المقالات

الرؤية اللاتاريخية للدين غير علمية

الدين كائن حي، يتشكل ويتحول تبعًا لتحول أنماط الفهم والعيش. يتطور حين تنبض فيه الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، ويذبل حين تنغلق آفاقه ويغدو تفسير نصوصه أسير التكرار والاجترار. ما من ديانة بقيت على صورة واحدة في التاريخ؛ فكم من ديانة انفتحت على الإنسان والعالم ثم انكمشت في قوالب مغلقة، وكم من ديانة ضاقت آفاقها في مرحلة من تاريخها ثم استعادت حيويتها وانفتاحها في مرحلة أخرى. ذلك أن مفسري النصوص الدينية لا يقرؤونها خارج شروطهم الإنسانية، وإنما تتدخل في فهمهم رؤيتهم للعالم، وثقافتهم، ونمط عيشهم، ونشأتهم، وتربيتهم، وتكوينهم المعرفي، وأحكامهم المسبقة، وآفاق انتظارهم من الدين. من هنا يتجدد فهم النصوص بتجدد الإنسان، وتتغير طرائق تفسيرها بتغير الأسئلة التي يفرضها العصر، والحاجات التي يستيقظ عليها الوعي البشري في كل زمان. من هنا تنشأ الحاجة إلى تتابع النبوات في تاريخ الأديان، وإلى ظهور المصلحين والمجددين، وتنبثق الضرورة الدائمة لإصلاح التدين، وتجديد فهم الدين، وإعادة تفسير نصوصه بما يوقظ ما تختزنه من طاقات روحية وأخلاقية وجمالية قادرة على إرواء الظمأ الأنطولوجي للإنسان، وصون كرامته، وإثراء حياته، وتجديد صلته بالمعنى الروحي والأخلاقي الذي تتطلبه حياته في كل عصر.

دراسة أثر كل دين وأنماط التدين التي تتشكل في فضائه تتطلب أن يعتمد الدارس معادلة مثلثة للفهم، إذ لا بد أن يعاين الدارس ذلك الدين بوصفه نصًا أولًا، ويتعرف ثانيًا على شخصية الإنسان المعتقد بهذا النص فردًا ومجتمعًا، ويكتشف طبيعة الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسان وكل ما يحفل به عصره ثالثًا. هذه العناصر الثلاثة تشكل توليفة متفاعلة يؤثر كل منها بالآخر ويتفاعل معه. لذلك تختلف أنماط التدين تبعًا لاختلاف الناس أفرادًا ومجتمعات، واختلاف واقعهم وعصرهم وثقافتهم، وطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، واختلاف كيفية تلقي النصوص الدينية. ربما يكون التدين دافئًا، لينًا، رقيقًا، رحيمًا، كما لدى القليل من الأشخاص الذين يولدون في واقع يستمعون فيه إلى صوت المحبة والعطف والشفقة والتراحم، ويحظون بتربية وتعليم سليمين. وربما يكون التدين شديدًا، قاسيًا، عنيفًا بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرضون إلى اضطهاد وعنف في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمين.  

تنشأ الثغرات في دراسة الأديان من إهمال إحدى أضلاع المعادلة المثلثة للفهم، لذلك تتطلب دراسة الأديان أن يتعاطى الدارس مع نصوصها وتراثها الديني بمنطق الباحث الذي يعتمد مناهج البحث العلمي، وينشد فهم المغزى العميق لهذه النصوص، ويهمه التعرف على دلالات التراث في فضاء السياقات الخاصة التي تشكل فيها، والسعي لاكتشاف الآثار الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتها نصوص هذه الأديان، وكيفيات تمثلها في الحياة البشرية. ولا أظن أن هناك جدوى من دراسة الأديان ومقارنتها وحوارها، لو كان الدارس مولعًا بالتبشير بمعتقده ولا يريد إلا ترويجه، والحرص على إدخال الآخر فيه، على وفق اعتقاده بأن معتقده هو الحق، وكل ما سواه باطل.

الواقع الذي نعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمام بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسة كيفية نشأته وأنماط حضوره وصيرورته عبر التاريخ، والانتقال في الدراسات الدينية من الرؤية التقليدية، التي كانت ترى الدين ونصوصه مرجعية نهائية في تفسير وفهم كل شيء، إلى رؤية تخضع تعبيرات الدين وتجلياته في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تمثلات بشرية، وكل ما هو بشري يقع في مدارات عقل الإنسان وعلومه ومعارفه وخبراته. وإن كانت نصوص الدين مقدسة، غير أن تفسيرها وتأويلها وفهمها يتجلى فيها الأفق التاريخي الذي يتموضع فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهم عابرًا للإطار المعرفي لذلك الإنسان.

 ليست هناك ديانة أو نص ديني خارج طرائق عيش الإنسان وأحوال العمران. الإنسان لا يعيش في فراغ، وإنما يخضع لمشروطيات تسهم في تشكيل وعيه، وتؤثر في نظرته إلى العالم، وتنعكس على فهمه للدين وتمثله لمعانيه. وتتجلى هذه المشروطيات في: العقل، واللغة، والمشاعر، والغرائز، والجسد، والتربية، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسلطة، والتاريخ، والمكان، والزمان، ولا يتجسد الدين في حياة الإنسان إلا من خلال هذه المشروطيات، إذ يتلقى الإنسان النص الديني ويفهمه ويؤول دلالاته في ضوئها. لذلك يتنوع فهم الدين وتفسير نصوصه بتنوع أنماط حياة الناس وطرائق عيشهم، واختلاف بيئاتهم وثقافاتهم وتجاربهم في الحياة. النص الديني واحد، غير أن معناه يتكشف في آفاق متعددة، تبعًا لتنوع طرائق التلقي، وتعدد الخبرات الإنسانية، وتنوع الشروط التي يتكون في سياقها وعي الإنسان ورؤيته للعالم.

الرؤية اللاتاريخية للدين ترى الأديان قارة ساكنة، وكأن الأديان تؤثر في المجتمعات وتعمل على تغييرها من دون أن تتغير هي أو تتأثر. أما الرؤية التاريخية العلمية فتذهب إلى أن الأديان تتأثر بطبيعة المجتمعات الإنسانية المتنوعة، تبعًا لتنوع الزمان والمحيط والإثنية والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة، وتشرح كيف أن هناك تأثيرًا وتأثرًا متبادلًا بين الدين والمجتمع. مثلما يؤثر الدين في المجتمع، ويسهم في إنتاج رؤيته للعالم، ويعمل على صوغ نمط حياته، يعمل المجتمع أيضًا على إنتاج صورته الخاصة للدين، وصياغة نمط التدين الذي يشبهه. لو ظهرت البوذية في الجزيرة العربية لأضحت مشابهة للمجتمع العربي، ولو ظهرت الهندوسية في اليونان لأضحت مشابهة للمجتمع اليوناني، ولو ظهرت المسيحية في الصين لأضحت مشابهة للمجتمع الصيني، وهكذا الحال في الأديان الأخرى. وكما تؤثر المجتمعات في الأديان، تؤثر الأديان في المجتمعات، فما فعلته البوذية في المجتمع الهندي ومجتمعات آسيا المعتنقة لها لا يقل عن فعل المجتمع الهندي ومجتمعات آسيا المعتنقة للبوذية فيها، وما فعله الإسلام بالأندلس لا يقل عن فعل الأندلس بالإسلام.

لا يكفي الحكم على أخلاقية وإنسانية الديانة بما تشتمل عليه مدونتها، أو بشهادات أتباعها عنها، مهما ادعوا من انحصار الأخلاق والإنسانية فيها، إنما يتم ذلك بمقارنتها بالديانات الأخرى، مضافًا إلى اكتشاف مقدار تجلي القيم الإنسانية لهذه الديانة وأخلاقياتها في سلوك معتنقيها أفرادًا وجماعات، في الماضي والحاضر.

ليس هناك دين يحتكر المحبة والحريات والحقوق واحترام كرامة الكائن البشري، وليس هناك تاريخ دين منزه عن التعصب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان.ففي ميراث الأديان السماوية مثلًا لا يصح نسيان مظالم الفتوحات الإسلامية، مثلما لا يصح نسيان مآسي الحروب الصليبية، والجرائم الشنيعة للصهيونية في فلسطين ولبنان وغيرهما.

المعروف عن البوذية أنها ديانة غير تبشيرية، وأنها من أكثر الديانات في الأرض سلمًا، فلم يتحدث لنا التاريخ عن حروب تم خوضها أو دماء أبرياء سفكت باسمها، كما هو معروف عن ديانات أخرى، لكن مع كل ذلك تناقلت وسائل الإعلام صورًا ومشاهد مريعة لأعمال عنف مأساوية ضد مسلمي الروهينغا في ميانمار عام 2017، قامت بها مجموعات بوذية بتحريض رهبان بوذيين متطرفين.

‏الموقف الأخلاقي يفرض على أتباع كل دين الكشف عن أرشيفات الماضي، وإعلان كل ما يختبئ فيها، وفضح منابع التعصب والكراهية في تراثهم مثلما يفضحونها لدى غيرهم، والاعتراف بأخطائهم كما يتحدثون عن أخطاء غيرهم.

عبدالجبار الرفاعي

د. عبدالجبار الرفاعي مفكر عراقي، ‏متخصص في الفلسفة وعلوم الدين. من مؤسسي علم الكلام الجديد في المجال العربي. منذ ثلاثين عامًا يكرّس منجزه لفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. مدير مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ورئيس تحرير مجلة قضايا إسلامية معاصرة، منذ إصدارها عام 1997 وحتى اليوم. أصدر أكثر من 50 كتابًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى