المقالات

مقاربة معرفية لقلق النموذج الغربي المعاصر والحاجة لاستئناف حضاري جديد: قراءة في مباحث من كتاب “منطق حوار العلوم” للدكتور محمد علا

البريد: abdelkarim9491@gmail.com

ملخص المقال

يبحث هذا المقال الموجز قضية إشكالية الأزمة المعرفية التي أفرزها النموذج الحداثي الغربي، وما رافقها من قلق على مستوى الإنسان، والمعرفة، والحاجة إلى استئناف حضاري جديد، وذلك بمقاربة الرؤية الفكرية الإسلامية المعاصرة باعتبارها جزءا من الإمكان الحضاري المعاصر للبحث عن سبل تجاوز هذا القلق.

وينطلق المقال من مقاربة اشكالية مُفادها: كيف يمكن بناء رؤية حضارية استئنافية لتجديد الإنسان والمعرفة، في ظل القلق الحضاري الذي أفرزه نموذج التقدم الغربي؟

ولمقاربة هذه الإشكالية انتظم المقال في  مبحثين: الأول في بيان أهم أصول ومظاهر القلق الحضاري المعاصر، والثاني: في مقاربة مكونات الاستئناف الحضاري المنشود.

هذا. ويتخذ المقال من مباحث رصينة من كتاب الدكتور محمد علا “منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات” مرجعا للنظر في هذه الإشكالية الهامة، وذلك لما تقدمه تلك المباحث من قراءة توصيفية وتحليلية نقدية لمظاهر تلك الأزمة، في سياق منطق التكامل الحضاري بين مختلف الاجتهادات الإنسانية، كما تبرز أهميتها في المنطلقات الفكرية والمنهجية التي تستند إليها، مستثمرة خلاصة كثير من اجتهادات الفكر الإسلامي المعاصر في سياق بناء رؤية حضارية استئنافية.   

كلمات مفتاحية: أزمة الحداثة الغربية –النموذج المعرف الغربي –الاستئناف الحضاري- الحوار الحضاري.

تقديم:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد.

يشهد الفكر الإنساني المعاصر تحولات عميقة خاصة على مستوى الإنسان والقيم، والمعرفة، والتي تفرز إشكالات كونية بحكم تأثيرها العالمي، وهي إشكالات تجد أسسها الفكرية في النموذج الحداثي الغربي، هذا الوضع يسائل موقع الفكر الإسلامي والإنساني المعاصر من هذه التحولات، ويفرض عليه الإسهام معرفيا في تقديم حلول كلية تنهض على منهجية مختلفة، ورؤية حضارية مستوعبة ومتجاوزة، وتحقيق استئناف حضاري جديد.

ومن الأعمال الفكرية التي حاولت إبراز مكونات الاستئناف الحضاري المنشود كتاب “منطق حوار العلوم” للدكتور محمد علا، وهو العمل الذي ينطلق منه هذا المقال في تحرير مباحثه ومطالبه، من خلال تركيز على بعض مباحثه المتصلة بموضوع المقال.

ومدار إشكالية المقال سؤال مركزي مُفاده: كيف يمكن بناء رؤية حضارية استئنافية لتجديد الإنسان والمعرفة، في ظل القلق الحضاري الذي أفرزه نموذج التقدم الغربي؟

ولمقاربة هذه الإشكالية انتظم المقال في  مبحثين:

المبحث الأول في بيان أهم أصول ومظاهر القلق الحضاري المعاصر، من خلال مطلبين: الأول تناول أهم أصول القلق الحضاري المتصلة بنموذج التقدم الغربي، والثاني تناول بعض المظاهر التي أفرزتها تلك الأصول.

 والمحث الثاني: في مقاربة أهم المكونات المرجعية والمنهجية  للاستئناف الحضاري المنشود، عبر مطلبين: الأول في بيان طبيعة هذا الاستئناف والحاجة إليه، والثاني قارب مكونين أساسين من مكونات الاستئناف الحضاري –كما بينها الكاتب- وهما: الكون الديني، والقيمي.

ويتقصّد المقال مجموعة من الأهداف، منها:

-استخلاص أهم أصول الأزمة الحضارية، وبعض مظاهرها.

-الوقوف على أهم مرتكزات الاستئناف الحضاري المنشود، وفهم مكوناته المرجعية والمنهجية.  

-ابراز بعض آليات تحقيق التفاعل الإيجابي للاجتهاد الفكري الإسلامي المعاصر مع النموذج الفكر الغربي، وأهمية ذلك في تجديد الإنسان والمعرفة.

وسعيا لتحقيق هذه الأهداف سلك المقال منهجا تحليليا ينهض على دعائم الفهم، والمناقشة، ومحاولة الاستثمار والاستئناف.

تمهيد: في التعريف بالمؤلِّف والمؤلَّف:

  1. المؤلِّف:

صاحب كتاب “منطق حوار العلوم” هو الأستاذ الدكتور محمد علا أستاذ الفكر الإسلامي والحوار الديني والحضاري بكلية أصول الدين جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، المغرب، ونائب عميد هذه الكلية، المكلف بالشؤون البيداغوجية، ويعد أحد أهم الأطر التي تشتغل على المستوى الفكري كتابة وتأليفا، والتأطير التربوي لفئة كبيرة من الباحثين، في مختلف مراحل الدراسة والبحث (الإجازة، والماستر، والدكتوراه) وأيضا على المستوى الإداري والبيداغوجي.

ومن أبرز اهتمامات المؤلف الفكرية ما يتصل بالتكامل المعرفي، وما يرتبط به من قضايا الحوار الحضاري، وقد توج هذا الاشتغال في هذا المجال بتنسيق المؤلف لمسلك الإجازة/ مسار التميز، وماستر التميز، في: الحوار وقضايا التكامل والتجديد.

وقد أسهم أستاذي الدكتور محمد علا بمجموعة من الأعمال الفكرية الرصينة، سواء بالكتب الفردية، أو الجماعية، أو الدراسات الفكرية، ومن تلك: كتاب إشكالية الثنائيات في فكر عبد الوهاب المسيري، وكتاب مطارحات فكرية؛ أسئلة الذات والآخر، وكتاب “منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات -نحو تأصيل منهجي قرآني لمداخل استئناف حضاري جديد-“

وتتميز أعمال المؤلف بالجمع بين الـتأصيل المنهجي، والقدرة على استيعاب واستثمار مختلف الأنظار الفكرية في مناقشة القضايا التي يبحثها، ومما يسعف في ذلك الانطلاق من رؤية واضحة تتخذ من الوحي منطلقا لها، وهو ما مكن المؤلف من استئناف القول في القضايا التي يبحثها الفكر الإسلامي المعاصر.

  • المؤلَّف:

تنتظم فصول الكتاب ومباحثه في بحث قضية مركزية تتصل بإبراز مظاهر التواصل الإنساني من خلال منطق حوار العلوم والمعارف وتكاملها، باستحضار مختلف السياقات الثقافية والحضارية، ورصد أهم لحظات ومحطات حوار العلوم عبر الحضارات المتعاقبة، مع التركيز على آليات استثمار تكامل الجهد الإنساني في تحقيق استئناف حضاري جديد، على المستوى الإنساني والمعرفي.

وقد أبرز الكاتب أهم القضايا المركزية في الكتاب، ومن ذلك[1]:

-رصد مكونات الرؤية الكلية لتكامل العلوم والمعارف، أبرزها المكون المرجعي، والعمراني.

-بيان الأصول المرجعية المؤطرة لفلسفة حوار العلوم بين الحضارات. 

-ابراز المحطات الكبرى لحوارية العلوم بين الحضارات… ورصد أهم مؤسسات رحلة العلوم بين الحضارات، مع اثارة الانتباه إلى بعض الآليات والمنهجيات المؤثرة في عملية حوار العلوم بين الحضارات. 

هذا. ويمكن التنبيه إلى بعض الأمور المنهجية قبل تحرير هذا المقال:

-أن المباحث التي ينطلق منها المقال لا يمكن استيعابها إلا بمراعاة الموضوع العام للكتاب، لذلك فقد حاولت النظر في القضايا التي ناقشها المقال وفق الرؤية الكلية للكتاب، ورغم ذلك فليس من السهل التوفيق في ذلك توفيقا تاما، إذ تحصل هنات ترجع لسوء فهم لإشكالية الكتاب الكبرى، وأبعادها المتعددة.

-ترد ضمن هذا المقال مجموعة من الأسماء الفكرية المعروفة، كانت الإشارة إليها بعبارات مختلفة (الدكتور، المفكر، الراحل…) أو ذكرها مجردة عن أي صفة، وكل ذلك غير مؤثر، فكمقامها جميعا محفوظ. وأما مؤلف الكتاب فكانت الإشارة بالصفة والاسم، وأحيانا بالكاتب والمؤلف.

المبحث الأول: من أصول ومظاهر قلق النموذج الغربي

ما الذي تمثله المعرفة والإنسان في الواقع الحضاري الإنساني؟ أو بالأحرى كيف يمكن توصيف موقع المعرفة والإنسان؟ واضح أن مقاربة هذا السؤال إن كان معتبرا لا تتم –على الأقل- إلا بقراءة فاحصة في أصول المعرفة المعاصرة، واستيعاب مظاهر الوجود المعرفي والإنساني المعاصر.

المطلب الأول: قراءة في بعض أصول قلق النموذج الغربي

من السبل المنهجية في الكشف عن أصول الإشكالات المعرفية والإنسانية المختلفة، إعمال الرؤية الكلية، ومقتضى هذه الرؤية النظر الدقيق في النموذج الكامن وراء المظاهر التي تبدو واضحة، اذ التجليات والمظاهر نتيجة وليست أصلا، ومعالجة القضايا والإشكالات لا تتحقق منها الفائدة المرجوة بتتبع المظاهر… وإنما بالقصد الأصلي بالبحث في الأسس والأصول.

ومما يسعف في ذلك رصد تعدد المظاهر الدالة على مرتكز واحد من خلاله يمكن فهم الأصول التي أنتجت تلك المظاهر، وقبل الوقوف مع أهم تلك الأصول، لا بد من الإشارة إلى أن مراعاة أصل دون آخر إنما مرده للأهمية… والأثر…

هذا. ويمكن رصد أهم الأصول من خلال مباحث كتاب الدكتور محمد علا في الأصول التالية:

  1. هيمنة الرؤية المادية الواحدية /العلمانية الشاملة

استثمارا لبعض نصوص الفكر الإسلامي المعاصر، ومن ذلك نصوص الراحل عبد الوهاب المسيري، وعلي عزت بيجوفيتش، يقف الدكتور محمد علا مع هذا الأصل الذي يعد من أهم أصول تشكل فلسفة الإنسان والمعرفة في الغرب، ومُفاده مركزية الرؤية الواحدية المادية في نظر الحضارة الغربية للإنسان، والمعرفة والوجود، ومنطلق هذه الرؤية –حسب الكاتب-  التسوية بين الإنسان والطبيعة، والنظر “للعالم من خلال قانون طبيعي مادي واحد يسري على الإنسان سريانه على الطبيعة/المادة”[2] ومن ثم اقتضى النظر للإنسان بالخصوص تهميش مجموعة من الاعتبارات الغير مادية، واستبعاد “المنظومات المعرفية والاعتبارات الدينية الأخلاقية أو أي عنصر من عناصر التجاوز (الإله، القيم، الإنسانية الأخلاقية المطلقة…)”[3]

ومن هنا كان موقع الإنسان في هذه الرؤية باعتباره كائنا لا يختلف عن الطبيعة في جوهر تكوينه، وخصائصه الروحية والمعنوية التجاوزية، وإن اختلف عنها في جزئيات معتبرة في النظرة المادية.

وتأمل هذه الرؤية يمكن ملاحظة مركزية منهج غربي في دراسة الإنسان، والمعرفة، ولنظر للعالم، وهو المنهج المتمركز حول المادة لا الإنسان، والذي يصطلح عليه الراحل عبد الوهاب المسيري (ت 2008م) بالعلمانية الشاملة، حيث إن تأمل منطلقاتها وآلياتها، يلحظ قيامها على مبدأ التسوية بين الإنسان والطبيعة، وبذلك يتم تغييب ثنائية مهمة تعبر عن منهج إنساني وإسلامي رحب ينهض على مبدأ ثنائية الإنسان والطبيعة، وبحسب المؤلف  فإن ما يصطلح عليه بالعلمانية الجزئية “تسمح بقدر من –هذه- الثنائية”[4] بخلاف العلمانية الشاملة كما سلف.

ومنهج الواحدية المادية يتوسل أساسا بالعقل المادي وقدرته على تفسير الظواهر المادية، من غير نظر لقيمة الأشياء، باعتباره عقلا محايدا، “لا يتعرف إلا على الحقائق المادية (ثمنها-  حجمها- كثافتها) أي صفاتها المادية، ولكنه لا يعرف قيمتها، فالقيمة شيئ متجاوز لعالم المادة”[5]  ولا يخفى أن هذا تجلي من تجليات الصورة التقنية للحداثة الغربية، -التي أقيمت وفق الأسس المادية الواحدية- المنتصرة للعقل المادي، أو –بحسب هايدغر (ت -) “استئساد العقل الحاسب على حساب العقل المتأمل”[6]

ويمكن الاصطلاح عليه –بحسب المفكر طه عبد الرحمن- بالعقل المجرد، أو “العقلانية المجردة من الأخلاقية”[7]

  • التقدم المنفصل عن القيم الدينية والروحية:

لا ينكر أحد ما حققته الحداثة الغربية من تقدم على مختلف المستويات، وهو أمر مسلم به، غير أن سيرورة التقدم، تشهد مفارقة لا يمكن تجاوزها ، وهي على مستوى الحداثة عامة، وقضية التقدم بشكل خاص، ومفاد الأولى: وجود واقع أنتج الحداثة وشهد بزوغها،–على مستواها الفكري خاصة- وأرسى أسسها، أي واقع فلسفة الحداثة، ووجود -في المقابل- واقع أفرز مقاومةَ هذه الفكرة، وأشهد أهلها والناسَ على أفولها، على مستويين على الأقل: مستوى أصولها الفلسفية، أي مساءلة مسلمات الحداثة، وفكرتها الكامنة، والثقافة التي تحملها، ومستوى نقد وانتقاد إشكالاتها وإفرازاتها على مستوى الإنسان والمعرفة خاصة، وذلك بدرء آفاتها، والدعوة لتجاوز مظاهرها السلبية.

وفي هذا السياق تأتي مجموعة من الكتابات النقدية للحداثة الغربية، والنموذج الحضاري الغربي عموما، أي مستحضرة أمرين اثنين في النقد المعرفي لهذا النموذج، “أنه نموذج  استطاع أن يفيد البشرية على مستويات عديدة، تشمل العلوم والمعارف… وأنه في الوقت نفسه، نموذج يعاني من اعطاب بنيوية على مستوى العلم والإنسان والكون تحتاج إلى نقد ومراجعة”[8]

وأما بخصوص قضية التقدم فملاحظة مفارقة: مظاهر التقدم، مع تزايد حدة وخطورة مشاكل العالم المعاصر الغربي وغيره، بحيث “أصبحت الحلول مشاكل في هذا العالم الذي يسمى متقدما؛ وستغدو كذلك في باقي دول العالم، وستزيد المشاكل العالمية خطورة”[9]

أمام هذا الوضع يدرس الباحثون طبيعة التقدم الغربي، بالتساؤل عن إنسانية هذا التقدم؟ أي ما الذي يبرر لا إنسانية هذا التقدم؟ في هذا السياق يتأمل الكاتب بعض الإفرازات السلبية لمسار التقدم الغربي، والتي يكشف عنها النقد الإنساني لهذه الحداثة، ومنه النقد الإسلامي المعاصر، ويمكن استنتاج أصل مهم ينهض عليه، في بداية مسار التقدم الذي دشنته الحداثة الغربية، وهو تقدم منفصل عن القيمة، أي “تقدم منفصل عن شروطه الأخلاقية الدينية”[10] ومن هنا صاغ الكاتب إشكالا مركزيا يسائل موقع التقدم في مسار النموذج الحضاري الغربي، وهو: هل الهدف من حركة التاريخ هو تحقيق التقدم والرقي ي مجالات الحياة المختلفة؟ أم أن المقصد هو الدفع بتلك المجالات لتوفير خدمات حقيقية تلبي حاجيات الإنسان؟ وهو اشكال حقيقي عن موقع التقدم هل هو وسيلة أم غاية؟ وإذا كان غاية فما موقع الإنسان منه؟ وإذا اعتبر وسيلة فكيف تتحقق سعادة الإنسان بفقد الشروط الأخلاقية للتقدم؟

قد يفهم من هذا أن مسيرة التقدم في بدايتها لم تكن إنسانية، وطبيعية، أي قفزت على القيم المشكلة للوجود الإنساني، كما أرغمت الطبيعة على قبول غير الطبيعي من رغبة جامحة في تحقيق كل شيئ، على حساب الطبيعة والإنسان، أي السعي للانتصار على الطبيعة، التي قابلت ذلك بالثأر، وهذا ما يمكن أن يعبر عنه وصف صاحب كتاب روح الشعوب ومفاده: أن كل “حل لمشكلة صناعية تقنية يخلف وراءه مشكلة اجتماعية أو أخلاقية… فكأن الطبيعة تثأر لنفسها، بأن تجعلنا ندفع من دون رحمة ثمن الفوائد والمكتسبات التي حصلنا عليها”[11]

من هنا كانت سيرورة التقدم الحداثي الغربي لا تواكبه بالضرورة معالم تقدم على المستوى الإنساني، بتقليل أزماته، وتحقيق إنسانيته، ومركزيته في الكون، وإن تحققت وفرة في الجوانب المادية  الاستهلاكية، وهو ما يجعل قضية التقدم ملتبسة في أصلها، وذلك أن التقدم المادي في الحقيقة لا ينفصل عن التقدم المعنوي، والعكس، لكن الواقع يبرز انفصالا بين المنحيين للتقدم.

في هذا السياق يتأمل المسيري وعد الحداثة للإنسان، بين المأمول، والواقع الذي تحقق، بين الإرادة الأولى ومأزق النهاية، حيث يستنتج من مسار التقدم الغربي أن “وعد الحداثة الغربية كان هو تأكيد مركزية الإنسان في الكون، ولكن تحققها تاريخيا يسر بنا كلنا بخطى حثيثة نحو موت الإنسان، بل وموت الطبيعة”[12] من هنا كانت الحاجة لموقف إنساني يعيد للإنسان مكانته الحقيقية، وينهض بمراجعة “المفاهيم  المعادية للإنسان التي سيطرت على الحضارة الحديثة”[13]

  • غياب مرجعية قيمية مؤطرة للعلوم:

مقاربة فلسفة العلم في الواقع المعاصر من موقع المرجعية المؤطرة مهم في معرفة طبيعة الإشكالات التي يطرحها واقع المعرفة المعاصرة، والمقصود هنا العلوم الانسانية بالخصوص، حيث إن تغييب المرجعية القيمية يفضي إلى إفراغ هذه العلوم من خصوصيتها الإنسانية، وما حدث هو الانطلاق من فكرة الإنسان الطبيعي في بناء العلوم الإنسانية، وهذا “ما يؤكد –حسب الكاتب- مقولة “وحدة العلوم” التي تنهجها الحداثة الغربية، أي ثمة قانون واحيد ووحيد يسري على الإنسان والأشياء على حد سواء”[14]

ومن هنا فالبحث في أصول العلم في الغرب، والنظر فيما يصطلح عليه باستيمولجيا العلم الحديث، يلحظ التحول الذي حصل في نماذج تفسير الإنسان والعالم من خلال اعتماد نظرة ميكانيكية، ويخلص سالم يفوت (ت 1434ه/2013م) إلى أن التصور الميكانيكي القائم على اعتماد الآلية شهد تطورا ملفتا يتبدى في تحول “الآلية من إعجاب بفكرة الآلة كنموذج للتفسير في العلم الطبيعي إلى تصور أو رؤية للعالم ثم إلى ايديولوجيا فيما بعد”[15] ولعل هذا التحول في النظر للعلم، القائم على رؤية مادية، لا يمكن أن يناسب طبيعة جميع العلوم، وخاصة العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تتخذ من الظواهر الإنسانية والاجتماعية… موضوعا للبحث، نظرا “إلى الاختلافات الجوهرية في منهجية بناء العلوم”[16] ولعل هذا الملحظ المتمثل في الاختلاف الجوهري على مستوى منهجية العلوم، كان غائبا في نسق العلم الغربي في عمومه الذي “تم بناؤه على فكرة رد العلوم كلها، بما فيها الظواهر النفسية والاجتماعية إلى الفيزياء وقاموسها المادي الصارم وإلى حسابات الرياضيات وقواعد المنطق…”[17]

واعتبار المرجعية القيمية في بناء نسق العلوم له امتدادات وارتباطات متعددة ليس فقط بالنظر للاختلاف الجوهري في منهجية العلوم –كما سلف- بل حتى بالنظر للاختلاف الجوهري بين السياقات الحضارية المتنوعة، أي “ليس اختلاف تنوع وغزارة فقط، وإنما هو –في كثير من جوانبه- اختلاف جذري، مرتبط بالأسس والركائز المنتجة للمعرفة”[18]

ومن خلال هذه الاعتبارات المنهجية، وبالنظر الفاحص في اجتهادات الفكر الإسلامي المعاصر في البحث في اشكالات العلم بشكل عام، يخلص الكاتب الدكتور محمد علا إلى أن “الأجدر الحديث عن “نظريات للمعرفة” عوض الحديث عن نظرية واحدة للمعرفة”[19] وتبعا لذلك ينبغي التفكير في منهج تركيبي تكاملي باعتباره “عملية بنائية نسقية محكمة… يدرس الظواهر في اطار كلي وعضوي متماسك… مخالف تماما للتفسيرات الحدية التبسيطية…”[20]

فهذه خلاصة بعض الأصول التي يمكن استخلاصها من خلال قراءة موجزة لمباحث كتاب “منطق حوار العلوم”، وهي أصول تعبر عنها مظاهر كثيرة تدل على قلق حضاري على مستوى الإنسان والمعرفة، وهو ما يمكن مقاربته في المطلب الثاني من هذا المبحث، من خلال كتاب الدكتور محمد علا.

المطلب الثاني: قراءة في بعض مظاهر وإفرازات النموذج الغربي

الاشكالات التي رافقت مسار الحداثة الغربية، ونموذج التقدم الغربي المادي، وما اتصل بها من افرازات على مستوى الإنسان والمعرفة، وغيرها، مما لا يختلف عليه اثنين، هو في الأصل أمر طبيعي ومستوعب بالنظر إلى طبيعة أي تقدم، وأي نموذج حضاري وثقافي.

غير أن الذي يبدو غير طبيعي، ويدعو للتفكير في مخرج حضاري ينتصر للإنسان، ويراعي أمانة الوجود، هو الطبيعة المعقدة لمظاهر هذه الأزمة؛ إذ تشكل تلك المظاهر عبارة عن أزمة في الأسس، والفلسفة الثقافية، بمعنى أزمة تأخذ بعدا حضاريا، فما هو اجتماعي يؤثر على ما هو اقتصادي، والعكس، وما هو معرفي يؤثر على ما هو إنساني، فتأخذ هذه المظاهر -وإن تجلت في صورة مفردة- شكل أزمة أُسّية، عالمية، وهكذا “كم من أمراض ينظر إليها وكأنها أمراض خاصة بشكل تام، أمراض يتصدى لها كل فرد على نحو خاص، هي  في الحقيقة عبارة عن مؤشرات لقلق حضارة، وعليها أن تفتح إشكالا سياسيا داخل سياسة الحضارة”[21]

ولعل طبيعة هذه المظاهر وحدة أثرها على المجتمع الإنساني، هو الذي دعا الراحل المسيري للتفكير جديا في مبحث أسماه “بعلم الأزمة” ينخرط في إنجازه عقلاء الإنسانية، يكون مدخلا للبحث في سبل مخارج من طبيعة تلك الأزمة….  التي لم تعد مقصورة على المجتمع الغربي حيث موطن عهد الحداثة في صورتها الغربية، وإنما تمتد آثار الأزمة وتجلياتها للعالم كله، مما يجعلها إشكالات كلية لا جزئية.

هذا. ويمكن رصد مجموعة من المظاهر الدالة على قلق النموذج الحداثي الغربي، المرتبطة بالأصول السابقة، ولعل من أبرزها –حسب ما يستنتج من مباحث كتاب الدكتور محد علا- ما يلي:

  1. القلق الابستملوجي الحضاري

من خلال تفاعل الفكر الإسلامي المعاصر النقدي مع الفكر الغربي وأيضا من خلال التوجهات الغربية والإنسانية الناقدة للنموذج الحضاري الغربي تتبدى مجموعة من معالم قلق حضاري عام، وبوادر عدمية شاملة، وأفول المرجعيات والأسس، التي فتحت الباب لعصر السيولة.

وضمن هذا السياق تتبع الدكتور محمد علا  بعض ملامح قلق ابستمولوجي حضاري ارتبط بالغرب في علاقته بالغير شرقيا وغيره، من خلال عناوين كبرى من قبيل: “الاستعمار والغزو وما رافقه من نهب واستغلال وتدمير لثقافات وشعوب…” [22] وهذا القلق الابستيمولوجي في عمقه تعبير عن انسداد أفق معرفي وإنساني، ومن ذلك عدم الاهتداء إلى الحقيقة واليقين في مبحث الإنسان، والمعرفة معا، أو  “العجز عن الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالمصير وأهداف الوجود ومسوغاته”[23] 

يرتبط بهذا ما يعرفه الواقع المعاصر من إشكالات إنسانية كبرى، تتصل بالقيم التي تشترك فيها الإنسانية ، مما جعل هذا القلق حضاريا، القى بكلكله على المجتمعات الإنسانية المختلفة، وبحسب الكاتب فرغم رفع “شعارات جميلة براقة تمجد العقل والإنسان والطبيعة… وتم رفع شعارات قيمية رائعة مثل المساواة والمؤاخاة والحرية…”[24] إلا أن ذلك ترجم في الواقع بصورة عكسية، إذ لم يتحقق منها المطلوب، بحيث استحالت تلك الشعارات “مع متتاليات النموذج الحضاري إلى تسوية مادية وبث عداوات لا إنسانية وصناعة حريات متوهمة، هي في حقيقتها أقفاص حديدية كبرى لترشيد المجتمعات ضمن أطر تسوقهم إلى فضاءات الاستهلاك والفرجة والتنميط”[25]

هذه الصورة القاتمة ليست بدعا من القول وزورا، بل هي صورة الواقع الإنساني الذي يعرفه الجميع، كما أنها لا تعبر عن كل الواقع؛ إذ يجب الاعتراف بما تحقق من منجزات حضارية لا يختلف فيها أحد، إلا أن ذلك لا يحجب رؤية الناظر للقلق الحضاري الذي أصبح معه “النموذج الحضاري معاديا للإنسان والعقل ومدمرا للطبيعة والكون”[26]  وهو ما يمكن أن يصطلح عليه بعصر الاخفاقات الكبرى، والتي إذا ما قورنت بمنجزات هذا النموذج الحضاري فهي –بحسب المسيري- “لا تقل ضخامة (الأزمة البيئية- الحروب العالمية… ظهور العبثية والعدمية”[27]

  • العدمية، وغياب المعنى:

مما يرتبط بمظاهر   القلق الحضاري، ما يعرفه العالم المعاصر من مظاهر وتجليات العدمية، وغياب المعنى، باعتبارها –العدمية- ناتجا لاختلال في أصول الحداثة، وإصابتها بأمراض “من شأنها أن تعتري مبادئ “الفردانية” و “العقلانية” و “الحرية” وأن تنزل منها منزلة “المسوخ” من “الأصول” و “الشائبة” من “الحقائق””[28]

وهي تعني فقد الأمل، كما تعبر عنه أزمات ومظاهر متعددة، أبرز الكاتب جملة منها، استنادا إلى بعض نصوص عبد الوهاب المسيري-[29] من قبيل “تراجع التواصل بين الناس، وزيادة الأمراض النفسية في المجتمعات الحديثة، وتزايد  الاحساس بالاغتراب، وبالوحدة والغربة…[30] هذه المظاهر  تجلت في مجموعة من التصورات المرافقة لزمن هيمنة التقدم المادي –كما سلف- أي التصورات العدمية والتي “هي في حقيقتها تعبير عن قلق روحي ومعرفي وغياب القوة المعنوية الممانعة التي تستطيع مواجهة آثار  ذلك التقدم على الإنسان”

والخلاصة أن تلك التصورات لم تكن عبارة عن توجسات معادية للتقدم، بل هي –بحسب الكاتب- نتيجة للنموذج الحضاري الغربي المادي المتحيز، والذي أسس من خلال ممارساته الواقعية، “لمفاهيم عدمية إلغائية قوضت أركان إنسانية الإنسان، وأفقدته ما يميزه بوصفه إنسانا، وأصبح مادة استعمالية ليس له قيمة خاصة”[31]

والحاصل أن هذه المظاهر المشار إليها جملة تتصل بها مظاهر أخرى كثيرة، وعلى سبيل التذكير: أزمات تتعلق بالفرد، والأسرة، وأما على مستوى المعرفة فمن أبرزها الهوة الحاصلة بين العلوم والمعارف في الواقع المعاصر، والتي تتعمق مع تزايد حدة التصنيفات المتحيزة للعلوم، وفقدان العمق التكاملي بينها.

المبحث الثاني: الاستئناف الحضاري الجديد: مقاربة في مكوناته المرجعية والمنهجية

يقارب هذا المبحث القضية الثانية أو الشق الثاني من هذا المقال والمتصل بالرؤية الاستئنافية التجديدية الحضارية، من خلال مباحث كتاب الدكتور محمد علا، وذلك بتأمل بعض مكوناته المرجعية والمنهجية، والإلماع إلى أمثلة تطبيقية لهذا الاستئناف، مما يجعله استئنافا لصالح الإنسان.

المطلب الأول: الاستئناف الحضاري المنشود: طبيعته والحاجة إليه

يصبو هذا المطلب لإبراز طبيعة هذا الاستئناف المنشود، والحاجة إليه في السياق الحاضر، وذلك بحسب ما يتبدى من مباحث الكتاب.

من خلال سياق كتاب منطق حوار العلوم ينبثق مطلب استئناف جديد من رحم الإيمان بأهمية الجهد الإنساني الحضاري القاصد، كما يبرزه الكاتب فيما أسماه بلحظات انبثقاق العقل الإنساني، والذي يعد مشتركا إنسانيا يسهم فيه الجميع، وينهض هذا الاستئناف على مقتضى النقد –لا النقض- المعرفي.

  1. الاستئناف المنشود ومطلب الاستيعاب والمجاوزة

ولعل دعائم هذا النقد المعرفي اثنين: الاستيعاب بما يحيله من معنى الفهم، والإبقاء… ثم المجاوزة بما تحيله من معنى التجاوز والاستبعاد.

والمقصود بالنقد المعرفي هنا النقد الذي توجه للحضارة الغربية، أي إلى “عمق الأسس التي ترتكز عليها”[32] ومن هذا المنطلق تميز هذا النقد يكونه معرفيا، أي النقد البعيد “عن ضغوط الإيديولوجية، ويهدف أولا وأخيرا إلى بناء رؤى استئنافية أكثر دقة، وفعالية”[33]

ولبناء هذه الرؤى الاستئنافية لابد من منهج ينهض على الاستيعاب والمجاوزة، ولعل الاشارة لأهمية الاستيعاب والمجاوزة في الاستئناف المنشود في قول الكاتب “حين نتحدث عن الاستئناف الحضاري فإننا نقر بأهمية كل الجهود التي بذلت في سبيل اسعاد البشرية… ومن ثم فالاستئناف المنشود عملية ترتكز على منهج الإبقاء والاستبعاد”[34] أي “الإبقاء على أجمل ما في حضارة الغرب، وتجاوز أسوأ ما فيها”[35] ومن هذا المنطلق تتحقق السمة الأبرز لهذا الاستئناف، والغاية الأهم له، وذلك بتحقق سمة التكامل والشمول، لنفع الإنسانية كلها.

والحديث عن منهج الاستيعاب والمجاوزة ليس على جبهة واحدة، بل له واجهات عدة، تتكامل فيها الاستيعاب للنموذج الحضاري الغربي، في مقابل استيعاب الرؤية التجديدية التي ينطلق منها.

غير أن منهج الإبقاء والاستعاد ليس عملا تنظيريا، إنما يتطلب آليات وإجراءات عملية، تحقيقا لمجاوزة حضارية، يتم من خلالاها مجاوزة الفلسفة التي أفرزت الأزمة المعاصرة، لكون “الحل الحقيقي يتطلب تجاوز النسق ككل، والفلسفة المؤطرة ككل، باعتبارها الأصل المنتج للأعراض والعلل المرضية في النفس والأسرة والمجتمع… بل وفي العلم والمعرفة والثقافة ذاتها”[36] ولا شك أن مطلبا كهذا يتطلب جهدا متكاملا، ومنهاجا بنائيا مستوعبا ومجاوزا

وطبيعي ألا يتحقق هذا المسعى إلا بتوفر جملة من الشروط، ومن ذلك –حسب الكاتب- “ضرورة تخلي الغرب عن سردياته النهائية والحتمية”[37]

  • الحاجة إلى الدعوة لاستئناف حضاري جديد:  

إنما تتأكد الحاجة لاستئناف حضاري جديد في الواقع المعاصر لاعتبارات عديدة، ومن أبرزها السياق الحضاري الذي نعيشه، والمتسم بتضخم التحديات، والإشكالات الكبرى على المستوى الإنساني، والمعرفي، وقد سبقت الإشارة إلى طبيعة القلق الحضاري المعاصر.

وقد ركز  الدكتور محمد علا في تأطير الحديث عن هذا الاستئناف التجديدي، على إبراز أهم سمات النموذج الحضاري الغربي المهيمن، والذي استفرغ الفكر الإسلامي المعاصر، والفكر الإنساني عامة، في تبيان أصوله، وسماته، وإفرازاته الكبرى على المستوى الواقع الإنساني، والمعرفي، حتى غدا من الصعب التخلي عن نمط الحياة المفضي لتخلي الإنسان عن إنسانيته، يقول الكاتب: “ومن ثم تتأكد الحاجة إلى نموذج حضاري جديد، نظرا للباب المسدود الذي يتجه إليه هذا النموذج على مستوى واقع كينونة الإنسان، وواقع وظيفية العلوم بأصنافه الإنسانية والاجتماعية والطبيعية المختلفة، وواقع التحديات والأزمات التي أنتجها”[38]

وهذا يشير  إلى طبيعة المهمة المركبة للجهد الاستئنافي المطلوب، وتتبدى هذه العملية المركبة في كلية الإشكالات التي يعرفها العالم، وعمق الأسس التي أفرزتها، بحيث إن النقد هنا ليس عملية تقويم لاعوجاج في مظاهر الأزمة، بل إعادة التفكير في الثقافة التي انبثقت منها تلك الأسس.

وإذا ما تأمل الباحث نماذج الاستئناف الإنساني المطلوب، فإن من أهمها الإسهام الفكري الإسلامي لما له من القوة التي تجعله واحدا من أهم إسهامات العصر، بل يعد “جهدا نوعيا لتركيبة مكوناته وعناصره، كما يبقى اسهاما فريدا لعناصر الإيمان والقيم المجملة لاختياراته، ومقترحاته”[39] ودون استثماره تجاوز معيقات التفعيل المتعددة، نفسيا، وفكريا، وثقافيا، ولعل من ذلك وجود بيئة فكرية متينة، والانعتاق من التبعية، فذلك لازم ليكون الإسهام الفكري الإسلامي إسهاما حقيقي الأثر، وتستطيع الذات الانفتاح على الغير من موضع قوة لا العكس، فالحالة الأولى يكون الانفتاح مستوعبا، أما الثانية فيكون تقليدا وتبعية، ولعل من مظاهر ذلك المقارنة –التي وقف عندها عبد الله كنون (ت 1409ه) –[40] بين انفتاح المسلمين على علوم الحضارات الأخرى في عهد الترجمة، والانفتاح في العصر الحديث والمعاصر.

وعليه فإن طبيعة هذا الاسهام المنشود في السياق المعاصر تجعله مطلبا ضروريا، وتتأكد هذه الحاجة بالنظر في مكوناته المرجعية والمنهجية، وهو ما يمكن بيانه في المطلب الثاني.

المطلب الثاني: المكونات المرجعية والمنهجية للاستئناف الحضاري المنشود

يقارب هذ المطلب أهم المكونات المرجعية والمنهجية للاستئناف الحضاري الذي سبق الحديث عن طبيعته، والحاجة إليه، وأحافظ في عنوان المطلب على نفس عبارات الدكتور محمد علا، وذلك ليفهم سياق الحديث، ويفهم من العنوان على الأقل أمران تفهم من خلالهما طبيعة هذه المكونات، الأول: أن الحديث هنا عن جهد إنساني حضاري، مكوناته عبارة عن عناصر  متكاملة تجمع بين الجانب المرجعي، والمنهجي، والمقصدي/ الغاية، أي مكونات “تتكامل فيها لبنات العطاء الحضاري من حيث مرجعيةُ الاستمداد، ومقصدية العطاء، ومنهجية البناء”[41] والثاني يفيد أن طبيعة هذه المكونات تجمع بين الإمداد والاستمداد؛ بحيث تمتد عناصر كل مكون للمكونات الأخرى، تأطيرا، ودعما، “مثل امتداد خيوط المكون الديني وقدرته على دعم المكونات الأخرى، وامتداد المكون القيمي وقدرته على تأطير المكونات الأخرى…”[42] وبتكامل هذه المكونات تتشكل من خلالها رؤية حضارية إنسانية، وبحسب الكاتب “هي خلاصة تركيبية لمكونات الرؤية الحضارية المنشودة، وعناصرها الفاعلة”[43]

ومن خلال فهم هذا السياق يمكن تبيان أهم مكونات هذا الاستئناف المنشود، مع التنبيه إلى أن المقال يحاول تقريباها على سبيل الإجمال لا التفصيل، وبالتركيز على مكونين منها، وهما: الديني، والقيمي، وذلك لأهميتهما للمكونات الأخرى، ولتكامل عنصر المنطلق والغاية من خلالهما، لكن لطبيعتها التكاملية -كما سلف- يمكن تعدادها جملة، قبل ذلك.

تنتظم هذه المكونات بحسب الكاتب في سبعة مكونات[44]، وهي: المكون الديني، والقيمي الأخلاقي، والتربوي التعليمي، والعلمي المعرفي، والإنساني، والعالمي، والتركيبي التكاملي.

  • المكون الديني والقيمي: تكامل في المنطلق والغاية

انتظم حديث الكاتب عن هذين المكونين إبراز مجموعة من القضايا التي تتكون من خلالها رؤية واضحة عنهما، وموقعهما في الاستئناف المنشود، من ذلك بيان أهميتهما، وآفات غيبهما عن أي نموذج حضاري، وعناصرهما، ووظيفتهما، مع تركيز على المنظور الحضاري الإسلامي.

والمكون الديني هنا -وإن كان سياق الحديث عن الرؤية الإنسانية عامة- يراد به الدين في بعده الرسالي، المتصل بالوحي الإلهي، بمعنى “الدين الرسالي السماوي، الخطاب الإلهي الموجه إلى الإنسان عبر التاريخ، مسددا ومقوما، هاديا ومرشدا…”[45] وفي هذا السياق يبرز الكاتب طبيعة حضور الدين في المجتمعات الإنسانية، “باعتباره جزءا من الكينونة والفطرة الآدمية”[46] واستنادا إلى مجموعة من الكتابات الغربية، تتأكد –حسب الكاتب- ضرورة الدين ووظيفته في النظم المعرفية، وليس خاصا بالنظام المعرفي والرؤية الحضارية الإسلامية، “حيث أخذ الوعي الغربي يتسع حول أهمية المعارف الدينية والقيم الدينية ضمن المنظومات المعرفية برمتها”[47]

وهكذا فموقع الدين يتأكد بكونه يؤطر المعرفة، والجهد الإنساني، ومن ثم فالفكر المهتدي بالدين يتسم بسمات يفقدها الفكر الذي يغيب الدين، وعلى مستوى المنظور الحضاري الإسلامي يذهب الدكتور محمد علا إلى أن الفكر الذي ينطلق من الوحي الإلهي، يتميز بجملة من الخصائص، أبرزها: “-وضوح الرؤية والهدف والغاية والمسار… –غياب كلي لأي صراع موهوم بين مختلف الثنائيات”[48]  وإن كان هذا المسعى لم يتحقق بشكل أمثل في الاجتهاد الإسلامي، نظرا لطبيعة التعامل مع الدين ذاته، واستثمار أبعاده، وفي هذا السياق عدد الدكتور سعيد شبار مختلف أنواع وأشكال التعامل مع الدين في الماضي والحاضر وخاصة على مستوى الرؤى والمناهج، وذلك راجع إلى تعدد المدارس والتيارات التي توجه الخطاب أو تؤطر هذا التعامل مع الدين، تراوح هذا التعدد “من الخصومة الكلية المستبعدة له –الدين- جملة وتفصيلا، إلى الالتزام النصي والحرفي الظاهري بالأشكال والرسوم من غير إدراك للعلل والمقاصد والحكم، مرورا بالتصنيفات والمقاربات المختلفة…”[49]

وانطلاقا من هذه الرؤية تتضح مكانة القيم باعتبارها مكونا أساسا، وخاصة في البعد التقويمي، والتصويب والتسديد، وفي الواقع المعاصر الذي يعرف مشكلات أفرزتها الحداثة الغربية، تتأكد الحاجة إلى المقوم القيمي، أي “حاجة الحداثة إلى تصويب وتسديد قيمي وأخلاقي”[50]  وقد وعى النقد المعرفي للحداثة هذا الدور الحوري للقيم والأخلاق في تصويب الحداثة، ودرء آفاتها، ومن ذلك النقد من داخل الفكر الغربي، وخاصة في الفلسفة الألمانية “التي قدمت نقدا أخلاقيا وميتافيزيقيا للحداثة، لكن هذا النقد لم يغير المسار الموضوعي للحدثة”[51] ولعل هنا تظهر العلاقة القوية بين المكون القيمي، والديني، باعتبار أن القيم والأخلاق بتوظيفها وسيلة للنقد لا يمكن فصلها عن الدين الذي يكسب القيم والأخلاق معنى.

فهذه إشارات إلى أهم مكونات الاستئناف الحضاري الذي بين الكاتب تفاصيله في كتابه، ويمكن من خلال تفصيل القول فيها وفي تطبيقاتها المعاصرة وإمكانات توظيفها تحقيق تقدم متوازن، يعالج القلق الحضاري المعاصر.

خاتمة: استنتاجات عامة

في ختام هذا المقال الموجز يمكن الخلوص إلى مجوعة من الاستنتاجات العامة، التي لها علاقة بموضوع الكتاب الذي انطلق من المقال من بعض مباحثه، وأيضا بطبيعة الموضوع الذي ركز عليه المقال، ومن هذه الاستنتاجات:

-تأكيد أهمية اعادة النظر في طبيعة علاقة الفكر الإسلامي بالفكر الإنساني والغربي على الخصوص، وخاصة على مستوى مرحلة التفاعل النقدي.

-أن الواقع المعاصر يفرض على الفكر الإنساني تصويب جهده في الاتجاه التكاملي البنائي.

-الحاجة إلى تعميق النظر لإبراز المكونات المنهجية الكامنة في الرؤية الإسلامية، والمنظور الإسلامي –من خلال الوحي- للواقع، وقضايا الإنسان والمعرفة، والدفع بالرؤية الإسلامية الحضارية لتكون فاعلة في الواقع.

-وأخيرا التأكيد على أهمية هذا العمل الذي اصطفى له الدكتور محمد علا مسمى منطق حوار العلوم… وخاصة على مستوى استئناف مختلف الجهود التي بذلت في هذا المسعى، وبالخصوص في الفكر الإسلامي المعاصر.

والله من وراء القصد، ومنه التوفيق والسداد. 

            مراجع الدراسة:

  1. بكار، عبد الكريم، من أجل انطلاقة حضارية شاملة، دار القلم، دمشق، ط 2011،
  2. سبيلا محمد، مسألة الحداثة في فكر هيدغر، مجلة تبين، عدد 11/3 2015
  3. سيغفريد، أندريه. روح الشعوب، ترجمة عاطف المولى، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2015
  4. شبار سعيد، المكون الديني والتغيير الثقافي، آفاق جديدة في ترشيد الاسترجاع الديني، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.
  5. شبار، سعيد. الثقافة والعولمة، وقضايا إصلاح الفكر والتجديد في العلوم الإسلامية، مركز دراسات المعرفة والحضارة، دار الإنماء الثقافي، ط1، 2014، 
  6. الشيخ محمد، ما معنى أن يكون المرء حداثيا، منشورات الزمن، الكتاب السابع عشر، 2006،
  7. طه، عبد الرحمن، سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 2000
  8. علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات نحو تأصيل منهجي قرآني لمداخل استئناف حضاري جديد، تقديم عبد العزيز رحموني، رشيد كهوس، منشورات مختبر العلوم الإسلامية، كلية أصول الدين، مطبعة تطوان، ط1، 2025
  9. علا، محمد. نظرية المعرفة والحاجة إلى المنهج التركيبي التكاملي، مجلة التفاهم، مجلد 15، عدد 56- 58، سبتمبر 2017، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، قطر.
  10. كنون، عبد الله. إسلام رائد، دار الكتاب اللبناني، دار الكتاب المصري، ط 1979
  11. المسيري، عبد الوهاب. العلمانية والحداثة والعولمة، (حوارات) تحرير سوزان حرفي، ط1، 2013
  12. المسيري، عبد الوهاب. رحلتي الفكرية، دار الشروق، القاهرة،
  13. موران، ادغار. نحو سياسة حضارية، ترجمة أحمد العلمي، الدار العربية للعلوم، ناشرون، بيروت، بيروت، ط1، 2010،
  14. يفوت، سالم. ابستيمولوجيا العلم الحديث، دار توبقال للنشر، المغرب، ط2، 2008

[1] علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات نحو تأصيل منهجي قرآني لمداخل استئناف حضاري جديد، تقديم عبد العزيز رحموني، رشيد كهوس، منشورات مختبر العلوم الإسلامية، كلية أصول الدين، مطبعة تطوان، ط1، 2025، ص 19-20. بتصرف

[2]  علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات، مرجع سابق، ص 261.

[3] نفسه، ص 260-261.

[4] نفسه، ص 261.

[5]  المسيري، عبد الوهاب. العلمانية والحداثة والعولمة، (حوارات) تحرير سوزان حرفي، ط1، 2013، ص 24.

[6]  سبيلا محمد، مسألة الحداثة في فكر هيدغر، مجلة تبين، عدد 11/3 2015، ص 12.

[7]  طه، عبد الرحمن، سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 2000،  ص 14.

[8] علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات، مرجع سابق، ص 146.

[9] موران، ادغار. نحو سياسة حضارية، ترجمة أحمد العلمي، الدار العربية للعلوم، ناشرون، بيروت، بيروت، ط1، 2010،  ص 12

 [10]  علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات نحو تأصيل منهجي قرآني لمداخل استئناف حضاري جديد، مرجع سابق، ص 258.

[11] سيغفريد، أندريه. روح الشعوب، ترجمة عاطف المولى، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2015، ص 188

[12] المسيري عبد الوهاب. دراسات معرفية في الحداثة الغربية، مرجع سابق، ص 40.

[13] نفسه، والصفحة.

[14]  علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات نحو تأصيل منهجي قرآني لمداخل استئناف حضاري جديد، مرجع سابق، ص 254.

[15]  يفوت، سالم. ابستيمولوجيا العلم الحديث، دار توبقال للنشر، المغرب، ط2، 2008، ص 7.

[16]  علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات نحو تأصيل منهجي قرآني لمداخل استئناف حضاري جديد، مرجع سابق، ص 255.

[17]  نفسه، ص 254.

[18]  نفسه، ص 256.

[19]  نفسه، ص 256.

[20] علا، محمد. نظرية المعرفة والحاجة إلى المنهج التركيبي التكاملي، مجلة التفاهم، مجلد 15، عدد 56- 58، سبتمبر 2017، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، قطر، ص 351.

[21] نفسه، ص 12

[22]  علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات نحو تأصيل منهجي قرآني لمداخل استئناف حضاري جديد، مرجع سابق، ص 257.

[23]  بكار، عبد الكريم، من أجل انطلاقة حضارية شاملة، دار القلم، دمشق، ط 2011، ص 49.

[24]  علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات نحو تأصيل منهجي قرآني لمداخل استئناف حضاري جديد، مرجع سابق، ص 259.

[25]  نفسه، والصفحة.

[26]  علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات، مرجع سابق، ص 259.

[27] المسيري، عبد الوهاب. رحلتي الفكرية، دار الشروق، القاهرة، ص 191

[28] الشيخ محمد، ما معنى أن يكون المرء حداثيا، منشورات الزمن، الكتاب السابع عشر، 2006، ص 126.

[29] من ذلك ما ضمنه في حواراته في العلمانية والحداثة والعولمة، مرجع سابق، ص 232، وما بعدها. 

[30] علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات، مرجع سابق، ص 258.

[31] نفسه، ص 260.

[32] علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات مرجع سابق، ص 265.

[33] نفسه، والصفحة.

[34] نفسه، ص 262.

[35] نفسه، ص 264.

[36] شبار، سعيد. الثقافة والعولمة، وقضايا إصلاح الفكر والتجديد في العلوم الإسلامية، مركز دراسات المعرفة والحضارة، دار الإنماء الثقافي، ط1، 2014، ص 111.

[37] نفسه، ص 264.

[38]  علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات مرجع سابق، ص 264.

[39] علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات ، مرجع سابق، ص 270.

[40] كنون، عبد الله. إسلام رائد، دار الكتاب اللبناني، دار الكتاب المصري، ط 1979، ص 60-61.

[41]علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات، مرجع سابق، ص 270.

[42] نفسه، والصفحة.

[43] نفسه، ص 284.

[44] نفسه، الصفحات: 270-284.

[45] شبار، سعيد. الثقافة والعولمة، وقضايا إصلاح الفكر والتجديد في العلوم الإسلامية، مرجع سابق، ص 99.

[46] علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات، مرجع سابق، ص 270.

[47] نفسه، ص 271.

[48]  علا، محمد. منطق حوار العلوم وتكامل المعارف بين الحضارات، مرجع سابق، ص 272.

[49] شبار سعيد، المكون الديني والتغيير الثقافي، آفاق جديدة في ترشيد الاسترجاع الديني، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ص 6.

 [50] نفسه، والصفحة.

[51]  نفسه، ص 273

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى