أزمة السردية أم عُري الفضاء العمومي؟ المغرب وأسئلة المعنى في زمن التحولات

في السنوات الأخيرة، صار مفهوم “السردية” متداولاً بكثافة في الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي المغربي، إلى درجة فقد معها كثيراً من دقته المفهومية. يُستعمل اللفظ أحياناً للدلالة على الخطاب السياسي، وأحياناً على الهوية، وأحياناً أخرى على الدعاية أو حتى على مجرد “الرواية” المقابلة لرواية أخرى. بالعودة إلى الأصل اللغوي والفكري للمفهوم نجد أن السردية ليست مجرد قصة تُحكى، بل دلالة إلى الطريقة التي تبني بها الجماعات معنى وجودها التاريخي وتفهم بها نفسها والعالم من حولها. فكلمة “narrative” تعود إلى الأصل اللاتيني narrare أي “أن يروي أو يشرح”، وهي مشتقة بدورها من gnarus التي تعني “العالِم أو العارف”. السردية إذن ليست مجرد حكاية، ولكنها في العمق ذلك الفعل الذي يساهم في إنتاج المعنى والمعرفة وتنظيم الذاكرة الجماعية collective memory.
لهذا السبب، لا تظهر الحاجة إلى السرديات الوطنية عادة في لحظات الاستقرار الحضاري الطويل، بل في لحظات الأزمة والتحول وإعادة تعريف الذات. فالأمم التي تستقر صورتها عن نفسها، وتملك ثقافة قوية ومؤسسات حية وفضاءً عمومياً منتجاً للمعنى، لا تحتاج إلى الإفراط في الحديث عن “بناء السردية”، لأن السردية تكون متجسدة بصورة تلقائية في اللغة المشتركة، وفي المدرسة، وفي الفنون، وفي الحياة العامة، وفي الثقة الجماعية بالمستقبل. أما حين تدخل الأمم مرحلة انتقال تاريخي عميق، فإن سؤال السردية يعود إلى الواجهة بوصفه مؤشراً على اهتزاز المعنى القديم وعدم تشكل المعنى الجديد بعد.
هذا ما حدث في أوروبا الحديثة بعد الثورات والحروب الكبرى. فالدولة القومية الأوروبية لم تكن استمراراً طبيعياً لكيانات أزلية، بل كانت ـ كما شرح بنديكت أندرسون ـ “جماعة متخيلة”، أي جماعة يبني أفرادها شعورهم بالانتماء المشترك عبر اللغة والصحافة والتعليم والرموز والذاكرة الجماعية. لم يكن ملايين الفرنسيين أو الألمان يعرف بعضهم بعضاً، لكنهم تعلموا تخيل أنفسهم جزءاً من “نحن” واحدة. ولذلك شدد أندرسون على دور “الرأسمالية الطباعية” في تشكيل الوعي القومي، إذ إن الصحف والكتب خلقت إحساساً بالزمن المشترك والمصير المشترك.
غير أن بناء الأمة لم يكن قائماً على اكتشاف تقاليد ثابتة بقدر ما كان قائماً على إعادة اختراعها أيضا. وهذا ما حلله اريك هويزباوم في كتابه العمدة (اختراع التقاليد) حين بيّن أن كثيراً من التقاليد التي تبدو قديمة ومتعالية على الزمن هي في الواقع بناءات حديثة ظهرت لتلبية حاجات الدولة القومية الحديثة إلى الشرعية والاندماج والولاء. فالرموز الوطنية، والأناشيد، والاحتفالات، وحتى بعض التقاليد الثقافية، جرى تنظيمها وإعادة تأويلها لكي تمنح الدولة الحديثة عمقاً تاريخياً وشعوراً بالاستمرارية. لم تكن الأمة “تكتشف” نفسها، بل كانت تبني سرديتها عن نفسها.
والولايات المتحدة نفسها تقدم نموذجاً دالاً على تحولات السردية الوطنية. فقد عرّف الأمريكيون أنفسهم، خلال مراحل طويلة من تشكلهم التاريخي، باعتبارهم أمة بيضاء وبروتستانتية وتقدمية تحمل رسالة حضارية. كانت هناك سردية واضحة عن “أرض الفرصة” و”العالم الجديد” و”الاستثناء الأمريكي”. غير أن التحولات الاجتماعية العميقة التي عرفها المجتمع الأمريكي منذ ستينيات القرن العشرين ـ بفعل حركة الحقوق المدنية، والنقد النسوي، والتحولات الديموغرافية، والهجرات، والعولمة، وصعود الفردانية ـ أدت إلى تفكك السردية القديمة أو على الأقل إلى فقدانها قدرتها التوحيدية السابقة. وهنا برزت محاولة لإعادة بناء السردية الأمريكية حول مفاهيم الحرية والاستقلال وريادة “العالم الحر”.
لكن ما يلفت الانتباه أن الدين، الذي كان يقوم تقليدياً بوظيفة إنتاج المعنى والترشيد الأخلاقي، تراجع دوره الرمزي الجامع، ليحل محله تدريجياً الجيش والمؤسسة الأمنية ومنطق الحرب. ومن هنا نفهم كيف أصبحت السردية الأمريكية الحديثة مرتبطة بقوة بفكرة “التهديد الوجودي” والحرب الدائمة والدفاع عن القيم الكونية. وهو ما يفسر صعود مفهوم “معركة السرديات” داخل أدبيات الحرب المعلوماتية، حيث لم يعد الصراع يقتصر على المجال العسكري، بل صار صراعاً على تفسير الواقع نفسه، وعلى تعريف من هو الضحية ومن هو العدو ومن يمثل الخير أو الشر. إن السردية هنا تتحول إلى أداة لإنتاج الشرعية وصناعة الإدراك الجماعي.
في المجتمعات ما بعد الاستعمار، يأخذ سؤال السردية طابعاً مختلفاً. فبعد الاستقلال، تنشأ حاجة جماعية إلى إعادة تعريف الذات الوطنية خارج الهيمنة الاستعمارية. تظهر أجيال بناء الوطنية، وتبرز المدرسة والمسرح والجامعة والفنون والصحافة باعتبارها فضاءات لإنتاج الثقافة الوطنية. وحتى حين تكون الدولة سلطوية، فإنها تدرك ـ بصورة ضمنية ـ أن بناء الأمة يتطلب فضاءً عمومياً يسمح بدرجة من التعبير والتعدد الثقافي. ولهذا شهدت بلدان عديدة، ومنها المغرب، بروز فنانين ومسرحيين ومجموعات موسيقية خرجت من الأحياء الشعبية والطبقات الوسطى، لكنها كانت تجد لنفسها مكاناً داخل المجال العمومي الوطني، حتى وإن كان ذلك تحت إشراف الدولة أو ضمن حدود تعريفها الرسمي ل”السياسة” ول “المجال”.
السردية الوطنية لا يمكن ان تُصنع في الفراغ، إذ ان شرط تشكلها الطبيعي وجود فضاء عمومي حي. وهذا ما يجعل النقاش المغربي الحالي حول “السردية الجامعة” مؤشراً على تحول حضاري عميق أكثر من كونه مجرد نقاش ثقافي عابر. فالمغرب يعيش تحولات متسارعة على المستوى الاجتماعي والديموغرافي والاقتصادي والثقافي، مع إعادة تشكيل أنماط العيش واللغة والمدينة والعلاقات الاجتماعية. وفي مثل هذه اللحظات الانتقالية، تعود الحاجة إلى معنى جامع يعيد تنظيم العلاقة بين الأفراد والجماعة والدولة والتاريخ.
لكن كل مرحلة انتقالية كبرى تنتج، في الغالب، ثلاث ظواهر متزامنة. أولاً، تحاول السلطة بناء سردية جديدة قادرة على مواكبة التحولات دون إعلان قطيعة كاملة مع الماضي، لأن الشرعية السياسية تحتاج دائماً إلى نوع من الاستمرارية الرمزية. وفي غياب شرط التداول العمومي حول الخيارات تكتسي العملية طابعا سلطويا او شعبويا او هما معا. ثانياً، تظهر خطابات الأزمة والتشاؤم والتبشير بالنهاية، خصوصاً لدى الفئات التي تعجز عن التكيف مع التحولات أو تشعر بأن العالم الذي عاشت داخله يتفكك. ثالثاً، تظهر فئات جديدة أو مهمشة سابقاً تطالب بالاعتراف والتمثيل داخل السردية الوطنية، لأنها تعتبر أن المرحلة السابقة لم تمنحها المكانة التي تستحقها. وفي خضم هذه التوترات، يظهر ما يمكن تسميته بـ”تجار الهوية”، أي أولئك الذين يحولون سؤال الهوية والسردية إلى سوق للمصالح السياسية أو الإيديولوجية أو حتى الجيوسياسية. هؤلاء لا يعنيهم بناء معنى وطني مشترك بقدر ما يعنيهم الاستثمار في الانقسام والرموز والانفعالات، ولو عبر الترويج لسرديات مدفوعة بأجندات خارجية وتقديمها باعتبارها التعبير “الأصيل” عن الجماعة الوطنية.
غير أن الخطر الأكبر يبدأ حين تتحول السردية الوطنية إلى مشروع فوقي لإعادة تشكيل المجتمع قسرياً. فالتجارب التاريخية أظهرت أن الدولة حين تحاول فرض هوية جاهزة من الأعلى، فإنها غالباً ما تنتج انفصالاً بين المجتمع والدولة. ويمكن استحضار النموذج اليعقوبي في فرنسا، ثم النموذج الجمهوري التركي في أكثر نسخه راديكالية، حيث حاولت السلطة فرض علمنة قسرية وإعادة تعريف المجتمع وفق تصور هندسي للدولة الحديثة. مثل هذه المشاريع قد تنجح مؤقتاً في بناء مؤسسات قوية، لكنها تُنتج توترات عميقة لأنها تستبدل النضج التاريخي الطبيعي للمجتمع بإرادة سياسية فوقية.
وهنا، يرى تشارلز تايلور في كتابه Modern Social Imaginaries أن فهم التحولات التي تعرفها المجتمعات لا يمكن أن يتم عبر الاكتفاء بتحليل الأفكار أو المواقف الإيديولوجية التي يعبر عنها الأفراد أو الجماعات، لأن هذه الأفكار تظل في نظره سطحية إذا لم تُربط بالبنية الأعمق التي تشكل طريقة إدراك الناس للعالم الاجتماعي. ما يقترحه تايلور هو ضرورة الانتباه إلى ما يسميه “التخيّلات الاجتماعية”، وهي التصورات العميقة والضمنية التي تشكل الإطار الذي يفهم من خلاله الناس معنى العيش المشترك، وحدود الممكن والمستحيل في التنظيم الاجتماعي، ومعايير العدالة والسلطة والمساواة. هذه التخيّلات لا تظهر في شكل نظريات صريحة، لكنها تتجسد في الممارسات اليومية وفي المؤسسات والقوانين وفي الطريقة التي يتعامل بها الناس مع بعضهم البعض دون حاجة إلى تفكير نظري واعٍ في كل مرة.
من هذا المنظور يصبح التحول الاجتماعي نتيجة لتغير تدريجي وعميق في هذه التخيّلات الجماعية، حيث يتغير ما يعتبره المجتمع بديهيا وطبيعيا في لحظة تاريخية معينة. مثال ذلك التحول الذي عرفته المجتمعات الغربية في ما يتعلق بحقوق النساء، إذ كان إقصاء النساء من التصويت أمرا يُنظر إليه بوصفه وضعا طبيعيا ومسلما به داخل تصور اجتماعي معين، ثم أصبح لاحقا غير قابل للتبرير داخل تصور جديد يقوم على المساواة بين الجنسين كقيمة بديهية. هذا النوع من التحول لا يمكن فهمه فقط من خلال تتبع النقاشات الفكرية أو القرارات السياسية، لأنه يعكس تغيّرا أعمق في طريقة تصور الإنسان لذاته ولموقعه داخل المجتمع. لذلك يدعو تايلور إلى قراءة التغيرات الاجتماعية بوصفها تحولات في البنية الرمزية والمعنوية التي تشكل المجال الاجتماعي، حيث تتغير الأسس التي تُبنى عليها الشرعية والمعنى قبل أن تتغير السياسات أو القوانين نفسها.
من هنا، اعتقد أن السردية الجامعة مطلوبة بالفعل، لكن محلها الطبيعي للتشكل والنضج هو الثقافة الحية التي ينتجها المجتمع وتحديدا مؤسساته المدنية داخل فضاء عمومي تعددي وديمقراطي. ان سردية جامعة لامة لها تاريخ عريق لا يمكن ان تنتج فقط عن قرارات إدارية او حملات تواصلية ولا بمهرجانات كرنفالية. يتعلق الامر بسيرورة تشكل طبيعي ومتدرج من خلال التفاعل الحر بين المجتمع والدولة والثقافة والتاريخ. تلك السيرورة الطبيعية هي التي تضمن نضوج تعبيرات صادقة تعكس روح الذات الجماعية المتصالح مع ذاتها، اي تلك التي تنجح في رؤية نفسها بوضوح ودون مركبات نقص.
لا يمكن أن تبنى سردية جامعة فعالة إذا كانت ناتجة حصرا عن إرادة السلطة أو النخب، بما في ذلك النخب التي تبشر بمشاريع فكرية للخلاص. ولذلك يبدو من الخطير الاستسلام لفكرة أن العالم لم يعد يطلب الديمقراطية، لأن لحظات التحول الحضاري الكبرى هي بالذات اللحظات التي تحتاج فيها الأمم إلى توسيع فضائها العمومي وليس الى تقليصه وتركه عاريا. فالسردية الجامعة لا يمكن ان تصدر عن قرارات من سلطة او نشاط فني فاقد للمعنى، بل ينبغي ان تصدر عن التداول العمومي الحر، وبقدرة المجتمع على التفاوض الديمقراطي حول معانيه المشتركة. وحدها السردية التي تنضج داخل فضاء تعددي وقادر على الاعتراف بالاختلاف هي التي تستطيع أن تصبح سردية قوية ومستقرة وملهمة.
————————————————–
الدكتور عز الدين العزماني: أستاذ بكلية ترينيتي بالولايات المتحدة الأمريكية.



