المقالات

القرضاوي : فقيه المعاصرة والمعارضة

إن الكتابة عن الفقهاء محفوفة دوما بالمخاطر، متشعبة ومتداخلة حد الالتباس. ولعلها أشد مدعاة للتردد حينما تتعلق بفقيه قد ملأ الدنيا وشغل الناس، وهو الفقيه الراحل الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله.

لابد أن نقرر في البداية، أن الكتابة عن هذا العلم الراحل، حاجة ثقافية وعلمية ذات ضرورة ملحة في مجتمعنا المسلم، حيث لا يمكن التغاضي عن حدث كهذا، سواء بالاتفاق مع آرائه أو بالاختلاف معها، فعندما نكتب عن صاحب “الحلال والحرام”، فإننا نوثق بشكل جماعي لروح مرحلة زمنية من تاريخنا، في كل أبعادها الدينية والمعرفية والسياسية والاجتماعية. كذلك، فالرجل شكل شخصية استثنائية اجتمعت ظروف كثيرة ذاتية وموضوعية لتجعلها شخصية بصمت قرننا هذا بشخصيتها. والوضع يذكرنا بما وصف به فرانك غريفل Frank Griffel القرن الثاني عشر بأنه عصر غزالي بامتياز. وفي نظري بلغ القرضاوي ذلك المستوى من التأثير في عصرنا.

ولذا، فعندما نوثق لهذا النوع من الشخوص، والتي على هذا المستوى من الحضور والتأثير، فذلك يعني ببساطة التوثيق لمجتمعاتنا الإسلامية في تحولاتها وتطوراتها المختلفة.

طريقة تناولي لشخصية الراحل، ستتم عبر عرض مجموعة من الأفكار، عبر ترتيب يجر فيه بعضها بعضا.

أولى الأفكار التي تبدّت لي، أن “الفقيه” على الإجمال، لايزال في عالم المسلمين اليوم، إن لم أقل في العالم، شخصية مؤثرة، يصعب محو دورها أو تغطيته. ونحن هنا لا نقصد مضمون ما يصدر عن الفقهاء، ولكن تأثيرهم في الناس، لأن المجتمع قمين بقتل وإحياء من أراد، ولا يستجيب إلا لمن قدم جوابا عن حاجات ووساوس وهموما ورغائب وأسئلة أوسمها ما شئت. وخير دليل على أثر الفقيه في مجتمعاتنا المعاصرة، إدراك أهل السياسة لذلك، حيث لا يفلتون الفرصة لتوظيف هؤلاء خدمة لأغراضهم. وهو ما يفصح عن قدرة المؤسسة الفقهية أفرادا وجموعا في التأقلم وفرض وجودهم المستمر. ونحن نتحدث هنا عن مؤسسة ضاربة في القدم عند المسلمين، ولها تقاليد عريقة، أثبت القرضاوي قدرته على تمثل الكثير من أعرافها ومقاصدها، وقدرته أيضا على توظيف آلياتها العلمية والتواصلية.   

أما الفكرة الثانية، تتجسد في كون القرضاوي فقيها قد ملأ حيزه الزماني والمكاني طولا وعرضا، وخدم الفكر الإسلامي والمجتمع بشكل منقطع النظير، ولعله استفاد من التحول الرقمي الذي يميز عالمنا اليوم، فحقق ما يصعب لأي عالم قبله أن يحققه وبالسرعة التي لم تتوفر لمن كان قبله.

أما ما نقصده تحديدا من هذه الفكرة، كيف ساعد القرضاوي جيلا كاملا في الخروج من النفق، وعدم التيه، ونقصد نفق التطرف. حيث لعب القرضاوي دورا هاما في ترسيخ ميولات المتدينين من الشباب نحو الاعتدال والشغف به. ونستحضر هنا الفقيه محمد الغزالي (ت 1996م) شيخ القرضاوي، والبوطي (ت 2013م). فهؤلاء الثلاثة رحمهم الله، ممن شغل الناس ونفعهم بالكثير.

عندما صدر كتاب ” الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف” (1982م)، جاء قياسا على المستوى المعرفي لتلك اللحظة، محملا بالعديد من الأسئلة المربكة تجاه الجسم الإسلامي الذي كان في أوج عطائه وقوته، فأن يهبك الفقيه نقدا من الداخل، فذلك يزيد دون شك رصيد الثقة عند الكثير من أبناء ذلك الجيل في أهمية النقد الداخلي، ولنسمه بعبارة علال الفاسي “النقد الذاتي”. وسيزيد من استشعار أهمية الحذر من ان تغلب العاطفة الفكرة وتجرها نحو مزالق الشذوذ. دون أن نغفل كتب الغزالي العديدة، وكتب البوطي وبالأخص كتابه” السلفية حركة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي” (1988م).

ولهذا، فإن القرضاوي رحمه الله، جسد نموذجا للجرأة الفكرية، والتي دافع من خلالها عن ميوله وانتمائه، وحاول أن يؤدي عبرها فرض التفكر والنقد. سواء اعتبرناه قويا أم ضعيفا، وسواء قبلناه أم رفضناه، فإنه أثر الفراشة الذي دفعنا بعيدا عن التطرف.

والفكرة الثالثة، أن الدور الآخر الذي لعبه الفقيه داخل مجتمعاتنا، تمثل في التوعية ببيداغوجيا التعامل مع النصوص الدينية، فلا يمكننا تناسي قيمة كتابه “السنة مصدرا للمعرفة والحضارة” (1998م)، والذي شكل مرجعا هاما في استيعاب أقسام السنة الشريفة، وكيفيات التعامل معها، وتوظيفها، وفهمها، والوعي بدلالات الشرعي منها واللاشرعي ..الخ. فالتقف القرضاوي بذلك جيل الشباب من هوة الانزواء في عصر غير عصرهم، وعمل جاهدا أن يدمجهم في العصر الذي هم فيه. وهو بسلوكه ذاك، قدم تعريفا عمليا للفقيه، والدور الذي دوما يطالبه المجتمع المسلم أن يؤديه. وأكاد أجزم، أن القرضاوي فقيه المعاصرة بامتياز، فشاغل الرجل الأول تمثل في رغبة نهضوية ظاهرة، وهي الاندماج في العصر.

