المقالات

حين يُستبدل الدليل المقارن باليقين الخطابي: نقد منهجي لحجة عبد الله الحلاوي حول /ح/ في الأمازيغية البدائية

المقدمة

تطرح إعادة بناء النظام الفونولوجي للغة الأمازيغية البدائية (Proto-Berber) عدداً من القضايا غير المحسومة، ومن بين أكثرها إثارة للجدل وضع الصامت البلعومي (ح). وفي الإطار الأوسع للسانيات المقارنة في الأسرة الأفروآسيوية، تعتمد إعادة بناء الفونيمات البدائية على تحديد المراسلات الصوتية المنتظمة بين اللغات واللهجات ذات الصلة، وليس على مجرد التشابهات المعجمية المنعزلة (Kossmann, 1999, 2020). تهدف هذه المقالة إلى تقييم مجموعة من الحجج التي قدمها عبد الله الحلوي، والتي رفض من خلالها وجود الفونيم /ح/ في اللغة الأمازيغية البدائية. وبينما تعكس بعض هذه الحجج ملاحظات منهجية مشروعة، فإن أغلبيتها تكشف عن نقاط ضعف مهمة، ولا سيما الخلط بين الملاحظات الوصفية الآنية (synchronic observations) وإعادة البناء التاريخي، إضافة إلى الاعتماد على أدلة مقارنة غير كافية.

وتزداد مسألة الصامت البلعومي في الأمازيغية البدائية تعقيداً بسبب عدم اتفاق الباحثين الأوائل دائماً حول الطبيعة الصوتية الدقيقة لهذا الفونيم. فقد اقترح برّاس (Prasse, 1969, 1972-1974)، على سبيل المثال، وجود عنصر حلقي في مراحل أقدم من اللغة الأمازيغية، في حين بقيت عمليات إعادة البناء الأحدث أكثر تحفظاً بشأن تحديد القيمة الصوتية الدقيقة لهذه العناصر (Kossmann, 2020). وبالتالي، فإن عدم وجود فونيم أعيد بناؤه بصورة مؤكدة في النماذج الحديثة لا يعني بالضرورة أن هذا العنصر لم يكن موجوداً في مراحل أقدم من تاريخ اللغة.

التوزيع والقيود الوظيفية

يتمثل أحد الجوانب الأكثر إقناعاً في الحجة الرافضة لإعادة بناء /ح/ في الأمازيغية البدائية في الملاحظة القائلة إن هذا العنصر يتميز بتوزيع محدود داخل المعجم الأمازيغي. ففي اللسانيات التاريخية، يُفترض عادةً أن تكون الفونيمات المعاد بناؤها مدعومة بأدلة متكررة تظهر عبر فروع لغوية متعددة ومجالات معجمية مختلفة. ولذلك فإن ظهور صوت معين في عدد محدود فقط من المفردات يثير بشكل طبيعي تساؤلات حول وضعه التاريخي (Kossmann, 1999, 2020).

غير أن هذا التخوف لا يمكن أن يُتَّخذ دليلاً على عدم وجود /ح/ في الأمازيغية البدائية، بل على العكس، فإن ظهور هذا الصوت حتى ضمن مفردات تعبيرية أو محاكيات صوتية –(ideophones) يظل مؤشراً على حضوره في النظام الصوتي. فالمعروف أن مثل هذه الأشكال قد تستثمر عناصر صوتية قائمة بالفعل في اللغة، حتى وإن كانت تُوظَّف لأغراض تعبيرية أو رمزية. وعليه، فإن إدراج /ح/ في هذه السياقات لا ينفي أصالته، بل يثبت على الأقل إمكانية وجوده واستعماله داخل النسق الفونولوجي، سواء بوصفه فونيمًا مستقلاً أو عنصراً مقيداً بوظائف صرفية أو تعبيرية.

إضافة إلى ذلك، فإن اقتصار بعض العناصر البلعومية على مناطق لهجية معينة قد يشير إلى أحد الاحتمالات التالية: كونها ابتكاراً داخليا لاحقاً (تحول التباين الألوفوني إلى تباين فونيمي مميِز) أو أنها تمثل بقايا قديمة محفوظة في لهجات هامشية. غير أن الاستدلال انطلاقاً من محدودية التوزيع يجب التعامل معه بحذر، لأن بعض اللهجات الأمازيغية الطرفية قد تحتفظ بخصائص قديمة اختفت من اللهجات الأكثر انتشاراََ (Kossmann, 1999; Taine-Cheikh, 2000)). كما أن فقدان بعض الخصائص الفونولوجية الموروثة أو إضعافها في بعض الفروع المنحدرة يمثل ظاهرة شائعة في التغير اللغوي، مما يعني أن غياب عنصر صوتي في اللهجات المهيمنة لا يثبت بالضرورة غيابه في اللغة الأم المفترضة.

كما أن ما يبدو من غياب الإنتاجية الصرفية للفونيم /ح/ يحتاج بدوره إلى تفسير دقيق. فمع أن الفونيمات ذات الإنتاجية العالية تقدم دليلاً أقوى عند إعادة بناء الأنظمة التاريخية، فإن محدودية نشاطها الصرفي لا تستبعد بالضرورة وجوداً تاريخياً سابقاً لهذا العنصر. ويشير بوكوس (Boukous, 2016) إلى أن جزءاً كبيراً من الدراسات اللهجية الأمازيغية ركز تقليدياً على وصف لهجات فردية بدل المقارنة التاريخية الشاملة، وهو ما قد يؤثر في تقييم الخصائص التي تتميز بتوزيع جغرافي محدود.

الإشكالات المنهجية

على الرغم من وجاهة بعض الملاحظات التي قدمها عبد الله العلوي، فإن جوانب عديدة من طرحه لا تنسجم مع المعايير المعتمدة في اللسانيات التاريخية. ومن أكثر المناهج إشكالية محاولة إثبات العلاقات الاشتقاقية اعتماداً على التشابه الحدسي بدل المراسلات الصوتية المنتظمة. فالمنهج المقارن يتطلب وجود تطابقات صوتية منتظمة بين مجموعات من الكلمات ذات الأصل المشترك، وليس مجرد تشابهات معزولة بين ألفاظ منفردة. فعلى سبيل المثال، فإن الربط الذي اقترحه العلوي بين صيغ مثل ahidus  (رقصة أمازيغية جماعية) و adis (بمعنى “البطن”) يعتمد أساساً على مجرد التشابه الصوتي بين اللفظين، دون وجود علاقة دلالية واضحة أو علاقة اشتقاقية مثبتة وفق المعايير المعتمدة في اللسانيات التاريخية. وهذا النوع من الاستدلال لا ينسجم مع شروط المنهج المقارن، إذ لا يكفي التشابه الصوتي وحده لإثبات القرابة اللغوية أو الاشتقاق التاريخي، بل يجب أن تدعمه مراسلات صوتية منتظمة وسياقات دلالية وتاريخية قابلة للتحقق. وبالمثل، فإن الادعاء بأن الفونيم /ح/ كان يؤدي وظيفة سابقة (prefix) ذات معنى محدد في الأمازيغية البدائية يظل افتراضًا يحتاج إلى إثبات. ومع ذلك، فإن مجرد ثبوت استعمال /ح/ بوصفه سابقة اشتقاقية، حتى لو اقتصر دوره على هذه الوظيفة، يُعدّ في حد ذاته دليلًا على وجوده ضمن النظام الصوتي للغة؛ إذ إن الوظيفة الصرفية للصوت لا تنفي صفته الفونولوجية ولا تبرر استبعاده من مخزون الأصوات المفترض للغة.”

فإعادة بناء الظواهر الصرفية تتطلب أنماطاً متكررة ومدعومة بأمثلة متعددة عبر لهجات مختلفة وفئات معجمية متنوعة. وفي غياب هذه الأدلة، تبقى مثل هذه المقترحات فرضيات نظرية وليست حقائق تاريخية مثبتة. كما أن الاعتماد على معطيات لهجة واحدة، مثل آيت حدّادو، يطرح صعوبات منهجية. فإعادة بناء اللغة الأم تتطلب المقارنة بين فروع ولهجات متعددة، وليس استخلاص نتائج تاريخية انطلاقاً من مجتمع لغوي واحد فقط. وقد انتقد بوكوس (Boukous, 2016) الدراسات الأمازيغية الاستعمارية السابقة تحديداً لأنها كانت في كثير من الأحيان أوصافاً آنية للهجات منفردة أكثر من كونها تحليلات تاريخية شاملة.

الحجج الفونولوجية والتناقضات المنطقية

يعتمد هذا الطرح عند الحلوي على عمليات صوتية تاريخية من أجل اقتراح أن الفونيم الأمازيغي /ك/ يطابق الفونيم العربي /ح/ (كنو = حنى) وأن /ك/ سبق /ح/، وبالتالي اعتبار/ح/ تطوراً لاحقاً. ومع أن التحولات التاريخية التي تتضمن الإضعاف الصوتي (lenition) ممكنة من الناحية النمطية، فإن هذا التحول وحده لا يفند ما إذا كان /ح/ موجوداً في الأمازيغية البدائية أم أنه ظهر في مرحلة لاحقة. فالسؤال الأساسي هنا سؤال زمني: هل كان /ح/ موروثاً، أم نشأ من عنصر صوتي آخر، أم ظهر نتيجة للاحتكاك اللغوي؟ وقد اقترح برّاس (Prasse, 1969, 1972-1974) بالفعل أن المراحل القديمة من الأمازيغية ربما كانت تحتوي على عناصر حنجرية أو حلقية تعرضت لاحقاً للإضعاف أو الفقد أو إعادة التنظيم. كما يؤكد كوسمان (Kossmann, 2020) أن إعادة بناء النظام الصامت في الأمازيغية البدائية تبقى معقدة بسبب التحولات الكبيرة التي عرفتها التناقضات الحلقية في الفروع المنحدرة.

وعليه، فإن القول بأن التطور التاريخي المحتمل من صامت آخر إلى /ح/ يثبت عدم وجود الفونيم /ح/ يمثل إشكالاً منطقياً. فحدوث تغير صوتي من عنصر إلى آخر يعني بالضرورة أن العنصر اللاحق أصبح موجوداً في مرحلة معينة من تاريخ اللغة. وبالتالي فإن السؤال ليس ما إذا كان /ح/ قد وجد مطلقاً، بل في أي مرحلة تاريخية ظهر أو استقر. كما تظهر تناقضات أخرى في الادعاءات التي تفترض أن الأمازيغية البدائية نقلت /ح/ إلى العربية في شكل /ك/. فهذا النوع من الطرح يتعارض مع التصنيف الجيني المعتمد للغات الأفروآسيوية، حيث تمثل الأمازيغية واللغات السامية فرعين مستقلين وليستا لغتين في علاقة انتقال خطي (Brockelmann, 1908). وبالمثل، فإن عقد مقارنات معزولة بين صوامت الأمازيغية البدائية والصوامت السامية لا يمكن أن يشكل دليلاً على وجود علاقة تاريخية) أن /ك/ أقدم من /ح/ وأن الأمازيغية البدائية نقلت /ح/ إلى العربية) ما لم تستند إلى مجموعات من المراسلات الصوتية المنتظمة والمنهجية عبر عدد كافٍ من الجذور واللغات ذات الصلة. فالتشابه الصوتي بين عنصرين معزولين قد يكون نتيجة المصادفة أو التقارب النمطي أو الاقتراض، ولا يكتسب قيمة تاريخية إلا عندما يندرج ضمن نظام من المقابلات الصوتية المتكررة التي يثبتها المنهج المقارن.

العبرة المنهجية

كشف تقييم هذه الحجج أن عددًا محدودًا منها يستند إلى ملاحظات لغوية قابلة للنقاش العلمي، في حين تتضمن معظمها إشكالات منهجية في الانتقال من المعطيات الجزئية إلى استنتاجات تاريخية واسعة. فالملاحظات المتعلقة بمحدودية التوزيع، والانتشار اللهجي، وضعف النشاط الآني للفونيم تستحق الدراسة الجادة لأنها تمثل أسئلة مشروعة في مجال إعادة البناء التاريخي. غير أن هذه الملاحظات وحدها لا تكفي لرفض إمكانية وجود عناصر حلقية أو بلعومية في الأمازيغية البدائية أو في مراحل أقدم من تطورها.

ويبين تاريخ إعادة بناء الأمازيغية أن التعامل مع الخصائص الفونولوجية ضعيفة الحفظ يتطلب قدراً كبيراً من الحذر. فقد أظهرت الدراسات المتعلقة باللهجات المحافظة، وخاصة الزناتية، أن بعض اللهجات الطرفية قد تحتفظ بخصائص قديمة فقدت في أماكن أخرى (Taine-Cheikh, 2000; Kossmann, 1999, 2020). كما أن إعادة برّاس بناء عناصر حنجرية قديمة توضح أن غياب عنصر صوتي في العديد من اللهجات الحديثة لا يثبت تلقائياً غيابه التاريخي  (Prasse, 1969, 1972). لذلك فإن التقييم العلمي للمكانة التاريخية للفونيم /ح/ ينبغي أن يستند إلى  أدلة مقارنة أوسع، تشمل المراسلات الصوتية المنتظمة، والمقارنة بين اللهجات، والتحليل العلمي الموثق للعلاقات اللغوية داخل الأسرة الأفروآسيوية. وإلى أن تصبح هذه الأدلة حاسمة، فإن أي حكم قطعي حول الغياب المطلق للفونيم /ح/ في الأمازيغية البدائية يبقى سابقاً لأوانه.

الخاتمة

إن التشكيك في إعادة بناء /ح/ في الأمازيغية البدائية يجد بعض التبرير في اعتبارات تتعلق بالتوزيع المحدود وضعف النشاط الصرفي، غير أن رفض وجود هذا العنصر بشكل مطلق يبقى إشكالياً من الناحية المنهجية. فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن تاريخ الصوامت الحلقية في الأمازيغية معقد، ولا يمكن حسمه اعتماداً فقط على تردد الكلمات أو غياب العنصر في اللهجات الأكثر انتشاراً. ويتطلب المنهج الأكثر صرامة الالتزام بالمنهج المقارن والاعتراف بالطبيعة الافتراضية لإعادة بناء اللغات الأم. وكما أظهر برّاس (Prasse, 1969, 1972)، وتان-شيخ (Taine-Cheikh, 2000)، وكوسمان (Kossmann, 1999, 2020)، فإن المراحل القديمة من الأمازيغية ربما كانت تحتوي على تقابلات فونولوجية تعرضت لاحقاً للإضعاف أو الاندماج أو الفقد. ولذلك فإن مسألة انتماء /ح/ إلى النظام الفونيمي للأمازيغية البدائية تظل بحاجة إلى دراسة أكاديمية جادة تستند إلى المنهج المقارن وتخضع لمعايير البحث العلمي، لا إلى تكهنات غير موثقة أو فرضيات مبسطة تُروَّج خارج المجال الأكاديمي، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

مراجع

El Haloui, M. (2026, July 16). The phoneme /ħ/ is not native in Proto-Berber. [Video]. YouTube. https://www.youtube.com/watch?v=m2lt3e1EXDs

Kossmann, M. G. (1999). Essai sur la phonologie du proto-berbère. Rüdiger Köppe Verlag.

Kossmann, M. G. (2020). Proto-Berber phonological reconstruction: An update. Linguistique et Langues Africaines, 6, 11–42.

Prasse, K.-G. (1969). À propos de l’origine du h touareg (tahaggart). Munksgaard.

Prasse, K.-G. (1972–1974). Manuel de grammaire touarègue (tahaggart). Akademisk Forlag.

Boukous, A. (2016). Colonization and Berber dialectology: An overview. In La lingua nella vita e la vita della lingua: Itinerari e percorsi degli studi berberi (pp. 153–171).

Taine-Cheikh, C. (2000). À propos du zénaga: Vocalisme et morphologie verbale en berbère. Bulletin de la Société de Linguistique de Paris, 95(1), 269–322.

Brockelmann, C. (1908). Grundriss der vergleichenden Grammatik der semitischen Sprachen. Reuther & Reichard.

يونس بوسعيد

يونس بوسعيد استاذ اللغة الإنجليزية. يُدرّس في الصين منذ عام 2018. يُدرّس حاليًا في مدرسة دولية بمدينة تيانجين، الصين. حصل على درجة البكالوريوس في اللغويات الإنجليزية من جامعة ابن زهر، ودرجة الماجستير في اللغويات التطبيقية وتدريس اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها (TESOL) من جامعة بورتسموث ببريطانيا. تخرج من برامج وطنية و دولية مرموقة، مثل برنامج الوزارة الخارجية الأمريكية Access في المغرب، وبرنامج MEPI من جامعة ديليويرفي الولايات المتحدة الأمريكية، وبرنامج Darmasiswa من جامعة إندونيسيا. ألّف العديد من المقالات الأكاديمية في مجلات دولية مُحكمة حول مواضيع من بينها: تاشلحيت، الاستعارة، اللغويات المعرفية، والتدريس، بالإضافة إلى كتابين: Metaphor and Deixis in Tashelhit وUnlocking English Grammar: A Chinese Learner’s Roadmap to Mastery، والذي يتناول الأخطاء الأكثر شيوعًا لدى متعلمي اللغة الإنجليزية الصينيين (مكتوب باللغتين الإنجليزية والصينية). تشمل اهتماماته البحثية تمازيغت، اللسانيات المعرفية، التدخلات التربوية المُبتكرة، الاستعارة، التداولية، اللغة الصينية والعبرية ومقارنة الأديان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى