رواية “أغالب مجرى النهر”.. ترميم النظر في زمن العمى الأخلاقي

صدرت رواية “أغالب مجرى النهر” للروائي الجزائري سعيد خطيبي عن “دار نوفل/هاشيت أنطوان” في مارس (أذار) من عام 2025م، وعدد صفحاتها 285، إذ تعتبر واحدة من أبرز المنجزات الأدبية التي استطاعت أن تقتنص الوجع الجزائري وتضعه في قالب سردي يمزج بين الحبكة البوليسية والعمق التاريخي والتحليل النفسي، وتختزل في طياتها نصف قرن من التحولات العاصفة في المجتمع الجزائري، بدءا من أهوال الحرب العالمية الثانية وصولا إلى مطلع التسعينيات من القرن العشرين، تلك الفترة التي كانت إرهاصا لعشرية دموية، وقد توج هذا المنجز الإبداعي بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2026م.
يمثل عنوان الرواية “أغالب مجرى النهر” استعارة وجودية كبرى تختزل الصراع الأزلي للفرد في مواجهة حتميات التاريخ وجبروت الواقع، فكلمة “أغالب” تشي بمحاولة مستمرة، وربما يائسة في بعض الأحيان، لمقاومة تيار جارف يسعى لسحق الهوية الفردية داخل قوالب جاهزة، أما “مجرى النهر” فهو يجسد السياق الزمني والسياسي المتدفق الذي لا يتوقف، ويجر معه الشخصيات نحو مصائر لم تخترها، سواء كانت تلك المصائر ويلات الاستعمار الفرنسي، أو صراعات الهوية بعد الاستقلال، أو انكسارات مطلع التسعينيات.
ترتبط دلالة العنوان بمضمون الرواية من خلال مسارين متوازيين؛ المسار الأول يتعلق بالبطلة “عقيلة تومي” طبيبة العيون التي تحاول مغالبة واقعها الاجتماعي الخانق وزواجها الفاشل من رجل يمارس عليها أبشع أنواع العنف الجسدي والمعنوي، في حين تخرق القوانين الأخلاقية بسرقة قرنيات الموتى لتعيد البصر للأحياء، وكأنها تحاول في فعلها هذا أن تفتح ثقبا في جدار العمى الجماعي الذي أصاب المجتمع، أما المسار الثاني؛ فيمثل في والدها “عزوز” المناضل القديم الذي يغالب مجرى التاريخ وغربال الذاكرة من خلال محاولة وصمه ورفاقه بتهمة العمالة زورا وبهتانا، فيسعى في خريف عمره إلى تبرئة ساحته واستعادة شرفه الضائع وسط ركام الأكاذيب السياسية، الرواية إذا، هي تجسيد لحالة الاغتراب التي تعيشها الذوات داخل أزماتها، حيث تصبح المغالبة هي الفعل الوحيد الممكن للحفاظ على ما تبقى من إنسانية وسط تلاطم أمواج التاريخ.
تتشكل الشخصيات في رواية “أغالب مجرى النهر” كأعمدة حاملة لنسيج سردي معقد، تعكس تناقضات المجتمع الجزائري، تتربع “عقيلة التومي” على عرش البطولة، وهي طبيبة عيون ناجحة لكنها محطمة من الداخل، كونها كائن يعيش في صراع دائم بين إنفاذ الحياة وخرق القانون، حيث تقع في محظور أخلاقي يتمثل في سرقة قرنيات الموتى من مشرحة زوجها لتزرعها في عيون مرضى فقدت الأمل في الرؤية، تقابلها شخصية الزوج “مخلوف تومي”، الطبيب الشرعي المسؤول عن المشرحة، والذي يمثل الوجه القبيح والبارد للذكورية والانتهازية، فهو رجل لا يحترم شريكته، يعاملها كأداة لإشباع نزواته، ويستغل منصبه للمتاجرة بآلام البشر وأعضائهم، هذا الثنائي يجسد حالة الاضطراب في المؤسسة الزوجية التي تعكس بدورها تفكك العقد الاجتماعي الأسري في تلك الحقبة، أما شخصية “جمال درقين” المحقق الذي يستجوب عقيلة بعد مقتل زوجها، فهو يمثل العين التي تراقب وتحلل، لكنها عين تعاني هي الأخرى من عجز ، فهو المحقق الذي يحل أصعب قضايا القتل لكنه يعجز عن تدبير حياته العاطفية، مما يجعله رمزا للدولة التي تملك أدوات القمع لكنها تفتقر إلى أدوات الإصلاح الحقيقي.
تنبني الرواية على مجموعة من الموضوعات الجوهرية التي تتشابك لتصنع عمقها الفلسفي والسياسي، يأتي موضوع الرؤية والعمى في الصدارة، ليس فقط من الناحية الطبية التي تمثلها مهنة البطلة، لكن كاستعارة لحالة المجتمع؛ فالمجتمع الجزائري في الرواية يعاني من عتمة تاريخية واجتماعية، ومحاولة “عقيلة” سرقات القرنيات هي محاولة يائسة لمنح البصر في زمن يسوده العمى الأخلاقي، وتنبثق من هذا الموضوع؛ موضوع الجريمة التي لا تقتصر على فعل القتل، إنما تمتد لتشمل الجرائم المسكوت عنها مثل الاتجار بالأعضاء والفساد المؤسساتي، والموضوع الثاني هو الذاكرة والتاريخ؛ حيث تفتح الرواية ملفات شائكة تتعلق بالثورة الجزائرية وما تلاها من تصفية حسابات، من خلال قصة الوالد “عزوز” ورفاقه المناضلين الذي يجدون أنفسهم في مواجهة تهمة العمالة لفرنسا، وهو ما يطرح تساؤلا جوهري حول من يملك حق كتابة التاريخ من يملك صكوك الوطنية، كما يبرز موضوع الانتظار كحالة وجودية تهيمن على الشخصيات؛ انتظار الخلاص، انتظار الحقيقة، وانتظار الصحفي “بودو” الذي يمثل الأمل الموهوم في التغيير، هذا الانتظار هو فعل مقاومة ضد القمع، لكنه في الوقت نفسه انتظار عبثي يذكرنا بمسرحية “في انتظار غودو”، حيث يظل الخلاص محتجزا خلف قضبان الواقع المرير.
تتشابك الشخصيات والموضوعات في علاقات جدلية تعكس تعقيد البناء الاجتماعي، فالعلاقة بين “عقيلة” ووالدها “عزوز” ليست مجرد علاقة ابنة بأبيها، لكن هي تقاطع بين جبلين يحمل كل منهما انكساراته الخاصة؛ “عزوز” يحمل انكسار الثورة المغدورة، و”عقيلة” تحمل انكسار الحاضر المأزوم، هذه العلاقة تتجلى بوضوح في حكايات الأب عن الحرب العالمية الثانية ومقابلته لشارلي شابلن، وهي حكايات تحاول أن تضفي معنى على حياة بائسة قضاها سائقا لشاحنة نفايات، بينما تحاول الابنة من خلال الطب أن تداوي جراح الأب وتاريخه، من جهة أخرى، تبرز العلاقة المتوثرة بين “عقيلة” وزوجها “مخلوف” كصدام بين قيم الرحمة الموهومة وقيم الجشع المادي، حيث يتحول البيت إلى محبس والعيادة إلى مشرحة أخرى، مما يمحو الحدود بين الحرمة الشخصية وانتهاك هذه الأخيرة، كما تظهر علاقات أخرى ثانوية لكن لها دور بارز، مثل علاقة “عقيلة” بصديقتها “سالي” طبيبة النساء التي ترقع غشاء البكارة للفتيات، مما يبرز موضوع الزيف الاجتماعي والخداع كآلية للبقاء في مجتمع يقدس المظاهر وقمع الجوهر، هذه الشبكة من العلاقات التي تؤكد أن الأفراد ليسوا جزرا منعزلة، بل هم شظايا من مرآة تعكس تشوه الواقع الاجتماعي. زبدة الكلام، أن رواية “أغالب مجرى النهر” نص أدبي، استطاع ببراعة أن يدمج الهم الشخصي بالهم الوطني، والوجع النفسي بالوجع التاريخي، إنها رواية تكشف كيف يتحول الأفراد إلى أسرى لأقدارهم وتواريخهم، وكيف تكون محاولة العيش بكرامة تمثل بحد ذاتها فعل مغالبة لتيار جرف من الفساد والنسيان، إنها باختصار رواية عن الانتظار، الاغتراب والمقاومة في وجه عالم يتداعى، وتتلخص روح الرواية ومضمونها العميق في الاقتباس المؤثر الذي ابتداء به الكاتب: “نحن نروي حكايات تؤنسنا، لأننا نجهل أنفسنا”، والمختزل لحاجة الإنسان للحكاية كآلية للدفاع ضد الجهل بالذات والضياع في طيات الزمان


