من الاسم الإثني القبلي إلى التأثيل الإيديولوجي: أسطورة “أمازيغ” بوصفه “الإنسان الحر”

تشهد المصادر القديمة في شمال إفريقيا على وجود اسم إثني واسع الانتشار مبني على الجذر Mazik، وقد ورد في صيغ متعددة مثل Mazices،Mazaces وMazax وغيرها من الأشكال القريبة. وقد استُخدمت هذه التسميات للإشارة إلى مجموعات قبلية كانت موزعة في مناطق مختلفة من شمال إفريقيا الرومانية، ولا سيما في مقاطعتي موريطانيا القيصرية وموريطانيا الطنجية، اللتين تقابلان جغرافيًا أجزاء من وسط وغرب الجزائر وشمال المغرب حاليًا.(Desanges, 1962; Modéran, 2013) وفي السياقات اللاتينية والحقبة المتأخرة، يظهر مصطلح Mazices إلى جانب تسميات أخرى مثل Mauri ،Gaetuli وAfri . وفي بعض الحالات يبدو أن هذا المصطلح استخدم بوصفه تسمية عامة تشير إلى السكان غير الرومان في شمال إفريقيا .(Desanges, 1962) كما تُظهر النقوش الأثرية أن صيغة Mazik/Mazic كانت تُستعمل أيضًا كاسم علم شخصي، مما يدل على أن هذا الجذر لم يكن مجرد تصنيف إثني محدود، بل كان ذا انتشار اجتماعي واسع في شمال إفريقيا القديمة .(Desanges, 1962; Modéran, 2013)
وفي إطار اللسانيات التاريخية الأمازيغية، طُرحت فرضية تربط هذا الاسم الإثني القديم (Mazik) بالشكل الحديث Amazigh (Amaziɣ)، على الأقل على مستوى الاستمرارية التاريخية أو إعادة التفسير اللاحق، غير أن هذا الربط لا يزال موضع نقاش ولا يمكن اختزاله في مجرد تطابق صوتي بسيط. وما هو أكثر رسوخًا من الناحية العلمية هو أن التفسيرات الحديثة لكلمة Amazigh باعتبارها تعني جوهريًا “الحر” أو “النبيل” لا تستند إلى شواهد تاريخية قديمة مرتبطة ب Mazik، بل تعكس تطورات دلالية لاحقة .(Chaker, 2022) وبعبارة أخرى، فإن معنى “الحر/النبيل” ينبغي فهمه كتوسّع دلالي ثانوي ذي طابع إيديولوجي، وليس كمعنى اشتقاقي أصيل.
ومن الناحية التزامنية، يُوثَّق مصطلح أمازيغ بوصفه اسمًا ذاتيًا لدى عدد من المجموعات الناطقة بالأمازيغية، ولا سيما في وسط المغرب (الأطلس المتوسط وأجزاء من الأطلس الكبير)، حيث ظل جمع إمازيغن يُستعمل منذ زمن طويل كاسم ذاتي للمجتمعات المحلية. كما تقدم المتغيرات الطوارقية أدلة إضافية على الاستمرارية والتطور الصوتي، من خلال صيغ مثل أمازيغ ،أماشيغ وأماحاغ، وهي انعكاسات صوتية منتظمة لصيغة شمالية أقدم، وتعكس عمليات تطور صوتي داخلي في الأمازيغية وليس اقتراضًا خارجيًا .(Prasse et al., 1998) غير أن المعاني التزامنية لهذا المصطلح تختلف بشكل كبير من منطقة إلى أخرى، مما يدل على أن دلالته ليست ثابتة.
وفي بعض المتغيرات الزناتية في منطقة قورارة (الصحراء الجزائرية)، قد يحمل لفظ أمازيغ معاني مثل “السيد” أو “المالك” أو حتى “الإله” (Bellil, 2000) . ويمكن تفسير هذا التوسع الدلالي تاريخيًا من خلال البنية الاجتماعية الصارمة التي ميزت واحات الصحراء، حيث كانت الفئات الأمازيغية المهيمنة – وغالبًا ما كانت تُوصف بأنها بيضاء – تمارس السيطرة على الفلاحين السود الذين كانوا في وضعية تبعية شبه عبودية. وفي هذا السياق، ارتبط اسم أمازيغ بالمجموعات المالكة للأرض والسلطة والحرب، في مقابل الفئات الخاضعة أو المستعبدة .(Chaker, 2022) ويظهر تطور مماثل لدى الطوارق الجنوبيين، حيث أصبحت كلمة أمازيغ تشير تحديدًا إلى الطبقة المحاربة النبيلة، مستبعدًا الفئات التابعة أو المستعبدة. في المقابل، في مناطق الطوارق الشمالية حيث كانت فئات العبيد أقل عددًا، احتفظ لفظ أماحاغ بدلالة إثنية عامة تشير إلى الطوارق ككل، بما في ذلك النبلاء والتابعين .(Foucauld, 1952; Prasse et al., 1998) وتُظهر هذه المعطيات أن معاني مثل “النبيل” أو “الحر” لا تنبع من الأصل المعجمي للكلمة، بل من البنى الاجتماعية المحلية التي تعيد تفسير الأسماء الإثنية في ضوء التراتب الاجتماعي.
وعليه، فإن الفهم الشعبي المعاصر لكلمة أمازيغ بوصفها تعني بالضرورة “الحر” أو “النبيل” ينبغي اعتباره إعادة تشكيل دلالي حديث نسبيًا، وليس أصلًا اشتقاقيًا تاريخيًا. وكما يوضح سالم شاكر (Chaker, 2022)، فإن هذا يمثل نوعًا من “التأقلم الإيديولوجي” (acclimatization) للمصطلح، حيث تم توسيع دلالته، خاصة منذ أواخر القرن العشرين، للتعبير عن تصور أوسع للوحدة الثقافية والهوية السياسية عبر الفضاء الأمازيغي.
المراجع:
Bellil, R. (2000). Les oasis du Gourara (Sahara algérien) III: Récits, contes et poésie en dialecte tazenatit. Peeters.
Chaker, S. (2022). Berbères aujourd’hui: Kabyles et Berbères, luttes incertaines (nouvelle éd.). L’Harmattan.
Desanges, J. (1962). Catalogue des tribus africaines de l’Antiquité classique à l’ouest du Nil. Faculté des Lettres d’Alger.
Foucauld, C. de. (1952). Dictionnaire touareg–français (dialecte de l’Ahaggar) (Vol. 2). Imprimerie nationale.
Modéran, Y. (2010). Les Maures et l’Afrique romaine (IVe–VIIe siècle). Publications du Centre Camille Jullian.
Prasse, K.-G., Alojaly, G., & Ghabdouane, M. (1998). Dictionnaire touareg–français. Museum Tusculanum Press.



