عندما تصبح الآثار سلاحاً: صرخة “ميزا” لحماية التاريخ الفلسطيني من “الضم والتهجير”
في الرابع عشر من مايو 2026، أصدرت رابطة دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية (MESA) بياناً شديد اللهجة، وُصف بأنه “نداء استغاثة دولي” لحماية الإرث الثقافي في الضفة الغربية. الرسالة الموجهة إلى كبار المسؤولين الأمميين ومديري منظمة “اليونسكو” لم تكن مجرد مرافعة قانونية، بل هي كشف لآلية تحويل “علم الآثار” من أداة للمعرفة إلى معول للهدم والسيطرة السياسية.
قانون “سلطة التراث”: هندسة الضم الصامت
توقفت الرابطة عند تشريع إسرائيلي جديد تم تمريره بالقراءة الأولى في 12 مايو 2026، يهدف لإنشاء “سلطة التراث” تحت إشراف مباشر من وزارة التراث الإسرائيلية.
- الانتقال من العسكري إلى الاستيطاني: يهدف القانون لنقل صلاحيات “الضابط المسؤول عن الآثار” في الإدارة المدنية العسكرية إلى هيئة مدنية يديرها سياسيون وأعضاء في الحركة الاستيطانية.
- تشريع الضم: ترى “ميزا” أن هذا المشروع يستخدم التراث الثقافي كآلية لنقل الأراضي الفلسطينية من السيطرة العسكرية الناتجة عن الاحتلال إلى الضم المباشر.
- خروقات جسيمة: يُعد هذا التحرك انتهاكاً لاتفاقية “لاهاي” لعام 1954 واتفاقية جنيف الرابعة، التي تمنع إنشاء أجسام مدنية دائمة لممارسة السيادة في الأراضي المحتلة.
سرقة “الرواية” عبر المصادرة الميدانية
استعرضت الرسالة حالات موثقة توضح كيف يتم توظيف المواقع الأثرية لتهجير المجتمعات المحلية ومحو هويتها:
1. سوسيا: الآثار كذريعة للتهجير
منذ عام 1986، أعلنت السلطات الإسرائيلية جزءاً من قرية “سوسيا” موقعاً أثرياً. هذا الإعلان كان كافياً لطرد سكانها الأصليين وإحلال “بؤرة استيطانية” مكانهم نمت لتصبح مستوطنة كاملة، بينما يواجه الفلسطينيون المهجرون أوامر هدم مستمرة وحرماناً من الخدمات الأساسية.
2. سبسطية: خنق التنوع الحضاري
في نوفمبر 2025، أعلنت السلطات الإسرائيلية مصادرة 182 هكتاراً من أراضي قرية سبسطية لإنشاء “متنزه شومرون الوطني”. هذا الموقع الذي يضم طبقات تاريخية (رومانية، بيزنطية، وإسلامية) يتم اختزاله اليوم في “سردية توراتية” ضيقة، مع حرمان الفلسطينيين من حقوقهم الزراعية والبنائية في المنطقة.
3. بتير: التراث العالمي تحت مقصلة الاستيطان
رغم إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2014، إلا أن قرية “بتير” تواجه تهديداً وجودياً. منذ مطلع عام 2025، انتقلت عشرات عائلات المستوطنين إلى مستوطنة “نحال حيلتس” الجديدة، مما أدى لتمزيق التواصل الجغرافي الفلسطيني وتهديد الموقع العالمي.
4. سلوان: “مدينة داود” فوق أنقاض المنازل
في القدس الشرقية، تُدار عمليات الحفر السياحي والأثري من قبل منظمة “إلعاد” الاستيطانية. وفي عام 2024، تم هدم 24 منزلاً فلسطينياً ومركزاً مجتمعياً لتطوير متنزه سياحي يخدم سردية تاريخية انتقائية تهمش الحضور الفلسطيني المعاصر.
الجريمة ضد الثقافة: محو الطبقات الإنسانية
تؤكد الرابطة أن المواقع الأثرية في الضفة الغربية تحمل أدلة على فصول التاريخ البشري منذ العصر الحجري الحديث. إلا أن السياسات الحالية تقوم بـ:
- تمييز تاريخي: تفضيل حقب زمنية معينة (توراتية) وتجاهل بقية الطبقات الحضارية.
- استغلال الأكاديميا: إدانة صمت الجامعات الإسرائيلية التي تُجري حفريات في مواقع مثل “خربة رافد” و”جبل عيبال” بالتوافق مع أجندات استيطانية.
“لا يمكن ولا ينبغي استخدام الآثار لتعزيز الأجندات القومية العرقية وتقويض حقوق السكان الأصليين الذين عاش أسلافهم في هذه المواقع لقرون.”
نداء الموقّعين
وقّع على هذه الصرخة الأكاديمية كل من أسامة مقدسي (رئيس الرابطة وأستاذ بجامعة كاليفورنيا، بيركلي) وجوديث تاكر (رئيسة لجنة الحرية الأكاديمية بجامعة جورج تاون)، مطالبين المجتمع الدولي بالرقابة الصارمة ورفض جميع الإجراءات التي تسعى لتهميش التراث غير اليهودي وضم الأراضي المحتلة بشكل غير قانوني.



