المقالات

مرافعة! خريجو كليات الشريعة ومباراة المحاماة: إقصاء بلا منطق وتناقض بلا تبرير

 1- «العدالة تقتضي المساواة بين المتماثلين في المراكز القانونية»

يقول أرسطو في كتابه الشهير “السياسة ” (Politics)

“Justice is thought by them to be equality, and so it is, but not for all, only for equals”

 )Book Three, Part Nine(

العدالة تقتضي المساواة، وهي كذلك بالفعل، ولكن ليس للجميع بل للمتساويين فقط.”

وإذا نزلنا هذه القاعدة الفلسفية على الساحة الأكاديمية والحقوقية اليوم في مجتمعنا المغربي، لتساءلنا: بأي منطق يُنكر البعض تماثل المراكز القانونية والمعرفية بين خريج كلية الحقوق وخريج كلية الشريعة؟ كلاهما يحمل شهادة جامعية وطنية، وكلاهما ينهل من وعاء المادة القانونية والقضائية نفسها، بل إن خريج الشريعة يزيد بأصالة التأسيس الفقهي. فلماذا يُراد إخراجه من دائرة “المتساويين” الذين تشملهم عدالة تكافؤ الفرص؟

لا شك أن الجدال الدائر من قِبل الرافضين لولوج خريجي كلية الشريعة مباراة المحاماة خاصة، ليدل على حقد دفين في النفوس، وتوجس إيديولوجي غير مبرر، وحساسية مفرطة من كل ما يحمل وسم “الشريعة”. لا أريد التحدث هنا عن نظرية المؤامرة، أو الخوض في القيل والقال؛ لكن هذا الإقصاء غير المنطقي في مباراة المحاماة ينم عن تناقض صريح لن أوغل فيه أيضا، ويمكنكم الرجوع إلى مقال الدكتور عبد العالي المتقي المنشور في موقع  “مركز أفكار” لتبين الأمر.

إن الإشكال الأساس الذي لا يريد الآخر تقبله، هو أن طالب الشريعة يمكنه التفوق على طالب كلية الحقوق؛ ولا أدري لِمَ لا يُقبل ذلك؟ في حين أننا نقبل -عكسا- تفوق طالب الحقوق على طالب الشريعة! فالحكم في ذلك كله هو مستوى الطالب كفاءة وتحصيلا أينما حل وارتحل. والحاكم الفيصل في المباريات المهنية -كالقضاء، وباقي المهن القضائية الأخرى المفتوحة لخريجي الكلية كالمنتدبين والمحررين والعدول، أو غير المفتوحة كالمحاماة- هو الامتحان؛ فالمباراة حق مشروع للطالب ما دام يتوفر على شهادة تؤهله لذلك. فأين الإشكال إذن؟ ولم هذا الجدل والنقاش العقيم؟

2. «لماذا الاعتراف بكفاءتهم في كليات الحقوق وفي القضاء، والتمييز ضدهم في مباراة المحاماة؟»

لماذا يُدَرس خريجو كلية الشريعة المواد القانونية الآن في بعض كليات الحقوق بالمغرب بموجب عقود مؤقتة؟ فلماذا الاعتراف بكفاءتهم هناك، بينما يمارس ضدهم التمييز في مباراة المحاماة؟ فأين المنطق وما الغاية من ذلك؟

ولماذا يُدرس بعض الأساتذة الباحثين خريجي كلية الشريعة المشهود لهم بالكفاءة رسميا، في بعض كليات الحقوق، ويتفوقون في منهجهم وتمكنهم من المواد القانونية …؟ نحن لا نريد عقد مقارنات هنا؛ لأن الحاكم -كما أسلفت- هو المستوى المعرفي؛ فكما نعترف بجهابذة وقامات من أساتذة خريجي كليات الحقوق، فإننا نعترف بأقرانهم ممن تخرجوا من كلية الشريعة. إن أزمة التنافسية لا تكمن في وعاء التكوين لدينا في كلية الشريعة، بل في عقدة النقص أو التخوف التي تلازم الآخر من التفوق المعرفي لخريجي هده الكلية على خريجي كليات الحقوق، مع أننا نُقرّ ونقبل -بكل موضوعية-أن خريج كلية الحقوق قد يكون أكفأ من خريج كلية الشريعة؛ فالأمر هنا لا يتعلق بالكلية أو المؤسسة المتخرَّج منها، بل بخريجي هده المؤسسة مهما من ناحية همته، وأهدافه، وميولاته المعرفية، وكفاءاته المحصلة.

وإذا كان خريج كلية الشريعة يلج سلك القضاء ويكون قاضيا كفؤا -وهو أمر معلوم عن أسماء كثيرة متداولة- يستطيع الاجتهاد، والكتابة، والتحرير، والنقد؛ بفضل ما يتوفر لديه من أدوات آليات الاجتهاد، ولأن المواد القانونية في غالبيتها مستمدة من الفقه الإسلامي، وتحيل في أوائل موادها أو أواخرها على الفقه المالكي، وهو ما يجعل السلطة التقديرية ومساحة الاجتهاد عند القاضي خريج الشريعة واسعة، تمكنه من التفكير في مختلف الاحتمالات وإيجاد التخريجات الفقهية لما تستجده النوازل … فكيف تُمنح الفرصة لهدا الأنموذج من خريجي كلية الشريعة في القضاء، وتُمنع عن نفس الخريجين الراغبين في ممارسة المحاماة؟

ثم إن هذا المحامي سيقف أمام من؟ ويواجه من في عرض الدعوى والدفاع؟ إنه قد يقف أمام قاضٍ متخرج من كلية الحقوق أو قاضٍ متخرج من كلية الشريعة، بكل احترام وأدب. فلماذا يُحترم القاضي هناك وهو خريج شريعة، ولا يُحترم حق خريج الشريعة في ولوج المحاماة؟ في الحقيقة، إننا لا نطالب بامتياز معين، بل نطالب فقط برفع حاجز الإقصاء الممنهج، وترك الكفاءة لتقول كلمتها في جو يسوده التنافس الشريف.

3. «عندما يستأذن باحثو القانون لولوج مكتبات الشريعة للاستفادة من مراجعها… عن أي ضعف تتحدثون؟»

لنأتِ الآن إلى المصنفات والكتابات في الشق القانوني، أو الفقه المقارن بالقانون من قِبل خريجي كلية الشريعة؛ لماذا نجد مصنفاتهم تُعتمد مراجعَ أساسية من طرف خريج كلية الحقوق في مقالاتهم، وكتبهم، ورسائلهم، وأطاريحهم، أو في عروض الماستر بكليات الحقوق؟ بل إننا نعلم علم اليقين -مما عاينّاه واطلعنا عليه- أن الكثير من الباحثين في كلية الحقوق يستأذنون للدخول إلى مكتبة الماستر والخزانة العامة عندنا بكلية الشريعة، للاستفادة من الرسائل و الأطاريح ذات البعد القانوني أو الفقهي المقارن، وهي الخزانة التي تُعدُّ بحقٍّ من أغنى الخزائن الجامعية بجهة سوس… ولقد وقفنا على رسائل لخريجي كلية الشريعة تُنسخ وتُطبع أحيانا -دون إذن أصحابها- في بعض المكتبات المجاورة لكليات الحقوق تلبيةً لحاجة طلبتها! ونحن لا ضير عندنا في ذلك، فما يٌصنف أصلا إنما يكون لغاية أن يُقرأ ويُنشر ويُقتبس منه أيا كان المتلقي، فكما يقرأ طالب الشريعة لفقهاء الحقوق، يقرأ طلبة الحقوق لعلماء الشريعة ولباحثيها المتخرجين منها.، ونحن نقبل هذه المعادلة المعرفية المتوازنة بـأريحية تامة ودون أدنى إشكال؛ فلماذا يُمارَس التمييز ضد خريجي كلية الشريعة في مهنة المحاماة، في ظل كل هذا التلاقح المعرفي، في حين لا يصدر أي تمييز منا ضدهم لا علميا ولا أكاديميا؟

حسنا، ربما لم يُقنع البعضَ هذا ولا ذاك؛ فلماذا نجد كليات الحقوق ومحافل المهن القضائية نفسها تلوذُ ببحوث خريجي كلية الشريعة عبر رسائل واتصالات مستمرة من أساتذة أكفاء وطلبة باحثين وممارسين، يطلبون تزويدهم بنسخ من الأطاريح والرسائل المناقشة في رحاب كليتنا، أو بمصنفات من يدرسون فيها؟ إن سعيهم الحثيث للاطلاع على هذه الأعمال، وطلبهم المتواتر لاستشارات علمية في نوازل قانونية وفقهية دقيقة -وهم من أهل التدريس بالحقوق أو المزاولة في سلك القضاء- لَهو اعتراف ميداني صريح بالقيمة العلمية المضافة للتكوين الشرعي. وأنا لا أتحدث هنا عن حالة معزولة، بل عن واقع مشترك يتقاسمه زملائي من خريجي هذه الكلية العتيدة. فكيف يُقبل هذا التهافت العلمي والاعتراف الاستشاري في السياق الأكاديمي والعملي، بينما يُحظر على خريج الشريعة مجرد الحق في اجتياز مباراة المحاماة؟ إن هذا لَتناقضٌ صارخ وتمييز مجحف؛ فكيف يُعقل أن يُمنح حق التنافس لمن يطلب الاستشارة والاستفادة، ويُحرم منها الباحث المستشار المشهود له بالتمكن؟

بل إن الشاهد على هذا التماثل المعرفي، هو أن البعض حين يقرأ لمتخرجي الشريعة بنَفَس قانوني قوي، أو يحضر دروسهم، يعتقد يقينا أنهم من خريجي كليات الحقوق، ولا يكتشف خلفيتهم الأكاديمية إلا بعد التصريح بها. وقد عاينتُ هذا الأمر شخصياً – كما وقع لغيري من بعض زملائي الأساتذة الأجلاء- إبان تدريسي لمواد “العقود المسماة”، و”المدخل لدراسة القانون”، و”القانون الجنائي العام”. وفي حقيقة الأمر، فإن هذا الالتباس والتشابه لدى المتلقي ليس عيبا، بل هو الدليل القاطع والبرهان الساطع على أن خريج كلية الشريعة يمتلك تمكنا متينا من المادة القانونية وضوابطها الإجرائية يضاهي -على الأقل- تمكن أقرانه في كليات الحقوق.

4. «”ألحقوا أمارة الإنكار به”.. في تفكيك المغالطة البيداغوجية بالأرقام والملفات الوصفية»

ربما لا يكون ما ذكر مقنعا أيضا للبعض ممن يجحد وينكر، ويحضرني هنا قول الناظم في “الجوهر المكنون” في علم البلاغة حين قال:

وألحقوا أمارة الإنكار به *** كعكسه لنكتة لم تشتبه

وإسقاطا لهذا التأصيل البلاغي على نازلتنا، فإن شواهد أحقية خريج كلية الشريعة في اجتياز مباراة المحاماة ساطعة لا حصر لها، ولا نحتاج إلى سردها تباعا؛ خاصة في مواجهة المُنكِر الجاحد؛ إذ مَهمَا بُسِطَتْ له الدلائل، وتجلّتْ أمامه الحقائق، فلن يستمع ولن يتراجع عن موقفه ما دام محكوما بموقف فكري مُسبق، أو بتوجس إيديولوجي عقيم ضد كل ما يمتّ للشريعة بصلة. ولذلك، فإن خطَابنا هذا ليس مُوجّها للمُنكر المكابر، بل هو بيان ومحاجة لِمَن كان ذا تردّدٍ فيما نُخبر به؛ ولأجل هذا أستطرد قائلاً:

 ما دور هؤلاء الأساتذة الذين يُدرّسون القانون الخاص عندنا في كلية الشريعة؟ وماذا يُدرّسون؟ هل يُدرّسون الشريعة؟ طبعا لا؛ فهؤلاء الأساتذة الأكفاء ولجوا الكلية بناء على مباريات رسمية في القانون الخاص، وهم حاملون لشهادة الدكتوراه فيه، ويبلغ تعدادهم الآن زهاء ستة أساتذة، إضافة لأستاذين جليلين في تخصص القانون العام، وينضاف إليهم من ولج الكلية في مسار “الفقه المقارن بالقانون” من خريجي كليات الشريعة نفسها، وأولهم كاتب هذه السطور الدي ولج الكلية حديثا، وهو من خريجي نفس الكلية. هذا دون حساب من تقاعد من الرعيل الأول من الأساتذة الأجلاء، فضلا عن قضاة أجلاء وممارسين أثْروا الكلية بالدروس المؤطرة والتكوينات بالتناوب والدوام المؤقت منذ تأسيسها وإلى حدود اليوم، والذين هم في أصل تخرجهم من كليات الحقوق أو كلية الشريعة.

إن هذه النخبة تُدرّس وتؤطر في كليتنا جملة من المواد القانونية الصرفة، من مساطر، وتنظيم قضائي، وقانون الأسرة، وقانون جنائي، وقانون الشغل، وحقوق عينية، ونظرية الالتزام، وغير ذلك كثير، بمثل ما يُدرّس في كليات الحقوق تماما، ويضاف إليه ما يدرسه الطلبة من مواد شرعية وفقه مقارن. وهناك أساتذة آخرون في القانون العام يدرسون القانون الدستوري والإداري. ولقد درّسنا في كليتنا أساتذة محامون أكفاء، أشرفوا على رسائلنا، من قبيل الدكتور أحمد أد الفقيه، والدكتور إبراهيم قضا؛ إذن فالأمر واضح: طالب الشريعة يتخرج بتكوين مزدوج (قانوني وفقهي). ولا أريد الخوض في الملفات الوصفية لمسالك الإجازة والماستر، لكن قراءة سريعة لها تثبت أن الحجم الزمني والمحاور المعرفية المخصصة للمواد القانونية، لا تقل بأي حال من الأحوال عن نظيراتها في كليات الحقوق، بل تتميز عنها بـأصالة التأسيس الفقهي الذي تفتقر إليه كليات الحقوق، خاصة في مواد ذات بعد فقهي وقضائي كقانون الأسرة، وفقه التبرعات، والوقف، وغيرها.

إن المعترضين غالبا ما يرددون مغالطة بيداغوجية مفادها أن “كلية الشريعة تدرس الفقه والعبادات، وكلية الحقوق تدرس القانون”؛ والواقع يكذب هذا الادعاء، فكلية الشريعة تدرس منذ الفصول الأولى مادة “المدخل لدراسة القانون” إلى جانب “المدخل لدراسة الشريعة”، وتدرس نظرية الالتزام في القانون كما تُدرسها في الفقه، وكما يدرس طلبة الحقوق القانون الدستوري، فكذلك الأمر في ذكلية الشريعة، وهكذا دواليك مع باقي المواد في مختلف الفصول من حقوق عينية وقانون عقاري وغيره. والامتياز الأساس هنا هو أن كلية الشريعة تضيف وحدات تخصصية وعميقة كالقواعد الفقهية والقضائية، وأصول الفقه، وقواعد الاستنباط.

ثم أليس من مصادر القاعدة القانونية في المغرب الفقه الإسلامي؟

ألم تعترف مؤتمرات “لاهاي” للقانون الدولي، مند سنواته الأولى وخاصة 1932 بالفقه الإسلامي، معتبرة إياه مصدرا رابعا لمقارنة الشرائع؟

أليس القانون المغربي (خاصة في الالتزامات والعقود، والأسرة، والجنائي، والحقوق العينية، ومدونة الأوقاف،….) مستمدا في فلسفته وبنيته من الفقه الإسلامي؟

ألا يمنحه هذا التكوين الرصين -فوق الكفاءة العلمية- تشبعا أعمق بأخلاقيات المهن القضائية والالتزام بمبادئ الأمانة والتحفظ التي تقوم عليها مهنة المحاماة كباقي المهن القضائية؟

5. «التصدير الدستوري والمادة 3 من قانون المحاماة: التكوين الشرعي في صلب “روح القانون” وأخلاقيات العدالة»

أطرح سؤالا هنا: كيف يكون خريج الشريعة غريبا عن جوهر القانون؟

إن القول باحتكار كليات الحقوق للمادة القانونية هو جهل مركب بطبيعة التشريع الوطني؛ فالقانون المغربي في مجمله منبثق من “رحم فقهي مالكي” أصيل. فكيف يُزعم بعد هذا كله أن خريج الشريعة -الذي يملك مفاتيح هذا الفقه وأصوله- غريب عن القانون، في حين أنه يدرس منبعه وجوهره؟ إن هذا الادعاء هو ضرب في العمق للامتداد التاريخي للمملكة، التي طالما اعتمدت في قضائها على خريجي كليات الشريعة…بل إن هذا الادعاء هو تصادم صريح مع الوثيقة الدستورية نفسها؛ فالدستور المغربي في تصديره، وفي فصليه الأول والثالث، حسم بوضوح في ‘تبوؤ الدين الإسلامي مكانة الصدارة’، وجعل منه الثابت الأول للأمة في حياتها العامة، وهو ما يُترجم علميا في كون الفقه المالكي هو المذهب الرسمي والمرجع الأساس لأغلب مدوناتنا وتشريعاتنا الوطنية. فبأي منطق فكري، وبأي مسوغ قانوني، يُستبعد المتخصص المتخرج من كلية الشريعة في ‘الثابت الدستوري والمذهبي للبلاد’ ويُعامَل بنوع من التوجس والإقصاء في مباريات المحاماة، وكأنه غريب عن المنظومة التشريعية لبلاده؟ إن هذا الإقصاء هو تجسيد لـ ‘الفصل المصطنع’ الذي تركه المستعمر، ولا يمكن أن يُقبل اليوم في دولة الحق والمؤسسات إلا من جاحد للتاريخ، أو منكر لروح الدستور.

إن الاعتراض على خريجي كلية الشريعة ينم أيضا عن قصور في فهم فلسفة القانون نفسه؛ فالقاعدة القانونية في أصلها – إضافة إلى كونها، اجتماعية، ملزمة، مجردة، وعامة – فهي ايضا قاعدة أخلاق وسلوك صاغها المشرع في قالب إلزامي لتقويم المعاملات الإنسانية. ومن هنا، تبرز القيمة المضافة للتكوين داخل كلية الشريعة؛ فهي الكلية التي لا تقف عند حدود الشكليات الجامدة للنصوص، بل تعمق لدى الطالب فهم ‘روح القانون’ من خلال المزاوجة بين ما هو ديني قيمي يخاطب الضمير الإنساني والوازع الأخلاقي، وبين ما هو قانوني تشريعي يضبط السلوك الظاهري ويحدد الجزاءات المادية.

إن هذه الثنائية البيداغوجية في التدريس والدراسة تمنح طالب الشريعة مَلَكةً مزدوجة؛ فهو يدرس القواعد الفقهية وأصول الاستنباط باعتبارها أدوات علمية خادمة لتفسير النصوص وتأويلها -وهي عصب مهنة المحاماة والقضاء- وفي الوقت ذاته، يدرس القوانين الوضعية والمساطر الإجرائية الحديثة. إن هذا التمازج لا ينتج مجرد حافظ للنصوص، بل يُخرِّج طالب قانونٍ متشبعا بأخلاقيات المهن القضائية، قادرا على تَلمس العدالة باعتبارها قيمة إنسانية وشرعية عليا قبل أن يتلمسها كونها مجرد مادة قانونية جامدة.

ودرسنا في القاعدة القانونية – منذ الفصول الأولى لنا بكلية الشريعة – أنها ملزمة مقترنة بجزاء؛ لذلك فإن هذا التمازج البيداغوجي في كلية الشريعة، يظهر في دراسة وفهم ‘فلسفة الجزاء والردع’؛ فالقاعدة القانونية والقاعدة الشرعية تلتقيان في غاية أسمى وهي تقويم سلوك الفرد وحماية المجتمع، لكنهما تفترقان في طبيعة العقاب وطرق إنفاذه . وهنا يكتسب طالب الشريعة ملكة فريدة؛ فهو يدرس ‘العقاب القضائي الدنيوي’ القائم على النصوص الوضعية والمساطر الزجرية والإجرائية التي تطبقها السلطة العامة، وفي الوقت ذاته، يتعمق في فهم ‘العقاب الإلهي الأخروي’ القائم على وازع الضمير والمسؤولية الأخلاقية أمام الخالق سبحانه.

إن هذا الوعي المزدوج بـ ‘الجزاءين’ (القضائي والإلهي) لا يجعل الطالب في كلية الشريعة غريبا عن القانون، بل يمنحه فهما شموليا لآليات الزجر والردع؛ فبينما قد يرى رجل القانون الصرف في العقوبة مجرد إكراه مادي خارجي تخضع له الأبدان خوفا من السجن أو الغرامة، يرى فيه خريج الشريعة التزاما باطنيا وظاهريا يحمي الحقوق في السر والعلن؛ وهو ما يقوي الضمير المهني؛  وليس هذا ترفاً أخلاقيا، بل يدخل في صلب روح المهنة؛ إذ تنص المادة 3 من القانون المنظم لمهنة المحاماة على أن المحامي يمارس مهنته مستحضراً قيم  الضمير، والنزاهة، والاستقامة، و”الأخلاق الحميدة؛  وهي قيم يربيها التكوين الشرعي في وجدان الطالب قبل عقله.

إن هذا التكامل بين الوازع الذاتي والزجر القضائي هو في حقيقة الأمر أقصى ما تطمح إليه السياسات الجنائية والأنظمة القانونية المعاصرة لضمان أمن المجتمع واستقراره، فكيف يُدعى بعد هذا أن التكوين الشرعي يُعيق ممارسة مهنة المحاماة أو ينقص من أهليتها؟ وبأي منطق يُقبل أن خريج كلية الشريعة يستطيع أن يقضي حالة كونه قاضيا، ولا يستطيع أن يدافع ويترافع حالة كونه محامياً؟

6. «ليس مَكْرُمةً يُنتظر جودها، ولا تنازلا يُستجدى.. الامتحان هو الفيصل»

إن الكلام في هذا الباب يطول ولا يكاد ينتهي، وما هذه إلا مشاركة متواضعة في نقاش حقوقي يروم تبيان الحق، ودحض خلفيات التوجس والإقصاء. وإن كان ما يروّج له البعض بأن طلبة الشريعة ضِعَاف في المادة القانونية هو زعم باطل؛ إذ يمكننا بالمنطق ذاته وبناءً على قياس سليم، أن نقول إن طلبة القانون الخاص ضعاف في القانون العام، وأصحاب القانون العام ضعاف في القانون الخاص، نظراً لخصوصية التخصص والتمييز البيداغوجي الذي تضعه كليات الحقوق نفسها!

فالأمر هنا لا يعدو أن يكون توزيعا للمسارات والشُّعب؛ فكما أن كلية الحقوق تُخرِّج طالباً في القانون العام قد لا يملك دراية تفصيلية بالمساطر والالتزامات والعقود، ومع ذلك يكفل له القانون حق اجتياز مباراة المحاماة دون أدنى اعتراض، فكذلك كليات الشريعة تضم مسارات قانونية وشرعية مقارنة، يركز فيها الطالب على المادة التشريعية والقضائية الصرفة. ولذلك، فإن الحَكَم العدل والفيصل الحاسم بين الجميع -أيا كان وعاء تخرجهم- هو الامتحان والمباراة، فهي الكفيلة بغربلة الكفاءات وإعطاء كل ذي حق حقه.

إن إقصاء خريج كلية الشريعة من مباراة المحاماة هو ضرب في العمق لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص الذي يكفله الدستور المغربي. لذلك، فإن منح خريجي كلية الشريعة الحق في اجتياز هذه المباراة ليس مَكْرُمةً يُنتظر جودها، ولا تنازلا يُستجدى؛ بل هو مطلب دستوري مشروع، ومنطق قانوني سليم، وواقع أكاديمي تفرضه طبيعة المواد المدروسة والملكات المحصلة لخريجي هذه الكلية.

وإن الاستمرار في هذا الإقصاء الممنهج لا يسيء لطلبة الشريعة فحسب، بل يسيء للجسم القضائي والحقوقي المغربي ككل، الذي يحرم نفسه من طاقات واعدة جمعت بين أصالة الفقه المعمّق ومَعاصرة القانون الحديث؛ فلا يمكن أن يُقبل هذا المنع في دولة الحق والمؤسسات إلا من جاحدٍ للحقائق، أو متخوفٍ من النتيجة، أو مَن له خلفيات إيديولوجية معينة ضد كل من يحمل لفظ الشريعة.


** د. رشيد براضة :أستاذ الفقه المقارن بالقانون، كلية الشريعة، أكادير

 

 

رشيد براضة

حاصل على الدكتوراه في الشريعة، أيت ملول، (المغرب)، باحث في الشريعة والقانون ( القانون المقارن مع الشريعة). له كتاب منشور بعنوان المنازعات الأسرية ذات الصبغة الزجرية، الرابطة الزوجية أنموذجا، طبعة دار السلام، 2019 ( أصله رسالة ماستر). من مقالاته المنشورة: الأساس القانوني لحق الدولة في تملك التركة الشاغرة للأجانب، دراسة تحليلية في القانون الواجب التطبيق على التركة الشاغرة للمغاربة المقيمين بالخارج، منشور بمجلة القضاء المدني، سلسلة دراسات وأبحاث العدد 27، 2021؛ خصوصيات المسطرة في جريمة الخيانة الزوجية، دراسة قانونية وقضائية في ضوء الفقه الإسلامي، مجلة مسارات في الأبحاث والدراسات القانونية، العدد 16، عدد خاص حول المرأة المغربية ومسارات التحول في السياسة والمجتمع، ص:376، 2021. البريد الالكتروني للباحث: rachidberrada2@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى