المقالات

من لاهوت الموت إلى لاهوت الحياة: قراءة في فكر صوفي غير متصوّف

اكتشفتُ المفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي صدفة، وأنا أُنقّب عن آثار شلايرماخر في فكرنا العربي المعاصر. أضعتُ شلايرماخر، ووجدتُ لاهوتيًا وفيلسوفًا يقاسمني الدين والهواجس، همُ الانتقال من تدين الشكل إلى تدين الجوهر. فنعم الرحلة هي، ولتطل ما شاء الله لها ان تطول!

الدكتور عبدالجبار الرفاعي

يُفكّر عبدالجبار الرفاعي خارج جغرافيا العقيدة أو الطائفية، بل أحيانًا خارج جغرافيا الدين نفسه. فكره من الدين داخل الدين. لذلك فهو يعلو فوق سجون الـ “هنا، اذ يؤسّس الرفاعي لفلسفة دين، بعيدًا عن أسوار القراءات وعراقيل التخصصات. قد لا أبالغ إن قلتُ إني أجدُ فيه “بول ريكور” آخر. هو لاهوتي الحوزة وفيلسوف الجامعة، هو الأكاديمي البيداغوجي والمنظر التربوي. هو المفكر الموسوعي المتنور، في ظل جامعات فلسفة عربية أنهكها إرث التخصّص ورذيلة القطائع المعرفية التي لا نكاد نجدها إلا في أوطاننا العربية المريضة بعصاب الانتماء الواحد.

هو المؤمن و كفى!

لن أعود إلى ما قيل عن كتبه السابقة، وقد أسهب الباحثون في ذلك من شتى بلاد العرب. لكني أتمنى أن أقف عند مقاربته “التصحيحية” للتصوّف. بجرأة قد تزعج الكثيرين، ينتفض الرفاعي ضد تصوّف الاستلاب، مناديًا بتصوّف حرية، حتى نروي “الظمأ الانطولوجي”، الذي يجد فيه الرفاعي أصلَ ما نعانيه من اغتراب، ولنقل من تطرّف؛ منشؤه سوء فهم لوظيفة الدين، وسوء قراءة لنصوصه.

هل التصوّف هو الحل؟

إذا  كان الحلُّ في الهروب نحو الأعلى فقد انهكنا الهروبُ إلى الخلف، نحو ماضي نتوهمه فردوسيًا. فهل تغيير الباردايم المكاني باتجاه صاعد هو الحلّ للحاضر المريض؟

يجيب الرفاعي من خلال هندسة عرفانية صاعدة هابطة، لا تبرح الأرضَ وتتخطى المكان. هو بذلك يقدّم لفهمٍ جديد لتجربة التصوّف؛ اذ يرى الرفاعي أن التصوّفَ في معناه التقليدي متعاليًا على الواقع و مستلِبًا للإنسان. بدلًا عن ذلك يقدّم هو لتصوّف يتأسّس انطلاقا من الواقع، لا يغادره إلا ليعود اليه. تتجلى أطروحةُ الرفاعي بوضوح في مداخلته: “التصوّف بصيرة ملهمة انطفأ ضوؤها في زوايا العزلة و الغياب عن العالم”، المقدمة  ضمن كتاب: “الصوفية اليوم  قراءة معاصرة في مجتمع التصوّف ونماذجه” عن  مؤسّسة فريدريش ايبرت (2020( . ينطلق الرفاعي في مداخلته هذه من قراءة “تطورية” للدين، بدءا بلحظة التأسيس وانتهاءا بفوضى التأويلات، يرى فيها الرفاعي: “اهدارًا للمعنى الروحي الأخلاقي و الجمالي للدين” (ص16 ). ويرجع الرفاعي جمود المعنى هذا لتبعات المأسسة الفقهية والابستيمولوجيا  الكلامية للدين، منتفضًا ضد ادعائها الإجابة عن كلِّ الأسئلة ومتحدّثا عن: “عمليات الوضع”، وكأننا بصدد “موضعة فقهية كلامية” للدين تحشره داخل زاوية المعنى النهائي. يكتب الرفاعي: “ترسخت صلة  الفقه بالسلطة وتفاعلت مع مختلف الأزمنة فانعكس ذلك على الفقه باتساع مساحة التحريم وضيق مساحة الإباحة… وكان من نتائج زحف الفقه على الفضاء الروحي والأخلاقي خارج حدوده ضمور العقل وإخضاع كل شيء في حياة المسلم إلى الموقف الذي يقرره الفقه  …أُنهك العقل بفرض حدود لتعبيره عن أفكاره، وتبعًا لذلك ضاق فضاء المعنى في الدين بسبب شح حضوره في الفقه”. ( ص 20). موقفه تنديدٌ بانغلاق الدلالات وانغلاق الإمكانات عبر الاقتصار على جدلية عقيمة لا تبارح ثنائية التحليل والتحريم. ينادي الرفاعي اذن بالانتقال إلى رحابة الهرمنيوطيقا بعيدًا عن أحفوريات الخطابات الفقهية.

كما ويرفض الرفاعي الترخيصَ للإجابات الفقهية كقواعد دين وأنماط تدين، من دون أن يغفل التنديدَ بالزواج السعيد بين بعض الفقهاء ورجال السياسة، ومعترضا على الشكل الثاني للمأسسة: السياسية  هذه المرة، والتي يعدّها الرفاعي شرعنةً للسلطة باسم الدين ومطالبا بدولة العقل. لكن ينبغي أن نوضح أن الرفاعي لا يرفض الفقهَ أو التصوّف، بل يرفض “تصلبَ المعنى” ووصايةَ الفقه أو السياسة على الدين. باختصار الدين عنده قضيةٌ هرمنيوطيقية.

من زاوية أخرى، نجد عند الرفاعي اهتمامًا بالتجربة الدينية التي خصّها بمجلد كبير[1]، حيث يلتقي مع مفكرين تأويليين من أمثال ديلتاي وشلايرماخر. الدين عنده تجربةٌ متسامية، لكنها لا تأخذ معنى انتفاء الموجود أو الأنا في الكينونة المطلقة كما هو الشأن في الصوفية، بل بوصفها تجربةً انطولوجية. هي إذن تجربة فردية، تجربة متوحد داخل الجموع، خلافًا لمتوحد ابن باجة المنعزل. هي تجربة الأنا مع النحن داخل المطلق.

في السياق نفسهِ، يذهب  الرفاعي للحديث عن التجربة الدينية مزاوجًا بين خطاب وجودي وخطاب صوفي عرفاني، وهذا واضح في تعريفه للتجربة الدينية وحديثه عن جلال الدين الرومي. نقرأ قوله:  “لذلك لا يُفهم الايمان إلا في فضاء الايمان، ولا تُفهم التجربة الدينية إلا في فضاء التجربة الدينية، فما لم نتحقق  بهذه التجربة ليس بوسعنا تقديم فهم واضح لها، مثلما لا يفهم الحب إلا من يتذوق الحب ولا يفهم البهجة إلا من تشرق نفسه ابتهاجا بالنور، ولا يفهم القلق إلا من يمزقه” (ص 22 ). ليسترسل في صفحات لاحقة مصرّحًا بخصوص مولانا جلال الدين: “ينبغي ان نستقي من الرومي تدفق قلبه بالعشق الإلهي، وما يصوره بيانه من لوحات متلألئة بالمحبة والجمال والتراحم والسلام وكل معنى انساني بهيج”. ص28 . والشواهد على ذلك  كثيرة لا يسعنا المجال هنا لنعود اليها جميعا. لنقول باختصار: إن التجربة الدينية عنده هي: “رحلة الكينونة إلى الحق”. ص23.

هو العاشق إذن، فلِمَ ثورته على التصوّف!

لا يرفض الرفاعي التصوّفَ بقدر ما يرفض الاستعباد. إذ يميز المفكر العراقي بين تصوّف الاستعباد وتصوّف الحرية على أساس الثراء الروحي. التجربة الدينية كما يصفها هو تتعالى على الفعل باتجاه الكينونة. تتعطل المادةُ وتنطلق الروح. هنا يكمن الفرقُ بين تصوّف الاستعباد وتصوّف الحرية. لينتقل الرفاعي للتمييز بين شكلي التصوّف هذين. تصوّف الاستعباد تصوّف تبعية لشيوخ طريقة هو:  “خسران للذات”. ( ص 24 ).كونه تصوّف دراويش، كما يرى الرفاعي، الذي  يربطه بعصر الانحطاط والعزلة ،كنوع من مازوشية اجتماعية، تحت غطاء طقوسية دينية. انه استنزاف للتجربة الدينية.

يتحدث الرفاعي بلا تردّد عن: “وثنية صوفية”، كما هو الشأن عند المولويين الذين يجدهم الرفاعي يعانون مرضًا روحيًا وأخلاقيًا. يسمح بعدها الرفاعي لخوفه أن يخونه متوجسًا عودةَ: “دراويش فوضويون يتسكعون في الأسواق والشوارع بين الناس، بهيئة ولباس غريب من أسمال بالية أو قطع مزركشة بألوان متناشزة”. (ص 25 ). ليطمئن قلبك فدراويشنا اليوم غارقون في الاستهلاكية، ودروشتهم مناسباتية فقط.

يذهب بعد ذلك الرفاعي ليندّد  بـ “ميثولوجيا التصوّف”. ( ص 26 )، مقدّمًا لمقاربة سوسيولوجية تقيم الدين على أساس عبادة الأسلاف، أو فلنقل مع الرفاعي: “عبادة الأقطاب”. لهذا الغرض يعود الرفاعي بجلال الدين الرومي إلى التاريخ ويحرّره من شطحات الميثولوجيا؛ كأننا به يجعل من التصوّف ظاهرةً تاريخية تسلبها كلَّ تعالٍ على الزمان والمكان والواقع الذي كانت تعيش فيه بكلِ ظروفه المتنوعة. يبرئ الرفاعي الرومي من إثم الدراويش وذنب المشيخة، ويجعله ملهمًا وليس معلّمًا باهتًا، مدافعًا بذلك عن تصوّف الحرية. إنه تصوّف واعٍ، تصوّف “يوقظ الانسان داخل الإنسان”. (ص 31 )، هو إذن تصوّف يزاوج بين المعرفة والعرفان. فهل مازال لأهل الوجد وأهل النظر أن يلتقيا؟

إجمالا التصوّف عند الرفاعي ذريعة للمطالبة بلاهوت جديد. لاهوت مسكون بالحياة، يبتهج بالفرح،  يرحب بالتعدّد، ينشد السلامَ الروحي. خلافًا للاهوت الموت، المولع بالتحريم، الغارق في الاجترار.

فهل لمشروعه ان يكتمل، وإنسان ما بعد الإنسانية يلوح في الأفق؛ منذرًا بإنسان غارق في المجهول؟

هل ستلفظنا الأرض الرحبة التي يرغب الرفاعي في أن يعيدنا إليها، أم ستلتقطنا السماء وقد طال الهجران؟

ـــــــــــــــــــــــــــــ

1-  المجلد الثاني من مجلدات “موسوعة فلسفة الدين” التي يحررها ومازالت تصدر، بعنوان: “الايمان والتجربة الدينية”.

كوثر فاتح

د. كوثر فاتح، دكتوراه في الفلسفة التأويلية / الهرمنيوطيقا - أكاديمية فاس - مكناس، المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى