالنقص، أكثر مما ينبع من اختلاف عقائدي أو صراع هوياتي. كما أن الثورة الحديثة، في تحليل حنة أرندت، لم تكن مجرد انتقال مؤسساتي أو تغيير قانوني، بل تجربة وجدانية عميقة تراوحت، باستمرارٍ، بين شغف الحرية وسطوة الضرورة، وبين الرغبة في تأسيس فضاء عمومي جديد والانجراف نحو الرعب والعنف عندما تُختزل السياسة في تدبير الحاجات الحيوية أو في تسييس الشفقة.

إنّ الأزمة التي يعانيها الإنسان المعاصر ليست أزمة عقل فحسب، وإنما هي أيضا أزمة علاقة بالعاطفة ذاتها؛ إذ تحولت الانفعالات، في كثير من الأحيان، إلى أدوات للاستهلاك والتعبئة والتلاعب، وفقدت قدرتها على تعميق التجربة الإنسانية المشتركة. ومن هنا تتحدد خطورة الوضع المعاصر: فالمشكل لا يكمن في حضور الأهواء داخل السياسة، وإنما في أنماط تدبيرها واستثمارها وتحويلها إلى آليات للهيمنة أو الإقصاء أو صناعة الخوف الجماعي.

وعليه، فإن الرّهان الفلسفي والسياسي الذي يفرض نفسه اليوم يتمثل في التفكير في شروط بناء اقتصاد وجداني ديمقراطي يجعل من الأهواء إمكانًا لتوسيع الحرية، عوضًا عن الدعوة إلى استبعادها من المجال العمومي أو الارتداد إلى أوهام العقلانية الصلبة، كما يهدف إلى تعميق التعدد بدل تحويلها إلى طاقات للهدم والرعب والتعصب؛ فمستقبل السياسة الحديثة يظل رهينا بقدرتها على خلق توازن دقيق بين العقل والانفعال، بين الحاجة إلى النظام والرغبة في الحرية، وبين مقتضيات العيش المشترك والانفعالات التي لا يتوقف الإنسان عن إنتاجها داخل التاريخ.

لتحميل نسخة PDF من االدراسةدراسات 2026 (1)

المصادر والمراجع

باللغة العربية:

– أرندت، حنّة. في الثورة، ترجمة: عطا عبد الوهاب، بيروت: المنظمة العربية للترجمة/مركز دراسات الوحدة العربية، 2008.

– أوتو، رودولف. فكرة القُدسي: التقصّي عن العامل غير العقلاني في فكرة الإلهي وعلاقته بالعامل العقلاني، ترجمة: جورج خوام البولسي، حارة حريك: دار المعارف الحكيمة، 2011م.

– بودون، رايمون. أبْحاث في النّظرية العامة في العقلانية: العمل الاجتماعي والحس المشترك، ترجمة: جورج سليمان، بيروت: المنظمة العربية للترجمة/مركز دراسات الوحدة العربية، 2010.

– جيجك، سلافوي. العُنف: تأملات في وجوهه الستة، ترجمة: فاضل جكتر، بيروت/الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.

– لاكروا، ميشيل. عبادة المشاعر، ترجمة: أمين كنون، الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، 2017.

باللغة الأجنبية:

– Davidson, Donald. Essays on Actions and Events. USA : Oxford University Press.

– Elias, Norbert. La civilisation des mœurs. Paris : Calmann-Lévy, 1991.

– Sloterdijk, Peter. Critique de la raison cynique. Paris : Ed Christian Bourgeois, 1987.

– Rawls, John. A theory of justice. USA : Harvard University Press, 1971.

– Russell, Bertrand. The Conquest of Happiness. Liveright, 1996.

– Viansson-Ponté, Pierre. «Quand la France s’ennuie», (https://www.charles-de-gaulle.org/).

– Žižek, Slavoj. Violence six sideways reflections. New York : Picador, 2008.

– (Collectif d’auteurs), La soif d’émotion, une recherche et un débat réalisés par Foreseen (Plon, 1999).


([1]) ميشيل لكروا، عبادة المشاعر، ترجمة: أمين كنون، (الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، ط، 2017م)، ص. 7.

* اُنظر: رودولف أوتو، فكرة القُدسي: التقصي عن العامل غير العقلاني في فكرة الإلهي وعن علاقته بالعامل العقلاني، ترجمة: جورج خوام البولسي، (حارة حريك: دار المعارف الحكيمة، 2011م).

([2]) ميشيل لكروا، عبادة المشاعر،  مرجع سابق، ص. 8-9.

([3]) (Collectif d’auteurs), La soif d’émotion, une recherche et un débat réalisés par Foreseen (Plon, 1999).

([4]) Pierre Viansson-Ponté, «Quand la France s’ennuie», (https://www.charles-de-gaulle.org/).

([5]) جاكلين روس، مُغامرة الفِكر الأوربي: قصة الأفكار الغربية، ترجمة: أمل ديبو، (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، ط، 2011م)، ص. 395.

([6]) المرجع نفسه، ص. 415.

([7]) رايمون بودون، أبْحاث في النّظرية العامة في العقلانية: العمل الاجتماعي والحس المشترك، ترجمة: جورج سليمان، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة/مركز دراسات الوحدة العربية، ط، 2010م)، ص-ص. 29-30.

([8]) المرجع نفسه، ص. 39.

* تتمايز كلبية القُدامى باليونان Kunisme – متمثلة في ديوجين ومتجسّدة في لا أخْلاقيته وسُخريته – عن كلبية المُحْدثين، المُعاصرين Cynisme لتأخذ هذه المرّة طابعًا اجتماعيًا ونموذجًا شاملًا، فتدّل، من ثمّ، على سُخريةٍ تخْدشُ الأخلاق والحياء العامّ، وتسْتهزئ جِذريًّا بالقواعد والقيم والقوانين المتواضَع عليها.

([9])- Sloterdijk Peter, Critique de la raison cynique (Paris : Ed Christian Bourgeois, 1987), p. 14.

([10]) Ibid., Preface.

([11]) Ibid., page 277.

([12]) سلافوي جيجك، العُنف: تأملات في وجوهه الستة، ترجمة: فاضل جكتر، (بيروت/الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط، 2017م).

([13]) اُنظر:                                                                        

– Donald Davidson, Essays on Actions and Events (USA : Oxford University Press).

([14]) سلافوي جيجيك، المرجع نفسه، ص. 89.

([15]) اُنظر:                             

– John Rawls, A theory of justice, (USA : Harvard University Press, 1971).

([16]) جيجيك، مرجع سابق، ص. 92.

* لم يفتأ لاكان يُكرّر فقرة من اعترافات أوغسطين مدارها مشهد طفلٍ يغارُ من أخيه الذي يرضع من ثدي أمّه: «أنا نفسي رأيتُ وعرفتُ رضيعًا شعر بالغيرة على الرّغم من عدم قُدرته على الكلام: شحُب لونه؛ كانت نظرته إلى أخيه المتبنّى مفْعمة بالمرارة». جيجيك، مرجع سابق، ص. 91.

([17]) حنّة أرندت، في الثورة، ترجمة: عطا عبد الوهاب، ص 27.

([18]) المرجع نفسه، ص 31.

([19]) المرجع نفسه، ص 51.

([20]) المرجع نفسه، ص 34-35.

([21]) المرجع نفسه، ص 42-43.

([22]) المرجع نفسه، ص 73.

([23]) المرجع نفسه، ص 77.

([24]) اُنظر: جون جاك روسو، في العقد الاجتماعي.

([25]) جون آدمز، نقلاً عن: أرندت، في الثورة، ص 83-84.

([26]) المصدر نفسه، ص 142.

 

نور الدين ديناني

دكتوراه في الفلسفة من جامعة الحسن الثاني، المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى