الواقعية السياسيَّة في العلاقات الدوليَّة: من مأزق التراجع إلى استعادة الهيمنة

مقدمة:
دأب علماء العلاقات الدولية، خاصةً بعد الحرب العالمية الأولى، على صوغ مجموعة من النظريات والمقاربات الفكرية؛ بحيث توفر إطارًا تحليليًّا يمكِّن الباحثين من استخدام أدوات فعَّالة من أجل فهم الظواهر السياسية العالمية بأبعادها وتجلياتها المختلفة، وتعزيز قدرتهم على استيعاب الطبيعة المعقدة والمتشابكة للعلاقات الدولية، بغية الوصول إلى رؤى أعمق وأكثر وضوحًا بشأن القضايا والصراعات الدولية. بالإضافة إلى ذلك، تهدف هذه المقاربات النظرية إلى بلورة تعميمات ومبادئ وقواعد عامة من شأنها أن تسهم في تفسير سلوك الدول واستشراف مستقبل التفاعلات الدولية. وتعد الواقعية السياسية، بتفرعاتها المختلفة؛ الواقعية الكلاسيكية، والواقعية الجديدة، وأيضًا الواقعية الكلاسيكية الجديدة، واحدة من أبرز تلك النظريات وأكثرها تأثيرًا في هذا الحقل؛ حيث تحتفظ الواقعية، إلى جانب النظريتين الليبرالية والبنائية، بمكانة محورية بوصفها إحدى النظريات الكبرى المهيمنة على هذا الحقل المعرفي منذ عقود.
الجذور الفكرية للتقليد الواقعي:
ترتد الواقعية السياسية بجذورها الفكرية إلى كتابات كبار المؤلفين الذين عاشوا في ظل الحضارة اليونانية القديمة، من أمثال المؤرخ المعروف ثيوسيديدس Thucydides الذي أرخ في مؤلفه الشهير “تاريخ الحروب البيلوبونيزية” للصراع الذي نشب بين إسبرطة وأثينا في القرن الخامس قبل الميلاد؛ حيث ذهب ثيوسيديدس في تحليله لأسباب هذا الصراع إلى القول بأنه كان صراعًا من أجل القوة وفرض الهيمنة والنفوذ على اليونان القديمة، كما يستمد التقليد الواقعي أصوله الفكرية من كتابات نيقولا مكيافيليNiccolo Machiavelli الذي عاش في إيطاليا بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، إذ ينظر كثيرون إلى اسهاماته، سيما كتابه “الأمير” الذي قدم فيه خلاصة تجاربه وقراءاته الواسعة حول تجارب الأمم والصراعات الأوروبية في عصره، على أنه نموذجًا لا أخلاقيًا لفلسفة الحكم، كونه يؤسس لفكرة الحكم الذي يتمحور حول القوة والمصلحة” والتجرد من أي اعتبارات أخلاقية من شأنها أن تقيد الحاكم أو الأمير في التزاماته تجاه شعبه أو في علاقاته الخارجية تجاه حلفائه وأعداءه[1].
أما الواقعية السياسية، بوصفها نظريةً حديثةً في حقل العلاقات الدولية، فقد تبلورت بين الحربين العالميتين، وجاء ظهورها ردًا على أفكار المدرسة الليبرالية (المثالية) التي زاد تصاعد وتيرة الأزمات الدولية في ثلاثينيات القرن العشرين ومن ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية، من حدة الانتقادات الموجهة لها من جانب الواقعيين، الذين أكدوا على وجود هوة كبيرة بين الأفكار التي تروج لها المثالية وواقع الممارسة الدولية. وتدين النظرية الواقعية الحديثة في نشوئها لعدد من المنظرين، الذين ساهمت كتاباتهم في تأصيل الفكر الواقعي، من أهمهم البريطاني أي إتش كار E.H.Carr، والأمريكي من أصول ألمانية هانز مورجنثاو Hans Morgenthau الذي أخذ على عاتقه مسؤولية بناء نظرية عامة في السياسة الدولية، وذلك في مؤلفه الشهير “السياسة بين الأمم” الذي نِشر عام 1948، ويعد من أهم المؤلفات التي كتِبت في مجال العلاقات الدولية في القرن العشرين؛ حيث أسس هذا الكتاب لظهور ما يعرف بالنظرية الواقعية أو النظرية الواقعية التقليدية، تمييزًا لها عن الواقعية الجديدة (البنيوية) التي ظهرت في سبعينيَّات القرن العشرين على يد الأمريكي كينيث والتز Kenneth Waltz الذي طوَّر أفكاره حول هذه النظرية وضمها في كتابه “نظرية السياسة الدولية” الذي نشِر في طبعته الأولى عام 1979. ويمكن القول إنَّ ظهور الواقعية الجديدة كان محاولةً للتصدي للانتقادات التي طالت الواقعية التقليدية، من خلال تقديمها لتفسيرات جديدة، تغلب عليها النزعة العلمية الصارمة.
كيف ينظر الواقعيون إلى السياسة الدولية؟
إنَّ أهم ما يميز الواقعية هي النظرة المتشائمة للسياسة الدولية؛ إذ يرى الواقعيون أنَّ التنافس الأمني أمر لا مفر منه، رغم تطلعهم إلى عالم يسوده السلام. وتنبع هذه النظرة المتشائمة، كما يعتقد جون ميرشايمر John Mearsheimer، من ثلاثة عوامل رئيسية: يتمثل العامل الأول في اعتبار الدول الفاعل الأساسي في العلاقات الدولية، مع التركيز على القوى العظمى التي تكون الأكثر تسببًا في الحروب والصراعات المدمرة، أما العامل الثاني فيتمحور حول اعتقاد الواقعيين بأنَّ سلوك هذه القوى تحدده بيئتها الخارجية وليس خصائصها الداخلية، مما يؤدي إلى تصرف الدول وفق منطق موحد، تختلف فيه فقط من حيث الحجم والقوة، وأخيرًا، يتمثل العامل الثالث في سيطرة حسابات القوة على تفكير الدول، ما يدفعها أحيانًا لاستخدام الحرب كخيار مشروع لتحقيق أهدافها[2].
وبينما يتفق الواقعيون، التقليديون والجدد، حول محورية القوة وأهميتها كركيزة أساسية في العلاقات الدولية، ألا أنهم يختلفون فيما بينهم حول مصدر وغاية القوة، ففي حين يرى الواقعيون الكلاسيكيون أنَّ سعي الدولة إلى القوة يُعزى إلى الطبيعة البشرية التي تنزع بفطرتها نحو الهيمنة والاستحواذ والسيطرة، يجادل الواقعيون الجدد بأنَّ السبب يرجع إلى بنية النظام الدولي الفوضوية التي تجبر الدول وتفرض عليها السعي للوصول إلى القوة، وفي حين تمثل القوة غاية الدولة من منظور الواقعية الكلاسيكية، فإنها في نظر الواقعيين البنيويين وسيلة لتحقيق الهدف الرئيسي للدولة وهو الأمن والبقاء.
برز الاختلاف بين الواقعية الكلاسيكية والواقعية البنيوية أيضًا فيما يتعلق باتجاه العلاقة السببية في تفسير العلاقات الدولية. ففي الواقعية الكلاسيكية، تكون العلاقة السببية ذات اتجاه أحادي، حيث يتم تفسيرها من خلال التفاعلات المباشرة بين الدول، أما في الواقعية الجديدة (البنيوية)، فإنَّ العلاقة السببية تأخذ طابعًا ثنائي الاتجاه؛ فالاتجاه الأول يتجلى على مستوى تفاعل الوحدات الدولية، بينما يظهر الاتجاه الثاني على مستوى هيكل النظام الذي تحدث فيه هذه التفاعلات، بالإضافة إلى ذلك، يعتمد منهج التفسير في الواقعية الكلاسيكية على الاستنباط، في حين يتسم في الواقعية البنيوية بالطابع الاستنتاجي[3].

المصدر: الجدول من إعداد الباحث
وفيما يستند الواقعيون التقليديون، أمثال هانز مورجنثاو وهنري كيسنجر، إلى معطيات السياسة الداخلية في تحليلهم للصراع الدولي، ينطلق الواقعيون الجدد في تفسيرهم لهذا الصراع من بنية النظام الدولي[4]، إذ يرون أنه سواءً أكانت الدولة ديمقراطية أم استبدادية، فإنَّ ذلك لا يشكل أهميةً كبيرة بالنسبة إلى الكيفية التي تتصرف الدولة بها تجاه غيرها من وحدات النظام الدولي، ومن ثمَّ يتعامل الواقعيون الجدد مع الدول بوصفها صناديق سوداء، فهي تبدو متشابهة غير أن الاختلاف بينها يكمن في وجود دول قوية وأخرى أقل قوة[5].
ورغم هذه الفروقات، تتفق النظريتان الواقعية والواقعية الجديدة حول بعض الافتراضات، وتتلاقيان في عدد من الجوانب الأساسية والتي يمكن ايجازها في النقاط التالية:
- إنَّ مفهومي “القوة” و”المصلحة الوطنية” هما الموجهان الرئيسيان والمحددان الأساسيان للسياسة الخارجية للدولة من منظور الواقعية الكلاسيكية وكذلك الواقعية الجديدة.
- يظل الحفاظ على بقاء الدولة ووجودها وتعزيز أمنها القومي بمثابة الهدف الرئيس لأي دولة في النظام الدولي.
- تؤكد النظريتان الواقعية الكلاسيكية والواقعية الجديدة على أنَّ الدول، وبخاصة القوى العظمى، هي الجهات الفاعلة الرئيسية في العلاقات الدولية وبالتالي تمثل وحدة التحليل الأساسية، أما الفواعل الأخرى من غير الدول فهي بالأصل فواعل ثانوية وتأثيرها محدود مقارنةً بالدول.
- ترى الواقعية الكلاسيكية وتشاطرها في ذلك الواقعية الجديدة بأنَّ الدولة هي فاعل عقلاني كونها تسعى لتحقيق مصالحها الوطنية وانتقاء السلوك الذي يحقق لها أقصى درجات الربح وأقل درجات الخسارة.
- الأخلاق والمثل العليا لا وجود لها في السياسة الدولية وفي العلاقات القائمة بين الدول، وأنَّ المصلحة الوطنية هي المحرك والموجه الرئيس لسياسة الدول.
الواقعية السياسية من التراجع إلى استعادة الهيمنة:
كان واضحًا للغاية خلال تسعينيَّات القرن العشرين أنَّ العالم بات أكثر أمانًا ونزوعًا إلى السلام والاستقرار أكثر من أي وقت مضى، فلقد وضعت الحرب الباردة أوزارها أخيرًا وسقطت أقطاب الشيوعيَّة وانهارت معها النظم الشمولية المتسلطة، ولم تقتصر تداعيات هذه الأحداث، التي كانت مفاجئةً في سرعة تواترها، على الواقع الميداني للسياسة الدولية فحسب، فلقد طالت آثارها كذلك الجانب الأكاديمي/ التنظيري؛ إذ بدت الواقعية السياسية، التي لطالما احتفظت بمكانة متقدمة وتبوأت مركز الصدارة بين مختلف الاتجاهات النظرية المفسرة للسياسة الدولية طيلة الحرب الباردة، وكأنها في مأزق كبير ومعضلة حقيقية؛ بحيث أصبحت عاجزةً عن تفسير أو حتى إدراك حقيقة ما يجري حولها من تحوُّلات سياسية عميقة في بنية النظام الدولي.
في مقابل هذا التراجع الذي منيت به الواقعية وتزايد حدة الانتقادات بشأنها، ازدهرت النظرية الليبرالية ووجدت لها صدى واسعًا بين أروقة المنظرين وصناع القرار، إذ لم يكن هنالك مفر من أنْ تقوم النظم الديمقراطية الليبرالية، التي ظفرت بالنصر في نهاية الحرب الباردة، على أنقاض الأنظمة الديكتاتورية التي تهدمت، ولأن الحكومات الديمقراطية لا يحارب بعضها بعضًا كما يزعم أنصار السلام الديمقراطي، فإنَّ المجتمع العالمي يكون بذلك قد وصل إلى ما أسماه المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama “نهاية التاريخ”، بالإضافة إلى ذلك، شدَّد بعض الليبراليين على دور العولمة في ترسيخ قيم التعاون والاعتماد المتبادل بين الدول بما يقلل من حدة النزاعات بينها، فيما أكد فريق آخر من الليبراليين على أنَّ المؤسسات والمنظمات الدولية بمقدورها، في ظل هذه الظروف السياسية الجديدة، دفع القوى الكبرى لكي تتصرف وفقًا لأحكام القانون الدولي، وليس تبعًا لما تمليه عليها اعتبارات المصلحة والواقعية السياسية.
هذه النظرة المتفائلة التي صبغت رؤية الليبراليين للسياسة الدولية بعد الحرب الباردة، والتي عُدت مناقضةً للنظرة الواقعية التي يغلب عليها التشاؤم، لم تعمر طويلًا، فلقد جاءت السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين حبلى بالنزاعات ومهدت لجملة من التغيُّرات التي طالت بنية النسق الدولي وأبانت عن هشاشة السلام العالمي وعجز المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة التي ينظر لها بوصفها جوهر التنظيم الليبرالي متعدد الأطراف، عن كبح جماح الولايات المتحدة، باعتبارها قائدًا النظام الليبرالي ومؤسساته، ومنعها من سياسات تمرير مصالحها باستخدام القوة والتي افضت في النهاية إلى شن حربين مدمرتين، ضد أفغانستان (2001) ومن ثم العراق (2003). كل هذه العوامل وغيرها دفعت باتجاه إعادة إحياء الواقعية ورد الاعتبار لها.
قد تكون الليبرالية الجديدة، وليس الواقعية، أكثر قدرةً على تحليل بعض الظواهر الدولية الراهنة وتقديم تفسيرات وحجج مقبولة بشأنها، مثل الاحتباس الحراري، وحمائية التجارة، وجائحة كوفيد- 19، فهذه الظواهر وغيرها تؤكد، بين الحين والآخر، على وجود مصالح مشتركة بين الدول وتفرض عليها ضرورة تعزيز التعاون فيما بينها، من خلال تفعيل دور المؤسسات الدولية لمواجهتها والتعامل معها، فالتغير المُناخي، على سبيل المثال، لا يمثل أزمةً أو معضلةً بيئيةً تهدد دولة واحدة أو عدة دول، بل تقتضي مواجهة هذه المشكلة تضافر جهود المجتمع الدولي كافة، ولا سيَّما الدول الصناعية الكُبرى، من أجل تقليل نسبة الانبعاثات الكربونية، والأمر نفسه ينطبق على فيروس كورونا المستجد الذي خلق تحديًا عالميًّا خطيرًا على المستويين الصحي والاقتصادي، وقد اضطلعت منظمة الصحة العالمية في مواجهة هذه الأزمة بدور الحكومة المركزية من خلال تنسيق السياسات الصحية لمواجهة تفشي الفيروس واحتوائه.
من ناحية أخرى، تبدو النظرية الواقعية أكثر قدرةً على الاستجابة الفكرية وطرح تفسيرات منطقية للكثير من الأزمات والقضايا الملحة التي تفرض نفسها اليوم على الساحة الدولية، وفي المقدمة منها الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في الرابع والعشرين من فبراير 2022، والتي عزَّزت من أهمية ومكانة التقليد الواقعي على رأس النظريات المفسرة لظاهرة الصراع الدولي، فضلًا عن قضايا أخرى، كالانتشار النووي، والإرهاب الدولي، وتزايد معدلات الانفاق العسكري، وكذلك التنافس الأمني المحتد بين القوى الكبرى في عدد من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، وأخيرًا مسألة الصعود الاقتصادي والعسكري للصين الشعبية وكيفية تعاطي الولايات المتحدة واستجابتها لهذا الصعود الذي يمثل تحديًا لهيمنتها وتهديدًا بنيويًّا للنظام الدولي أحادي القطبية.
المراجع والإحالات:
[1] هشام قدري أحمد، العلاقات الدولية: موضوعات وقضايا مختارة (الإسكندرية، مكتبة الوفاء القانونية، 2024)، ص290، 292.
[2] جون ميرشايمر، مأساة سياسة القوى العظمى، ترجمة: مصطفى محمد قاسم (الرياض، جامعة الملك سعود، 2012)، ص22، 23.
[3] أنور محمد فرج، نظرية الواقعية في العلاقات الدولية: دراسة نقدية مقارنة في ضوء النظريات المعاصرة (السليمانية، مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، 2007)، ص364.
[4] المرجع السابق، ص363.
[5] جون ميرشايمر، الواقعية البنيوية، محررا في: تيم دان، وآخران “نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع“، ترجمة: ديما الخضرا (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص214.



