Non classéالمقالات

إشكالية الدين والتدين

ضمور المعرفة بالإشكالية والآفات الناجمة عنها

    لا تزال إشكالية الدين والتدين تطرح نفسها بحدة، وذلك كلما ازدادت الهوة بينهما واتسعت؛ أي بين طلب الدين واستجابة المتدين، بين المثال الذي يقدمه الدين والتمثل الذي يكون عليه المتدين. يعمق هذه الهوة ويرسخ مسافة البعد فيها، ضمور المعرفة والفقه بهذه العلاقة الجدلية بين الدين والتدين؛ فعلى خلاف البساطة والوضوح الظاهرين فيها، والاعتقاد في كون الدين منحصرا في الأمر بالفعل أو الترك، وفي كون استجابة المتدين منحصرة في الالتزام بذلك؛ ثمة عمق إشكالي فلسفي ومعرفي كبير يؤطر هذه العلاقة، في أسسها وأصولها وفي غاياتها ومقاصدها وفي وظائفها وشبكة علاقاتها، بحيث يكون العمل بالفعل والترك فيها تجليا من تجلياتها.

     ولقد عبر عن هذا المعنى في صياغات نسقية رائعة، تجمع بين روح الدين الايمانية، وفلسفته ومقاصده التشريعية، ونظامه القيمي والأخلاقي، وأسسه المعرفية، قلة من علمائنا في تاريخنا المديد نذكر منهم الغزالي والعز بن عبد السلام والقرافي والشاطبي وابن رشد وابن القيم.. ومتأخرون قليلون كذلك. ولا زلت أجزم أن فكرنا المعاصر لم يستفد من تراثهم بعد، وأنهم متجاوزون لنا كثيرا في فهم الدين وفي طبيعة التدين الذي يسدد ويرشد الحياة في معانيها الكلية أولا، ثم في صورها الجزئية ثانيا. فما أروع ما كتبوا في تقرير المصالح والمفاسد الدنيوية والأخروية والتمييز بين مراتبها والأحكام المتعلقة بها، وكذا التمييز بين كليات الدين والشريعة وبين الجزئيات والفروع الخادمة لها، وبين الضروري والحاجي والتحسيني في الدين وفي الحياة، وما كتبوا في المعرفة والفهم الجامع بين الحكمة والشريعة والمقاصد والتعليل؛ أي أنهم كانوا يسطرون مناهج ورؤى  وقواعد في الفهم، تُقوم وتُرشد العلم والمعرفة ومن ثم العمل والسلوك؛ لكن للأسف غلب علينا درس وتدريس هذه المعارف، حتى إذا آل الأمر الى مرافق الحياة وقطاعاتها المختلفة، غابت وحضر الطبع والعادة.

         لقد تولد عن هذا الضمور المعرفي بالعلاقة بين الدين والتدين مشكلات عدة على مستوى الفهم لدى البعض، وعلى مستوى التمثل لدى آخرين، وعليهما معا لدى كثيرين. نشأ غلو لدى البعض في الفهم لما توهموا احتكارهم للحقيقة الدينية حتى كأنهم أوصياء عليها وناطقون رسميون باسمها، وذلك في الواقع تضخم في ذات المتدين يعكس طباعه ونوازعه أكثر مما يعكس تمثله للدين. واستحكمت عادات تحولت لدى شرائح واسعة من عموم الناس الى عبادات، وكذا عبادات تحولت الى عادات بحيث أفرغت من محتواها الشرعي وأضحت مجرد طقوس اجتماعية واحتفالية. وساد لدى البعض اعتقاد أن الايمان والعبادات شيء، وأن الأعمال والسلوك شيء آخر ولا تأثير لأحدهما في الآخر. وهذا ما يبرر ازدواجية سلوك أناس كثيرين بين إتيانهم الطاعات من جهة، وبين عدم تورعهم عن تجنب الآثام من جهة أخرى؛ فترى المتدين منهم حينما تحل به نازلة يتجرد عن خلقه الديني وتتحكمه الطباع والعادات، فيشتد في الخصومة ويغلظ القول فيها؛ وتراه يؤدي العبادة في المسجد وإذا خرج الى السوق أو التجارة أقسم بالأيمان الكاذبة وشهد الزور؛ وترى العامل في المصنع أو الأستاذ في القسم أو الموظف في شركة أو إدارة، لا يَعتبر إتقانه في أداء هذا الواجب أمانة وعبادة؛ إذا أتقن وأحسن فيها كان مأجورا، وإذا أساء أو غش فيها كان مأزورا.

       وترى صاحب العهود والمواثيق والالتزامات يسرع الى الاخلال بها، خصوصا إذا تعلقت بنظم أو قوانين وضعية بدعوى أنها غير شرعية، ولا يستحضر أنه مطالب شرعا بالوفاء بشرطه مع أي كان، وأن وضع النظم والقوانين اجتهاد يقره الشرع في تدبير المصالح، وأن تلك النظم والقوانين في خدمتها لمقاصد الدين وكلياته، مثل العدل والسلم والأمن وحفظ الأنفس والصحة والعقول والأموال والأعراض، تأخد شرعيتها بذلك، فالوسائل تأخذ حكم مقاصدها كما هو مقرر.

     لسنا هنا بصدد إحصاء الاختلالات فصورها كثيرة ومتنوعة، يؤطرها ويغذيها فهم وتصور خاطئ لمعنى التدين؛ والقاسم المشترك بينها أن أصحابها لا يستحضرون أنهم حيثما كانوا فهم في محاريب عبادة، وأن مفهوم التدين شامل مستوعب لمناحي الحياة كلها لا يشذ عنه منها شيء؛ وأن التعبد الذي هو روح التدين لا ينحصر في أداء الشعائر ومحلات العبادة فحسب، بل يتجاوزها الى كل فعل إنساني يأتيه المكلف في الحياة، والله تعالى يقول: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (الزلزلة 9)؛ فالإنسان إذن محوط بتقويم أخلاقي وجزائي لا ينفصل عنه في كل أحواله. إن الأصل في الصور المتقدمة، وما ماثلها، أن يَحُول الخلقُ الديني دون تلك الآفات، وأن تكون له الغلبة على العادة والطبع؛ وهذا هو معنى تدين المتدين حينما يكون للدين، إيمانا وطاعات، أثر في ترشيد وتسديد العمل والسلوك؛ وحينما يكون المتدين الى تزكية نفسه أقرب منه الى تدسيتها.

صور من التقابل بين (المثال والتمثل) أو (المطلق والنسبي) في الدين والفلسفة.

    إذا عدنا الى أصل الإشكال بين الدين المطلق والتدين النسبي، أو بين المثال الأعلى وتمثله في الواقع؛ نجد أن ديانات وفلسفات قد سبقت الى طرح هذا الاشكال الثنائي بين (المطلق والنسبي)، أو (المثال والواقع)، أو (المادة والروح) …الخ. لكنها لم توفق الى الجمع بينهما ولا الى إدراك طبيعة الوظيفة التكاملية بينهما؛ وحتى من أدرك شيئا من ذلك وعبر عنه في نسق فكري كما هو شأن الفلسفة اليونانية في حديثها عن المُثل والفضائل، أو في نسق ديني كما هو شأن اللاهوت المسيحي في حديثه عن الأخلاق، فلا نكاد نجد لذلك أثرا في الواقع الاجتماعي وفي حياة الناس وسلوكهم العام. ولهذا اتجهت هذه المذاهب الفلسفية والدينية الى التمييز بين المفهومين بحيث يكون لكل منهما وجود وكيان مستقل، فبقي المطلق مطلقا غير قابل للتنسيب، وبقي المثال متعاليا منفصلا عن الواقع غير مؤثر فيه.

       لقد كتب أفلاطون عن “المدينة الفاضلة” في جمهوريته، وقسمها الى فئات وطبقات: (فلاسفة حكماء وحكام) و(مهنيون صناع وتجار) و(جند محاربون)، وتحدث عن فضائل الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة…؛ لكن بقيت كلها مُثل ولم يكن لها تأثير ولا تمثل في الواقع؛ بل تعرضت النظرية الى نقد في تمييزها الطبقي وغياب العدالة مع الفئات الدنيا واستبداد النخبة. وبقيت أثينا بعيدة عن تمثل تلك المثل والفضائل حتى وهي تعيش رقيا عاليا في الفكر والابداع العقلي. (انظر: جمهورية أفلاطون، دراسة وترجمة فؤاد زكريا).

     وكتب القديس أوغسطين عن “مدينة الله” وانتصر فيها لقيم ومثل كذلك، لكن لم يكن لذلك أثر في إصلاح الواقع الاجتماعي والسياسي والطبقي في روما، ولا في تقويم المسيحية للسلوك الأخلاقي الروماني؛ عرض أوغسطين لأحداث روما والمفاسد التي تعرضت لها وأدت الى انحطاطها وعلى رأسها المفاسد الأخلاقية، حتى إنه قال بأن “فسادَ الأخلاق أشد فتكا بالمدينة من الحرب”.

      ولكي يُظهر المثل العليا المحققة للسعادة والفضيلة والعدالة والحرية…، ميز أوغسطين بين مدينتين: “مدينة السماء” وهي “مدينة الخير الأسمى”، و”مدينة الأرض” وهي “مدينة الشر الأعظم”. يقول: “حبان بَنَيا مدينتين، حب الذات حتى احتقار الله بنى المدينة الأرضية، وحب الله حتى احتقار الذات بنى مدينة الله”، (انظر: مدينة الله، ترجمة الخور أسقف يوحنا الحلو). وأيا يكن بقيت المدينتان منفصلتان، ولم يكن لمدينة “الخير الأسمى” أثر في تقويم “مدينة الشر الأعظم”. وبقيت المطلقات والمثل والفضائل لمجرد الذكر والاستحضار، أما الواقع والمجتمع والحياة، فكل ذلك خاضع لمنطق الغلبة والقهر والتمييز العرقي والطبقي.

     وحاول الفارابي، متأثرا بأفلاطون، أن يقيم معمارا لـ “المدينة الفاضلة” في الحضارة الإسلامية من خلال تقسيم أكثر تفريعا لفئات المجتمع، متحدثا كذلك عن قيم وفضائل كثيرة، ثم عن مقابلاتها ونواقضها؛ محاولا بذلك التذكير بدورها الجامع للأمة والموحد لها أمام مظاهر انقسامها الفكري والسياسي؛ لكنها بقيت كذلك مجرد مثل دون تحديد كيفيات تمثلها. 

     هناك إذن عالمان، أحدهما روحاني مثالي والثاني مادي واقعي، وتمايزت المذاهب والأطروحات النظرية في خدمة كل منهما بشكل مستقل، وقلة حاولت الدمج والجمع على الأقل بين التفسير الفلسفي واللاهوتي من خلال عقلنة هذا الأخير ، كما فعل موسى بن ميمون في اليهودية في (دلالة الحائرين)، وتوما الأكويني في المسيحية في (الخلاصة اللاهوتية)، متأثرين في ذلك بما فعله ابن رشد في الحضارة الإسلامية في ترجمته لأرسطو، وفي باقي كتبه خصوصا منها (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال) و(الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة)؛ ومنهم الفلاسفة الذين كانوا لاهوتيين واللاهوتيون الذين تعاطوا الفلسفة.

     في هذا النموذج، كان من أراد الاقتراب من المطلق الذي يمثله الدين، في النموذج الكنسي خصوصا، أو الانتساب الى المثل العليا والقيم الروحية عموما؛ فعليه أن يترهب وأن يزهد في الدنيا؛ كما أن من اختار الدنيا تجده ينقطع اليها كليا وينغمس في ملاذها انغماسا يستبيح به كل شيء، وتغيب عنه المثل والمعايير الأخلاقية الكلية.

     قريبا من هذا في الفلسفة الحديثة والاتجاهات الأخلاقية فيها، التي أسندت الأخلاق الى العقل بدل الدين، خصوصا مع ايمانويل كانط الذي سيج الدين في حدود العقل (انظر له: الدين في حدود مجرد العقل)؛ ومع الاتجاهات التجريبية والوضعية والوجودية التي سيجت الدين وأخلاقه في حدود التجربة والتطور الإنساني في كسب العلم والمعرفة؛ حيث كان الجامع المشترك بينها هو استبعاد أي تفسير غيبي أو لاهوتي. وكذلك مع مدارس التفسير الاجتماعي للظاهرة الدينية، حيث يتحول الدين والأخلاق الى “دين الجماعة” أو “دين المجتمع”، على غرار خلاصات الاجتماعي الفرنسي ايميل دوركايم؛ وكأن كل جماعة تصنع دينها وأخلاقها وطقوسها التعبدية من خلال الرموز المقدسة التي تتخذها، لتتحد بعد ذلك على رمز (طوطم) أعلى يوحدها، ولا دخل لمطلقات متجاوزة في ذلك غير ما تقرره الجماعة نفسها. (انظر كتابه: الأشكال الأولية للحياة البدائية).

     وفي شيء من الاعتبار لدور قيم الدين وأخلاقه العملية، نجد الاجتماعي الكبير ماكس فيبر يجعل من تلك القيم والأخلاق، في الشق البروتستانتي الكالفيني من المسيحية بالخصوص، أحد المستندات الأساسية لنشأة نظام اقتصادي كبير هو الرأسمالية؛ بعد عملية عقلنة وترشيد لتلك القيم والأخلاق لمواكبة التطور والتحول الاقتصادي والاجتماعي بل والاسهام فيه. (انظر له: الرأسمالية والأخلاق البروتستانتية). وتبقى لحظة نيتشه حاسمة كذلك في ثورته النقدية على القيم والأخلاق التقليدية سواء لدى الفلاسفة أو اللاهوتيين، أي سواء كان مرجعها الدين أو الفلسفة؛ وذلك باعتبارها تمييزات طبقية وعناصر في الهيمنة، وفي الوقت ذاته تمجيده أخلاق القوة من أجل “إنسان أعلى” متحرر من تلك القيود الأخلاقية.

      لقد عرف الغرب سجالا حيويا عميقا منذ عصر نهضته، بين مدارسه المختلفة في مقاربة المسألة الأخلاقية، وهي أكبر بكثير من النماذج والإشارات السريعة التي ألمحنا إليها؛ وبما أن الأخلاق مرتبطة بالدين الذي كانت تمثله الكنيسة ورجالها، الذين خاضوا باسمه حروبا تمت المصادرة فيها على النظر العقلي والبحث العلمي وكل أشكال الفكر الحر؛ كان نقد الدين وبنيته الأخلاقية التي سخرت لخدمة هذه الطبقة شيئا واحدا. ولهذا كان الاتجاه الى التماس مصادر أخرى للأخلاق سواء في العقل أو في المجتمع أو النفس أو في تطور النظم الفكرية والمادية المختلفة، في حركة يمكن تسميتها بـ “تحرير الأخلاق” على غرار تحرير العلم والعقل. وكانت إيجابية هذه اللحظة كذلك في كونها تحتكم في سجالها الى معايير مرجعية كلية ثابتة، مثل العقل والعلم والمجتمع والطبيعة والتجربة…الخ؛ وإن كان الغلو في تحويل بعضها، أو كلها، الى نزعات ذات سلطة تفسيرية تستبعد كل ما هو ما ورائي، لا يكاد يختلف عن سلطة الكنيسة القهرية.

       لكن كل ذلك سيتلاشى في العقود الأخيرة أمام اكتساح سيولة نفعية واستهلاكية رهيبة، هي إحدى نتائج هيمنة المنظور المادي الواحدي مؤطرا للمعرفة والسلوك معا. السيولة التي تحدث عنها الاجتماعي باومان بعد فقدان القيم والمعايير الصلبة، والتي اكتسحت كل المجالات تقريبا، وأضحت العنوان الأبرز للحداثة وما بعدها؛ حيث تغول النزعات الفردانية والتملك والحريات المطلقة والمتع اللحظية..، (انظر له: المجموعة السائلة). وهي القضايا التي كانت محل انتقاد مفكرين غربيين كثيرين، في حركة نقد واسعة تُجمع على إعادة طرح أسئلة المعنى والكينونة والوجهة واليقين، أمام غياب كليات ضابطة سواء كان مرجعها الدين أو العلم أو العقل، وأمام تحكم سيولة نفعية ضيقة وكاسحة.

      هي أيضا نتيجة الحروب الطاحنة التي دارت بين مؤسسة لاهوتية بابوية ومؤسسة امبراطورية مدنية، والتي انتهت باللجوء الى علمنة ابتدأت بالتمييز بين المؤسسات التابعة للكنيسة والمؤسسات التابعة للدولة، وانتهت الى سحب قيم وأخلاق الدين من المجال العام، بل ومن الانسان نفسه بسحبه من عالمه الإنساني؛ بل وسحب تلك القيم من العلوم والمعارف التي تطورت منفصلة عن أخلاق الدين وهدايات الوحي، فغدت التخصصات الدقيقة فيها وكأنها رؤوس حربية تجلب من الخوف والقلق للإنسان أكثر مما تحقق له من الأمن والطمأنينة، وتُوجَّه لخدمة نزعات الهيمنة والتوسع والاستهلاك أكثر مما تُوجَّه الى نفع إنساني عام.

التكليف بالمقدور والتمثل بحسب الوسع والطاقة

    يختلف النموذج المعرفي الإسلامي في مقاربته لهذا الاشكال، إذ يعتمد في تلك الثنائيات مقاربة الوصل بدل الفصل والتكامل بدل التقابل والدمج والتركيب بدل التفكيك؛ إذ صار ممكنا في هذا النموذج تنسيب المطلق وتمثل المثال، وصار ممكنا في الآن نفسه الجمع بين الارتباط بالوجود الأرضي، وبين التشوف والسمو الروحي. فليس مطلوبا من الانسان في هذا المنظور الانقطاع الى اللذات الأرضية ولا الانقطاع عنها، فكلاهما خروج عن الحالة الإنسانية وانفصال عن الفطرة البشرية؛ ليس مطلوبا منه التماهي مع المطلق أو التطابق مع المثال، ولا التماهي مع ما يدب على الأرض من أنعام ومطابقة وجودها الغريزي.

      فالوحي قيم ومكارم أخلاق ترشد الانسان الى سبل السلام، وتهديه للتي هي أقوم في حياته؛ آيات تسدد السعي والحركة وتحدد الوجهة والقبلة في السير، وبدونها يضل الانسان ويشقى؛ ولهذا فهو مستخلف بحمله لها، ومن ههنا ضرورتها لكنها لا تكفي لوحدها، إذ لابد لها من مجال استخلاف وسعي يتحقق فيه وجودها هو هذه الأرض الحاملة للإنسان، والتي سخرها الله له برا وجوا وبحرا ليحقق هذا الوجود المعنوي ويتحقق به.

      ولهذا فالارتباط بين الدين والدنيا في هذا المنظور وثيق، إذ السعي في الأرض تكليفا وابتلاء وتمحيصا..، هو محل الجزاء ثوابا أو عقابا في الآخرة؛ وجاء التذكير القرآني بابتغاء الاخرة دون نسيان الدنيا وبطلب الحسنات فيهما معا؛ كما في قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله اليك) (القصص 77)، (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار) (البقرة 199). فلا يوجد إذن انقطاع عن الدنيا وتعلق كلي بالغيب، ولا تعلق كلي بالدنيا وانقطاع عن الغيب؛ وهذه هي المعادلة الصعبة التي على المتدين الاجتهاد في تحقيق توازنه فيها دون غلو أو إفراط أو تفريط، أي الجمع والتحقق بين الوجودين الدنيوي والأخروي.

      ولنا أن نفهم هذا البعد في العتاب النبوي الشريف للنفر الثلاثة الذين تقالوا عبادته صلى الله عليه وسلم، فقرروا عدم النوم وعدم الاكل وعدم الزواج؛ وهذا معناه الخروج عن الفطرة البشرية بفهم مغال في التعبد والتدين؛ فردهم عليه الصلاة والسلام عن هذا الغلو والتنطع الى حال الاعتدال السوية المسنونة في سنته وسيرته، وقال: “فمن رغب عن سنتي فليس مني”، (البخاري: كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح؛ ومسلم: كتاب النكاح، باب استحباب النكاح)؛ أي أن السنة ليست مجرد ادعاء ولكن اتباع واقتداء وتأس.  ويدخل في ذلك كل صيغ النهي عن الغلو والتنطع والتشدد والانبتات، المنافية لروح اليسر في الدين والمخالفة للفطرة والمقدور البشري في التدين. ويكفي أن نستحضر الحديث النبوي الشريف في صحيح البخاري: “إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا..، الحديث”(كتاب الايمان، باب الدين يسر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أحب الدين الى الله الحنيفية السمحة”).

     يعطينا النموذج التفسيري الإسلامي حلا لهذا الاشكال في “التكليف بالمقدور” أي التمثل حسب الوسع والطاقة، كما تدل على ذلك الآيات: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) (البقرة 285)، (فاتقوا الله ما استطعتم) (التغابن 16)، (لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها) (الطلاق 7)؛ وفي الصحيحين: “إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم” (البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مسلم: كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر).  ولا بد من التأكيد هنا على أن هذه النصوص، هي نصوص في ضرورة بذل الجهد واستفراغ الوسع والطاقة في التمثل حتى بلوغ درجة من العجز أو المشقة فيصار الى التخفيف، فـ “المشقة تجلب التيسير” بناء على قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة 184)، (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج 76). والمراد بذل الوسع أولا قبل التذرع بالكلفة التي تتخذ أحيانا ذريعة للتهاون أو التقصير في أداء الواجبات.  

     المنظور الإسلامي هنا منسجم مع الفطرة في أصل الخِلقة الجامعة بين قبضة الطين ونفخة الروح، قبضة الطين التي يشترك فيها الانسان مع المخلوقات الأرضية في تصريف الغرائز، ونفخة الروح التي يشترك فيها مع المخلوقات العلوية في السمو والتعالي. تمنعه قبضة الطين من أن يكون علويا محضا، وتمنعه نفخة الروح من أن يكون طينيا محضا؛ وهذه المعادلة والموازنة هي ما ينبغي للإنسان أن يجتهد في التحقق بهما من غير إفراط أو تفريط هنا أو هناك.

     إن التدين في هذا المنظور هو مرور المطلق عبر النسبي، أو تشخص المثال المتعالي في حال المتدين الواقعي، ويكون ذلك ببذل الوسع والمقدور كما تقدم؛ وهذه العملية تقع في مراتب وتحفها مزالق، وهي التي قلنا تحتاج الى معرفة وفقه مواكب.

     فمراتبها حسب أقدار وجهود المكلفين، فهي كما يقول الشاطبي واصفا العمل الاجتهادي في تنزيل الحكم على ما يليق به من الأفعال بحسب الحالات: “النفوس ليست في قبول الاعمال الخاصة على وازن واحد كما أنها في العلوم والصنائع كذلك (…) فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها وتفاوت ادراكها وقوة تحملها للتكاليف وصبرها على حمل اعبائها او ضعفها (…) فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها بناء على ان ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف”؛ (انظر الموافقات، 3/83ـ84).

       وأما مزالقها فحسب ما يعتريها من إحسان أو إساءة، ومن خطأ أو صواب، ومن غفلة أوغلبة عادة أو طبع، وغير ذلك من عوارض القصور والنقص البشري؛ وقد يتلبس ذلك بلبوس الدين ويقدم على أنه دين. ويبقى المطلق والمثال مرجعين معياريين حاكمين، بهما يكون تقويم اختلالات التمثل والاستدراك على مواطن اللبس والقصور فيها. وسيبقى التمثل جهدا بشريا محفوفا بالأخطاء والمزالق، وما على المتمثل المتدين إلا الاجتهاد في تقويمها وتصويبها باستمرار؛ وفي هذا يندرج معنى الخطأ والاستغفار والتوبة منه، لقوله تعالى: (إنما التوبة على الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب، فأولئك يتوب الله عليهم، وكان الله عليما حكيما) (النساء 17)، (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم) (المائدة 41)، (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (ال عمران 135)؛ وكذلك معنى إتباع السيئة الحسنة، كما في قوله تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) (هود 114). وفي الحديث: “اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) (جامع الترمذي، أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في معاشرة الناس). وتندرج في ذلك كل صيغ الذكر ومحاسبة النفس التي تقوي الوازع الذاتي، وتجعله أكثر قدرة على فعل الخير وتجنب الشر، وعلى لزوم المعروف وتجنب المنكر، وعلى الاحسان وتجنب الإساءة قدر الإمكان.

 التنسيب لا يلغي المطلق والتمثل لا يقضي على المثال

     تثار هنا قضية لا يزال فيها التباس كبير لدى كثير من الباحثين والدارسين لتاريخ الأديان ولعلم الاجتماع الديني بالخصوص، حيث يذهب هؤلاء الى أن التمثل بقضي على المثال وأن النسبي يلغي المطلق؛ بمعنى أن مطلقات الدين ومثالاته أو قيمه العليا، لا تبقى كذلك حينما تتحول الى تدين وتمثل اجتماعي، وحينما تخالط القصور والنسبية البشرية؛ فجمعوا بين نقد التمثل ونقد المثال، وبين نقد النسبي ونقد المطلق. وهذا فيه خلط كبير يفضي الى الغاء المرجعيات الكلية والأطر المعيارية الموجهة، التي لها صلاحية التقويم والاستدراك. فكيف نُقَوِّمُ إذن وبماذا إذا هيمنت النسبية وبعدها السيولة الجارفة؟ وكيف يكون مصدر النسبية والقصور مرجعا في الإصلاح والتقويم؟ ولا نتحدث هنا عن تجارب العلم وعن تطور المعرفة؛ فهذه يمكن تقويمها ذاتيا بتجاوز الأخطاء فيها، كما هي المقولة الشهيرة لفيلسوف العلوم غ. باشلار: “تاريخ العلم هو تاريخ أخطاء العلم”. وإنما المراد وجهة العلم والمعرفة، والقيم والغايات الكبرى في الحياة، وتحصيل اليقين والسعادة..، وغير ذلك مما كان محل انتقاد النقاد كما تقدم، ومما هو متجاوز للنسبية والقصور البشري. إلا أن يتوهم الانسان في نفسه صفات الاله كما يدل على ذلك كتاب المفكر الفرنسي لوك فيري “الانسان المؤله والمعنى في الحياة”، حيث يمكن للإنسان استيعاب القيم المطلقة والتحكم فيها.

      لم يستوعب هذا الاتجاه هذه الجدلية بين الدين المطلق والتدين النسبي، حينما اعتبر أن المطلق والمثال ينتهي دورهما مع عملية التنسيب والتمثل، أي حينما يتحولان الى تدين اجتماعي وكأن كل جماعة تصنع دينها وطقوسها التعبدية كما لاحظنا مع إميل دوركايم، دون توجيه أو انقياد لمطلقات متجاوزة. وحتى إن فرضت هذا المطلقات نفسها بشكل أو باخر، فإن النقد الموجه الى القصور في التدين الاجتماعي يطالها بالأساس، باعتبار ذلك القصور كامنا فيها بالقوة أخرجه التمثل الاجتماعي الى الوجود بالفعل. نحصل في النهاية على ما يقرره المجتمع في سياقاته التاريخية، وفي تحول بنياته الأخلاقية التي تفرز قيما جديدة تستجيب لواقع الحياة، كما هو واقع السيولة والاستهلاك في الخطاب الحداثي اليوم. ويختلف هذا الاتجاه عن سابقه الذي فصل بين المثال والواقع، فهذا أبقى على المثال وعلى القيم المطلقة ولو عجز عن تمثلها، يستحضرها ولو كشعار عند الحاجة؛ في حين ألغى الثاني المثال والمطلق وعطل وظيفتهما في التقويم، بل وجعل ذلك من إمكانات الفعل الإنساني ذاته.

     قلة من الباحثين حاولوا التمييز بين الدين والتدين كما فعل المفكر عبد الجواد ياسين لما تحدث عن “الدين في ذاته”، وعن “الدين في الممارسة الاجتماعية”؛ معتبرا الأول هو الوحي المطلق المتعالي الذي يقع خارج الاجتماع، ومعتبرا الثاني هو التدين أي تجليات هذا المتعالي في الممارسة الاجتماعية. لكننا نجده مع ذلك يعتبر التشريعات الاجتماعية الواردة في النص تمثلات اجتماعية “تحد من فاعلية تمدده في الزمان”، وتحول “دون اعتبار التشريع من جوهر الدين”، [انظر له: الدين والتدين]. ونرى أن ورود أي تشريع اجتماعي في النص، ما لم ينص على خصوصيته، يكتسي إطلاقية النص، تماما كما هو شأن أسباب نزول كثير من الآيات، وهذا أحد معاني إعادة ترتيب الآي والسور على غير نزولها لجعلها ممتدة في الزمان ومستوعبة لأحوال الانسان.

    وتجدر الإشارة هنا الى أن الحقيقة الدينية باعتبارها تقديسا وتطلعا الى مثال أعلى؛ أو شعورا بالقصور والعجز والحيرة، والبحث عن حلها في المثال المطلق، كل ذلك حقيقة كونية وجودية ملازمة للإنسان؛ وما المدارس والتوجهات الفكرية إلا زوايا نظر مختلفة الى هذه الحقيقة. وصور تدين الانسان عبر التاريخ والى اليوم كثيرة وكثيفة، حتى إن بعض الأنثروبولوجيين يؤكدون أنه لم توجد جماعة بشرية قط، خلت من أي مظهر من مظاهر التقديس. ولقد أزاح تطور العلم والوعي والنضج العقلي، كثيرا من الصور الخرافية والأسطورية في هذا الاتجاه ولايزال يفعل ذلك.

      ونعتقد أن العرض القرآني للحقيقة الدينية، من جهة كونها فطرة في كينونة الانسان وتكريمه لأجلها؛ ومن جهة انبناء كل حقائقها في عالم الغيب كما في عالم الشهادة على النظر العلمي والعقلي والاستدلال البرهاني؛ ومن جهة اسناد الاختيار الى الانسان بحرية تامة من غير إكراه بعد البيان؛ ومن جهة بيان سبل الهداية والاستقامة وتحصيل السعادة في الحياة؛ ومن جهة تحميل الانسان مسؤوليته الجزائية بعد ذلك كله. نعتقد أن هذه الخصوصيات، وغيرها، التي تميزت بها رسالة الختم والاصطفاء الكوني، تجعلها في انسجام تام مع حقائق الكون والوجود الإنساني، ومع تطور العلم والمعرفة؛ وإنما تنأى بها التفسيرات والتأويلات يمنة أو يسرة حينما تعرض حقائقها على غير وجهها، مما يحتاج معه الى مزيد التدقيق والتمحيص. (انظر في هذه المعاني: كتاب الدين لعبد الله دراز؛ وكتاب: روح الدين له عبد الرحمن).

الايمان ثمرته العمل الصالح، والعبادات ثمرتها استقامة السلوك

     إذا تجاوزنا هذه الأطروحات والسجال الدائر فيها وحولها، ولزمنا الأصل التكاملي المقرر فطرة ووجودا بين المثال وتمثله في الواقع من خلال الوسع والمقدور، نجد المنظور الإسلامي يتجاوز هذا الاشكال من مدخل آخر وهو الجمع بين الايمان والعمل الصالح، وكذلك الجمع بين العبادات وثمراتها في تقويم السلوك، علما أن الايمان والعبادات مطلقات والعمل والسلوك نسبيان. وأما الجمع بين الايمان والعمل فهو المقرر في كثير من نصوص القران: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) والسنة العملية كلها بيان لذلك؛

      هذا مع ضرورة الانتباه الى غلو طوائف من المتكلمين حيث كفر بعضهم المسلمين بترك الاعمال أو إتيان المعاصي مثل الخوارج، وحيث فَصل بعضهم بين الايمان والعمل ولم يجعل لأحدهما تأثيرا في الاخر مثل المرجئة، كما في قولهم بأنه “لا يضر مع إيمان معصية ولا ينفع مع كفر طاعة”؛ ومنهج السلف هنا عدم التكفير وعدم الفصل. فمرتكب المعصية عندهم على أصله من الايمان لكنه عاص بما ارتكب يتوجب عليه التوبة والاقلاع، وإن مات صار الى مشيئة الله، على خلاف من زعم أنه الى النار من المعتزلة والخوارج. والأعمال عند أهل السنة شرط كمال في الايمان، ملازمة له وليست منفصلة عنه يزيد بها وينقص؛ أي يزيد بالطاعات والأعمال الصالحة وينقص بالذنوب والمعاصي. ويجد هذا أصله في القران الكريم كما في قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون) (الانفال 2)، (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون) (التوبة 125)، (قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم الا إيمانا وتسليما) (الأحزاب 22)، (ليستيقن الذين اوتوا الكتاب ويزداد الذين امنوا ايمانا) (المدثر 31).

    ولرفع إشكال الجمع بين الايمان والمعصية، كما في الحديث الشريف في الصحيحين: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مومن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مومن، ولا يسرق حين يسرق وهو مومن.. (الحديث)” (البخاري كتاب الحدود، باب ما يحذر من الحدود؛ مسلم كتاب الايمان، باب بيان نقصان الايمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله”. إذ لا يعني ذلك رفع أصل الايمان الذي يعني الاخراج من الملة، وإنما رفع كماله لدى المتلبس بهذه المعاصي؛ وقال النووي في الحديث: “هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه، فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الايمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله”؛ وبرر تأويله هذا استنادا الى نصوص أخرى من القران والسنة تنفي الإخراج من الملة إلا بالشرك أو الجحود والانكار، مثل قوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (النساء 47)، وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: “من قال لا اله الا الله دخل الجنة” (في الصحيحين بروايات مختلفة؛ البخاري كتاب الجنائز، باب ما جاء في الجنائز وكان آخر كلامه لا إله إلا الله؛ مسلم كتاب الايمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا)؛ وحديث عبادة بن الصامت “الصحيح المشهور”: “أنهم بايعوه صلى الله عليه وسلم على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا..؛ ثم قال لهم صلى الله عليه وسلم: فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو الى الله تعالى، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه”. كما ذكر “إجماع أهل الحق أن أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الايمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة”. وقال بأن: “كل هذه الأدلة تضطرنا الى تأويل هذا الحديث وشبهه، ثم إن هذا التأويل ظاهر سائغ في اللغة”.

    وذكر النووي تأويلات أخرى مختلفة لعلماء من سلف الأمة في تأويل عدم اجتماع الايمان بالمعصية، منها: “أن يكون فَعل [العاصي] ذلك مستحلا له [لفعله]، مع علمه بورود الشرع بتحريمه”، “وقيل يَنزع منه نور الايمان”، “وقيل يَنزع منه بصيرته في طاعة الله”..؛ ثم قال: “وهذه الأقوال التي ذكرتها في تأويله كلها محتملة، والصحيح في معنى الحديث ما قدمناه أولا والله أعلم”.

     وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري في “كتاب الحدود”، اختيار النووي وقال: “وعلى القول الذي رجحه النووي لا إشكال في شيء من ذلك لأن لنقص الكمال مراتب بعضها أقوى من بعض”.  والتمس طائفة أخرى من المعاني والتأويلات لم يذكرها النووي، كلها تؤكد المعنى ذاته. قال: “وحاصل ما اجتمع لنا من الأقوال في معنى هذا الحديث ثلاثة عشر قولا خارجا عن قول الخوارج وعن قول المعتزلة، وقد أشرت إلى أن بعض الأقوال المنسوبة لأهل السنة يمكن رد بعضها إلى بعض”. نذكر منها:

قول الطبري أن: “من أقوى ما يَحمل على صرفه [الحديث] عن ظاهره إيجاب الحد في الزنا على أنحاء مختلفة، في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد؛ فلو كان المراد بنفي الايمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة، لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء. فلما كان الواجب فيه من العقوبة مختلفا، دل على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة”.

قول الخطابي: “كان بعضهم يرويه ولا يشربِ، (بكسر الباء) على معنى النهي، والمعنى: المؤمن لا ينبغي له أن يفعل ذلك.

قول ابن بطال: “إن الايمان هو التصديق، غير أن للتصديق معنيين أحدهما قول والأخر عمل؛ فإذا ركب المصدق كبيرة فارقه اسم الايمان، فإذا كف عنها عاد إليه الاسم. لأنه في حال كفه عن الكبيرة مجتنب بلسانه ولسانه مصدق عقد قلبه وذلك معنى الايمان”.

قول ابن حزم، قال ابن حجر: “وأظن أن ابن بطال تلقى ذلك من ابن حزم، فإنه قال: ” المعتمد عليه عند أهل السنة أن الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح، وهو يشمل عمل الطاعة والكف عن المعصية، فالمرتكب لبعض ما ذكر لم يختل اعتقاده ولا نطقه بل اختلت طاعته فقط، فليس بمؤمن بمعنى أنه ليس بمطيع، فمعنى نفي الإيمان محمول على الإنذار بزواله ممن اعتاد ذلك لأنه يخشى عليه أن يفضي به إلى الكفر”،”.

قول المازري أن: “هذه التأويلات تدفع قول الخوارج ومن وافقهم من الرافضة، أن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار إذا مات من غير توبة، وكذا قول المعتزلة إنه فاسق مخلد في النار؛ فإن الطوائف المذكورين تعلقوا بهذا الحديث وشبهه، وإذا احتمل ما قلناه اندفعت حجتهم”.

قول القاضي عياض: “أشار بعض العلماء إلى أن في هذا الحديث تنبيها على جميع أنواع المعاصي والتحذير منها، فنبه بالزنا على جميع الشهوات، وبالسرقة على الرغبة في الدنيا والحرص على الحرام، وبالخمر على جميع ما يصد عن الله تعالى ويوجب الغفلة عن حقوقه، وبالانتهاب الموصوف على الاستخفاف بعباد الله وترك توقيرهم والحياء منهم”.

قول الطيبي: “يحتمل أن يكون الذي نقص من إيمان المذكور الحياء وهو المعبر عنه في الحديث الآخر بالنور، وقد مضى أن الحياء من الإيمان، فيكون التقدير: لا يزني حين يزني وهو يستحي من الله لأنه لو استحى منه وهو يعرف أنه مشاهد حاله لم يرتكب ذلك”.

    ونخلص من هذا الى أن الايمان ملازم للعمل ومُوجه بل مؤثر في جعله صالحا، وأن الايمان باعتباره تصديقا لا يزول إلا بالجحود والانكار، وأن المعصية تؤثر فيه نقصا وإن لم تلغه أصلا، وأن مرتكبها آثم عاص تتوجب عليه التوبة، وإن مات على ذلك فهو الى مشيئة الله. وقد أطلنا بهذه النقول لبيان وجوه كشف العلماء عن المعاني والدلالات المختلفة في الحديث، وكذا الفوائد العلمية والتربوية المنطوية فيه. وفي بيان صلة الايمان بالعمل نجد الامام البخاري يترجم لأحد أبوابه من “كتاب الايمان” بقوله: “باب من قال إن الايمان هو العمل لقوله تعالى: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) (الزخرف 72)، وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) (الحجر 92ـ93)، عن قول لا إله إلا الله”؛ فجعل من “لا إله إلا الله” التي هي عنوان الايمان عملا، وأن هذا العمل هو محل السؤال والجزاء. إذا أضيف الى هذا أن البخاري في مكان آخر من نفس الكتاب، جعل منها “علما” كذلك، في قوله: “باب العلم قبل القول والعمل، لقوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله الا الله) ()”؛ حيث جعل العلم أساس المعرفة والعمل بشعار التوحيد “لا إله إلا الله”، كي لا يتلبس بضروب من الجهل تضر أو تخل به. يكون بذلك الايمان والعلم به والعمل به، ركائز أساسية وصلبة في الدين والتدين معا. وفي نفس السياق، أخرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم “سئل أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله.. (الحديث)” فجعل من الايمان عملا ومن العمل إيمانا؛ ولهذا أيضا عرف أهل السنة الايمان بأنه اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان أو الجوارح، إذ كلها أعمال سواء تعلقت بالقلب أو اللسان أو الجوارح، وبعضها أصل وبعضها تجل عن ذلك الأصل.

      لقد تم التعبير عن العمل في القران الكريم بلفظ العمل وبألفاظ أخرى مثل السعي والكدح والجهد، كما في قوله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) (التوبة 106)، (وأن ليس للإنسان الا ما سعى) (النجم 38)، (يا أيها الانسان إنك كادح الى ربك كدحا فملاقيه) (الانشقاق 6)، (والذين لا يجدون الا جهدهم) (التوبة 80)؛ لكنه في معظم السياقات ان لم يكن في كلها، مرتبط بالإيمان كما تقرر ذلك آيات كثيرات منها: (من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مومن فلنحينه حياة طيبة) (النحل 97)، (ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مومن فأولئك كان سعيهم مشكورا) (الاسراء 19). فالإيمان إذن خلفية العمل الاعتقادية، حيث ينبغي أن يستحضره الانسان المكلف في كل قول أو فعل، وذلك أن الله تعالى الذي نؤمن به هو من يأمر بتصريف الاعمال في هذا الاتجاه وبصرفها عن ذلك الاتجاه؛ وهذا أفضل علاج لمظاهر الارجاء الخفي التي تجتاح كثيرا من الناس اليوم بفصلهم للأعمال عن الايمان.

       يلحق بهذا، أن للعبادات التي نؤديها ثمرات ينبغي أن تتجلى في السلوك استقامة وإحسانا، وهي مقاصد وثمرات معلنة ومنصوصة، لكنها لا تتحقق في المتدين لنفس العلة الأصل، أي إشكال الايمان والعمل. وكما في الآيات والأحاديث، فالصلاة توطد الصلة والتعلق بالله تعالى في مقام التعبد، وتنهى عن الفحشاء والمنكر في مقام المعاملة؛ والصوم إمساك عن الإساءات والمخالفات كما هو إمساك عن الاكل والشرب، أي نصوم عن المباح تعبدا كي نتأهل للصوم عن الحرام معاملة؛ والزكاة طهرة ونماء تزكو بها النفس عطاء لله تعالى، ويحصل بها الانتفاع والتضامن معاملة بين الناس؛ والحج يعلمنا التجرد والافتقار الى الله تعالى واستعادة حقيقة الوجود الإنساني اعتقادا، ليحصل به التعايش السلمي والامن والتعاون على البر والتقوى معاملة بين الناس. وهكذا سائر الطاعات والقربات، الأصل فيها أنها لله تعالى، والامتداد فيها أنها معاملة مع الناس.

مطلوب في التدين:

 ـ الاجتهاد في تحصيل الوعي والمعرفة بأن الايمان عمل وأن العمل إيمان، فمن يفعل ذلك يتحرى الأعمال الصالحة ويتجنب الفاسدة، ويجدُّ في تحرير نفسه من هواها وحظوظها، وفي محاسبتها باستمرار؛

ـ الاجتهاد في تحصيل ثمرات العبادات في الاستقامة وتحسين السلوك، ومن يفعل ذلك يجعل لطاعاته معنى في حياته، ويجدُّ في تزكية نفسه والسمو بها في مدارج الكمالات؛

ـ الاجتهاد في تحرير العبادات من العادات، بل وفي جعل العادات عبادات، حتى يكون الدين غالبا على الطبع أو التطبع لدى المتدين؛

ـ الاجتهاد في تمثل حقائق الدين حسب الوسع والمقدور من غير غلو وتنطع، والسعي في الارتقاء الدائم في مدارج الدين برفق؛

ـ الاجتهاد في التخلق بأخلاق الدين في كل الأحوال وفي جميع المهام، وتجنب الآفات والمخالفات باعتبار أن الدين أخلاق وأن الأخلاق دين.

ـ الاجتهاد في اعتبار الالتزام بالنظم والقوانين الخادمة لكليات وأصول الدين تدينا وتعبدا تتحقق به المصالح وتندفع به المفاسد، في الأمن والعدل والصحة وغير ذلك.

ـ الاجتهاد في التعرف على آيات الله تعالى في النص وفي الآفاق وفي الأنفس، وعلى العلوم الخادمة لها، فبعضها يحيل على بعض، ويفسح زوايا النظر أكثر كما يمنح فرصا للفهم أسد وأرشد.

    فهذه وغيرها، صور اجتهادية من الانسان في التدين، ولهذا نجد بالإضافة الى صيغ: السعي والعمل والكدح والجهد، صيغا أخرى تحفز على طلب هذا العلو والسمو، من قبيل: المسارعة والاستباق والابتغاء والتنافس، كما في قوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات) (البقرة 147)، (يسارعون في الخيرات) (المومنون 62)، (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) (المطففين 26)، (سارعوا الى مغفرة من ربكم) (ال عمران 133)، (ولتبتغوا من فضله) (الجاثية 11).

      من خلال هذا المنظور نستطيع معالجة كثير من صور التدين النسبي بالدين المطلق، والتمثل النسبي بالمثال المطلق؛ ونستطيع تجاوز كثير من صور القطيعة أو الإلغاء بينهما. بل ونستطيع وضع حد لكثير من الخصومات والصراعات والآفات، وكل ما لم يكن ممكنا تصور تكامله في منظور الغرب بين المعارف الدينية والدنيوية. فعلوم الدين وعلوم الانسان وعلوم الكون واحدة في هذا المنظور، الذي يجعل منها كلها آيات لله في النص وفي الآفاق وفي الأنفس.

    إن هناك وعيا متزايدا بضرورة استعادة الإنسانية للدين، معنى في الحياة، وطلبا لليقين والطمأنينة، وعلاجا لآفات القلق والحيرة والاختلالات السلوكية، وإجابة عن الأسئلة المصيرية العالقة، وعن غايات ومقاصد الوجود…؛ وغير ذلك مما لا يحسم فيه نظر العقل ولا تطور العلم، وإن كانا يسعفان في الفهم والمعرفة. وكل حركات النقد لنموذج الحياة السائد والمهيمن اليوم تصب في هذا الاتجاه وتعززه بشكل أو باخر؛ لكن مشكل التدين يبقى مطروحا على الانسان هل سيحسن تمثل هذه المعاني أم سيبقى مسيئا؟ ومشكل حضورنا فيه أو غيابنا عنه كمسلمين، معنا أتم وأكمل رسالات السماء الى الانسان، تمثلا واستقامة في أنفسنا وعرضا على غيرنا.

                           والله تعالى الموفق والهادي الى سواء السبيل

 

سعيد شبار

باحث ومفكر مغربي، أستاذ التعليم العالي في الفكر الإسلامي والحضارة، جامعة السلطان مولاي سليمان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بني ملال/المغرب، ورئيس مركز دراسات المعرفة والحضارة. له العديد من المؤلفات البارزة في مجال الفكر الإسلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى