الدراسات

مراجعة كتاب: إعادة اكتشاف التراث الإسلامي: كيف غيرت ثقافة الطباعة والتحقيق عالمنا الفكري

مراجعة كتاب: إعادة اكتشاف التراث الإسلامي: كيف غيرت ثقافة الطباعة والتحقيق عالمنا الفكري

الناشر: مركز نهوض للدراسات والأبحاث.

عدد الصفحات: 479 صفحة.

المؤلف: أحمد الشمسي

ترجمة: عبد الغني ميموني وأحمد العدوي

مراجعة: يوسف مدراري، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة محمد الأول، وجدة. المغرب

كتاب “إعادة اكتشاف التراث الإسلامي: كيف غيرت ثقافة الطباعة والتحقيق عالمنا الفكري ” لأحمد الشمسي، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة شيكاغو الأمريكية، والذي صدرت نسخته الأصلية بالإنجليزية سنة 2020 (Rediscovering the Islamic Classics: How Editors and Print Culture Transformed an Intellectual Tradition)  عن منشورات جامعة برينستون. يعتبر هذا الكتاب محاولة لمراجعة تاريخ الفكر الإسلامي الحديث وتشكلاته المبكرة بداية من القرن 19، وقد اعتمد المؤلف على مقاربة تاريخ الكتاب؛ حيث أرّخ لتقلبات الفكر الإسلامي بالانطلاق من دراسة وتتبع حركة نشر التراث العربي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وذلك من خلال تتبع الخلفيات الفكرية للمحققين والناشرين وكذلك تسليط الضوء على الأجواء الفكرية التي تم من خلالها بعث الحياة في الكتاب التراثي. وعموما يدافع أحمد الشمسي عن أطروحة مفادها أن ظهور الطباعة وانتشارها في العالم العربي قد أحدث تطورات سريعة في بنيات الفكر وغير العديد من السلط العلمية لصالح سلط علمية أخرى كانت في الهامش.

أولا: ثقافة الكتاب وحالة المكتبات في عصر ما قبل الطباعة في العالم العربي

يفتتح الشمسي كتابه بتشخيص حالة المكتبات في العالم العربي في مطلع القرن التاسع عشر، ويسجل لنا الشمسي بالاستناد إلى معطيات وصفية وكمية أن المكتبات في البلاد العربية قد تعرضت لاستنزاف كبير لمحتوياتها، بسبب الجهود الكبيرة للعديد من المستشرقين والمغامرين الغربيين الذين أنفقوا أموالا طائلة في شراء المخطوطات العربية أو السطو عليها، ثم إرسالها إلى المكتبات في أوربا، بالإضافة إلى أن تجارة المخطوطات العربية تعتبر تجارة مربحة، فقد أقبل عليها كذلك بعض التجار العرب. كما أن الشمسي يعتبر أن الإهمال الكبير الذي تعرضت له المكتبات العربية مرده كذلك إلى سوء التصرف في أوقاف المكتبات. هذا الوضع استنزف المكتبة العربية في المشرق، وفُقدت العديد من الكتب، خصوصا كتب المتقدمين مما جعل كتب المتأخرين أكثر انتشارا وتحتل الصدارة في المقررات التعليمية في المدارس الدينية.

يشير الشمسي إلى أن الحملة الفرنسية على مصر قد أثرت بشكل كبير على وضع المكتبات ورواج الكتاب العربي؛ حيث أفرغ المستشرقون المكتبات المصرية من محتوياتها إما عن طريق النهب أو الاحتيال على قيمي المكتبات، أو محاولة أغرائهم بالمال كما هو الحال بالنسبة للألماني أولريش ستزن (ت. 1811) (Ulrich Jasper Seetzen)، الذي كان طبيبا ومغامرا ومستشرق هاو يشتري المخطوطات ويرسلها لأمير غوتا في ألمانيا (الشمسي، 45-46). كما لعب القناصل الأوربيون دورا مهما في إفراغ المكتبات العربية وإغناء رصيد المكتبات الأوربية من المخطوطات العربية، وهنا يذكر الشمسي مثالا لمكتبة جامعة لايبتزج والمكتبة الملكية في برلين اللتين اغتنت محتوياتهما عن طريق جهود القناصل الأوربيين في شراء مكتبات العلماء المتوفين، ومن أشهرها مكتبة عائلة الرفاعي الدمشقية التي انتقلت كاملة إلى جامعة لايبتزج بألمانيا، ومازالت تحمل نفس الاسم إلى اليوم (الشمسي. 49-50). ويشير الشمسي أن بعض الغربيين كانوا يبررون عمليات الاستيلاء على المخطوطات العربية بكونهم ينقذونها من الضياع والإهمال في إطار ما يسمى بعبء الرجل الأبيض (white man’s burden) (الشمسي. 54).

يقدم الشمسي الأدلة على أن ضعف الاقبال على كتب المتقدمين في القرن 19 مرده إلى عاملين رئيسين: الأول هو الاعتماد الكبير على النصوص المدرسية لعلماء متأخرين، ثم ذيوع الفكر الصوفي الذي يعتمد على المعرفة الباطنية ويقلل من شأن المعرفة التي مصدرها الكتب؛ فقد رصد المؤلف أنه مع بداية القرن 16 أصبح هناك توجه في العالم الإسلامي للاعتماد في التدريس على النصوص المختصرة والتي تحفها طبقات من الشروح: الشرح الأساس، الحاشية ثم التعاليق أو التقرير، وكانت الكتب المتأخرة هي عمدة التدريس، وانحصرت الكتب المتقدمة المنتمية إلى القرن الثالث أو الرابع أو الخامس الهجري. فمثلا في العقائد نجد غياب كتب الأعلام المؤسسين في المقررات التعليمية، مثل كتب الأشعري (ت. 936) أو الماتيريدي (ت. 944) أو الباقلاني (ت. 1013) (محمد عبده،1993، ج.3، ص. 339) وهذا ما انتقده محمد عبده (ت. 1905) على علماء الأزهر بطريقة تهكمية (الشمسي. 81-82) (عبده، 1902، ص. 570). ومما كرس هذا الاهتمام بالكتب القريبة من عصر المؤلف هو أن بعض العلماء كان يذهب للقول إنه لا يجوز للعالم أن يستشهد إلا بالكتب التي درسها على مدرس له سند. وهذا ما ساهم بشكل كبير في تهميش النصوص المتقدمة (الشمسي. 90). لكن المؤلف يعتقد أن هذه الظاهرة يمكن تفسيرها جزئيا بظاهرة النقص في الكتب المتاحة، أي أنه آلية من آليات التأقلم مع ندرة الكتب (الشمسي. 91).

هناك عامل آخر – حسب الشمسي- ساهم في ضعف الاقبال على الكتب وهو انتشار الفكر الصوفي؛ الذي كان يعتبر أن المعرفة الحقة تُتلقى مشافهة من عند الشيخ العارف وليس مجالها الكتب، فكانت النصائح الموجهة للطلاب هو عدم الاعتماد على الكتب، فتم إطلاق لقب “الصحفيون” على هؤلاء الذين يأخذون العلم من الكتب. (الشمسي. 93). فكان شيوخ الصوفية ينصحون المريد الذي يريد الانخراط في الطريق الصوفي أن يتحلل من كتبه ومن معارفه التي تلقاها من الكتب، لأن الحقيقة غير موجودة في الكتب، وأن الكشف والالهام يمكن أن يكون فيه حل للمشاكل العلمية العويصة. ويعتبر الشمسي المتصوف المصري عبد الوهاب الشعراني (ت. 1565) من أهم العلماء الذين روجوا لهذه الفكرة، فقد أمره شيخه الصوفي على الخواص (ت. 1533)، وقد كان أميا، أن يتخلص من كتبه (الشمسي. 99). وذاع صيت العديد من شيوخ التصوف الذين كانوا أميين، والذين خضع لهم علماء كانت لهم مكانة علمية كبيرة، فساهم ذلك في التقليل من شأن الاهتمام بالكتاب. وكان يتم النظر إلى الكتب باعتبارها تتضمن معارف سطحية لا ترقى إلى المعارف الباطنية، ثم إن العارف أو الولي يمكنه الاتصال مباشرة بالرسول دون الاعتماد على التقاليد والأعراف العلمية، بالإضافة إلى اعتبار الكشف الصوفي من مصادر المعرفة؛ فالباجوري (ت. 1860) يعتبر أن الكشف أساس صحيح في إثبات العقائد (ص. 106). ونفس الشيء قال به عبد الغني النابلسي (ت. 1731)، وبسبب هذا النزوع الباطني انتشرت في أوساط العلماء التنجيم والعرافة وعلم الرمل (معاني أشكال الرمل التي تتشكل حين رميه) والجفر (استخدام الحروف لمعرفة أشياء خفية) (الشمسي. 108-109)، حتى أن بعض العلماء أفتى بجواز تعلم السحر (اليوسي، ص. 160). وقد انتبه المؤلف إلى نشوء تيار من العلماء رفض الحصار المفروض على ثقافة الكتب وخصوصا شخصية مرتضى الزبيدي (ت. 1791) صاحب القاموس الضخم “تاج العروس” وكتاب “إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين”. ثم العالم الآخر هو محمد الشوكاني (ت. 1834) (الشمسي. 115-117). ويخلص المؤلف إلى أن تلك العوامل المتمثلة في سيادة المتون المدرسية بالإضافة إلى انتشار الفكر الباطني قد ضيق الآفاق الفكرية في الأوساط العلمية الإسلامية وساهم في تهميش الكتب المتقدمة. إلا أن هنالك علماء ساهموا بشكل كبير في البحث عن الكتب المتقدمة وجعلها في حيز الاستخدام والرواج (الشمسي. 122).

للاطلاع على المراجعة كاملة انقر العنوان التالي: مراجعة كتاب إعادة اكتشاف التراث الاسلامي

مدراري يوسف

أستاذ الدراسات الإسلامية جامعة محمد الأول، وجدة ، المغرب، حاصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية العليا من دار الحديث الحسنية بالرباط، كان موضوع رسالته للدكتوراه "الاستدلال في علم الكلام الأشعري: دراسة في تلقي المنطق واستثماره في بناء الدليل". ينحصر مجال اهتمامه في تاريخ علم الكلام والمنطق في المجال الإسلامي، كما يهتم الباحث بالترجمة، وقد صدرت له مجموعة من الدراسات والترجمات في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى