صناعة اللامبالاة باسم الوطن: حين تتحول الوطنية إلى ذريعة للخذلان الأخلاقي

شهدت مدينة نورمبرغ سنة 1946 واحدة من أخطر المحاكمات في التاريخ الحديث، حين وُضع عدد من قادة النظام النازي وأطبائه أمام القضاء الدولي، وفي مقدمتهم الطبيب النازي كارل براندت، الذي أشرف على برامج “القتل الرحيم” والتجارب الطبية القسرية التي استهدفت المرضى وذوي الإعاقة والسجناء[1].
لم يكن دفاع هؤلاء قائماً على إنكار الجرائم، بل على تبريرها باسم المصلحة الوطنية والظروف الاستثنائية التي كانت تمر بها ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، فقد اعتبروا أن الحفاظ على موارد الدولة والمجهود الحربي يبرر التضحية بفئات بشرية اعتُبرت عبئاً على الأمة، وهنا بالتحديد ظهرت أخطر صور الانهيار الأخلاقي: حين تتحول الوطنية إلى أداة لسحق الإنسان بدل حمايته.
غير أن محاكمات نورمبرغ أرست مبدأ قانونياً وأخلاقياً بالغ الأهمية، تُوّج لاحقاً بما عُرف بـ”مدونة نورمبرغ”، التي أكدت أن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية لا يمكن تعليقها أو تعطيلها باسم الضرورات السياسية أو القومية، وأن الدولة لا تملك شرعية أخلاقية حين تجعل المصلحة الوطنية مبرراً لتجريد البشر من إنسانيتهم[2].
واليوم، يعود المنطق ذاته بأشكال جديدة داخل بعض الخطابات المغربية المعاصرة[3] عبر شعارات من قبيل: “تازة قبل غزة”، حيث يستدعيه من ينادي بالأولوية الوطنية لا باعتباره برنامجاً تنموياً حقيقياً، بل باعتباره أداة لتبرير الخدلان الأخلاقي والتنصل من الواجب الإنساني.
لا أحد يجادل في أن مكافحة الفقر والتهميش داخل الوطن أولوية مشروعة، بل هو أولى الأولويات، لكن الإشكال يبدأ عندما تُستخدم هذه الأولويات كوسيلة لإلغاء أي التزام أخلاقي تجاه المظلومين خارج الحدود، فأصحاب هذا الخطاب لا يطرحون في الغالب مشاريع حقيقية لمعالجة أوضاع المدن المهمشة، ولا يقودون مبادرات اجتماعية أو حقوقية ملموسة، بل يوظفون اسم “تازة” بوصفه أداة بلاغية لإدانة التضامن مع غزة، بل وتحويل التضامن الإنساني إلى تهمة أخلاقية وسياسية.
والأمر العجيب والمحزن حقيقة أنهم لا يكتفون برفض مساندة القضية الفلسطينية، بل ينخرط بعضهم في حملات تخوين ممنهجة، والتشهير بكل من تجرأ على التعبير العلني عن تضامنه مع ضحايا الحرب والحصار، بل وصل الأمر ببعضهم إلى الخوض في الأعراض والتشفي مما تعرض له المشاركون في قوافل كسر الحصار على غزة، وكأن الدفاع عن المظلوم صار جريمة، وكأن الإنسانية نفسها أصبحت فعلاً يستوجب الإدانة، هنا تتحول الوطنية من مشروع للبناء والإصلاح إلى مجرد خطاب دفاعي يبرر السلبية واللامبالاة، هذه البنية النفسية نفسها التي ظهرت في دفاعات بعض المتورطين في جرائم النازية: تبرير التخلي عن المبادئ الإنسانية باسم “الواقعية” و”المصلحة الوطنية”.
والمفارقة العجيبة هي أن عدداً من الدول لم تتبنَّ هذا المنطق الانعزالي، رغم أنها ليست دولاً عربية ولا إسلامية، بل اختارت اللجوء إلى القانون الدولي والمؤسسات القضائية الدولية لمواجهة الانتهاكات في غزة، فقد رفعت جنوب أفريقيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها إسرائيل بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لسنة 1948[4]، وهي الاتفاقية نفسها التي وُلدت بعد صدمة الجرائم النازية والحرب العالمية الثانية، وفي يناير 2024، أصدرت المحكمة أوامر احترازية اعتبرت أن هناك خطراً حقيقياً يهدد الفلسطينيين في غزة، وألزمت إسرائيل باتخاذ تدابير لمنع الإبادة الجماعية وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
والأهم أن عدداً من الدول اختارت الانضمام إلى هذا المسار القضائي، لا عبر الشعارات، بل عبر الآليات القانونية الدولية نفسها، فقد أعلنت إسبانيا رسمياً انضمامها إلى الدعوى المقامة أمام محكمة العدل الدولية، استناداً إلى المادة 63 من النظام الأساسي للمحكمة واتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948، معتبرة أن احترام القانون الدولي الإنساني ليس قضية تخص منطقة بعينها، بل التزاماً كونياً[5].
كما انضمت أيرلندا إلى المسار نفسه والمكسيك والتشلي، في حين دعمت بلجيكا التدخل القانوني أمام المحكمة وقدمت تفسيراً قانونياً يتعلق بمفهوم “نية الإبادة الجماعية” في القانون الدولي[6]، وتبرز هنا دلالة مهمة: هذه الدول، رغم أزماتها الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، لم تعتبر أن الدفاع عن القانون الدولي أو التضامن مع المدنيين في غزة يتناقض مع مصالحها الوطنية، بل رأت أن احترام القانون الإنساني جزء من هوية الدولة نفسها.
إن التجارب الديمقراطية الحديثة أثبتت أن الدولة القوية ليست تلك التي تنغلق على ذاتها وتتعامل مع المآسي الإنسانية بمنطق “ليست مشكلتنا”، بل تلك التي تفهم أن حماية القيم الإنسانية جزء من حماية النظام الأخلاقي والقانوني العالمي الذي تستفيد منه هي أيضاً.
فحين دعمت دول من القارات الأربع دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، لم تكن تفعل ذلك بدافع عاطفي فقط، بل انطلاقاً من قناعة قانونية مفادها أن الصمت عن انتهاكات القانون الدولي يهدد مصداقية المنظومة الحقوقية العالمية كلها.
والمفارقة الأكثر إحراجاً وخزيا لنا في آن واحد أن موجة التضامن مع غزة لم تعد مقتصرة على العرب أو المسلمين، بل إن هؤلاء أصبحوا في كثير من المحطات أقلية داخل مشهد عالمي واسع تقوده أصوات من مختلف القارات والانتماءات الدينية والفكرية، فمن ساحات الجامعات الأمريكية والأوروبية[7]، إلى نقابات المحامين والأطباء، مروراً ببرلمانيين وأكاديميين[8] وحقوقيين وفنانين غربيين[9]، تشكلت جبهة إنسانية تتجاوز منطق الهويات الضيقة، أساسها الدفاع عن القانون الدولي وكرامة الإنسان، لا الانتماء العرقي أو الديني[10]، وهذا ما يكشف هشاشة خطاب “تازة قبل غزة”، لأنه يصوّر التضامن مع المظلوم وكأنه انفعال أيديولوجي خاص بالعرب أو المسلمين، بينما الواقع أن كثيراً من الأصوات الأكثر جرأة في إدانة الانتهاكات والدفاع عن المدنيين في غزة جاءت من داخل المجتمعات الغربية نفسها، ومن أشخاص لا تربطهم بغزة رابطة دين ولا قومية، بل فقط رابطة الضمير الإنساني.
إن الدرس الذي خرج به العالم من نورمبرغ لا يزال حياً: لا يمكن اختزال الإنسان في جنسيته أو قوميته أو موقعه الجغرافي، فحين تُصبح الأولوية الوطنية ذريعة للصمت عن الظلم، تتحول الوطنية نفسها إلى أداة لتبرير التخلي عن المبادئ، ومن يبرر اليوم تجاهل معاناة غزة باسم الواقعية، قد يبرر غداً تجاهل معاناة المهمشين داخل وطنه باسم الاستقرار أو الضرورة الاقتصادية، ولعلّ أخطر ما في هذا المنطق أنه قادر دائماً على إنتاج نسخته المحلية من “الفراقشية” الأخلاقية؛ أي تحويل المعاناة الإنسانية إلى مجرد سوق للمزايدات الباردة، تُباع فيها القيم وتُشترى وفق منطق المصلحة الضيقة لا وفق ميزان العدالة والضمير، لذلك فإن الوطنية الحقيقية ليست انغلاقاً أخلاقياً، بل قدرة على الجمع بين الدفاع عن حقوق المواطن داخلياً، والانتصار للقيم الإنسانية والقانونية عالمياً، فالقيم لا تتجزأ، والكرامة الإنسانية لا تُختزل في الحدود.
[1] كشفت محاكمة نورمبرغ Nurembergعن فظاعات إنسانية وجرائم ارتكبها أطباء نازيون على أسرى الحرب، حيث حوكم 23 طبيبا وتمت إدانتهم بعد التأكد من كونهم مشاركين في إجراء تجارب طبية لا إنسانية أدت إلى تعذيب ووفاة آلاف الأسرى دون أن يكون هناك مقصد علاجي أو بحث علمي أو تقدم في مجال الطب، فما بين سنة 1939 و 1945 تم إجراء ما لا يقل عن سبعين مشروعا طبيا تتضمن تجارب قاسية وقاتلة على البشر في معسكرات النازية، وقد تم توثيق أكثر من سبعة آلاف ضحية من الأسرى، ولعل أكثر هذه التجارب شهرة المشاريع التي قام بها جوزيف منغيل Josef Mengele، حيث أجرى تجارب حول آثار الاعتداء النفسي والجسدي والاجتماعي والجنسي على التوائم المتطابقة، وتعريض السجناء لمستويات عالية من الإشعاع والتيارات الكهربائية، وتم إجراء تجارب حول انخفاض درجة حرارة الجسم عن طريق تعريض الأسرى للغرق في المياه المتجمدة، إضافة إلى التجارب على الأجنة وغيرها من التجارب اللاإنسانية.
للتوسع في موضوع التجارب الطبية في الفترة النازية يرجع في ذلك لـ:
– Hazel Biggs, Healthcare Research Ethics and Law, 1st edition, Routledge-Cavendish is an imprint of the Taylor & Francis Group, 2010, New York, pp 20-21.
– Frances r. Frankenburg, Human Medical Experimentation From Smallpox Vaccines to Secret Government Programs, 1st edition, Greenwood, 2017, California, pp 128- 158.
[2] حيث أصدرت محكمة Nuremberg عقب هذه المحاكمات، مجموعة من المبادئ والقواعد الواجب مراعاتها من قبل الأطباء أثناء ممارستهم للتجارب الطبية، كأن تكون هذه التجارب العلمية لها فائدة على الإنسانية، وأن يستحيل الحصول عليها بدون التجريب على الإنسان، وأن تكون التجربة محددة، ومدققة علميا، وأن تكون ضرورية، وأن تكون فوائدها تفوق مخاطرها.
بعد إصدار هذه المبادئ أدرك المنتظم الدولي أهمية تأطير هذه الممارسة، ووضع وثيقة مرجعية تعتمدها الدول في العالم في وضع قوانينها الداخلية، وهو ما تحقق في إعلان هلسنكي سنة 1964، وإعلان طوكيو 1975 الذين أصدرتهما ” الجمعية الطبية العالمية” واللّذَين يعتبران بمثابة قانون أخلاقي يفرض على الأطباء والباحثين الالتزام به عند مباشرة التجارب الطبية على الإنسان، سواء كانت تجارب علاجية أو علمية، وأكد الإعلانان على وجوب احترام حق الإنسان في السلامة البدنية والعقلية، واشترط لمشروعية التجارب الطبية أن تتناسب فوائدها مع الأخطار المتوقعة بالنسبة للخاضع لها
[3] نقول “المعاصرة” بدقة لأن الموقف الرسمي المغربي تاريخياً ظل منحازاً لعدالة القضية الفلسطينية — وهو ما يكشف أن موجات الانغلاق – ان صح الوصف- الحالية لا تعبّر عن الامتداد التاريخي للوجدان المغربي، بقدر ما تمثل انزياحاً عن مسار وتقليد تقليد سياسي وسيادي وشعبي راسخ. فمنذ عهد الحسن الثاني، مروراً بعهد محمد السادس، ظل المغرب، شعباً ومؤسسة ملكية، يعتبر القضية الفلسطينية جزءاً من قضايا التحرر والعدالة، بل وامتداداً طبيعياً للدفاع عن الوحدة الوطنية نفسها؛ لأن الوعي الذي يرفض الاحتلال والاقتلاع وطمس الهوية في فلسطين، هو ذاته الوعي الذي تشكل تاريخياً حول الدفاع عن السيادة المغربية ووحدة التراب الوطني.، لذلك لم يكن التضامن المغربي مع فلسطين مجرد تعاطف عابر، بل تعبيراً عن انسجام أخلاقي وسياسي بين منطق مقاومة التفكيك والهيمنة، وبين التشبث بقيم الكرامة والسيادة والحق التاريخي.
[4] للاطلاع على دفوع جنوب افريقيا ضد إسرائيل ملف تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة (جنوب أفريقيا ضد إسرائيل) يرجع في ذلك للرابط التالي: https://www.icj-cij.org/case/192
[5] للاطلاع على نص الدخول الاسباني في القضية يرجع لهذا الرابط https://www.icj-cij.org/sites/default/files/case-related/192/192-20240628-int-01-00-en.pdf
[6] تجدون نص التدخل في الرابط التالي : https://www.icj-cij.org/sites/default/files/case-related/192/192-20251223-int-01-00-fr.pdf
[7] مبادرة Harvard Humanitarian Initiative التابعة لجامعة Harvard University نشرت تقريراً إنسانياً مفصلاً حول الكارثة في غزة، تحدث عن انهيار النظام الصحي، واستهداف المرافق الطبية، والنزوح الجماعي، ودعت إلى وقف إطلاق النار وضمان حماية المدنيين، للاطلاع على نص التقرير تجدونه في الرابط التالي: https://hhi.harvard.edu/news/humanitarian-situation-gaza
[8] تداولت الأوساط الأوروبية عريضة مدنية واسعة تطالب بتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل بسبب ما وُصف بـ”الجرائم المرتكبة في غزة”، وشارك فيها مئات الآلاف من الأوروبيين. https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/one-million-europeans-ask-the-eu-to-suspend-association-agreement-with-israel-for-crimes-in-gaza/
[9] صحيفة The Guardian نقلت أيضاً مواقف أكاديميين أمريكيين من جامعة نيويورك انتقدوا التضييق على الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين، واعتبروا أن الجامعات تخضع لضغوط سياسية بسبب المواقف من غزة.
[10] ومن سوداوية الموقف وفكاهيته أيضا أن داخل المجتمع المدني الإسرائيلي نفسه، وقّعت منظمات حقوقية إسرائيلية بارزة رسالة مفتوحة تتهم الحكومة بعدم الالتزام بالتدابير التي فرضتها محكمة العدل الدولية بشأن إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة. ومن بين الموقعين:
وهو ما يكشف أن الدفاع عن القانون الدولي وحقوق المدنيين لم يعد مرتبطاً بالهوية القومية أو الدينية، بل أصبح موقفاً حقوقياً عابراً للحدود. للاطلاق على المنظمات الحقوقية الإسرائيلية ومضمون رسالتها يرجع للرابط التالي: https://www.theguardian.com/world/2024/mar/11/israeli-human-rights-groups-icj-gaza-aid-ruling



