المقالات

هل يحدد الماضي أصالة الحاضر؟ الإسقاط الفونولوجي الرجعي في الأمازيغية وتداعياته على التحليل الإيتيمولوجي

يُعَدّ الاعتماد حصراً على النظام الفونولوجي لمرحلة سلفيّة أقدم، مثل الأمازيغية البدائية (Proto-Berber)، في تحديد أصالة الوحدات المعجمية في لغة حديثة (كالأمازيغية الحديثة)، مغالطة منهجية. فمثل هذا المنهج غير موثوق، لأن اللغات ليست أنظمة ساكنة؛ بل تخضع عبر الزمن لتغيرات صوتية منتظمة، وإعادة هيكلة للفونيمات، وإعادة تنظيم صوتي ناجمة عن الاحتكاك اللغوي. ونتيجة لذلك، قد تكتسب المفردات الموروثة أشكالا صوتية لم تعد تتوافق مع القيود المعاد بناؤها للغة الأم، فيساء تأويلها على أنها “دخيلة” إذا ما قيمت من خلال منظور صوتي متقادم.

ويُظهر تاريخ اللغة الإنجليزية مثالاً موازياً يوضح ذلك بجلاء. إذ يعاد بناء اللغة الجرمانية البدائية عادة على أساس وجود فونيم واحد هو/f/، وفي الإنجليزية القديمة كان /f/ و/v/  يتناوبان بوصفهما ألوفونين موضعيين لفونيمٍ واحد، حيث يظهر /v/ في الموقع البيني للصوائت (Hogg, 1992; Ringe & Taylor, 2014; Kroonen, 2013). ويتضح ذلك من صيغ مثل ofer  في الإنجليزية القديمة، التي اشتقت منها تاريخياً كلمة over  في الإنجليزية الحديثة. غير أن الإنجليزية الحديثة تمتلك فونيم /v/ بوصفه وحدة صوتية مستقلة، إلا أن وجود هذا الفونيم لا يعني أن الكلمات التي تحتوي عليه كلمات دخيلة. بل على العكس، نشأ الفونيم /v/ نتيجة عمليات صوتية طبيعية، مثل الجهر بين الصوائت، تلاه انقسام فونيمي تحول فيه التباين الألوفوني السابق إلى تباين فونيمي مميِز. ومع مرور الزمن، تحول /f/ تحولاً منهجياً إلى /v/ في بيئات صوتية محددة، ولا سيما في الموقع البيني للصوائت (Hogg, 1992). وإضافة إلى ذلك، لم تقتصر التغيرات العامة في النظام الفونولوجي للإنجليزية على التطور الداخلي، بل تأثرت أيضاً بعوامل خارجية، من قبيل الغزو النورماني سنة 1066، الذي أثر في مرحلة الإنجليزية الوسطى (Lass, 1992). وهذا كله يدل على أن الأنظمة الصوتية دينامية، وأن الجرد الصوتي قد يشهد تحولات كبيرة دون أن يؤثر ذلك في تصنيف المفردات الموروثة.

وتترتب على ذلك دلالات منهجية مهمة. فوجود فونيم معين في صيغة حديثة لا يمكن، في حدّ ذاته، أن يُتخذ دليلاً على عدم الأصالة اللغوية. بل ينبغي تحديد الأصل المعجمي من خلال إعادة البناء التاريخي للتغيّر الصوتي، والأنماط المورفولوجية، والمعطيات المقارنة بين اللغات أو اللهجات ذات الصلة. وبعبارة أخرى، لا يمكن تقويم الأصالة اللغوية بإسقاط قيود مرحلة لغوية قديمة على نظام حديث؛ وإنما يجب تحديدها في ضوء الواقع الفونولوجي للغة في المرحلة قيد التحليل. وتطبيقاً على الأمازيغية، لا يستقيم افتراض أن كلمات مثل أشلحي، أحيدوس، وأحواش غير أمازيغية الأصل لمجرد احتوائها على الصامت البلعومي /ح/. وكما أن الكلمات الإنجليزية الحديثة التي تحتوي على الفونيم /v/ لا يمكن استبعاد أصالتها لمجرد أن اللغة الجرمانية البدائية لم تكن تحتوي على هذا الفونيم، فإن تقويم العناصر المعجمية في الأمازيغية يجب أن يتم في ضوء نظامها الفونولوجي المتطور تاريخياً، لا في ضوء الجرد المعاد بناؤه للأمازيغية البدائية وحده.

المراجع:

Hogg, R. M. (1992). A grammar of Old English: Volume 1, Phonology. Blackwell.

Kroonen, G. (2013). Etymological dictionary of Proto-Germanic. Brill.

Lass, R. (1992). Phonology and morphology. In N. Blake (Ed.), The Cambridge history of the English language (Vol. 2). Cambridge University Press.

Ringe, D., & Taylor, A. (2014). The development of Old English: A linguistic history (Vol. 2). Oxford University Press.

 

يونس بوسعيد

يونس بوسعيد استاذ اللغة الإنجليزية. يُدرّس في الصين منذ عام 2018. يُدرّس حاليًا في مدرسة دولية بمدينة تيانجين، الصين. حصل على درجة البكالوريوس في اللغويات الإنجليزية من جامعة ابن زهر، ودرجة الماجستير في اللغويات التطبيقية وتدريس اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها (TESOL) من جامعة بورتسموث ببريطانيا. تخرج من برامج وطنية و دولية مرموقة، مثل برنامج الوزارة الخارجية الأمريكية Access في المغرب، وبرنامج MEPI من جامعة ديليويرفي الولايات المتحدة الأمريكية، وبرنامج Darmasiswa من جامعة إندونيسيا. ألّف العديد من المقالات الأكاديمية في مجلات دولية مُحكمة حول مواضيع من بينها: تاشلحيت، الاستعارة، اللغويات المعرفية، والتدريس، بالإضافة إلى كتابين: Metaphor and Deixis in Tashelhit وUnlocking English Grammar: A Chinese Learner’s Roadmap to Mastery، والذي يتناول الأخطاء الأكثر شيوعًا لدى متعلمي اللغة الإنجليزية الصينيين (مكتوب باللغتين الإنجليزية والصينية). تشمل اهتماماته البحثية تمازيغت، اللسانيات المعرفية، التدخلات التربوية المُبتكرة، الاستعارة، التداولية، اللغة الصينية والعبرية ومقارنة الأديان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى