أشلحي :الأسماء الإثنية وإشكالية الأصالة اللغوية في الأمازيغية

ثمة افتراض شائع مفاده أن الاسم الإثني أشلحي لا يمكن اعتباره أصيلاً في الأمازيغية، استناداً إلى أن الصامت /ح/ لا يُعاد بناؤه في الأمازيغية البدائية. غير أن هذا الاستدلال ينطوي على خلط بين إعادة البناء الفونولوجي التاريخي من جهة، والعمليات السوسيولسانية الفعلية التي تتشكل من خلالها الأسماء الإثنية وتتطور من جهة أخرى. فالواقع أن كثيراً من الأسماء الإثنية لا تمثل امتداداً مباشراً لجذور أمازيغية بدائية، بل هي تكوينات لاحقة تشكلت ضمن أنماط الفونولوجيا المورفولوجيا في الأمازيغية. وعلى سبيل المثال، فإن لفظ إحاحان، الذي يطلق على اتحاد قبلي أمازيغي قديم على الساحل الأطلسي بين أكادير والصويرة، مندمج اندماجاً كاملاً في البنية اللغوية الأمازيغية. ورغم إخضاعه أحياناً لتأويلات إيتيمولوجية شعبية خارجية، من بينها ربطه بالفعل العربي حِيحَ بمعنى صوت المتألم من حزن أو غيظ (ابن منظور، 1882)، فإن مثل هذه التأويلات تظل افتراضية ولا تعكس بالضرورة اشتقاقاً تاريخياً حقيقياً.
وعلى نحو أعم، فإن الأسماء الإثنية لا تنشأ دائماً عن جذور موروثة موغلة في القدم؛ إذ قد تتولد أيضاً عبر عمليات تسمية لاحقة تظل منسجمة بنيوياً مع اللغة التي تستوعبها. ومن المهم التنبيه إلى أنه حتى حين تنشأ هذه الأسماء بوصفها تسميات خارجية (exonyms)، فإنها لا تحمل بالضرورة دلالات سلبية، ولا تبقى بالضرورة غريبة في بنيتها. وتوضح حالة الطوارق (Tuareg) ذلك بجلاء. فمصطلح الطوارق يُعد تسمية خارجية، حتى وإن أمكن رد اشتقاقه إلى جذور أمازيغية، لأنه لم يُعتمد بوصفه تسمية ذاتية، بل أطلقه العرب على هذه الجماعة. وغالباً ما يربط هذا الاسم بلفظ تارگا، وهو طوبونيم أمازيغي يشير إلى منطقة فزان في ليبيا، وهو بدوره مشتق من جذر أمازيغي يدل على “القناة” أو “الوادي” (Béguinot & Mordini, 1937). ويُبين هذا أن الأسماء الخارجية التي تطلق على جماعة معينة قد تكون متجذرة في مادة لغوية محلية، ولا يلزم أن تحمل دلالة سلبية.
ويثير هذا إشكالاً مهماً يتعلق بكيفية نشوء الأسماء الإثنية واستمرارها أو استبدالها عبر الزمن. ويُعد الاستمرار الطويل لاستعمال اسم أشلحي لدى الناطقين بالأمازيغية نقطة جديرة بالاعتبار؛ إذ يُفترض أنه لو كان هذا الاسم معروفاً على نطاق واسع بوصفه لفظاً دخيلاً ذا دلالة قدحية، لكان قد تراجع تدريجياً وحل محله اسم آخر. ومع ذلك، فقد طُرحت بعض الفرضيات حول الدلالة الداخلية لهذا اللفظ، من بينها ربطه بكلمة أشلوح بمعنى “كوخ” أو “المسكن البسيط”(Alaoui, 1978)، غير أن هذه الفرضية تظل محل نقاش. وفي المقابل، فإن تسميات ذات طابع ازدرائي واضح، مثل بربر، لم تُحافظ عليها الجماعات الأمازيغية بوصفها تسمية ذاتية، مما يدل على قدرة المجتمعات على رفض الأسماء التي تُدركها بوصفها مهينة.
وفي هذا السياق، يصعب القول إن الناطقين بالأمازيغية قد حافظوا تاريخياً على اسم أشلحي دون أي وعي بدلالاته وإيحاءاته. رغم أن افتراض الشفافية الإيتيمولوجية الكاملة عبر قرون طويلة يُعد إشكالاََ منهجياََ، فإن من المضلل كذلك تصوير الجماعات التاريخية بوصفها متلقياً سلبياً لتسميات خارجية قدحية. ولعل النفور المعاصر من هذا الاسم لا يعدو أن يكون نتيجة لخطاب الحركة الأمازيغية التي تسعى إلى توحيد الجميع إيديولوجياً تحت مسمى أمازيغ؛ وهو لفظ ينبغي فهم معناه (الحر/النبيل) في إطار عملية إعادة دلالة حديثة، لا بوصفه اشتقاقاً تاريخياً أصيلاً (Chaker, 2022).
ويمكن ملاحظة عمليات مماثلة في سياقات أخرى. فبين الشعوب الأصلية في مناطق القطب الشمالي بأمريكا الشمالية وغرينلاند، حلّ الاسم الذاتي Inuit (إنويت بمعنى “الناس”) إلى حد كبير محلّ التسمية الخارجية إسكيمو (Eskimo)، التي يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها مهينة، وقد ارتبطت تاريخياً بمعنى “آكلي اللحم النيء” (دون تاريخEncyclopaedia Britannica, ). وتُظهر هذه الحالة أن المجتمعات قد تتبنى و تحافظ على الأسماء الإثنية أو ترفضها تبعاً للظروف الاجتماعية والتاريخية. وتبين هذه الأمثلة أن بقاء الاسم الإثني عبر الزمن يرتبط بمدى انتشاره التاريخي، وبتكريسه مؤسسياً، وكذلك بقابلية دلالته للقبول أو الرفض من قبل المجتمعات اللغوية.
المراجع:
ابن منظور، محمد بن مكرم. (1882). لسان العرب. دار المعارف.
العلوي، التقي. (1978). أصول المغاربة: القسم البربري شعبة المصامدة. مجلة البحث العلمي- المركز الجامعي للبحث، 14(28). 209-248.
Beguinot, F., & Mordini, A. (1937). Tuareg. In Enciclopedia Italiana. Istituto della Enciclopedia Italiana. treccani.it
Chaker, S. (2022). Berbères aujourd’hui: Kabyles et Berbères, luttes incertaines (nouvelle éd.). L’Harmattan. Encyclopaedia Britannica. (n.d.). Inuit. In Encyclopaedia Britannica. Retrieved June 25, 2026, from https://www.britannica.com/topic/Inuit-people