وإذا كان للأمر امتداد نهضوي عند جيل الرواد، فإن العودة للتدين عند أصحاب التوجه الإسلامي امتزجت بالمبالغة والقطع مع التقليد الحزبي، ولهذا، فالقرضاوي وإن كان نهضوي الهوى، لكنه قلل من فوضى هذا النوع من التدين اللاتاريخي، وإن كان موقفه من التقليد الحزبي باردا، حيث كان يرى فيه رصيدا علميا كبيرا يمكنه توظيفه في فتاواه، كمجتهد شمولي، غير أن دعواه لتقفي مسالك هذه المذاهب ظل مغفلا. لم يستغله بالشكل المطلوب في توعيته البيداغوجية المتعلقة بالتعامل مع النصوص قرآنا وحديثا.

أما الفكرة الرابعة، تمثلت في الحضور الآخر الذي جسده القرضاوي، أي عدم عزل الفقه عن السياسة وشؤون المجتمع، وقد يعلق البعض أن الرجل إسلامي-إخواني، وذلك تحصيل حاصل، غير أننا نعتقد أنه بإسلاميته المعدلة تلك قدم إجابة عملية مغايرة عن التفسير الذي قدمه الفكر العربي الإسلامي في تلك الفترة لمفهوم “العلمانية”. ولذلك فمهما تغاضينا عن أدوار الفقيه وحضوره المجتمعي، فإنه ناقض هذه الفكرة من خلال حضوره المجتمعي قبل أن يناقضها بأفكاره النظرية، ولعل ذلك مكمن قوة مؤسسة “الفقيه”، أو أحد أهم مكامن قوتها وحيويتها العملية.

أما الفكرة الخامسة، فيمثلها جسارة الرجل على الفتوى، فكتابه “الحلال والحرام” (1960م) و”فقه الزكاة” (1969م) بدرجة أقل، كان في لحظته تلك تجاوزا للتنظير والمناظرة، بين الفرق والآراء، وعبورا نحو العلم الذي يساوي العمل، ولهذا فقد أزاح الكثير من الغبش الذي حف آنذاك هواجس جيل الشباب، وأجابه عن الكثير من أسئلته، التي كان الكل لا يكترث لها، بل يعدها الكثيرون مجرد ترهات ومبالغات قد تجاوزها العصر، بينما القرضاوي حاول أن يقدم تعليلا فقهيا يتحمل مسؤوليته فيه، ليكون “المكلف” – بالمعنى الديني – راض عن اختياراته، أو واجدا على الأقل مبررات شرعية لاختياراته فيها. ولا داعي لضرب الأمثلة في ذلك، مثل مسألة الإجهاض أو القروض السكنية وغيرها من الفتاوى. ثم لا ينبغي أن نغفل عن القيمة الفعلية لكتابته وسلوكه الاجتهادي حينها، وبالأخص من خلال تقديمه الفقه الإسلامي بروح معاصرة معتدلة قادرة على الاندماج والاستمرارية، في مواجهة المد السلفي، الذي كال للرجل الشتائم والردود التي لا تمت للعلم بصلة. وأعتقد أن القرضاوي قد نجح في تكسير هالة هذا المد ومواجهته بأسلوبه الذي توسل دوما بآليتي التيسير والاندماج مع العصر لتمكين المسلم من تحقيق “معاصرة الزمان”.

والفكرة السادسة والأخيرة، ترجعنا لعلاقة الفقيه بالسياسي، أو الدين بالسياسة. وقد كان القرضاوي شخصية فقهية، جعلت الكثيرين من منتقديه قبل مريديه، يستوعبون كيفيات تمازج الدين مع شواغل المجتمع السياسية، فقد أعاد القرضاوي لمؤسسة الفقيه دورها العملي في معارضة الاستبداد السياسي، ولذا، تمازج في شخصه العالم والفقيه والسياسي المعارض، وأحيا ما ظلت الألسن تلوكه حول قصص الفقهاء الأعلام في مواجهة الطغاة قديما. وربط بذلك الحاضر بالماضي دون الذوبان فيه. إلى جانب ذلك، فقد تميزت شخصيته كما هو شأنها في الفقه، بالجرأة على استصدار الرأي وتحمل المسؤولية فيه، في قضايا سياسية عديدة، تتعلق بثورات الشعوب الإسلامية، أو معتقلي الرأي والسياسيين فيها ..الخ. ولذلك، فالقرضاوي في نظري قد خلط الأوراق بمواقفه، ولم يعترف بالانفصال بين أي مكون من مكونات الحياة الاجتماعية عند المسلمين، فتجده حاضرا أينما وليت وجهك. فكل شيء يصدر عنه عابر للقارات، ولا يؤمن بالحدود أو الخصوصيات، ولهذا، جسد بحق ذلك العالم المسلم الذي كان سيد عصره بلا منازع.

 

 

 

 

 

عبدالله هداري

باحث مغربي، حاصل على درجة الدكتوراه من كلية الآداب، جامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال/المغرب. متخصص في الدراسات القرآنية المعاصرة، ومهتم بقضايا التجديد في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، له العديد من الدراسات والمقالات والأبحاث المنشورة. وشارك في العديد من الندوات الوطنية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى