المقالات

مشروع قانون المحاماة 66.23: حين تُسقِط المفارقات المنطقية انسجام النص التشريعي 

لا تُقاس خطورة النصوص القانونية دائماً بما تُقرِّره صراحة في موادها المنفردة، وإنما تكمن فيما تُفرزه ضمناً من آثار حين تتفاعل مقتضياتها في بيئة التطبيق والتنزيل. وهذا ينطبق بدقة على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، كما صادق عليه مجلس النواب في 19 ماي 2026.

تبدأ هذه الوثيقة التشريعية بمادة أولى تُقرّ صراحةً بأن المحاماة “مهنة حرة تُمارس وفقا لمقتضيات القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي صادقت عليها المملكة وتم نشرها في الجريدة الرسمية” ؛ غير أن هذا الاعتراف المبدئي يجري في سياق يُنتج مفارقة بنيوية؛ إذ تتبنى المنظومة القانونية مسارات تقوم على “تقييم الكفاءة بالاختبار” للمحامي الأجنبي، في مقابل إغلاق قبلي صارم للمنافذ أمام المواطن المغربي من خريجي كليات الشريعة  بناءً على “تصنيف مؤسساتي” جامد لا يراعي طبيعة التكوينات المعتمدة في هذه المؤسسات،  وهو ما يثير تساؤلاً مشروعاً حول مدى اتساق آليات التحقق من الكفاءة المهنية داخل المنظومة ذاتها.

أولاً: البناء النصي للمفارقة: الوطني مقابل الأجنبي

لا تكمن الإشكالية في احترام المغرب لالتزاماته الدولية، وإنما في التناقض بين الفلسفتين اللتين تُدبران مسألتين متماثلتين في النص نفسه: فحص الأهلية المعرفية لولوج المهنة.

  • على مستوى المحامي الأجنبي (المادة 12) في الفقرة 2: يُعفي القانون المحامين الأجانب من الدول المرتبطة بالمغرب “باتفاقية تسمح لمواطني كل من الدولتين المتعاقدتين بممارسة مهنة المحاماة في الدولة الأخرى” من شهادة الكفاءة ومن التمرين، لكنه يشترط عليهم “اجتياز اختبار لتقييم معرفتهم بالقانون المغربي قبل البت في طلباتهم” المعيار هنا موضوعي وعادل: الكفاءة قابلة للقياس والاختبار دون النظر لعنوان الكلية التي تخرج منها.
  • على مستوى ممارسة المهنة العابرة (المادتان 34 و35): يُتيح القانون للمحامي الأجنبي المرافعة الكاملة دون اشتراط أن تكون شهادته من “كلية الحقوق” تحديداً، علاوةً على تخويل وزير العدل صلاحية استثنائية للترخيص لمكاتب أجنبية لا ترتبط دولها باتفاقيات لمواكبة المشاريع الاستثمارية.
  • على مستوى المواطن المغربي (المادة 5): تقف المادة الخامسة لتبسط منطقاً مغايراً تماماً؛ إذ تشترط شهادة الماستر من إحدى كليات العلوم القانونية بالمغرب“، مستبعدةً خريج كليات الشريعة الوطنية استباقياً وقبلياً بناءً على “العنوان الإداري” للكلية، ومستبعدة تكوينات أخرى تتقاطع فيه المعرفة القانونية مع معارف علمية أخرى : إقتصاد، ذكاء صناعي، التجارة الدولية …

ثانياً: التناقض الداخلي في قلب القانون: مفارقة المعلم والمتعلم

يتسلل التناقض المنطقي إلى أحشاء القانون رقم 66.23 نفسه، مما يفقده انسجامه الداخلي عبر المفارقات التالية:

  • مفارقة القاضي الممارس (المادة 12 مع المادة 5): تُعفي المادة 12 قدماء القضاة من شهادة الكفاءة والتمرين. ومعلوم أن القانون رقم 37.22 المتعلق بالمعهد العالي للقضاء (الصادر في غشت 2023) يفتح مباراة الملحقين القضائيين أمام خريجي الشريعة. النتيجة: القانون يُعفي القاضي  من الدرجة الثانية أو من درجة تفوقها (خريج الشريعة) من كل الشروط لولوج المحاماة، ويمنع طالب الشريعة من مجرد اجتياز المباراة ابتداءً!
  • مفارقة المعلم والمتعلم (المادة 13 مع المادة 5): تُعفي المادة 13 أساتذة التعليم العالي (تخصص القانون) الذين درّسوا لمدة 8 سنوات بـ “كليات أو معاهد التعليم العالي بالمغرب” من التمرين المنصوص عليه في المادة 7 ومن شهادة الكفاءة. هذا النص يشمل قطعاً الأستاذ الذي يُدرّس مادة القانون في كلية الشريعة. المفارقة هنا صارخة: المُعلِّم معفيٌّ والمتعلِّم مُقصى — وكلاهما تحت سقف المؤسسة ذاتها.
  • مفارقة التكوين المتبادل (المادة 7 مع المادة 5): تُلزم المادة 7 المحامي المتمرن بقضاء 4 أشهر تدريباً في مجال ذي صلة بممارسة مهنة المحاماة بإحدى إدارات ومؤسسات عمومية (يعمل خريجو كلية الشريعة كأطر قانونية في مجموعة من مؤسسات الدولة)، فالقانون يرى في هذه المؤسسات بيئة مؤهلة لتكوين المحامين، ويرفض خريجي الكلية التي تُغذيها من مجرد اجتياز امتحان!

ثالثاً: الجنسية كمعيار للأهلية

إن استحضار الالتزامات الاتفاقية للمغرب في المجال القانوني والقضائي يبرز أن المشرع اعتمد، بموجب المادة 12، آلية خاصة للتعامل مع بعض المحامين الأجانب المنتمين إلى دول تربطها بالمملكة اتفاقيات تسمح بالممارسة المهنية المتبادلة. غير أن هذا الانفتاح الاستثنائي يقابله، في المادة 5، تضييق لمسالك الولوج العادية بالنسبة لبعض الشهادات الوطنية، الأمر الذي يطرح إشكالاً يتعلق بمدى التناسب بين الغاية المعلنة للتنظيم المهني وبين الوسائل المعتمدة لتحقيقها.

ومن بين هذه الدول، نجد أنظمة تُشرك كليات الشريعة في مسلك المحاماة صراحة:

  • المملكة العربية السعودية: المادة 3 من نظام المحاماة (المرسوم الملكي م/38) تقبل “درجة كلية الشريعة أو بكالوريوس القانون” على حد سواء.
  • دولة الكويت: المادة 2 من قانون المحاماة (رقم 42 لسنة 1964) تقبل “إجازة الحقوق أو إجازة القضاء الشرعي من إحدى كليات الشريعة الإسلامية بدول الجامعة العربية” (وهو نص يشمل الشهادات المغربية).

هنا يقع القانون في مأزق حرج: محامٍ سعودي أو كويتي (خريج كلية الشريعة في دولته) يملك الحق في المرافعة بمحاكم المغرب بموجب المادة 12 والاتفاقيات الدولية، بينما نظيره المغربي (خريج شريعة كلية الشريعة بأيت ملول أو فاس) يُمنع من مجرد اجتياز مباراة.

الشهادة واحدة، والمعادلة صريحة، والفارق الوحيد هو الجنسية!

رابعاً: التناقض النسقي مع البيئة التشريعية الوطنية

إن المادة 5 لا تشذ عن فلسفة التبادل الدولي فحسب، وإنما تشكّل خروجاً صريحاً أيضاً عن المنظومة القضائية المغربية المستقرة؛ فهناك أربعة قوانين نافذة تُقر بالأهلية الموازية لشهادة الشريعة في المهن القانونية:

  1. القانون رقم 37.22 (المعهد العالي للقضاء – غشت 2023): يفتح مباراة القضاء أمام ماستر القانون أو الشريعة (المادة 28).
  2. القانون رقم 81.03 (المفوضون القضائيون): يُعادل صراحة بين الشهادتين (المادة 4).
  3. القانون رقم 16.03 (خطة العدالة): يفتح المهنة لحاملي إجازة الشريعة (المادة 6).
  4. القانون رقم 49.00 (مهنة النساخة): يعتبر شهادة الشريعة شرطاً أصيلاً.

كيف تحتفظ المنظومة القضائية بالمحتوى المعرفي الفقهي كمرجعية موضوعية لإنتاج الحل القضائي في مجموعة من القوانين: مدونة الأسرة، مدونة الحقوق العينية، مدونة الالتزامات والعقود، قوانين البنوك التشاركية،….، ثم تُقصي المتخصصين فيه من حق الدفاع؟ إن القانون 66.23 ينفرد وحده بهذا الإقصاء، مما يجعله شذوذاً تشريعياً يضرب أمن المنظومة واتساقها.

خامساً: حين يتحول السكوت التشريعي إلى عيب دستوري

تنطوي المادة 5 في فقرتها الثالثة على مخرج قانوني جوهري يشترط لولوج المعهد الحصول على شهادة الماستر أو الماستر المتخصص أو دبلوم الدراسات العليا المعمقة أو المتخصصة في العلوم القانونية، مُردفةً ذلك بعبارة تفتح باب الإنصاف: “أو شهادة معترف بمعادلتها لها”. غير أن هذا الاعتراف النظري بوجود مسارات أكاديمية مكافئة يظل معطلاً في غياب نص تنظيمي يُفصّل آليات تفعيله؛ وهو سكوتٌ من النوع الذي تنبّه له الاجتهاد الدستوري المغربي ذاته، وإن في سياق مهنة قضائية حرة أخرى. ففي قرارها الصادر بتاريخ 15 يونيو 2026 (رقم 263/26، ملف عدد 313/26) بخصوص مراقبة دستورية القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، أرست المحكمة الدستورية مبدأً عاماً يصلح للاستئناس به في كل تنظيم تشريعي لمهنة قضائية حرة. فحين فحصت المحكمة المادة الثامنة من ذلك القانون، ولاحظت أن المشرع اكتفى بتعداد حالات التنافي المهني دون أن يحدد أجلاً لتسوية الوضعية أو يعيّن الجهة المختصة بتلقي التصريح بها، قضت بأن: “هذا السكوت من قبل المشرع، يشكل إغفالا تشريعيا يطال العناصر الجوهرية اللازمة لإعمال القاعدة القانونية، وينجم عنه فراغ قانوني من شأنه تعطيل قابلية النص للتطبيق المتوازن والمنصف، ويفتح الباب أمام تفسيرات متضاربة بهذا الخصوص”، وانتهت إلى عدم دستورية المادة بهذا السبب.

هذا المبدأ — أن إغفال المشرع تفصيلَ آليات إعمال نص أقرّه هو بذاته عيب دستوري لا مجرد قصور تنظيمي عابر — ينطبق بالقياس على وضعية المادة 5: فالمشرع فتح، نظرياً، باب المعادلة الأكاديمية لخريجي المسارات غير القانونية الصرفة (ومنها الشريعة مثلا)، ثم تركه معلقاً في غياب أي نص تنظيمي يحدد معايير المعادلة أو الجهة المختصة بالبت فيها. وعليه، يتحول هذا المقتضى من تنظيم مشروع لولوج المهنة إلى “قصور تنظيمي واجب التقويم”، يفرض من الناحية العملية منعاً قبلياً مطلقاً ومقنعاً.

وبإخضاع هذا المقتضى لفحص الوثيقة الدستورية لعام 2011، يتضح موقعه الحرج في مواجهة القواعد الآتية:

  • الفصل 6 (مبدأ سمو القانون والأمن القانوني): في القرار ذاته، وبمناسبة فحص عبارة “ذكورا وإناثا” الواردة في المادة 67 من قانون العدول، ذكّرت المحكمة الدستورية بأن: “الفصل السادس من الدستور يُرسي مبدأ سمو القانون وخضوع الجميع له أفراداً وهيئات، بما يستوجب أن تتسم القاعدة القانونية بالوضوح والدقة والقابلية للتوقع، وأن تكون صياغتها محكمة بما يمكن المخاطبين بها من استيعاب مضمونها وإدراك آثارها القانونية على نحو يقيني خال من اللُبس والغموض”. وبتطبيق هذا المعيار بالقياس على المادة 5، فإن تعليق الحق في المعادلة الأكاديمية على نصوص تنظيمية غائبة يُفقد القاعدة القانونية دقتها وقابليتها للتوقع، ويخلق مساحة من الغموض تمس بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون.
  • الفصل 31 (تكافؤ الفرص): يُلزم الدستور الدولة بتيسير أسباب استفادة المواطنين من الحق في ولوج المهن بناءً على الاستحقاق وتكافؤ الفرص. “وقد أكدت المحكمة الدستورية، بمناسبة فحصها لمقتضيات حمائية في القرار ذاته، أن المساواة الدستورية”لا تقتصر على مفهومها الشكلي، بل تمتد إلى ضمان شروط الممارسة الفعلية للحقوق والحريات”. وبإسقاط هذا الفهم الموسّع للمساواة على وضعية خريجي الشريعة، فإن إقصاءهم الفعلي من ولوج المهنة — بسبب إغفال تشريعي لا بسبب نقص في كفاءتهم المعرفية المثبتة عبر الامتحان — يتعارض مع متطلبات المساواة الفعلية التي اعتمدتها المحكمة معياراً.

ولئن كان من الثابت دستورياً أن المشرع يمتلك سلطة تقديرية لضبط شروط ممارسة المهن، فإن هذه السلطة ليست مطلقة. وقد ذكّرت المحكمة الدستورية بحدودها في القرار نفسه، بمناسبة فحص المادة 51 من قانون العدول، حين قضت بأن: “المشرع يتمتع، في نطاق سلطته التقديرية، بهامش من الحرية في تنظيم وسائل الإثبات وتوثيق التصرفات القانونية، واختيار الآليات الكفيلة بتحقيق الغايات المتوخاة من التشريع، ما لم يفض ذلك إلى الإخلال بأحكام الدستور أو الغلو في التقدير”.

وحيث إن المشرع، في قانون المحاماة ذاته، قد اعتمد سلفاً “الامتحان” كآلية غربلة موضوعية وعادلة لفرز الكفاءات — كما يتضح من شرطه على المحامي الأجنبي اجتياز اختبار في القانون المغربي بصرف النظر عن عنوان كليته — فإن الاستمرار في إعمال “المنع القبلي” بحق المواطن المغربي بناءً على المسمى الإداري للشهادة وحدها، دون فحص وتمحيص المضامين البيداغوجية عبر الآلية الموضوعية ذاتها، يقترب من النموذج الذي حذّرت منه المحكمة بوصفه “غلواً في التقدير”. فطالما أن صندوق الامتحان هو الفيصل الذي اعتمده المشرع نفسه لتقييم الأجانب، فإن تعطيل آلية المعادلة بحق المواطنين يُعد تقييداً غير متناسب يستحق إعادة النظر.

إن تصحيح هذا الوضع لا يتطلب التنازل عن معايير الجودة، بقدر ما يستوجب مراجعة الفقرة الثالثة من المادة الخامسة بمجلس المستشارين لتُصاغ على النحو التالي:

“… أن يكون المترشح لمباراة ولوج المعهد متحصلاً، من إحدى كليات العلوم القانونية أو كليات الشريعة بالمغرب، على شهادة الماستر أو الماستر المتخصص أو دبلوم الدراسات العليا المعمقة أو المتخصصة في العلوم القانونية أو في الشريعة.”

تضمن هذه الصياغة الحفاظ على شرط “الماستر” صوناً لمعيار الجودة، وتُكرس مبدأ المساواة، وتُعيد القانون إلى سكة الانسجام النسقي مع القوانين الوطنية الأربعة السابقة عليه. فحين تُعرض النصوص على موازين الرقابة الدستورية، فإنها لا تزن بالأيدي المرفوعة بالتصويت بناء على موازين السياسة وإكراهاتها، وإنما تحتكم بالأساس إلى مدى ملاءمة التشريع لروح العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص.

 

عبد العالي المتقي

باحث مغربي، حاصل على درجة الدكتوراه من كلية الشريعة، مهتم بقضايا التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، له مجموعة من المقالات والأبحاث المنشورة. شارك في عدة من الندوات والورشات داخل المغرب وخارجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى