المقالات

محمد إقبال ومسألة ختم النبوة

الدلالات المعرفية

تعد فكرة ختم النبوة من أهم القضايا التي طرحها محمد إقبال[i] في كتابه “تجديد الفكر الديني في الإسلام“، وأسس عليها مجموعة من الأفكار التي تستدعي التعريف بها وبيان سياقها المعرفي في مشروع محمد إقبال التجديدي والنقدي.

وتسعي هذه الورقة إلى بيان الدلالات المعرفية لختم النبوة  عند محمد إقبال من خلال ثلاثة قضايا مركزية : أولا- ختم النبوة مدخل لفهم ثقافة الإسلام ، ثانيا- ختم النبوة ومصادر المعرفة ، ثالثا- ختم النبوة ونقد الأفكار الخاطئة حول الإسلام.

أولا – ختم النبوة مدخل لفهم ثقافة الإسلام

إن مفهوم ختم النبوة عند محمد إقبال لا ينحصر في دلالته العقدية المعروفة في كتب العقيدة الإسلامية؛ بل يعتبر مدخلا لفهم ثقافة الإسلام، يقول محمد إقبال في بيان ذلك :” أريد أن ألفت نظركم حول الآراء الهامة في ثقافة الإسلام، كيف نلمح ما تنطوي عليه من عمليات فكرية، وبذلك نلقي نظرة خاطفة على الروح التي عبرت عنها هذه الأفكار. على أنه قبل أن نتقدم في البحث لا بد أن نفهم القيمة الثقافية لفكرة عظمى وأقصد بها ختم النبوة. “[ii]

يتناول محمد إقبال مفهوم ختم النبوة في سياق عام يتجاوز الأبعاد العقدية للمفهوم ويفتح دلالات جديدة للمفهوم تتسق مع أطروحة كتابه ” تجديد الفكر الديني في الإسلام” والتي لخصها في مستهل كتابه في “إعادة بناء الفلسفة الدينية الإسلامية بناء جديدا محافظا على روحها الأصيلة من ناحية، ومسترشدا بأحدث التطورات في مختلف ميادين المعرفة الإنسانية من ناحية أخرى “[iii].

يرى إقبال أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم نهاية عصر وبداية عصر آخر إذ يقف بين العالم القديم والعالم الحديث،” فهو من ناحية مصدر رسالته يعتبر منتميا للعالم القديم أما من ناحية روح رسالته فيعتبر منتميا إلى العالم الحديث. وقد اكتشفت الحياة فيه مصادر أخرى للمعرفة مناسبة لاتجاهاتها الجديدة؛ فميلاد الإسلام هو ميلاد العقل الاستدلالي، […] ؛ ففي الإسلام تبلغ النبوة كمالها باكتشافها لضرورة وضع نهاية لمسلسل النبوات، بحيث تكون هي النبوة الخاتمة ولا نبوة بعدها”[iv].

إن فكرة ختم النبوة بدلالتها على اكتمال الدين الحق الذي جاء به الرسل إنما تخص الدين الإلهي في علاقته بالإنسان هذه العلاقة التي تتأسس على فطرة الإنسان وما أُوتيه من ملكات هي مناط الابتلاء والتكليف، فعلاقة الإنسان بالدين تتجه إلى بعدين: البعد الطبيعي الإنساني والبعد الغيبي المتجلي في الوحي والنبوة، هذه الثنائية هي التي تحدد طبيعة الإسلام في ختمه للنبوة وتوجهه للمستقبل.[v]

و من أبرز ثمار فكرة ختم النبوة – كما يؤكد لنا محمد إقبال- أنها تولد فينا اعتقادا بأن أي سلطة شخصية تدعي لنفسها الاتصال بمصدر فوق الطبيعة قد انتهى عهدها من تاريخ البشرية إلى الأبد. فلا نبي، ولا بابا، ولا دجال، ولا بهاء. لا أحد يستطيع أن يدعي لنفسه سلطة روحية مستمدة من صلة خفية بالله بعد ختام النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم.

فختم الرسالة الذي ألغى السلطات الدينية والإطلاق في الفكر الديني والإنساني أسس لسلطة بديلة من خلال مهمة الاستخلاف التي كلف بها الإنسان عبر النظر في آلاء الله والتدبر في آياته والنظر في الكون واستثمار ما سخره الله له للتعرف على الحقيقة الكونية والشرعية والاستفادة مما ييسره الله منهما للإنسان في تنظيم الحياة والقيام بأمر الله في الكون والتحقق بالعبودية له، هذه المهمة التي كلف بها الإنسان هي الاجتهاد في شؤون الدين والدنيا بشروطه العلمية التي تبتعد به عن أن يكون إتباعاً للهوى.[vi]

فعقيدة ختم النبوة أعطت للإنسان مكانة كبيرة، حين فسحت أمامه مجالا للبحث وأرشدته إلى مصادر المعرفة. [vii]

ثانيا – ختم النبوة ومصادر المعرفة

يقرر إقبال بأن التجربة الجوانية “ليست إلا مصدرا واحدا من مصادر المعرفة البشرية، وحسبما ورد في القرآن هناك مصدران آخران للمعرفة، هما الطبيعة والتاريخ. وبفتح هذه المصادر للمعرفة تتجلى روح الإسلام في أبهى صورها “[viii].

فالطبيعة والتاريخ مصدرين للمعرفة نستنبطهما من القرآن الكريم؛”فالقرآن يرى الآيات الدالة على الحقيقة المطلقة في «الشمس» و«القمر» و«امتداد الظل» و«اختلاف الليل والنهار» و«اختلاف الألسنة والألوان البشرية» و«تداول الأيام بين الناس» والحقيقة أن الآيات تتجلي في الكون كله كما تكشف عن نفسها للإدراك الحسي للإنسان. وواجب المسلم هو أن يفكر في هذه الآيات لا يمر بها «كما لو كان ميتا وأعمى» “وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا” [الإسراء/72] هذه الدعوة إلى عالم الحس، وما تتضمنه من التحقق المتمهل الوئيد لما توحي به الآيات القرآنية من أن هذا الكون هو كون ديناميكي متغير في أصله، متناه وقابل للزيادة والامتداد”[ix].

والدعوة إلى البحث في عالم الحس، وما يقترن بذلك من إدراك يتماشى مع ما يراه القرآن الكريم من أن الكون متغير في أصله، متناه قابل للازدياد. وهذا ما أدى بمفكري الإسلام إلى مناقضة الفكر اليوناني بعد أن أقبلوا في باكورة حياتهم العقلية على دراسة آثاره في شغف شديد. ويورد إقبال شواهد على هذا الرأي بالقول بأن ابن حزم قد أكد في كتابه “التقريب في حدود المنطق” أن الحس أصل من أصول العلم. وابن تيمية يبين في كتابه “نقد المنطق” أن الاستقراء هو  الشكل الوحيد للكلام اليقيني.[x]

إن المسلمين بسبب الروح العلمية الواقعية التي وجه القرآن الكريم أنظارهم إليها كانوا هم الذين أسهموا في وضع أسس المنهج التجريبي، القائم على الملاحظة والتجربة، وأنهم هم الذين جعلوا للملاحظة والتجربة هذه المكانة الرفيعة التي أصبحت لهما في المنهج الاستقرائي، ولذلك فإن الإنصاف يقتضي نسبة هذا المنهج – الذي هو أساس نهضة أوربا وتقدمها- إلى المسلمين أو الإقرار بدورهم في تطويره ومحه هذه الفاعلية العلمية الجديدة، لا أوربا فحسب، فالزعم بأن “المنهج التجريبي اكتشاف أوربي هو زعم خاطيء”.[xi]

وكان من وسائل إثبات بنوة المنهج التجريبي للمسلمين أن إقبالا أوضح أن العلماء الأوربيين الذين ظهر لديهم هذا المنهج تأثروا بما تعلموه من العلوم على أيدي المسلمين في جامعات الأندلس وغيرها، ومن هؤلاء روجر بيكون الذي تأثر بابن الهيثم في كتابه المناظر، واستشهد إقبال لإثبات هذه الفكرة بشهادات المنصفين من علماء أوربا أنفسهم ومن هؤلاء بريفولت في كتابه إنشاء الإنسانية الذي يقول فيه :” تعلم روجر بيكون في أوكسفورد اللغة العربية والعلوم العربية على يد خلفاء المعلمين العرب في الأندلس، وليس لروجر بيكون ولا الفيلسوف الذي جاء بعده ويحمل نفس الاسم ليس لأي منهما الفضل في ابتداع المنهج العلمي، فلم يكن روجر بيكون أكثر من أحد الحواريين أو الرسل الذي نقلوا العلم الإسلامي ومنهجه إلى أوربا المسيحية، ولم يتعب أو يمل إطلاقا من التصريح بأن معرفة معاصريه للغة العربية وعلوم العرب كانت السبيل الوحيد للمعرفة الحقة”[xii]

ويخلص إقبال أن هذا كان منطلق قيام المنهج التجريبي القائل بأن الملاحظة والتجربة هما أساس العلم وأصله لا التفكير النظري المجرد، فالمعرفة التي تأتي عن طريق الحواس هي معرفة حقيقية،”فيجب أن تبدأ المعرفة من الواقع المحسوس، وإمساك العقل بهذا الواقع والسيطرة عليه هو الذي يمكن العقل البشري من الانتقال إلى ما وراء الإحساس، كما يقرر القرآن، قال تعالى :” يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ” [الرحمن/33][xiii].

أما المصدر الآخر للمعرفة الذي نستنبطه من القرآن فهو التاريخ؛ “فالتاريخ أو بلغة القرآن – أيام الله- هو المصدر الثالث للمعرفة حسبما ورد في القرآن؛ فمن أهم التعاليم القرآنية أن الأمم تحاسب بمجموعها ككل، وأنها تعاقب على سيئاتها في الحياة الدنيا. ولكي يؤكد القرآن هذا القول فإنه يسوق باستمرار أمثلة تاريخية، ويحض القارئ على التفكر والتأمل والاعتبار بماضي وحاضر تجارب البشرية”[xiv].

يرى محمد إقبال إن “إمكانية المعالجة العلمية للتاريخ تحتاج إلى خبرة أوسع ونضج أعظم في التفكير العملي، كما تحتاج إلى تحقّقٍ أكمل لبعض أفكار أساسية معينة، تتعلق بطبيعة الحياة والزمن”[xv]، ويجملها إقبال في فكرتين رئيسيتين تشكلان في نظره الأساس الذي تقوم عليه تعاليم القرآن:

الفكرة الأولى : هي وحدة الأصل البشري حيث يقرر القرآن: “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ”[ الأعراف/189]. ولكن إدراك الحياة كوحدة عضوية هو إنجاز بطيء، يعتمد في نموه على دخول الناس في التيار الرئيسي لأحداث العالم، وقد سنحت هذه الفرصة للإسلام عن طريق النمو السريع لإمبراطورية عظيمة الاتساع.

الفكرة الثانية: هي الإدراك العميق لحقيقة الزمن وتصور الحياة كحركة مستمرة في الزمان.[xvi]

ثالثا – ختم النبوة ونقد الأفكار الخاطئة حول الإسلام

لقد استثمر محمد إقبال مفهوم ختم النبوة لنقد بعض الأفكار الخاطئة حول الإسلام واختار من بينها ما كتبه شبنجلر في كتابه “سقوط الغرب “[xvii] والذي يرى فيه أن لا أثر للإسلام على الثقافة الأوربية لأن “روح الثقافة الأوربية معادية في صميمها لكلاسيكية العلوم الإغريقية القديمة. وأن هذه الروح المضادة للكلاسيكية التي تميز الثقافة الأوربية، ترجع بتمامها إلى العبقرية التي اختصت بها أوربا، ولا ترجع إلى أي إلهام استلهمته من ثقافة الإسلام، تلك الثقافة التي اعتبرها «شبنجلر» مجوسية تماما في روحها وطبيعتها”[xviii].

يرى محمد إقبال أن وسم تعاليم النبوة في الإسلام بالمجوسية تصوير خاطئ بكل وضوح فالمجوسي “قد سمح بوجود آلهة مزيفة وإن لم يتجه لعبادتها، أما الإسلام فقد أنكر أي وجود لهذه الآلهة الباطلة. وفيما يتعلق بهذا الأمر فإن «شبنجلر» قد فشل في تقدير القيمة الثقافية لفكرة ختام النبوة في الإسلام، ومما لاشك فيه أنه من أهم ملامح الثقافة المجوسية ذلك النزوع نحو الترقب الأبدي والتطلع الدائم لظهور أبناء «زرادشت» الذين لم يولدوا بعد، أو ظهور المسيح أو المعزي Paraclet  الذي ورد ذكره في الإنجيل الرابع”[xix].

إن ختم النبوة في نظر إقبال يعتبر علاجا سيكولوجيا للنزعة المجوسية نحو الترقب الدائم، الذي يميل إلى إعطاء فكرة خاطئة عن التاريخ.

وخلاصة القول إن محمد إقبال استثمر مفهوم ختم النبوة في كتابه “تجديد الفكر الديني في الإسلام” استثمارا معرفيا حاول من خلاله الاشتباك الفكري مع مجموعة من القضايا الفلسفية والفكرية، ولقد تعرضت في هذه المقالة إلى ثلاثة قضايا معرفية تبين طبيعة توظيف محمد إقبال لمفهوم ختم النبوة في فهم خصوصية الثقافة الإسلامية ونقد بعض الأفكار الخاطئة حولها، وبيان علاقة مفهوم ختم النبوة بمصادر المعرفة في القرآن الكريم.

[i]  محمد إقبال [1876- 1938] ولد بمدينة سيالكوت في البنجاب وبها تعلم اللغة والدين. التحق سنة 1895 بكلية لاهور حيث تحصل على إجازة في الفلسفة ثم ماجستير في الفلسفة الإسلامية، درس في انجلترا القانون ونال الدكتوراه في الفلسفة من ألمانيا عن موضوع إزدهار علي ما وراء الطببعية في فارس، عند عودته إلى الهند 1908 عمل أستاذا للفلسفة واللغة الانجليزية في الكلية الشرقية بلاهور، ثم اشتغل بالمحاماة، كما انتخب في بعض الهيئات السياسية.

[ii]  محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة محمد يوسف عدس؛ تقديم الشيماء الدمرداش العقالي، مكتبة الاسكندرية، ودار الكتاب المصري واللبناني، 2011م ، ص 206.

 [iii]  محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ص10.

[iv]  المصدر نفسه، ص207

[v] عبد الرحمن حللي، منهجية الرسالات ودلالات ختم النبوة، مجلة إسلامية المعرفة، السنة العاشرة، العدد 40، ربيع 1426هـ/2005، ص 69.

[vi]    المرجع السابق، ص 71-72.

[vii]  نعيمة إدريس، فلسفة الدين عند إقبال: الأصول والمرجعيات، مجلة الكلمة، العدد 91، السنة 23، ربيع 2016، ص36-37.

[viii]  محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ص210

[ix]  محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام ، ص210-211.

[x]  المصدر السابق، ص213.

[xi]  المصدر السابق.

[xii]  محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام ،ص214.

[xiii]  المصدر السابق، ص217.

[xiv]  المصدر السابق ، ص 230 -231

[xv]  المصدر السابق، ص233.

[xvi]  المصدر السابق، ص233-234.

[xvii]  The Decline of the West

[xviii]  محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام ص237.

[xix]  المصدر السابق ، ص 240.

عبد العالي المتقي

باحث مغربي، حاصل على درجة الدكتوراه من كلية الشريعة، مهتم بقضايا التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، له مجموعة من المقالات والأبحاث المنشورة. شارك في عدة من الندوات والورشات داخل المغرب وخارجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى