الجمع بين قراءة الوحي المسطور وقراءة الكون المنظور : قراءة في كتاب” الجمع بين القراءتين ” للدكتور طه جابر العلواني

الحمد لله الذي فضلنا بالقرآن على الأمم أجمعين، وآتانا به ما لم يؤت أحدًا من العالمين؛ أنزله تعالى هداية عالمية دائمة، وجعله للشرائع السماوية خاتمة، ثم جعل له من نفسه حجة على الدهر قائمة. والصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن، ووصيته القرآن، وميراثه القرآن، القائل: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)[1].
أما بعد؛
لا شك أن واقع المعرفة في العالم اليوم، يحتاج إلى يدٍ تأخذ به إلى صورة جديدة من التفكير والمنهج، صورة تعيد ترتيب العلاقة بين العلوم والمعارف، من أجل الوفاء المزدوج لمرجعية الوحي من جهة، ولمنجزات المعرفة الإنسانية في شتى الحقول العلمية والمعرفية من جهة أخرى.
وبيان ذلك أن الوحي الإسلامي شكَّل في أنساق المعرفة الإسلامية نظامًا منهجيًا ومعرفيًا، لكافة الجهود العلمية التي أنجزها علماء الإسلام؛ حيث كانت روح القرآن الكريم تتلى قراءة، وتتلى منهجًا أيضًا.
في هذا الكتاب؛ “الجمع بين القراءتين قراءة الوحي وقراءة الكون” للأستاذ الدكتور طه جابر العلواني[2]، الصادر عن مكتبة الشروق الدولية بالقاهرة – مصر، في طبعته الأولى، سنة: 1427 ه/ 2006م، يبرز من خلاله منهجية “الجمع بين القراءتين”، قراءة الوحي وقراءة الوجود معًا وفهم الإنسان القارئ كلًّا منهما بالآخر، باعتبار القرآن العظيم معادلًا موضوعيًا للوجود الكونيّ، يحمل ضمن وحدته الكليَّة منهجية متكاملة يمكن فهمها واكتشافها في إطار التنظير لتلك الوحدة الكليّة، كما أنَّ الكون يحمل ضمن وحدته الكليَّة قوانينه وسننه، والإنسان – وإن كان جزءًا من الكون – لكنَّه عند النظر يُعد أنموذجًا مصغَّرًا للوجود الكوني ومستخلفًا فيه.
يقول طه جابر العلواني: ((هذه النظرة أو المنهجية ذكر معالمها بإيجاز الحارث المحاسبي (تـ 243 ه) في كتابه؛ “العقل وفهم القرآن”… لكن إشارات الكتاب كانت مرتبطة بالسقف المعرفي الذي كان سائدًا وبالحالة الفكريَّة العامَّة، ثم توسع الإمام فخر الدين الرازي في هذا المجال وبنى تفسيره الكبير “مفاتيح الغيب” على هُدًى من هذه “المنهجية” في الحدود التي رآها فيها في عصره. كما وردت بعض إشارات لها في؛ “الفتوحات المكية” لابن عربي، ومعظم من تأثروا بفخر الدين الرازي نَحوا نحوه في هذا المجال، كما وردت إشارات متفرقة لما يقرب من هذا لدى كثير من المفسرين. ومن أبرز من أعادوا بناء هذه “المنهجية” من المعاصرين وبلورتها في إطار السقف المعرفيّ الراهن الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد، حيث شرحها وأوضحها وبنى عليها كثيرًا من الأفكار الهامة في كتابه؛ “العالمية الإسلامية الثانية”، ودراستيه المعدتان للنشر “منهجية القرآن المعرفية”، و”الأزمة الفكرية في الواقع العربي الراهن”. وقد أعددت في إطار سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية في المغرب 1993م دراسة وجيزة لهذه “المنهجية” حاولت إلقاء مزيد من الضوء عليها؛ وهي لا تزال في حاجة إلى دراسة وتعميق وتوسع من علماء ذوي تخصصات مختلفة، لتفهم وتشيع وتتداول ويكون لها أثرها في محاولات فهم القرآن وبناء علومه المعاصرة. وعلى هذه القاعدة تقوم عمليَّة “إسلامية المعرفة” وبناء نظريّة المنظور الحضاري الإسلامي في مستواه الراهن والله أعلم))[3].
فالقرآن الكريم نور مبين، وذكر حكيم، وهدي قويم، كتاب مجيد، عزيز كريم، فُصِّلت آياته ثم أُحكت من لدن حكيم خبير، قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1). يخرج من الفتن، ويشفي الصدور، وينقذ من المحن، ويكشف الهموم: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: 16). يهدي إلى الرشد، وينقذ من الظلالة، ويخرج قارئه من الظلمات إلى النور، لا تنقضي عجائبه ولا يَخْلَق على كثرة الرّد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الاسراء: 9)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كتابُ الله، فيه نبأُ ما قبلَكُم، وخبرُ ما بعْدَكم، وحكم ما بينكم، وهو الفَصْلُ ليس بالهزل، من تركه من جبَّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يَخْلَقُ على كثرة الرَّدّ، ولا تنقضي عجائبهُ، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعتهُ حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا١ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (الجن: 1- 2)، من قال به صَدَقَ، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم)[4].
فإن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي منَّ الله تعالى به على البشرية، وأودعه تلك الطاقات التوجيهية الارشادية الهائلة على الاستيعاب والتجاوز، التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، وضمَّنه تلك القدرات التي لا تحصى ولا تعد، والقادرة على تصحيح مسارات البشرية لإعادة تشكيل عقلية منفتحة على شتى العلوم والمعارف، وعلى مختلف الثقافات والحضارات، والتواصل والحوار مع مختلف الأجناس والشعوب، دون تمييز أو تحيز أو تجزيء. وتحديد مناهج وسبل الحق والاستقامة، وتمكين الإنسان من إخلاص النية والوفاء بعهد الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (آل عمران: 51). وأداء الأمانة، والقيام بحق الاستخلاف، والصبر على الابتلاء، والتعايش مع الغير، وتحقيق غاية الحق من الخلق بإقامة العمران في الأرض، واستثمار المسخرات التي أودعها الله عز وجل في هذا الكون، وسخَّرها للإنسان بشكل إيجابي دون إفراط أو تفريط بمنهج وسطي كما أمر المولى عز وجل في محكم تنـزيله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143).
لقد كان مدار العلوم الإسلامية منذ مبتداها على النص نشأةً وتداولًا، حيث كانت في منطلقها متمثلة له علمًا وعملًا، مما جعلها تنفتح على الكون وعلومه وعلى الإنسان ومعارفه، وتشيد عالميتها الرائعة الأولى التي تجلت فيها كثير من خصائص الوحي، وعكست بقدر طيب نوره وإشعاعه في الهداية والرَّحمة والعدل والحرية والأمن… كما تجلت فيها أيضًا كثير من القيم العليا المزكيَّة للإنسان والبانية للعمران[5].
يقول طه جابر العلواني: ((لقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في مفتتح نزول القرآن وعند بدء الوحي بقراءتين، فقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ١ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ٢ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ٣ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ٤ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ٥﴾ (العلق، 1 ـ 5). وبما أن القرآن ليس فيه تكرار ولا ترادف، ولا تحتاج آياته الكريمة إلى استعمال المؤكدات، فإن كل كلمة من كلماتهـ وإن بدت مرادفة أو مماثلة لأختهاـ فإنها تشمل على معنى آخر إن لم تدل عليه بلفظها وبالاستعمال القرآني لها، فإنها تدل عليه في سياقها.. وموقعها. وذلك من دلائل إعجازه الذي تعالى به على كلام المخلوقين… ولذلك فإن صيغة الأمر بالقراءة الذي جاء مرتين في هذه الآيات الخمس لا تعني التوكيد أو الترادف أو التكرار كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين… بل تدل على أمرين بقراءتين، لكل منهما معناها المراد بها، ولكل منهما خصائصها، ومجالها ومتعلقها، ومناهجها وكيفياتها وميادينها))[6].
وقد كانت هذه الآيات القرآنية محدّدًا منهجيًا، وضابطًا معرفيًا، لعددٍ من الأمور الجوهرية في حياة الإنسان، ففيها أمر بالقراءة وسعي في طلب العلم، وبحث عن المعرفة. وفيها بيان علاقة العلم بالقلم، توجيه إلى مصدر العلم وهو الله سبحانه وتعالى، منزِّل الوحي النازل الذي سيتتابع نزوله حتى يتم قرآنًا عربيًا مبينًا، مجيدًا مكنونًا، مبشرًا ونذيرًا، مفصلًا محكم الآيات، وأن الأمر موجه إلى المكلف وهو الإنسان الذي خلقه الله عز وجل من علق، وأن من طبيعته أنه لا يعلم حتى يعلمه الله من علمه الواسع. والقراءة المأمور بها هي قراءة باسم الله تعالى، الذي خلق فسوَّى، ثم بمشيئته تسير الأمور، حتى توصل إلى علم يمكن أن يدون بالأقلام في الكتاب، فتنتقل إلى السطور وتشيع بين الناس. ولا بد لنا أن نفهم القراءة على أنها تعبير يتسع ليشمل المسطور في الكتاب، والمنثور في الوجود؛ فسور الكتاب تُقرأ وآفاق الكون تُقرأ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ١٦٤﴾ (البقرة: 164)، وفي سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ١٩٠﴾ (آل عمران: 190)، وتتلازم القراءتان حتى ينتج من هذا التلازم علوم ومعارف وخبرات وتجارب، يقام عليها العمران وتنبثق منها حضارة الإيمان، وتلك هي القراءة التامة الموصلة إلى العلم النافع والمعرفة الضرورية.
يقول طه جابر العلواني: ((إن الأمر بالقراءة في الآية الأولى اقترن ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وكانت صلة الموصول الذي هي الخلق في: ﴿… الَّذِي خَلَقَ١ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ٢﴾ فهي أمر بتحصيل فعل القراءة وممارسته مع الاستعانة بالله تعالى… وتنبيهًا إلى وجوب قراءة الخلق قراءة تبدأ بقراءة الذات الإنسانية من بداية الخلق إلى نهاية الحياة بأطوارها كلها. فمنهج القراءة في الخلق ينطلق من قراءة النفس باتجاه الكون والآفاق، فتلك هي القراءة السليمة المنهجية))[7].
فإذا اختلفت القراءة فقدت فاعليتها المعرفية وآثارها العلمية؛ وقد كان واضحًا في عصر الصحابة ـ رضوان الله عليهم، ولدى الصدر الأول، أن الهدف الأساسي للقراءة؛ بناء العقل العلمي المعرفي، وتشكيل الوعي الحضاري، وتوفير الإطار المرجعي اللازم له، والنموذج العلمي الذي يستطيع أن يولد الاجتهاد والإبداع، ما يحتاجون إليه من علوم ومعارف انطلاقًا من نصوص محدودة متناهية في العدد اللفظي، لكنها تستوعب الوقائع المتعددة غير المتناهية ما دامت الحياة قائمة، وتستوعب الكون كله[8].
إن مسألة تناهي النصوص تعتبر من أبرز القضايا التشريعية التي اكتسبت الحيز الأوسع في كتب أصول الفقه بشكل مثير، والمضمون العام لهذه المسألة أن النصوص متناهية والأحداث والوقائع غير متناهية، وإنما هي في تزايد مستمر وتجدد دائم. وهذه المسألة ظلت مرتبطة بشكل كبير بقضية استثمار الخطاب الشرعي وضرورة الاجتهاد والتجديد لمواكبة تغيرات الزمان والمكان، والمستجدات والطوارئ التي تحدث في حياة الناس.
قال الشهرستاني: ((وبالجملة نعلم قطعًا ويقينًا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات، مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعًا أنه لم يرد في كل حادثة نص ولا يتصور ذلك أيضًا، والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى. علم قطعًا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد))[9].
إذن فالحوادث والوقائع متجدد ومستمرة، والنصوص الشرعية محدودة، ولا بد من إيجاد حكم شرعي لكل فعل من أفعال المكلفين، ولهذا أبيح القياس والاجتهاد لهذه الضرورة. يقول الشاطبي: ((فلأن الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره، فلا بد من حدوث وقائع لا تكون منصوصًا على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد. وعند ذلك فإما أن يترك الناس فيها مع أهوائهم، أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي، وهو أيضًا اتباع للهوى، وذلك كله فساد، فلا يكون بدٌّ من التوقف لا إلى غاية، وهو معنى تعطيل التكليف لزومًا، وهو مؤدٍّ إلى تكليف ما لا يطاق، فإذًا لا بد من الاجتهاد في كل زمان، لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان))[10].
فهذا الإقرار بتناهي النصوص دون تناهي الأحداث ووقائع الناس، جعل الأصوليين يلحون على ضرورة الاجتهاد، واستثمار طاقات النصوص التشريعية حتى تساير كافة المستجدات التي تطرأ في الواقع الإنساني والاجتماعي، وذلك عن طريق القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها من الأصول الاجتهادية، أو عن طريق القواعد الكلية العامة للشريعة الإسلامية، بإعمال النظر والتأمل والتفكر والتعقل وتدبر ملكوت الله تعالى عظمته في خلقه؛ الإنسان والكون والحياة وسائر الآيات المسطورة والمنظورة.
يقول طه جابر العلواني: ((فهما كتابان تجب قراءتهما معًا للخروج من إسار الأمية بكل أشكالها ومعانيها؛ كتاب منزَّلٌ متلو معجز وهو القرآن الكريم، وكتاب مخلوق مفتوح وهو هذا الخلق والكون والتجارب البشرية فيه، ومنه التعامل مع الإنسان نفسه، فهو جزء من الخلق وابن شرعي للطبيعة: قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (طه: 55)))[11] .
فإنه ليس من السَّهل أن نتخيل حدودًا فاصلة بين مصدري الوحي والوجود، فالوحي يجعل نصوص القرآن الكريم المتلوة المسطورة مصدرًا، ويجعل آيات الله المخلوقة المنظورة مصدرًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ١٩٠﴾ (آل عمران: 190). فإن الله سبحانه وتعالى هو منزِّلُ الكتاب، وخالقُ الوجودِ، أي أنه عز وجل هو المرجع فيما يرسمه للناس من أسباب الهداية وسبل الرَّشَاد، في الأمور كلها.
لقد نبَّهَ القرآن الكريم العقل الإنساني إلى أن يلاحظ ويجرب ويكتشف قوانين الكون وسننه التي لا تتبدل ولا تتغير، تلك القوانين التي أخضع الله سبحانه وتعالى لها الطبيعة والكون والحياة، وجوانب هامة من حياة الإنسان[12]، قال جل جلاله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ٥٣﴾ (فضلت: 53).
يقول حسن فتحي ملكاوي في كتاب؛ “منهجية التكامل المعرفي”: ((فالقراءة قراءتان، وكل قراءة منهما تعين الأخرى، فهما قراءتان متكاملتان، ولا بد للإنسان القارئ أن يجمع بين القراءتين، ليتمكن من تحصيل الهداية والرُّشد؛ وتتكامل القراءتان حين تتم قراءة الوحي لفهم العالم والتعامل معه، وتتم قراءة العالم لفهم الوحي والتعامل معه))[13].
إذن، لا بد من الجمع بينهما، لأن هذين المصدرين متكاملين، حيث تعين قراءة القراءة الأخرى وتعضدها وتتم نواقصها وقصورها، لأن القراءة الثانية تتأسس على الأولى، فالعلاقة بينهما علاقة تراتبية، يقول أبو القاسم حاج حمد في هذا السياق: ((تعتبر القراءة الأولى بوصفها كونية تتعالى إلى المطلق، هي القراءة المهيمنة على القراءة الثانية التي تنطلق من مناهج الاستدلال والاستقراء بتمكن الإنسان من قوى الوعي الثلاثي في الاستدلال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ٧٨﴾ (سورة النحل: 78). وإفادته الموضوعية من مناهج الاستقراء التي تعتمد على التفكيك والتحليل… فالقراءة الثانية مركبة على “ثنائية العقل والتجربة”، وهي ثنائية لا تبيح منهجيًا أشكال التأمل الذاتي المفتوح بلا منطق منضبط تمامًا كالقراءة الأولى المقيدة إلى النص القرآني والتي تبيح الرُّكُونَ إلى مبدأ الاستنارة الذاتية وادعاء الكشف الصوفي))[14].
لذلك فمن الضروري الجمع بين هاتين القراءتين، قراءة الوحي، وقراءة الكون (الوجود)، بمنهج تكاملي؛ لبناء العقل الإنساني السُّنَني الأخلاقي، والارتقاء به إلى آفاق علمية سامية، وإنشاء حضارة إنسانية منطلقها القرآن الكريم.
فإن التكامل المعرفي، يمثل الإطار المرجعي للمنهجية الإسلامية، وهو تكامل منهجي شامل في مصادر المعرفة، وفي أدوات المعرفة، وهو أيضًا تكامل بين المصادر والأدوات، ويقوم على أساس الفطرة والضرورة. فقضية التكامل المعرفي قضية فكرية منهجية، من حيث إنها ترتبط بالنشاط الفكري والممارسة البحثية وطرق التعامل مع الأفكار[15].
يقول العلواني: ((من هنا كان ما سميناه بـ “منهجية القرآن المعرفية”[16] دعامة أساسية للجمع بين القراءتين، وضرورة معرفية وحضارية لا على المستوى الإسلامي وحده، بل على المستوى العالمي كله، للخروج من المأزق المعرفي المعاصر، والأزمة الفكرية العالمية المعاصرة))[17].
فالقرآن العظيم المتضمن للمنهجية الكونية البديلة، والقابل للاستكشاف المعرفي والذي بمقدوره وحده إعادة الصياغة الفلسفية للحضارة العالمية الجديدة. وتبرز محددات “منهجية القرآن المعرفية” وتتحقق من قراءة الكتابين: القرآن والكون، وتؤسّس على مقابلتهما والكشف عن التكامل والتفاعل بينهما، وإبراز المنهجية في البحث والاكتشاف انطلاقًا منهما[18].
المصادر والمراجع:
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري.
- صحيح مسلم.
- سنن أبو داود.
- سنن الترمذي.
- أبو القاسم حاج حمد، ابستمولوجية المعرفة الكونية، إسلامية المعرفة والمنهج، فلسفة الدين والكلام الجديد، دار الهادي – بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: 1425 ه/ 2004م.
- أحمد عبادي، العلوم الإسلامية أزمة رؤية أم أزمة تنزيل، مجلة الإحياء ـ الرابطة المحمدية للعلماء، العدد 29، محرم 1430ه/ يناير 2009م.
- الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق وتعليق: عبد الله دراز، دار ابن الجوزي – القاهرة – جمهورية مصر العربية، الطبعة: الأولى، 1433ه/ 2013م.
- الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق: أمير علي منها وعلي حسن فاعور، دار المعرفة – بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة: 1414 ه/ 1993م.
- طه جابر العلواني، ابن تيمية وإسلامية المعرفة، الدار العالمية للكتاب الإسلامي – الرياض – المملكة العربية السعودية، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الثانية: 1415 ه/ 1995م.
- طه جابر العلواني، إصلاح الفكر الإسلامي، مدخل إلى نظام الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر، قضايا إسلامية معاصرة، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: 1421 ه/ 2001م.
- طه جابر العلواني، الجمع بين القراءتين قراءة الوحي وقراءة الكون، دراسات قرآنية (2)، مكتبة الشروق الدولية – القاهرة – مصر، الطبعة الأولى: 1427 ه/ 2006م.
- طه جابر العلواني، معالم في المنهج القرآني، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة – القاهرة – مصر، الطبعة الأولى: 2009م.
فتحي ملكاوي، منهجية التكامل المعرفي، مقدمات في المنهجية الإسلامية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي – هرند – فرجينيا – الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الثانية: 1437 ه
[1] أخرجه البخاري، (5027)، وأبو داود (1452)، والترمذي (2907).
[2] من مواليد: 1354 ه/ 1935م بالعراق، حاصل على الدكتوراه في أصول الفقه من جامعة الأزهر، وعمل أستاذًا للفقه وأصوله في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، شارك في تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية سنة: 1401 ه/ 1981م، وتقلد منصب رئيس المعهد وعضو مجلس أمنائه، وعضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، ورئيس المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية. حقق كتاب: “المحصول في علم أصول الفقه” لفخر الدين الرازي، وله عدة مؤلفات وأبحاث أخرى في الفقه وأصوله منها: “الاجتهاد والتقليد في الإسلام”، “أدب الاختلاف”، “أصول الفقه الإسلامي: منهج بحث ومعرفة”، “إصلاح الفكر الإسلامي بين القدرات والعقبات”. توفي سنة: 2016م.
[3] طه جابر العلواني، ابن تيمية وإسلامية المعرفة، الدار العالمية للكتاب الإسلامي – الرياض – المملكة العربية السعودية، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الثانية: 1415 ه/ 1995م، هامش، ص: 22- 23.
[4] أخرجه الترمذي (2906).
[5] ينظر: أحمد عبادي، العلوم الإسلامية أزمة رؤية أم أزمة تنزيل، مجلة الإحياء ـ الرابطة المحمدية للعلماء، العدد 29، محرم 1430ه/ يناير 2009م، ص: 12.
[6] طه جابر العلواني، الجمع بين القراءتين قراءة الوحي وقراءة الكون، دراسات قرآنية (2)، مكتبة الشروق الدولية – القاهرة – مصر، الطبعة الأولى: 1427 ه/ 2006م، ص: 14- 15.
[7] طه جابر العلواني، الجمع بين القراءتين قراءة الوحي وقراءة الكون، ص: 15- 17.
[8] ينظر: طه جابر العلواني، إصلاح الفكر الإسلامي، مدخل إلى نظام الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر، قضايا إسلامية معاصرة، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: 1421 ه/ 2001م، ص: 123- 124.
[9] الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق: أمير علي منها وعلي حسن فاعور، دار المعرفة – بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة: 1414 ه/ 1993م، 1/ 205.
[10] الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق وتعليق: عبد الله دراز، دار ابن الجوزي – القاهرة – جمهورية مصر العربية، الطبعة: الأولى، 1433ه/ 2013م، 4/ 9.
[11] طه جابر العلواني، الجمع بين القراءتين، ص: 20.
[12] ينظر: طه جابر العلواني، معالم في المنهج القرآني، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة – القاهرة – مصر، الطبعة الأولى: 2009م، ص: 99.
[13] فتحي ملكاوي، منهجية التكامل المعرفي، مقدمات في المنهجية الإسلامية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي – هرند – فرجينيا – الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الثانية: 1437 ه/ 2016م، ص: 214.
[14] أبو القاسم حاج حمد، ابستمولوجية المعرفة الكونية، إسلامية المعرفة والمنهج، فلسفة الدين والكلام الجديد، دار الهادي – بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: 1425 ه/ 2004م، ص: 382- 383.
[15] ينظر: فتحي حسن ملكاوي، منهجية التكامل المعرفي، مقدمات في المنهجية الإسلامية، ص:15- 27.
[16] يقول طه جابر العلواني: ((نعني بـ “منهجية القرآن المعرفية” المنهج الذي يقدمه لنا القرآن المجيد في شكل محددات وسن قوانين يمكن استنباطها من استقراء آيات الكتاب الكريم تلاوة وتدبرًا ترتيلًا وتنزيلًا وتفكرًا وتعقلًا وتذكرًا، ثم التعامل مع هذه المحددات تعاملًا يسمح لنا بأن نجعل منها محددات تصديق وهيمنة، وضبط لسائر خطواتنا المعرفية، ومنها تصحيح مسار المنهج العلمي، وإخراج فلسفة العلوم الطبيعية والاجتماعية من مضايق النهايات التي تتوقف عندها الآن. وفي مقدمة هذه المحددات “الجمع بين القراءتين” و”الوحدة البنائية للقرآن”… الخ))، (الجمع بين القراءتين، ص: 27).
[17] طه جابر العلواني، الجمع بين القراءتين، ص: 27.
[18] ينظر: أبو القاسم حاج حمد، منهجية القرآن المعرفية، ص: 40. وطه جابر العلواني، الجمع بين القراءتين، ص: 29.
** هشام الهواري : أستاذ باحث في الفكر الإسلامي، تكوين الدكتوراه: الحوار الديني والثقافي في الحضارة الإسلامي، مختبر المقاصد والحوار للأبحاث والدراسات، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان، بني ملال – المغرب



