المقالات

قراءة في مشروع “منظومة القيم الكونية في القرآن”

نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي (واشنطن – أمريكا) والمركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية (الرباط) في بداية السنة الجارية (2026) كتابا جديدا تحت عنوان (موسوعة منظومة القيم الكونية في القرآن الكريم: أسسها المعرفية والمنهجية وتطبيقاتها “الوثيقة الناظمة”)؛ جاء الكتاب في 162 صفحة، وهو – كما يشير عنوانه – الوثيقة المرجعية لمشروع بحثي حول منظومة القيم القرآنية، اتفق عليه الطرفان ودام إنجازه أكثر من عشر سنوات كما يقول أصحابه، وقام بتنفيذه “فريق البحث في القيم والمعرفة” الذي تكون ضمن المركز المغاربي، وضمّ “عدداً من الخبراء من مختلف التخصصات، يجمعهم الاشتغال بموضوع القيم بمنظور تكاملي في العلوم الشرعية والقانونية والإنسانية وغيرها”. وقد انتظم المشروع في 30 مجلدا، ومثل الكتاب الذي بين أيدينا جزءه الافتتاحي المنهجي.

تتوزع الوثيقة إلى فصول أربعة تناولت: السياق الفكري والمنهجي للمشروع / الأسس المعرفية للموسوعة / الأسس المنهجية للموسوعة / كيف يمكن استثمار هذه الموسوعة؟ إلى جانب مقدمة وخاتمة وملاحق.

ينطلق الكتاب من ملاحظة أن “موضوع القيم والبحث فيه … يتجاوز البُعد الأخلاقي والسلوكي الصرف، لينفذ إلى البُعد الفكري والفلسفي والمفاهيمي”؛ لذلك فإن له آثارًا كبيرة “في تشكيل التمثلات والتصورات، وفي بناء الخرائط المفاهيمية التي تعيد تشكيل العقل، لتصبح هذه التمثلات والتصورات مفاهيم حاكمة موجّهة للسلوكات والمواقف والتصرفات”. ذلك هو ما دفع الباحثين إلى استخراج القيم الحاكمة، واستجلاء خرائطها المفاهيمية من القرآن الكريم.

تطرح هذه الوثيقة المرجعية على نفسها الإجابة على الأسئلة الأساسية التي يمكن أن تُطرَحَ على المشروع:

  • الأساس النظري المعتمد في تحديد المفاهيم، بنيتها ومكوناتها
  • معايير استخراج منظومة القيم الكونية من القرآن الكريم بوصفها مفاهيم مركزية مؤثرة فيما سواها من المفاهيم
  • المنهجية المعتمدة في استخراج الخريطة المفاهيمية لكلّ قيمة من القيم الواردة في القرآن الكريم، للوصول إلى خرائطَ مفاهيميةٍ مرجعية تُعتمد في التشخيص والاستشراف
  • كيفية استثمارها في تطبيقات إسلامية معاصرة، تمكّن من تجديد النظر في نصوص الوحي وفي علومه ومعارفه، وتنزيل ذلك تطبيقياً في مختلف مجالات العمران

تنطلق الدراسة من تشخيص واقع المسلمين اليوم، وتلاحظ أن أهمَّ الأمراض التي تعتري المفاهيمَ هي الميوعةُ والغموض، لذلك تصف منظومة القيم بأنها “مجموعة من القيم المنبثقة من حيث أصولها من مصدر واحد، هو القرآن الكريم، المتصلة فيما بينها في خرائطها المعرفية المكونة من البنية المفاهيمي وطرق ووسائل تحقيقها ومؤشراتها ومجالاتها التطبيقية” (ص 28).

خلُصتْ هذه الوثيقة المنهجية – المعرفية المتصدّرة للمشروع إلى إقرار مرجعية القيم وثباتها، وحصر عددها في القرآن في 26 قيمة، خَصَّصتْ لكلٍ منها جزءا من الموسوعة. وهو مشروع جليل في بابه، حقيق بأن يفخَرَ به أصحابه – لا شك – وأن تستفيد منه مكتبة المعارف الأخلاقية الإسلامية. ولكن ذلك لا يُقعِدُنا عن إبداء بعض الملاحظات النقدية لهذا المدخل النظري، ترشيدا لعدد من الآراء فيه، ومُراكَمَةً للمعارف حول هذه الموضوعة.

أول تلك الاعتراضات يختص بتعريف القيم، الذي اختار أصحاب التأليف – بعد عرض عدد منها وبيان مواطن الاختلاف بينها – الاعتماد على ذاك الذي أورده مهدي عبد الحليم في مقالته ” تعليم القيم فريضة غائبة في نظم التعليم”.[1] وقد سبق أن أورد خالد الصمدي (وهو المشرف على مشروع الموسوعة التي بين أيدينا) هذا الاستشهاد في كتاب له سابق وبنى عليه آراءه واستنتاجاته، وقال فيه إنه “يحقق الغرض”.[2]

يقول عبد الحليم في دراسته المذكورة إن القيم هي “معايير عقلية ووجدانية، تستند إلى مرجعية حضارية، تمكّن صاحبها من الاختيار بإرادة حرة واعية وبصورة متكررة نشاطًا إنسانيا – يتّسق فيه الفكر والقول والفعل – يرجحه على ما عداه من أنشطة بديلة متاحة فيستغرق فيه، ويسعد به، ويحتمل فيه ومن أجله أكثر مما يحتمل في غيره دون انتظار لمنفعة ذاتية”؛ العقدة الرئيسية في هذا التعريف جزؤه الأول، وفيه قسمان، يجعل مصدر القيم – في أولهما – الإنسان نفسه، ويُسندُها في الثاني إلى خلفية حضارية مخصوصة، تستند إلى مرجعية حضارية، “مستمدة من مصادر نصية أو اجتهادية … لكل أمة وقُطر”(57).

ولعل اعتماد الصمدي (والفريق الذي أنجز المشروع) اعتمادا كليًا على هذا التعريف قد أوْقَعَنا في الضبابية التي حذرت منها الوثيقة المرجعية منذ البداية (أطلقت عليها لفظتا الميوعة والغموض)، بل وفي تناقضات “غريبة”. فالنص يذهب إلى أن “صفات الدوام والثبات والإطلاق وعدم التغيير (هي صفات) تكتسبها القيم التي زرعها الله في الإنسان حين نفخ فيه من روحه” (ص 51)، وهو في نفس الوقت يقرر لنا إن “مفهومها يختلف من مرجعية إلى أخرى (…) ولا يمكن إنكار خصوصية مفاهيم هذه القيم بحسب مرجعيتها” (ص 31 من الوثيقة) ( !!). تقرر الوثيقة في مواطن عدة إن القيم ثابثة وشاملة وفطرية، وتُركز في المقابل على أن مفهومها خاص ونسبي ومتبدل بحسب الجماعات والأزمان، ولذلك تتعرض كثيرا إلى مسألة “اكتساب” تلك القيم عبر التعلّم (؟) (ص 63 – 65 – 66 – 35 على سبيل المثال). وأعتقد إن الدافع الرئيس الكامن وراء هذا المشروع دافع عملي تربوي تعليمي أكثر منه دافعا نظريا فلسفيا، وأن هذا البعد الثاني وقع تجييره للغاية الأولى: البراكسيس: “للاستفادة منها … واستثمارها في تطبيقات معاصرة” (ص 26).

صحيح إن الجهد الجبار الذي بُذل في رسم خرائط تلك القيم، واستخراجها من القرآن من خلال تطبيق المعايير النظرية التي وقع التوصل إليها، واقتراح شبكة علاقاتها مع الأخلاق جهد محمود ومقدّر، ولكنه يحتاج إلى أن يتناوله أهل الاختصاص لمناقشته والبناء عليه لوضع معالم علم القيم القرآني على أسس معرفية صارمة ودقيقة.

[1] ) أحمد مهدي عبد الحليم؛ تعليم القيم فريضة غائبة في نظم التعليم. مجلة المسلم المعاصر، ع 65/66، س 1992/1993

[2] ) الصمدي، خالد؛ القيم الإسلامية في المنظومة التربوية: دراسة للقيم الإسلامية وآليات تعزيزها. المغرب: الإيسيسكو، 2008. ص 18

عبد الحق الزموري

باحث جامعي ومترجم من تونس. مدير مركز أبعاد للدراسات المستقبلية. له العديد من الكتب والدراسات المنشورة، آخرها مساهمة في كتاب جماعي حول "الحالة الدينية في تونس 2010 - 2015" ، وكتاب " التصوف طريق الإسلام الجوانية" (ترجمة) و"الموت الرحيم للإلحاد المعاصر" (ترجمة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى