المقالات

جدلية الأخلاق والسياسة: من المدينة الفاضلة إلـى واقعية السلطة.

يعتبر الفصل بين الأخلاق والسياسة مسألة فكرية حديثة نسبياً، إذْ إن الفلسفة السياسية الكلاسيكية كانت تنظر إلى السياسة كامتداد للأخلاق، فإذا انطلقنا من “المدينة الفاضلة” لأفلاطون (347 ق.م- 427 ق.م)، نجد أنها تقوم على العدالة، بوصفها قيمة أخلاقية عُليا، ويُناط بالحاكم-الفيلسوف الذي بلغ أعلى درجات المعرفة، أن يوجه الدولة وفق مقتضيات الخير العام، بما يجعل السياسة ممارسة أخلاقية بامتياز.

أما بالنسبة لأرسطو (322 ق.م- 384 ق.م)، فالسياسة عنده، هي أرقى أشكال الحياة الأخلاقية، لأنها تسعى إلى الخير الأسمى، وما دام الإنسان كائناً سياسياً بطبعه، فذلك يدفعه إلى العيش داخل المدينة، كشرط لتحقيق الكمال الأخلاقي.

ولهذا فإن الغاية من الفعل السياسي لا تنحصر في حفظ النظام أو تدبير الشأن العام، بل تتجاوز ذلك، لتكون الغاية هي تحقيق الخير الأسمى الذي لن يتحقق إلا ضمن الجماعة السياسية التي تهدف إلى الفضيلة والسعادة، غير أن هذا التصور بدأ يتراجع مع التحولات العميقة التي عرفتها أوروبا في العصور الحديثة مما يترتب عنه وقوع تحول جذري في هذا المسار مع ميلاد الدولة الحديثة وتطور مفهوم السيادة ومركزية السلطة، وفي هذا السياق أصبحت السياسة تُفهم بوصفها فنّ تدبير القوة وحماية النظام العام، لا فنّ الفضيلة وتحقيق العدالة.

إن هذا التحول الجذري سيتضح جليا، مع ما يمكن أن نسميه “بالواقعية السياسية“، حيث لا يُقاس الفعل السياسي بمدى مطابقته للمبادئ الأخلاقية، بل بفعاليته ونتائجه وآثاره العملية.

من هذا المنطلق نجد أنفسنا أمام مفارقة فلسفية عميقة في العلاقة بين الأخلاق والسياسية: فمن جهة، هناك مقاربة جعلت من السياسة اِمتداداً غائياً للأخلاق، حيث ينظر إلى الفعل السياسي بوصفه تجسيداً للقيم الأخلاقية العُليا، ومن جهة أخرى، يبرز تصور مغاير، يؤكد على اِنفصال السياسة عن الأخلاق، وهو الأمر الذي أفسح المجال نظرياً لبروز الكذب السياسي، بوصفه ممارسة يمكن تبريرها داخل منطق الدولة الحديثة ومتطلبات الحفاظ على السلطة والاِستقرار، ويمكننا التعبير عن هذه المفارقة بشكل أدق من خلال التساؤلات الآتية: كيف يمكن فهم العلاقة بين الأخلاق والسياسة في ظل هذا التوتر بين من يعتبر السياسة امتداداً للأخلاق، ومن يقول بانفصال المجالين ويبرر ممارسات من قبيل الكذب السياسي في سياق الدولة الحديثة؟ وهل يمكن التوفيق بين متطلبات الفعل السياسي وضرورة الاِلتزام بالقيم الأخلاقية، أم أن منطق الدولة يفرض أحيانا تجاوز هذه القيم لتحقيق أهداف سياسية معينة؟

1- السياسة كامتداد للأخلاق: التصور الكلاسيكي في الفلسفة السياسية

يعتبر التصور الفلسفي الكلاسيكي للعلاقة بين الأخلاق والسياسة أحد المُنطلقات الأساسية في الفلسفة السياسية الغربية والإسلامية، على حدٍّ سواء، ويرتكز هذا التصور على فكرة أساسية مفادها أن السياسة ليست مجالاً منفصلاً أو مستقلاً بذاته، بل هي اِمتداد طبيعي للأخلاق، بحيث يتم فهم الممارسة السياسة في ضوء القيم الأخلاقية العُليا للخير والفضيلة، وتعتبر الدولة أداةً لتشكيل المواطن الفاضل وتوجيهه نحو تحقيق الغايات الإنسانية السامية.

أ- الجدور اليونانية للوحدة الغائية، بين الأخلاق والسياسة

في محاورة “الجمهورية”، نجد أن أفلاطون يضع الأساس النظري “للمدينة الفاضلة” Kallipolis، حيث يُناط الحكم بطبقة الفلاسفة، نظراً لكونهم وحدهم القادرين على إدراك “فكرة الخير” وتمثلها في التشريع والعمل السياسي، حيت يقول أفلاطون في الكتاب السادس من محاورة الجمهورية على لسان سقراط: ”ما لم يصبح الفلاسفة على المدن، أو يبدأ أولئك الذين يُسمون الآن ملوكاً وحُكاماً في التفلسف الحقيقي، وما لم تتجمع السلطة والحكمة في شخص واحد وما لم يصدر من جهة أخرى، قانون صارم يقضي باستبعاد أولئك الذين تؤهلهم مقدرتهم لأحد هذين الأمرين دون الآخر من إدارة شؤن الدولة…”. ([i])

ويُعمق أفلاطون هذا التصور حين يربط بين معرفة الخير والقدرة على الحكم الرشيد، مؤكداً على أنّ منْ يدرك فكرة الخير إدراكاً عقلياً هو وحده المؤهل لأن يحكم، وهذا ما نستشفه من قوله على لسان سقراط في مناقشة محاوريه، حول ضرورة أن يكون الحاكم فيلسوفاً: ”إننا لن نبلغ غاية الخير في الدولة إلا إذا صار الفلاسفة ملوكاً أو صار الملوك فلاسفة… أما فكرة الخير فهي التي تجعل الأشياء العادلة وغيرها من الأشياء الجميلة والصالحة تكتسب قيمتها من الخير ذاته.([ii]) وفي هذا الإطار، لا يُعد الحكم مجرد ممارسة تقنية إجرائية أو سلطة شكلية، بل الحكم في جوهره فعلٌ أخلاقي يشترط في الحاكم أن يكون مستنيراً بالمعرفة الحقة بالخير.

فالعدالة في تصور أفلاطون ليست مبدأً قانونياً أو اجتماعياً فحسب، بل هي المبدأ الأعلى الذي يجب أنْ يسود كل طبقات المجتمع، ويحقق الانسجام بين قوى النفس الثلاث: العقل، والغضب، والشهوة، كما بين طبقات المدينة، وبذلك تصبح الدولة صورة مُكَبرة للنفس الأخلاقية المنضبطة حيت يتكامل البُعد السياسي مع البُعد الأخلاقي، ويغدو دور الحاكم سياسياً وأخلاقياً في آنٍ واحد، فالحكم لا يستقيم إلا إذا كان مستنداً إلى إدراك عقلي للخير الأسمى.

خلاصة قول أفلاطون، أن السياسة مشروع تربوي وأخلاقي بامتياز لا يكون فيه التشريع غاية في حدِّ ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق الفضيلة والعدالة في المجتمع، وكذلك تحقيق الانسجام بين الفرد والجماعة تحت لواء سلطة عليا حكيمة، هي سلطة الفيلسوف الحاكم.

إنّ هذا التصور الذي دافع عنه أفلاطون سيتبلور بشكل أعمق مع تلميذه أرسطو Aristote (322 ق.م- 384 ق.م)، في كتاب ”السياسية” Politique، والذي سيشكل منعطفاً حاسماً في تاريخ الفكر الفلسفي السياسي، من خلال تشييد تصور تأسيسي يجعل من السياسة امتداداً طبيعياً للأخلاق، لا نقيضاً لها، حيث نجد أن أرسطو يقارب هذا الإشكال في إطار النظرية الأخلاقية والسياسية، منطلقاً من التمييز المفاهيمي ما بين الأخلاق والسياسة والتقائهما في غاية مشتركة تتمثل في تحقيق السعادة، باعتبارها الغاية القصوى للوجود الإنساني، فالسياسة بالنسبة له تعني التمييز بين الشأن العمومي والشأن الخاص، ففي التصور القيمي الأرسطي لا ينظر للفرد على أنه فرد منعزل ومكتفي بذاته بل باعتباره كائن مدني واجتماعي بطبعه، وفي هذا المقام يقول أرسطو: “إنّ ما يثبت الضرورة الطبيعية للدولة وفوقتيها على الفرد هو أنه إنْ لم يسلم به ما لأمكن الفرد أن يكتفي بنفسه بمعزلٍ عن الكُل وعن سائر الأجزاء كذلك، وأن هذا الذي لا يستطيع أن يعيش في الجماعة وليس له مع استقلاله حاجاتٍ فذلك لا يستطيع البتة أن يكون عضواً في الدولة إنما هو بهية أو إله”. ([iii])

إنّ الدولة من هذا المنطلق اِئتلاف واجتماع عامّ غايته القصوى تحقيق الخير الأسمى، وبالتالي فالنظرية الأخلاقية والسياسية لا يمكن الحديث عنها إلا في إطار الخير الأسمى الذي أنشأت الدولة من أجله والمتمثل في أن مصلحة كل الأفراد تكمن في العيش حياة سعيدة وتحقيق الفرد لوجوده من داخل الدولة فهو لا يحضر إلا من خلال الجماعة.

إنّ فهم المقاربة التي قدمها أرسطو لعلاقة السياسة بالأخلاق لا يمكن أنْ يتحقق إلا في إطار إعادة النظر التي قام بها أرسطو للأنظمة الحاكمة وإعادة تأسيسها على مبادئ ومنطلقات تضمن الخير العام وتحقيق العدالة كغاية أسمى للدولة والمجتمع، وهذا ما يبدو واضحاً في قوله “وإذا قيل إنّ مخالفَ الناموس ليس بعادل، وإنّ منْ يراعي الناموس غير عادل فبينما أن الأشياء الناموسية عادلة بنوع ما فإن الأشياء المحددة بوضع الناموس الناموسية، ويقال أن كل من هذه عادل، وأما الناموس فإنه كل ما يقوله إنما يقصد إما لِما هو خير مشترك للجميع… فأما العدالة فهي فضيلة تامة، ولكن ليس بنوع مبسوط لا يضاف لشيء أخر، ومن أجل هذا مررا كثيرة يظن بالعدالة إذا أضيفت إلى شيء أخر أنها أقوى الفضائل، وتكون أشد إعجاباً من الكوكب المُشرق بالعشيات والغدوات، والذي يمثل له: وأما جميع العدالة بالجملة ففضيلة”. ([iv]) ومن هذا القول نستشف أن التصور الأرسطي للعدالة لا يختزلها في الالتزام بالناموس بل يتجاوزها إلى ما هو أعمق، أي إلى تحقيق ما هو خير مشترك لجميع المواطنين.

اِنطلاقاً من هذ التصور يعمل أرسطو على تحليل طبيعة النُّظم السياسية التي كانت سائدة في زمانه، وعلى رأسها النظام الجهوري والأرسطي من أجل الكشف عن مدى قدرتها على ضمان العدالة، غير أنه في الوقت نفسه يعترف بأن هذه الأنظمة رغم تنظيمها القانوني الظاهر فهي تظل تشكل عائقاً أمام تحقيق العدالة وفي نفس الأفق يؤكد أرسطو على أن فنّ السياسة يتطلب نوعاً من الفضيلة والدهاء السياسي لتحقيق الحياة الخيرة والعادلة التي لا تنفصل فيها الذات عن الحياة الجماعية، مادامت السعادة بالنسبة لأرسطو هي سعادة المدينة، وهكذا إذن نخلُص إلى أنّ التصور الأرسطي السياسي ليس تنظيراً تقنياً إجرائياً لإدارة السلطة، بل هو مشروع أخلاقي- سياسي يقوم على تصورٍ كُلي للفضيلة والعدالة والسعادة ويسعى إلى تأسيس المدينة الفاضلة على مبادئ عقلية وأخلاقية تُحقق حياةً مشتركة خيرة.

ب- العصور الوسطى: الفارابي والقديس أوغسطين

يتجسد الاِمتداد الوسيط للتفكير في العلاقة بين السياسة والأخلاق، لا باعتبارها جدلية طارئة، بل بوصفها إشكالية مُهيكلة للفكر السياسي، من خلال نموذجين مرجعيين ينتميان إلى سياقين حضاريين مغايرين: أبو النصر الفارابي (874م- 950م) في السياق الإسلامي الكلاسيكي، والقديس أوغسطين (345م- 430م)، في السياق المسيحي اللاتيني، وعلى الرغم من اِختلافهما الجذري على مستوى الخلفيات اللاهوتية والميتافزيقية، فإن كِليهما يشترك في السعي إلى إعادة تأسيس السياسة على أُسس ومُنطلقات أخلاقية غائية تتجاوز البرغماتية التدبيرية، جاعلين من السياسة مجالاً مُتعالياً لا يتحدد بضرورات الواقع فحسب، بل يتجه نحو أُفق معياري يتسم بطابع كمال أخلاقي أو روحي.

ولفهم هذا الاِمتداد للوحدة الغائية بين الأخلاق والسياسة في العصر الوسيط، سننطلق في البدء من أبي نصر الفارابي، الذي يُعد تصوره للمدينة الفاضلة نموذجاً فلسفياً متقدماً في سياقه الحضاري لمعالجة إشكالية العلاقة ما بين الأخلاق والسياسة، حيث ينطلق من فرضية أساسية، مفادها أنّ السياسة لا يمكن أنْ تنفصل عن الأخلاق دون أن تفقد غايتها ومعناها، ففي تصور الفارابي تصبح السياسة ممارسة عقلية وأخلاقية في نفس الوقت، حيث يُناط بالحاكم الفاضل مهمة تحقيق السعادة القصوى للجماعة عبر ترسيخ الفضيلة في النفوس وسنِّ التشريعات العادلة، وبهذا يعيد الفارابي صياغة سؤال العلاقة بين الأخلاق والسياسة من زاوية التكامل والاشتراط المتبادل: فكل نظام سياسي لا يجعل الفضيلة والسعادة غايته الأساسية يظل قاصراً عن تحقيق الكمال الإنساني، بل قد ينحرف إلى الاستبداد أو الفوضى.

ومن هذا المنطلق القائم على ضرورة الجمع بين الأخلاق والسياسة يُلح أبو نصر الفارابي على “أن رئيس المدينة الفاضلة أو المؤهل لرئاستها لابد أن يكون معداً بالطبع على الأقل من ناحية تقبل العلوم النظرية” ([v]) ففي نظر الفارابي ليس هناك فرق بين رئيس المدينة والفيلسوف لأن من له القدرة على استيعاب وتطبيق محتوى العلوم النظرية هو في الوقت ذاته الأجدر بترجمتها إلى أفعال إرادية تمكن من تشييد نظام مدني عادل… “من له قوة استعمال ما تحتوي عليه العلوم النظرية في كل من سواه أهل لأن تكون له القوة على إيجادها معقولة، وعلى إيجاد الأفعال الإرادية منها بالفعل“. ([vi]) وبهذا فإن الكفاءة العقلية النظرية تصبح أساساً للشرعية السياسية، مادام الرئيس الأول هو القادر على توجيه الإرادة الجماعية نحو الخير.

إنّ الأبعاد الفلسفية للفكر الفارابي أمْلَتْ عليه أنْ يكون الحاكم فيلسوفاً، فيما فرضت عليه الأبعاد السياسية أن يكون أخلاقياً مُلِما بجميع الفضائل، ليس من جهة تملكها فحسب، بل كذلك من جهة قدرته على تنميتها وإرسائها في نفوس الناس وسلوكهم اليومي. فبلوغ المدينة الفاضلة لغايتها القصوى المتمثلة في السعادة مشروط بمدى خضوع أهلها لسلطة الرئيس الأول بوصفه تجسيداً للكمال العقلي والأخلاقي في آنٍ واحد، فالسعادة هنا ليست تجربة فردية منعزلة، بل مشروعاً جماعياً يتوسطه الحاكم الفيلسوف باعتباره واسطة بين المعرفة والسلطة، وبين الحق والخير، ويعتبر الحاكم بالنسبة للفارابي ركناً أساساً من أركان المدينة، ويستمد هذه الأهمية لكونه القائم على وضع المبادئ الأخلاقية والفضائل، وهو كذلك الساهر على تنفيذها بين الأفراد باعتباره هو الممثل الأول للسياسة. ومع الفارابي تبدو قوة وازع السلطان كإلزام أخلاقي، فرئيس المدينة هو الأساس الذي تقوم عليه المدينة وأجزائها، والمدينة هنا، التي يحدثنا عنها الفارابي، وعن رئيسها الأول الذي تحصل باقي أجزاء المدينة بسببه، ليست وجوداً مادياً، بل كيان أخلاقي لا يتحقق إلا بإيجاد رئيس المدينة، وهذا الإيجاد لا يتحدد مادياً، بل هو إيجاد أخلاقي روحي ذلك لأنه “القادر على إلزام الناس بتحصيل الملكات الإرادية، والقادر على إزالة الاختلال الذي يطرأ عليهم”. ([vii]) إذن، مع الفارابي، يتضح أن وجود المدينة الفاضلة رهين بوجود الرئيس الفاضل وبضرورة وجود الفضلاء غير أنّ الرئيس، هو أساس التوازن والضامن لاستقرار باقي أجزاء المدينة.

بهذا التصور يقدم الفارابي إجابة فلسفية عميقة لإشكالية العلاقة بين الأخلاق والسياسة، مؤكداً على أنّ السياسة الحقة هي تلك التي ترتقي إلى مستوى القيادة الروحية والعقلية للجماعة، وتوجهاً نحو الفضيلة والسعادة.

– القديس أوغسطين Augustin: السياسة بين مدينة الله ومدينة الأرض في تأصيل التوتر بين الأخلاقي والسياسي

يشكل فكر القديس أوغسطين محطة مِفصلية في تطور النظرية السياسية المسيحية، لاسيما في كتابه التأسيسي “مدينة الله” La Cité de Dieu (413م- 426م)، حيث يبلور تصوراً ثنائي البنية للواقع السياسي والروحي، قِوامه التمييز الجذري بين “المدينة الأرضية” La Cité De Ce Monde و”المدينة السماوية”، تتأسس الأولى على حب الذات والسعي للمصالح الدنيوية، حيث يسود منطق القوة والغلبة وتنظيم الشهوات البشرية، والسياسة هنا ضرورة لضبط النّزَعات وتحقيق حدٍّ أدنى من النظام والسلام لكنها تظل عاجزة وقاصرة عن بلوغ العدالة الكاملة أو الخير المطلق.

أما الثانية -أي مدينة الله-، فهي ترتكز على محبة الله وتمثل المثال الأعلى للعدالة والسلام الأبديين والأخلاق، في هذا الأفق ليست مجرد قواعد اجتماعية، بل هي تعبير عن إرادة الإنسان في الاتحاد مع الإرادة الإلهية.

وانطلاقا من هذه المفارقة الأنطولوجية والأخلاقية بين المدينتين، سيؤكد أوغسطين على أنّ المدينة الأخلاقية تقوم بأهلها وبقلوب تُحب الله وتحتقر الذات ومن هنا تعلو الفضيلة الأخلاقية وتنحدر المدينة الأرضية المبنية على الماديات والشرور “الشر الذي دخل إلى الأرض بمعصية آدم وهبوطه إلى الأرض وتوالده، فكثرت الناس وتعرفت على طوائف وجماعات كل يسعى إلى اتجاه، وتمَّ تكوين الدول والمدن بمرور الأيام، ولمَّا كانت في الإنسان محبتان محبة الذات ومحبة الله فقد نشأت مدينتان ترجع إليهما سائر المجتمعات البشرية”. ([viii])

وانطلاقاً من هذا القول، يتضح أن فلسفة أوغسطين السياسية والأخلاقية ترتكز على فكرة أساسية تتمثل في التمييز بين نوعين من المحبة الكامنة في الذات الإنسانية: محبة الذات ومحبة الله. هذا التمييز يُفضي إلى اِنقسام وجودي وأخلاقي بين مدينتين عبر عنه أوغسطين بقوله: “… وأصبح هناك نظام مختص بأناس يعيشون حسب الجسد ونظام آخر مختص بأناس يعيشون بحسب الله ونسمي هذين النظامين: مدينتان إحداهما مُعَدة لأن تحيى إلى الأبد مع الله، والأخرى لأنْ تعيش العذاب الأبدي مع إبليس”. ([ix])

وفي مقاربته للفضيلة الأخلاقية يؤكد على أنها المحدد الأساسي للمواطنة في مدينة الله في مقابل المواطنة الزائفة القائمة التي تقوم على الشهوات في المدينة الأرضية. وخلاصة القول أنّ ما يمكن أن نستشفه من تصور أوغسطين أنه يربط بين الأخلاق والسياسة من خلال معيار المحبة والإرادة الحرة، ويربط الفضيلة الأخلاقية بالمواطنة الحقة والانتماء إلى المدينة السماوية، ومن هنا فأوغسطين يعطي الجانب الأخلاقي الأولوية على البعد السياسي.

ومن ثم، يمكننا القول إنّ العلاقة بين الأخلاق بالسياسية في العصر الوسيط قد شكلت اِمتداداً للترات اليوناني، ولو بمنطلقات ومرجعيات مختلفة يحضر فيها تأثير السياق الحضاري والديني الذي تبلورت فيه مواقف كل من الفارابي والقديس أوغسطين، فإذا كان الأول يجمع بين السياسة والأخلاق في وحدة عضوية تجعل الفضيلة غاية وشرطاً لكل نظام سياسي فاضل وعادل فالثاني -أي أوغسطين– قد ذهب إلى التأكيد على ضرورة السياسة وحدودها، معتبراً أن مشروعيتها الأخلاقية مشروطة بخدمة الخير العام واقترابها من المثال السماوي دون أن تبلغ الكمال في العالم الأرضي، وبالتالي فكلاهما يربط مصير السياسة بمدى رسوخ القيم الأخلاقية في بنية السلطة والمجتمع. لكن وما دامت حركية التاريخ تولد أفكاراً وأسئلة جديدة لنا الآن، انفتح أُفق آخر للتفكير في إشكالية العلاقة بين الأخلاق والسياسة عبر طرح التساؤلات الآتية: هل ظَلَّ هذا التلازم بين السياسة والأخلاق قائماً في الفكر الحديث، أم شهدت العلاقة بينهما انفصالاً جذرياً أفرز نظريات جديدة للفصل بين المجالين؟ وكيف أعاد فلاسفة الحداثة صياغة مفهوم السياسة بعيداً عن مركزية الأخلاق؟

2- التصورات الحديثة: من تلازم الأخلاق والسياسة إلى واقعية الفصل وميلاد الدولة الحديثة

ليس هناك شكّ في أنّ الفكر الفلسفي السياسي لا يقوم على حقائق مطلقة أو نهائية، بل هو نِتاج تاريخي متحرك ومتغير يتأثر بالسياقات الحضارية والثقافية والاجتماعية التي ينشأ فيها، فالفكر يتلون بالشروط المعرفية للعصر الذي يتبلور فيه، ويتغير بتغيير هذه الشروط من حقبة زمنية إلى أخرى، ولهذا يستحيل أن يحصل إجماع تام بين المفكرين والفلاسفة حول حل إشكالية ما في قضايا السياسة، بل تتعدد الرؤى وتختلف الحلول وهذا ما يمنح للفكر حراكيته وغناه، ويغديه باستمرار بتصورات ونظريات جديدة تنشأ عنها اتجاهات وتيارات مختلفة.

وفي هذا الإطار برز تيار يشك في إمكانية وجود علاقة جوهرية بين الأخلاق والسياسة، معتبراً أن المجال السياسي يقتضي أحياناً التخلي عن القيم الأخلاقية واللجوء إلى وسائل تتجاوز القيود الأخلاقية التقليدية، وحسب هذا التصور قد تبدو الأخلاق والسياسة وكأنهما مجالان متعارضان، حيث ينظر إلى السياسة بوصفها فنّ الحفاظ على الدولة، ولو اِستدعى ذلك استخدام وسائل مشروعة أو غير مشروعة، ومن هنا يتجلى الفصل بشكل واضح بين الأخلاق والسياسة ويعتبر نيكولا ميكافيلي Niccolo    Machiavelli (1469م- 1527م)، من أبرز المفكرين الذين أسسوا لهذا الفصل في الفكر السياسي الحديث مُنطلِقاً من ضرورة تحرير السياسة من الأخلاق وجعل علم السياسة علما قائماً بذاته ولعلّ هذا ما ذهب به إلى حد القول بأن الأخلاق هي العائق الوحيد ويجب اتباع كل ما هو غير أخلاقي في السياسة من كذب وخداع وغدر ونكت بالعهد….وكل هذا من شأنه المحافظة على سلامة الدولة. ([x]) ومن هذا المنطلق ستشكل تصورات ميكافيلي نقطة تحول هام في تاريخ الفكر السياسي، نظراً لما يحمله فكره من دعوة لتحرير الممارسة السياسة من وصاية الكنيسة وسيطرة الأخلاق، ولمْ تكنْ هذه الأفكار التي دعا لها ميكافيلي مجرد تخمينات نظرية، وإنما نِتاج تجربة عملية وشروط واقعية راكمها من خلال تجربته عندما كان يشغل منصب رئيس الديوان القنصلي الثاني، وسكرتير مجلس الشعب عندما كانت فلورنسا جمهورية ما بين 1498م- 1512م، وهذ ما أتاح له فرصة الاِحتكاك بشخصيات سياسية من قبيل ملك فرنسا لويس الثاني عشر louis XII  (1462م- 1515م)، والإمبراطور ماكسيميليان الأول Maximilen (1459م- 1519م)، وكثير من الشخصيات المعروفة في عصره. هذا إلى جانب الظروف السياسية والأزمات التي كانت تعيشها إيطاليا وسعيها إلى تحقيق الوحدة والاستقرار السياسي والخروج من حالة الفوضى والاِنقسامات. وفي هذا السياق جاء كتابه “الأمير” كدليل عمل في الممارسة السياسية يحمل الطرق الكفيلة بإخراج إيطاليا من متاعب عدم الاِستقرار السياسي وتقديم مقاربة واقعية جديدة للقضايا السياسية تقف على الأشياء كما هي موجودة في الواقع، وفي هذا السياق، يقول: “الفرق بين ما نعيشه في الواقع وما يجيب أن نعيشه شاسع إلى درجة أنه من يتغاضى عما هو كائن في سبيل ما يجيب أن يكون إنما يتعلم ما يؤدي إلى دماره وليس إلى صيانة وجوده” ([xi]) وفي هذا الكلام تأكيد على أن كتاب “الأمير” هو عمل لتعليم الممارسة السياسة الفعالة وليس نظرية لإشباع الفضول المعرفي والتأمل، وهذا ما يميزه عن الأعمال السياسية التقليدية التي بصمتْ تاريخ الفكر السياسي، كـ “الجمهورية” لأفلاطون، و”مدينة الله” للقديس أوغسطين و”اليتوبيا” لتوماس مور… اِنطلاقاً من هذه الواقعية التي شدّدَ عليها ميكافيلي تبلور موقفه من علاقة الأخلاق والسياسة، موضحاً من خلال نصائحه للحكام، أن نجاح العمل السياسي يعتمد على قدرة الأمير على التمييز بين المجالين، وتقديم الفضائل السياسية على القيم الأخلاقية التقليدية ويستدل على كذلك بقوله “إن دراسة الأمور من زوايا متعددة تظهر أن كثيراً من الأفعال التي ينظر إليها كفضائل قد تؤدي إلى هلاك الدولة، بينما بعض التصرفات التي تعد رذائل قد تصبح عند تطبيقها وسيلة لتحقيق مصلحة الدولة وأمنها“. ([xii])

وفي هذا القول، تصريح واضح بضرورة أن يتجاوز الأمير التصنيفات التقليدية للفضيلة والرذيلة، مبرزاً أنّ الفضائل قد تؤول إلى نتائج وخيمة، في حين أن الرذائل -في سياقات معينة- قد تضمن بقاء الدولة واِستقرار الحكم، لهذا، فثنائية الفضيلة والرذيلة لا ينبغي أنْ تعتمد كمعيار وحيد في التقييم السياسي، بل يجب الاِعتماد على معيار نفعي يقيم فيه الفعل السياسي ليس بناءً على صفته الأخلاقية، وإنما بناءً على نتائجه ومآلاته، ومدى فعالية الفعل السياسي في حفظ السلطة وضمان اِستمرارية الدولة بعيداً عما إذا كان هذا الفعل خيراً أو شراً، فاضلاً أو رذيلا، وهكذا تصبح الأخلاق في تصور ميكافيلي مجرد وظيفة ظرفية تخضع لمنطق الضرورة السياسية، ويمكن أن نستخلص أيضاً فكرة الفصل بين الأخلاق والسياسة في ما ذهب إليه ميكافيلي، حين اعتبر السياسة قتال وصراع وأن الطبيعة البشرية شريرة بطبعها، ونجاح الأمير رهين بتسلحه بسلاحَيْ القانون والقوة، معتبراً أن الأول ينتمي إلى الطبيعة البشرية، بينما السلاح الثاني ينتمي إلى الطبيعة الحيوانية، وعلى الأمير أن يُجيد اِستعمال الوسيلتين ويتقن الاِنتقال من الواحدة إلى الأخرى دون تردد أو شعور بالذنب، ويستشهد ميكافيلي ببعض الأبطال القدامى مثل “أخيليس” “Achille“، وغيره من الأمراء الذين تعلموا فنّ الجمع بين صفات الإنسان والحيوان في إدارة الصرعات. ([xiii]) والمغزى من كل هذا، أن الأمير الناجح من يمتلك القدرة على التكيف واِستخدام كل وسيلة في الوقت المناسب، وحسب ما تقتضيه الظروف، لتحقيق الاِستقرار وضمان اِستمرار السلطة، فالاِعتماد على واحدة دون الأخرى قد يهدد بقاء الدولة. وقد لجأ ميكافيلي في هذا الباب، إلى اِستعارة الثعلب والأسد، ودعا الأمير إلى الاِقتداء بهما: قوة الأسد، لضمان التفوق على الصعاب، ومكر وخداع الثعلب، حتى لا يقع في الفِخاخ وشِراك الخصوم، وبالتالي فالأمير المثالي والناجح في إدارة السلطة هو الرجل السياسي الذي يمتلك الشجاعة الكافية لفعل أكبر الرذائل من أجل تحقيق الفعل السياسي الذي اِختاره دون أنْ تنجر نفسه إلى تغليب الفضائل الأخلاقية على الفضائل السياسية، فكل مستحب أخلاقياً لا يحقق بالضرورة الخير للدولة.

لهذا على الفاعل السياسي أنْ ينظر إلى الأخلاق كأمر ثانوي في مقابل السياسة، ويمتلك القدرة على اِستعمال الأخلاق كوسيلة لتحقيق الغايات من الفعل الساسي ومن هذا المنطلق البراغماتي المرتكز على الواقعية في التحليل يخلص ميكافيلي إلى ضرورة الفصل بين الأخلاق والسياسة، فلكل واحدة منهما منطقها الخاص ونظام قيم مستقل لا يشترط فيه التطابق أو التداخل، وهذا التمييز بين الأخلاقي والسياسي يمنح الأولوية للسياسة على الأخلاق في اِتخاد القرارات السياسية ويعطي للأمير حرية أكبر في تحديد واِختيار الوسائل الأنسب لتحقيق مصلحة الدولة، وبهذا التصور الذي دافع عنه ميكافيلي، يكون قد عمل على نقد التصورات الفلسفية الكلاسيكية التي تربط السياسية بالأخلاق وتؤكد على ضرورة خضوع الأولى للثانية، ليكون ميكافيلي قد مهد الطريق أمام الفكر السياسي الحديث الذي أسس لمبدأ اِستقلال المجال السياسي عن الإلزام الأخلاقي، واضعاً بذلك حجر الأساس لمقاربات وتصورات جديدة تمنح للفاعل السياسي هامشاً واسعاً في مواجهة تعقيدات الواقع، ولو اِقتضى الأمر تجاوز القيم الأخلاقية الكلاسيكية، لكن هذه الأولوية التي اِحتلتها السياسية عن الأخلاق في منظور ميكافيلي تدفعنا الآن للتساؤل عن كيف تطورت الرؤية الفلسفية للدولة والسلطة السياسية لدى هوبز وسبينوزا مقارنة بتصور ميكافيلي في فصل السياسة عن الأخلاق؟ وما هي الأسس الجديدة التي وضعها كل منهما لفهم طبيعة السلطة وحدودها في سياق العصر الحديث؟ وهل سيكرسان بدورهما هذا الفصل بين المجالين السياسي والأخلاقي، أم سيحاولان إعادة صياغة العلاقة بين الأخلاق والسياسة ضمن منظور جديد يجمع بين ضرورة السلطة ومتطلبات العقل؟

طوماس هوبز Thomas Hobbes (1588م- 1679م): السيادة السياسية كأساس للإلزام الأخلاقي

إذا كان نيكولا ميكافيلي، من خلال مقاربته التي وقفنا عندها، قد عمل على إحداث قطيعة مع التصورات الكلاسيكية التي جعلت من السياسة اِمتداداً غائياً للأخلاق، فإنّ هذا التوجه لم يتوقف عنده، بل سيجد في الفلسفة الحديثة مجالاً أرحب للتبلور والتأسيس النظري، إذ شكلت كتابات ميكافيلي نقطة الاِنطلاق لإعادة التفكير في أُسس المشروعية السياسية، لكنها لم تكن سوى الشرارة الأولى في مسار أعمق وأكثر تجريداً سيقوده توماس هوبز لاحقاً، عبر إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والدولة والقانون والأخلاق، اِنطلاقاً من فهمٍ دقيق للطبيعة البشرية ومآلاتها، ولئِنْ كان ميكافيلي قد برّرَ اِستخدام الكذب والعنف والمكر والخداع من منطلق برغماتي، فإن طوماس هوبز سيعمل على بناء تبرير عقلاني ومؤسس يجعل السلطة السياسية ضرورة وجودية، ومن الأخلاق نتيجة لاحقة لقيام الدولة لا سابقة عليها. ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي ستؤطر مقاربتنا لتصور طوماس هوبز. فكيف تتحدد العلاقة بين الأخلاق والسياسة ضمن مشروعه التعاقدي؟ وماهي الأسس الفلسفية التي يبني عليها هوبز تصوره؟

ينطلق توماس هوبز في مقاربته لإشكالية العلاقة بين السياسة والأخلاق من دراسته للطبيعية البشرية حيث يرى أن الإنسان كائن تحركه الدوافع الغريزية والأنانية، لا المبادئ الأخلاقية أو الفضائل العقلية، ومِنْ هذا المنطلق فالإنسان في نظره لا يحمل أية نزعة فطرية تحركه نحو التعاون أو الخير، بل تحركه دوافع داخلية تسعى إلى تحقيق اللذة وتجنب الألم، وهذه الرؤية تعكس نزعة حيوية ترى في البقاء الهدف الأسمى للفعل الإنساني.

ففي كتابه “الليفيتان” Léviathan 1651م، يصف هوبز حالة الطبيعة على أنها وضع سابق لأي تنظيم اِجتماعي أو سياسي، حيث تغيب القوانين وتفقد المعايير الأخلاقية كل معنى واقعي، إنها حالة من العدمية السياسية والأخلاقية تتميز بالصراع الدائم بين الأفراد وتغيب فيها السلطة الرادعة، وهذا ما عبر عنه هوبز في الفصل الثالث عشر من كتاب “الليفيتان بالقول: “في حالة الطبيعة ليس هناك مكان للصناعة، لأنه لا يوجد ضمان للتمتع بنتائجها… لا فنون، ولا آداب، ولا مجتمع، وما هو أسوأ من ذلك، خوف دائم من الموت، وحياة الإنسان تكون منعزلة، فقيرة، شريرة، وحشية وقصيرة”. ([xiv])

إنّ هذه الرؤية للطبيعية البشرية تبرر نظرياً الحاجة إلى قيام سلطة سياسية صارمة، إذ لا سبيل إلى وقف حالة حرب الكل ضد الكل التي تتصف بها حالة الطبيعة، إلاّ بسلطة عُليا قاهرة قادرة على أن تنزع من الأفراد حقهم في استعمال القوة ومِنْ هنا تنشأ الحاجة إلى عقد اجتماعي لا ينبع من نزعة أخلاقية أو اِلتزام قيمي أو معيار ميتافزيقي، بل يقوم على اِتفاق عقلاني بين الأفراد، وحينذاك يدرك الإنسان أنّ سعيه الغير المقيد وراء المصلحة العامة سينتهي به إلى الدمار مما يجعله يلجأ -بدافع من العقل لا من الضمير- إلى تشييد نظام سياسي يحتكر القوة ويُنظم العلاقات. وفي هذا الإطار تتحول الأخلاق إلى منظومة اتفاقية وظيفتها ضمان السلام، ويصبح العدل هو الوفاء بالعقود، وهذا ما عبر عنه طوماس هوبز بالقول: “العدالة هي الإرادة الدائمة لمنح كل إنسان حقه… وبالتالي حيث لا توجد دولة، لا يوجد شي غير عادل. مفاهيم الصواب والخطإ، والعدل والظلم، لا معنى لها هناك… وتعريف الظلم ليس سوى عدم الوفاء بالعقود وكل ما ليس ظالماً فهو عادل“. ([xv])

فالأخلاق من هذا المنظور ليست شيئاً سابقاً عن الدولة، بل نِتاج مباشر لها، وتستمد مشروعيتها لا من الضمير، بل من السيادة. وعليه فالدولة كنتاج للتعاقد الاجتماعي لا تمثل فقط نظاماً إدارياً أو أداةً لحفظ الأمن، بل هي الجهة الوحيدة القادرة على تحديد معاني الحق والواجب. فكل ما لا تمنعه السلطة هو حق وكل ما تفرضه هو واجب وهذا ما نستشفه فيما عبر عنه هوبز بالقول “العقد وحده لا يكفي مالم تدعمه القوة لضمان تنفيذه فبدون السيف تصبح المواثيق كلمات لا معنى لها“. ([xvi])

وبهذا المعنى تتحول السيادة السياسية إلى سلطة معيارية تنتج الأخلاق وتمنحها طابعها الإلزامي فالسيادة إذن ليست فقط ضامنة للنظام، بل هي المرجع الأعلى لكل ما هو قانوني وأخلاقي، ولا مجال في هذا الإطار للأخلاق الطبيعية أو الضمير الشخصي كمصدر للمشروعية، فكل شرعية تنبع من القانون الذي تضعه السيادة. واِنطلاقاً من هذه الرؤية يرفض طوماس هوبز بشكل قاطع فكرة السلطة المنقسمة أو الرقابة الشعبية أو مقاومة السلطة باسم العدالة، معتبرا أن أي تقويض للسيادة المطلقة سيفضي حتماً إلى الاِنحدار مجدداً نحو الفوضى، ومن هذا المنطلق، يكون طوماس هوبز قد عمل على إعادة صياغة العلاقة بين الأخلاق والسياسة مؤكداً على أن الأخلاق ليست حداً للسلطة، بل هي نتاج لها، والسياسة لا تنبع من الفضيلة بل تنتج نظاماً أخلاقياً وظيفياً للحفاظ على الحياة المشتركة، فالسياسة بهذا التحديد لا تمثل تطبيقا لقيم أخلاقية سابقة، بل هي التي تخلق هذه القيم وتمنحها قوتها الإلزامية وتشكل بذلك البنية التي تنبثق من الاخلاق العامة، وتصبح السيادة السياسية وحدها القادرة على تعريف مفاهيم مثل “العدل” و”الحق” و”الواجب”، فكل المفاهيم الأخلاقية المتداولة تجد معناها داخل السيادة السياسة لا خارجها، لتغدو الأخلاق بذلك خادمة للنظام السياسي، ويُعاد تعريف الفضيلة بوصفها الطاعة والاِنضباط ضمن النظام السيادي، لا كتحقيق للكمال الإنساني كما في الفلسفة الكلاسيكية.

خلاصة القول، تحليلنا لتصور هوبز لعلاقة السياسة بالأخلاق أنّ هذا التحليل يكشف لنا قلباً جذرياً للتصور الفلسفي التقليدي لطبيعة هذه العلاقة، فإذا كانت السياسة تفهم بوصفها تجلياً للفضيلة وامتداداً لأخلاق الفرد في المجال العام، فمع هوبز سيصبح العكس هو الصحيح: السياسة لا تستمد مشروعيتها من قيم أخلاقية سابقة بل تنشأ لمواجهة غيابها وتنتج من داخلها منظومة معيارية جديدة.

ففي حالة الطبيعة التي انطلق منها هوبز تغيب كل المعايير الأخلاقية، ويتحول الوجود البشري إلى صراع شامل تغذيه الأنانية والخوف، وفي هذا الوضع لا يمكن تشييد نظام أخلاقي إلّ عبر التنازل الطوعي عن الحقوق الفردية لصالح سلطة سيادية مطلقة تمثل المرجع الوحيد لتعريف المفاهيم الأخلاقية التي ليست في نظر هوبز قيماً مطلقة أو نابعة من ضمير فردي مستقل، بل هي منتج قانوني وسياسي ينشأ في إطار الدولة الحديثة، ويحصل على فعاليته الإلزامية من خلال القوة المنظمة التي تحتكره السلطة.

إن هذ التصور يعيد ترتيب العلاقة بين السياسة والأخلاق، إذ يضع الأخلاق في مرتبة تابعة للسيادة، ويمنح السياسة دوراً تأسيسياً لا تنظيماً فحسب تتحول فيه الدولة إلى فاعل أخلاقي أعلى يعيد تشكيل المعايير الاجتماعية من خلال القانون، وتصبح السيادة هي العقل الأخلاقي الجماعي الذي يضبط الفوضى الطبيعية ويعيد تشكيل الإنسان المواطن، وتمكن أهمية هذه المقاربة التي تبناها هوبز في كونها لم تقتصر على إرساء نظرية حديثة للسلطة السياسية، بل عملت على توضيح كيف يمكن تأسيس الأخلاق على قاعدة عقلانية ونفعية ضمن شروط الاجتماع المدني، وهذا ما جعل من فلسفة هوبز حجر الزاوية في نقاشات الحداثة السياسية، من نظرية العقد الاجتماعي إلى نشأة القانون الحديث بوصفه منتجاً للشرعية وللمعيارية الأخلاقية في آنٍ معاً.

لكن إذا كانت السيادة في تصور هوبز تمثل العقل الأخلاقي الوحيد القادر على ضبط الطبيعة البشرية، وكان القانون السياسي هو المُنشئ للمعيار الأخلاقي، فكيف يعيد سبينوزا انطلاقا من تصور مغاير للطبيعة والعقل بناء العلاقة بين الأخلاق والسياسة دون الحاجة إلى سلطة مطلقة تعلب الإرادة الفردية؟

– باروخ سبينوزا Baruch: التأسيس العقلاني للأخلاق والسياسة

يعتبر باروخ سبينوزا Baruch Spinoza (1632م-1677م) واحداً من أبزر الفلاسفة والمفكرين الذين عملوا على إبراز التداخل بين الفلسفة الأخلاقية والفكر السياسي بطريقة منهجية وعقلانية فقد رفض التصورات التي تفصل بين المجالين الأخلاقي والسياسي، وحتى تلك التي تجعل أحدهما تابعا للآخر بشكل قطعي، فمن خلال رؤيته الطبيعية والعقلانية للعالم والإنسان، أعاد تعريف مفاهيم الخير، الحرية والطاعة، منطلقاً من تصور مغاير لِمَا هو لاهوتي تقليدي، حيت لا ينظر إلى الإنسان ككائنٍ مفارقٍ للطبيعة، بل يعتبره جزءً منها وخاضعاً لقوانينها كما تخضع الأجسام والعلل الفيزيائية وبهذا فالأخلاق ليست مجموعة من الوصايا والتعاليم المتعالية تفرض من الخارج، بل هي سلوك عقلاني نابع من فهم الإنسان لذاته بوصفه كائناً يسعى للحفاظ على وجوده وتنمية مهاراته وقدراته، وفي هذا المقام يقول سبينوزا في كتابه الأخلاق “الخير هو كل ما نعلم على وجه اليقين أنه نافع لنا“. ([xvii]) ومن هذا المنطلق لا يعود الخير مرتبطاً بتعاليم الكنسية أو بِماً هو إلهي مُطلق، بل بمقدار ما يعزز قدرة الإنسان على الوجود أمّا الشر فليس إلاّ ما يُضعف تلك القدرة أو يُولد الانفعالات السلبية التي تجعل الفرد خاضعاً لأهوائه كالحزن والخوف، وبهذا التصور يقطع سبينوزا مع التصورات التي تربط تحقيق الاستقرار السياسي بقمع الشهوات أو فرض الطاعة المطلقة للسلطة، وفي المقابل يؤكد سبينوزا أن الأخلاق العقلانية لا تكتمل إلّا في إطار سياسي يكفل للأفراد حرية التفكير والتعبير.

الفرد لا يستطيع بلوغ الحياة العقلانية بمفرده، بل ضمن مجتمع يشارك فيه الآخرون في اِستخدام العقل وهذا ما يفسره تأكيد سبينوزا على أن “كلما كان الناس أكثر عقلانية، كانوا أكثر اتفاقا فيما بينهم“. ([xviii]) ومن هنا يغدو تأسيس الدولة لا مجرد وسيلة لحفظ النظام، بل إطاراً ضرورياً لنُمو القدرات العقلية وممارسة الأخلاق بوصفها فعلاً حراً.

إنّ سبينوزا بهذا يربط بين السياسة والأخلاق من خلال العقل، وليس من خلال الإكراه أو العقاب فالقوانيين في نظره لا يحب أن تهدف إلى “جعل الناس فضلاء، بل إلى جعلهم سلميين وآمنين“. ([xix]) أي أنّ غاية الدولة، ليست هي إنتاج الفضيلة وإنما تنظيم المجتمع حتى يعيش أفراده بأمن وسلام وهذا يجعلنا ندرك أن السياسية عند سبينوزا تعمل ضمن أُفق عملي، وغايتها توفير شروط العيش المشترك دون فرض قيم أو فضائل بعينها، كما أن السياسة تعتبر في نظره إطاراً للحرية وليست وصاية على الفضيلة، فالحرية المدنية – باعتبارها القدرة على ممارسة الرأي والمعتقد دون خوف – هي الغاية الحقيقة من وجود الدولة وهذه الحرية لا تتحقق عبر قسر الأخلاق الفردية، بل عبر تهيئة المجال لضبط العواطف والأهواء ومنع تفجرها في العنف الأهلي، وبهذا تشكل السياسة الإطار الذي يسمح للإنسان بتحقيق كماله الأخلاقي بشكل حر، لا رهينة لسلطة الدولة أو الدين وفي نفس السياق يؤكد سبينوزا على أن فرض قيم بعينها على الناس سيؤدي إلى القمع والاستبداد لهذا يُشدد على أن التعايش يمر عبر قبول الاختلاف وضبطه قانونياً لا أخلاقياً، وهذه الفكرة نجد لها تأكيد في قراءة الفيلسوف الفرنسي إتيان باليبارEtienne Balibar للفلسفة السياسية لسبينوزا، حيث يؤكد على أن فلسفة سبينوزا السياسية تنطلق من الاعتراف بواقع التعدد وتقوم على عقلنة هذا التعدد في فضاء عام يسمح بالتعايش لا بالتوحيد الجبري. ([xx]) وهذا ما يعني أن السياسة في مشروع سبينوزا السياسي تُحيل على فنِّ إدارة التعدد والاختلاف، وأنّ الأخلاق مجال الخاص والفردي الشخصي، ولا يجوز أن تفرضها سلطة عامة.

وتأسيساً على هذا، يمكن القول، إنّ التجديد الذي تحمله فلسفة سبينوزا ليس في الفصل بين السياسة والأخلاق، بل في إعادة ترتيب العلاقة ليكون القانون مؤسسة تنظيمية للعواطف والمصالح لا الوجدان أو الضمائر.

لا يمكن اِستيفاء نقاش العلاقة بين السياسة والأخلاق في فلسفة سبينوزا دون الإشارة إلى نقطتين أساسيتين واستحضارهما في هذا النقاش وهما: الفصل بين الدين والسياسة، والتمييز بين أخلاق الكاهن والعبد والمواطن، حيت يقدم سبينوزا نقده للمنظومة الأخلاقية اللاهوتية باعتبارها عائقاً أمام قيام حياة سياسية عقلانية ومنظّمة، ففي كتابه “رسالة في اللاهوت السياسة“، يؤكد على أن النظام السياسي السليم يجب أن يتأسس على العقل والمصلحة المشتركة لا على الوصايا الإلهية والتعاليم الدينية المتعالية، فالدين كما تبلور في الدولة العبرانية كان في نظر سبينوزا تعبيراً عن ظرف تاريخي وثقافي خاص، حيث خضعت القوانين الأخلاقية للهيمنة الثيوقراطية، وليس لسلطة العقل الذي يراعي الطبيعة الإنسانية المتنوعة. ففي الفصل السادس عشر والسابع عشر من “رسالة في اللاهوت والسياسة” يشر سبينوزا إلى أنّ الدولة العبرانية كانت دولة دينية الطابع، خاضعة للشرائع الطقسية والوصفات اللاهوتية، الأمر الذي جعلها دولة مُغلقة أمام التعدد، قائمة على أخلاق الخوف والطاعة العمياء، نستشف هذا، من قول سبينوزا: “لم يكن النظام السياسي الذي خضع له العبرانيون نظاماً يُمكن نقله أو الاحتذاء به لأنه وقف على وضع خاص مشبع بالمخاوف الدينية والقواعد الشعائرية“. ([xxi]) ومفاد هذا، أن الأخلاق المتولدة عن هذا النمط من التدين تقوم على الترهيب لا على الاقتناع العقلي، فتُنتج أحد صنفين: أخلاق العبد المطيع خوفاً وأخلاق الكاهن المحتكر للسلطة الدينية، وكِلاهما بحسب سبينوزا غير مناسب لتأسيس مجتمع سياسي حر، وفي المقابل نجد الأخلاق التي يسعى سبينوزا لتكريسها والدعوة لها، هي أخلاق المواطن أي تلك الأخلاق المنبثقة والنابعة من العقل والحرية والاقتدار الذاتي.

في كتاب “الإتيقا” يميز سبينوزا هذه الأنماط الأخلاقية بالقول: “العبد مُوجّه بالخوف، والكاهن يُنتج أخلاقاً قائمة على الطاعة العمياء والخرافة، أما المواطن الحر فيحيا بحسب ضرورات العقل، ويسعى للخير العام“. ([xxii]) في هذه السياقات تصبح الدولة عند سبينوزا فضاءً عقلانياً يحرر الناس من الخوف، وبالتالي فالأخلاق التي تناسب تنظيم الحياة السياسية ليست هي أخلاق العبد أو الكاهن، بل هي أخلاق المواطن الحر التي تتأسس على العقل والسعي المشترك نحو الخير العام.

خلاصة القول، إن تصور سبينوزا لعلاقة الأخلاق بالسياسة يتسم بالتفرد والنقد الجذري مقارنة بالفلسفات التقليدية، فالسياسة والأخلاق مجالان متمايزان متكاملان: الأخلاق مجال فردي يرتبط بسعي الإنسان للعيش بالعقل وبلوغ الكمال الذاتي، في حين أن السياسة هي فنّ تنظيم التعدد وضبط العواطف وتهيئة مناخ السلم والأمن في المجتمع، لا فرض الفضيلة أو نموذج الفرد الصالح على الجميع بالقوة.

إن الاخلاق السياسية الصحيحة في نظر سبينوزا، هي الأخلاق التي يستنبطها المواطنون من العقل المشترك والمصلحة العامة، لا من أوامر دينية أو الخضوع للسلطة اللاهوتية ولهذا نجد سبينوزا يؤكد على أن القوانين يجب أن تُوضع لضمان الطمأنينة والأمن، لا لصناعة قديسين أو تكرار نموذج الدولة الثيوقراطية التي فرضت الخوف والامتثال.

إن السياسة في نهاية المطاف تضبط التعدد وتنظم الصراعات في الحد الأدنى من الأخلاق العقلية المشتركة وتترك المجال مفتوحاً أمام الأفراد للسعي نحو كمالهم الأخلاقي بحرية ووعي.

يتضح من خلال تحليلنا لمسار العلاقة بين الأخلاق والسياسة أن هذه العلاقة لم تكن في يوماً ما ثابتة أو محايدة، بل تشكّلت في إطار جدل مستمر بين مقتضيات المعيار الأخلاقي وإكراهات وشروط الفعل السياسي، فمن الفلسفة التقليدية التي ذهبت إلى إقامة نوع من التماهي بين السياسي والأخلاقي بادّعاء ضرورة تحقيق الفضيلة، إلى الفكر الحديث الذي أعاد صياغة تعريف السياسة بوصفها فنّاً للسلطة ولضبط الصراع، عرف هذا الإشكال تحولاً جذرياً تُوج بإعادة صياغة شروط المشروعية والمصلحة.

وقد متّل كل من ميكافيلي وهوبز منعطفاً هاماً وحاسماً في هذا السياق، من خلال تأكيدهما على أولوية الاستقرار السياسي حتى على حساب القيم الأخلاقية التقليدية، من قبيل الصدق والفضيلة، وهذا ما فتح الباب أمام إمكانية تبرير الكذب السياسي كأداة من أدوات إدارة الحكمغير أن هذا التحول لم يأخذْ بُعداً واحداً فمع سبينوزا ومشروعه السياسي ستتم إعادة الاعتبار للعقل كأفق للفعل السياسي، من خلال تأكيده على ضرورة انسجام السلطة مع مبادئ الحرية والحق والعدالة.

خلاصة القول، إن العلاقة بين الأخلاق والسياسة تظل علاقة إشكالية ومفتوحة، ذات طابع فلسفي جدلي، لا يمكن حصرها في ثنائية التماهي أو الانفصال، بل ينبغي اِستيعابها وفهمها كمجال لصراع تأويلي دائم بين منطق السلطة ومنطق الحقيقة وفي هذا الإطار يبدو الكذب السياسي، ليس كمجرد سلوك عارض، بل علامة دالة على توتر بنيوي في قلب الممارسة السياسية، حيث تتقاطع ضرورات الحُكم مع شروط احترام الحقيقة، وهذا ما يتطلب المساءلة الدائمة والمتواصلة لمشروعية الحُكم، مع استحضار البعد الأخلاقي كشرط لإمكانية قيام ممارسة سياسية عقلانية وعادلة.


[i]– أفلاطون، الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، القاهرة، الكتاب السادس، ص 263.

[ii]– نفس المرجع السابق، ص. ص 274- 273.

[iii]– أرسطو- طاليس: السياسة، 2016، ترجمة أحمد لطفي السيد، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، الدوحة، ص 139.

[iv]– أرسطو- طاليس، الأخلاق إلى نيقوماخوس، 1979، ترجمة إسحاق ابن حنين، حققه عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الطبعة الأولى، الكويت، ص 172.

[v]– الفارابي، تحصيل السعادة، تحقيق وتقديم د جعفر آل ياسين، دار المناهل، بيروت، 1992م، ص 193.

[vi]– نفس المرجع السابق، ص 183.

[vii]– الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، القول في خصال رئيس أهل المدينة الفاضلة، الناشر مؤسسة هنداوي، 2016، المملكة المتحدة، ص 86، نسخة إلكترونية من موقع مؤسسة هنداوي. (يجب الإشارة إلى الرابط وتاريخ الاطلاع عليه بالموقع).

[viii]– القديس، أوغسطين، مدينة الله، الكتاب الأول، تعريب الخوار أسقف يوحنا الحلو، الدار المشرق، بيروت، الطبعة الأولى 2002 م، ص 66.

[ix]– نفس المرجع السابق، المجلد الثاني، ص 215.

[x]– وفاء، سمير، جدلية العلاقة بين الأخلاق والسياسة عند الماوردي وميكافيلي، مجلة الدراسات الإسلامية والبحوث الأكاديمية، المجلد 12، العدد 80، 2017، جامعة القاهرة، مصر.

[xi]– نيكولا، ميكافيلي، الأمير، ترجمة أكرم مون، مكتبة ابن سينا، القاهرة، مصر، 2004، ص 79.

[xii]نفس المرجع السابق، ص 81.

[xiii]– نفس المرجع السابق، ص 89.

[xiv] -Hobbes, Thomas. Léviathan. Edited by Richard Tuck. Cambridge: Cambridge University Press, 1996, p 89.

[xv]– Hobbes, Thomas. Léviathan. Edited by Richard Tuck. Cambridge: Cambridge Université Press, 1996, p.p 100-101.

[xvi]– Ibid, p.p 100-117.

[xvii]– سبينوزا، باروخ، لم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2009، الباب الرابع، التعريف الأول، ص 231.

[xviii]– نفس المرجع السابق، ص 231.

[xix]– سبينوزا، باروخ، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة: حسن حنفي. القاهرة: دار التنوير، 2005، الفصل العشرون، ص 350.

[xx]– Balibar, Étienne. Spinoza et la politique. Paris: Presses Universitaires de France, 1985, pp. 115-120.

[xxi]– سبينوزا، باروخ. رسالة في اللاهوت والسياسة. ترجمة: حسن حنفي. القاهرة: دار التنوير، 2005، الفصل السابع عشر، ص 272.

[xxii]– سبينوزا، باروخ، علم الأخلاق (الإتيقا)، ترجمة: جورج طرابيشي، دمشق: دار الطليعة، 2002، الجزء الرابع، الجملة 67، ص 378.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى