محنة كاتب … عبد الجبار الرفاعي الظمآن أبدًا

لم أتمكن من اقتناء كتاب الصديق عبد الجبار الرفاعي، الذي اختار له عنوانًا فرعيًا: “فصل من سيرة كاتب”، إلا منذ فترة قصيرة، في معرض الرباط للكتاب 2026، على الرغم من مرور ثلاث سنوات على صدوره، وما حظي به من احتفاء واسع في المشرق والمغرب.
التهمتُ الكتاب في زمن قياسي، ولا أشك أنني مررتُ على فقرات كاملة مرورًا خاطفًا، من دون تروٍّ أو تأمل، حتى إني لو عدت إليها اليوم لما تذكّرت أنها عبرت أمام ناظري. كنت أبحث فيه عن سيرة أخٍ تواصلت معه بعض مساراتي خلال العقود الأربعة الأخيرة، غير أنني ما إن بلغت صفحته الأخيرة حتى شعرت أن نفسي قد انقطع، وأن عطشي ما زال قائمًا.
ليس هذا الكتاب سيرةً عادية كما ألفنا في المذكرات والسير الشخصية، على الرغم من أن مؤلفه أضاف إلى عنوانه الرئيس عنوانًا فرعيًا، هو: “فصل من سيرة كاتب”. وأحسب أنه فعل ذلك عن وعي، احترازًا مما قد يوحي به العنوان الأصلي: “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة”، من أن الكتاب دراسة فكرية موضوعية في القراءة والكتابة. غير أن القارئ يكتشف سريعًا أنه أمام نص تتداخل فيه السيرة بالفكرة، والتجربة بالتأمل، والذاكرة بالرؤية الفكرية، إلى الحد الذي يغدو معه الحديث عن القراءة والكتابة حديثًا عن تكوّن الذات ومسار تشكّلها الروحي والأخلاقي والمعرفي، وتغدو السيرة نافذة لفهم عالم الكاتب أكثر من كونها تسجيلًا لأحداث حياته وتعاقب مراحلها.
يصبح العنوان الفرعي، إذًا، تنبيهًا إلى أن المسرّات والمخاض يعنيانه شخصيًا، وليسا مرتبطين بالقراءة والكتابة بوصفهما موضوعات “باردة”. نحن في حضرة “حفلة موجعة” عاشها الرفاعي، وما زال يعيشها، على مرّ السنين، تطبع كيانه بكلّيته، عوانٌ بين بهجة القراءة وألم مخاض الكتابة. لذلك يقول في أول سطر من هذه “السيرة”: “أنا قارئ قبل كل شيء وبعد كل شيء”.
تعالوا نفكك طبيعة النص نفسه، ونبحث في علاقة الجُبّة التي ألبسه إياها المؤلف بالغاية الدفينة من إهدائنا هذه القطعة الأدبية. هل النص سيرة ذاتية؟ هل هو نص فكري أو فلسفي عن القراءة والكتابة؟ هل هو تأملات شخصية في موضوع مخصوص أمْلتها تجربة الكاتب الممتدة لعقود من الزمن؟ أم أنه مزيج من هذه جميعًا، تتداخل فيه السيرة بالفكرة، والتجربة بالتأمل، على نحو يصعب معه إخضاعه لتصنيف جاهز أو وضعه في قالب مألوف؟
نؤكد منذ البدء أن الرفاعي حاول، من خلال العنوان، أن يساعدنا على ولوج أسرار نصه، حين أخبرنا أن محتواه يتعلق بما منحته له القراءة من مسرّات، وما عاناه من آلام المخاض في كل مرة يخوض فيها تجربة الكتابة. نعم، من هذه الزاوية يمكن اعتبار النص سيرة شخصية، وإن كانت سيرة مخصوصة ومتميزة عن نظائرها.
غير أن هذا الإحساس الأولي، أو هذا الاستعداد لفهم الكتاب بوصفه حديثًا عن مسرّات القراءة ومخاض الكتابة، سرعان ما يتعقّد، وربما يختلّ، كلما تقدمت في تصفح الكتاب. فعندما تتوقف عند فهرس الفصول، وعددها ثلاثة وعشرون فصلًا، تكتشف أن الكتابة ومتعلقاتها تتكرر في عناوين واحدٍ وعشرين فصلًا، أي بنسبة تزيد على 91%، في حين لا تظهر القراءة إلا في أربعة عناوين فقط. ويعبّر الرفاعي عن ثقل الكتابة على نفسه منذ المقدمة، حين يصرّح: “كلما فكرت بعمق وأنا أكتب ضاق فضاء الأجوبة واتسعت الأسئلة، ذلك ما يجعلني أتهيب اقتحام الكتابة، وأحاول ألوذ بخيمة القراءة” (ص 8).
قطعا لا تنتمي هذه الصفحات إلى طابع المذكرات الشخصية في شكلها التقليدي. لن تجد فيها تفاصيل حياة عبد الجبار الرفاعي والمراحل التاريخية التي مرّ بها وعلقت تفاصيلها بذاكرته، ولا يذكر شخوصها وتواريخها إلا بالقدر الذي يقتضيه السياق، كقصته مع مكتبته الشخصية التي يجددها في كل مرة بسبب الظروف القاهرة، أو حديثه عن علاقة القراءة بالواقع في سياق علاقته بأبنائه، أو علاقته الحميمة بأخيه الأكبر عند حديثه عن الكتابة الأيديولوجية في الفصل السادس عشر… إلخ. بل إن المؤلف لا يركّز حتى على شخصه فاعلًا في الأحداث أو متفاعلًا معها، وإنما يعرض حالاته، أو أطواره الذهنية والنفسية والعاطفية، التي يمرّ بها وهو يقرأ أو يكتب. تصبح الكتابة والقراءة الموضوع الرئيس في عملية السرد، ولا يحضر هو إلا باعتباره متفاعلًا، أو أداة، أو مولّدًا لهذا الموضوع. يقول: “حاولت في هذا الكتاب التحدث عن سيرتي ككاتب… أذكر خبرتي ككاتب وقارئ بغض النظر عن كيف يقرأ ويكتب الآخرون” (ص 89).
الكتاب هو بطل هذا السفر، وليس الرفاعي؛ لذلك كان حضوره بلسمًا للروح، لأنه كما يقول: “يشعرني بالأمن النفسي، ويؤنسني حين أشعر بوحشة الوجود”، بل ويصبح “أحد مهدئات الاكتئاب” (ص 22). يصف الكاتب بدايات شغفه بالقراءة، والتِهامه كل ما يقع بين يديه من صحائف، ويقرر سريعًا أن القراءة العشوائية: “حالة ملازمة للقراءة، تأكل عمر القارئ وتستنزف وقته”، لذلك يحذّر منها وينبّه إلى ضرورة تجاوزها عاجلًا (ص 31). يغوص الكاتب في أعماق فعل القراءة نفسه، فيستشهد بكانط وقولته الشهيرة: “ليست كل الكتب نافعة للقراءة”، ويفكك القراءة باعتبارها “ضربًا من الدهشة” و”متعة اكتشاف” (ص 32). لذلك يخصص إحدى فقراته لـ “تبذير العمر بقراءة كتابات تُفقر العقل” (ص 35)، ويفصّل في ذلك النوع من القراءات التي تزيد الجهل وتسطّح الوعي، ويضرب مثالًا على ذلك بمجال التنمية البشرية ودوره في تعطيل العقل وتفشي الرداءة والانحطاط.
يمكن تصنيف هذا “الفصل من سيرة كاتب” في خانة أنثروبولوجيا الكتابة والكتاب، وما يحيط بهما من دوائر، لا بمعناها المتداول بوصفها مبحثًا علميًا مخصوصًا، وإنما باعتبارها تجربة شخصية جدًا، يرفض صاحبها أن تكون بالضرورة معبّرة عن تجارب الآخرين: “ليست هناك وصفة جاهزة… تنطبق على كل إنسان في القراءة أو الكتابة” (ص 33). غير أن ذلك لم يمنعه من استخلاص محصلات من التجربة هنا وهناك، يتخذها أحكامًا عامة، كحديثه المطوّل في الفصل الحادي عشر عن علاقة الكتابة، ويقصد كتابته هو، بالاعتراف، والتخلص من الأوهام، والتحرر من قيود الجماعة والواقع التاريخي، وصولًا إلى موضوع الكتابة بوصفها حرفةً: “الكتابة هي الهوية المعرفية والأخلاقية للكاتب.كل كتابة تخون لغة كاتبها وتغرق بلغة مستعارة، كتابةٌ تخون قارئها وكاتبها” (ص 85).
عندما نقول إن أنثروبولوجيا الكتابة عند عبد الجبار الرفاعي، كما سطّرتها تجربته الشخصية، هي موضوع هذا الكتاب، فإننا نحيل بالأساس إلى ذلك العدد الكبير من الفقرات التي خُصصت للتفصيل في هوية الكتابة، ووصف حالاتها ومراتبها تحت عناوين، من قبيل: “الكتابة بوصفها مرانًا متواصلًا”، و”الكتابة بوصفها تجربة وجود”، و”الكتابة بوصفها سلطة”، و”الكتابة بوصفها امتحانًا للضمير الأخلاقي”… إلخ. وهي عناوين تتقصّى العلاقات الداخلية لفعل الكتابة، وتستكشف صلته العميقة بفعل القراءة وما يتولد عنه من أسئلة وتحولات.
بالرغم من المتعة والمسرّات التي وجدها الكاتب وحصّلها من وسط آلام المخاض التي عرفتها كتابته طيلة عقود، فإن هذه السردية لم تخلُ من بعض الفراغات التي اقتصر الكاتب على إلقاء حصى فيها لتحريك مياهها الراكدة، وهي فراغات تحتاج، ربما، إلى تفكيك وتشريح بالآليات نفسها المستعملة في هذا الفصل. ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، تعرضه في أكثر من موضع لنقد كتابات سيد قطب وأضرابه من أنصار تيار الإخوان المسلمين، وما جرّه طابعها الأيديولوجي المغلق من كوارث على العقل العربي والواقع المتردي لكثير من البلدان الإسلامية (ص 18؛ 115-118؛ إلخ).
غير أنه يسرد علينا على امتداد كتابه، أسماء كتّاب قرأ لهم وكان تأثيرهم سلبيًا، وأكثرهم من فضاء التيارات الإسلامية السنية، بينما يمرّ مرورًا عابرًا على كتّاب التيارات المنتمية إلى الفضاء الشيعي، مع أن الوصف نفسه، وربما النقد نفسه، يمكن أن ينطبق على بعض نتاجاتهم، خاصة أن الرفاعي انتمى إلى الحوزة العلمية في النجف ثم في قم، ومكث فيهما سنوات طويلة. من هنا يبرز سؤال يفرض نفسه: هل كان أولئك غائبين فعلًا عن المشهد؟ أم أن الساحة الحركية الشيعية لم تعرف في تلك المرحلة كتّابًا ومفكرين يمكن تطبيق النقد الذي ساقه الرفاعي على نتاجهم الأيديولوجي؟ يبقى هذا السؤال مفتوحًا، ويستحق مزيدًا من الإضاءة والتأمل.
غير أن الإنصاف يقتضي التذكير بأن الرفاعي لا يستثني الإسلام السياسي الشيعي من نقده في مؤلفاته الأخرى؛ فكتابات هذا النوع من الإسلام السياسي شأنها في ذلك شأن كتابات سيد قطب والمودودي ويكن وغيرهم. ويبدو أن تركيزه في هذا الكتاب على الإسلام السياسي السني يعود إلى أن معظم أدبيات الحركات الإسلامية الشيعية وُلدت في سياقه وتأثرت به، وكانت كتابات البنا والمودودي والنبهاني أسبق من جميع كتاباته. التساؤل لا يتعلق بموقفه الفكري العام من الإسلام السياسي الشيعي بقدر ما يتعلق بالمساحة التي خصصها له في هذه السردية، وبحدود ما اختار استعادته من ذاكرته القرائية وتجربته الفكرية، ويعود ذلك إلى تأثره في مرحلة مبكرة من حياته في الدراسة الثانوية بكتابات سيد قطب.
يبقى نص عبد الجبار الرفاعي بديعًا في بابه، فهو يتموضع في “برزخ” بين التأمل الفلسفي الأنثروبولوجي ومحاولة التعبير عن حالة التجربة الشخصية وهي تتشكل في صيرورة متواصلة، أي قبل أن تتحول إلى سيرة أو ذكرى أو إحداثيات.
كما أنه بديع في لغته المغمّسة برداء الشفافية والمباشرة والصدق والبوح والانكسار والاعتذار… إلخ. وهي لغة تأسر القارئ، لأنها تحكي، أحيانًا، عن كثير مما هو مدفون في غياهب نفسه.
وهو بديع في الرسائل التي يحملها إلى القارئ؛ إذ يريك كيف أن المكانة العلمية وهيبة الموقع الفكري لم تستطع أن تحجب عنه طيبة أجدادنا القدامى، ولا تواضع علمائنا الكبار، ولا شفافية روحه المحبة للإنسان، حيثما كان، وفي أي زمان ومكان.



